النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ( 207 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَبِيعُ نَفْسَهُ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ وَابْتَاعَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ بِقَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ التَّوْبَةِ : 111 ] .
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى " شَرَى " بَاعَ ، فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ " فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ هَذَا الشَّارِيَ يَشْرِي إِذَا اشْتَرَى طَلَبَ مَرْضَاةِ اللَّهِ .
وَنُصِبَ " ابْتِغَاءَ " بِقَوْلِهِ : " يَشْرِي " ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي [ نَفْسَهُ ] مِنْ أَجْلِ ابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ ، ثُمَّ تُرِكَ " مِنْ أَجْلِ " وَعَمَلَ فِيهِ الْفِعْلُ .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ نَصَبَ ذَلِكَ عَلَى الْفِعْلِ ، عَلَى " يَشْرِي " ، كَأَنَّهُ قَالَ : لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ ، فَلَمَّا نَزَعَ " اللَّامَ " عَمِلَ الْفِعْلُ ، قَالَ : وَمِثْلُهُ : حَذَرَ الْمَوْتِ [ الْبَقَرَةِ : 19 ] وَقَالَ الشَّاعِرُ وَهُوَ حَاتِمٌ : [4/247]
وَأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ ادِّخَارَهُ وَأُعْرِضُ عَنْ قَوْلِ الَّلئِيمِ تَكَرُّمَا
وَقَالَ : لَمَّا أَذْهَبَ " اللَّامَ " أَعْمَلَ فِيهِ الْفِعْلَ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَيُّمَا مَصْدَرٍ وُضِعَ مَوْضِعَ الشَّرْطِ ، وَمَوْضِعَ " أَنْ " فَتَحْسُنُ فِيهَا " الْبَاءُ " وَ " اللَّامُ " ، فَتَقُولُ : " أَتَيْتُكَ مِنْ خَوْفِ الشَّرِّ - وَلِخَوْفِ الشَّرِّ - وَبِأَنْ خِفْتُ الشَّرَّ " ، فَالصِّفَةُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ ، فَحُذِفَتْ وَأُقِيمَ الْمَصْدَرُ مَقَامَهَا . قَالَ : وَلَوْ كَانَتِ الصِّفَةُ حَرْفًا وَاحِدًا بِعَيْنِهِ ، لَمْ يَجُزْ حَذْفُهَا ، كَمَا غَيْرُ جَائِزٍ لِمَنْ قَالَ : " فَعَلْتُ هَذَا لَكَ وَلِفُلَانٍ " أَنْ يُسْقِطَ " اللَّامَ " .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَي مَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِ وَمَنْ عُنِيَ بِهَا . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَزَلَتْ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَعُنِيَ بِهَا الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
4000 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ " ، قَالَ : الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَزَلَتْ فِي رِجَالٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ بِأَعْيَانِهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [4/248]
4001 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ " ، قَالَ : نَزَلَتْ فِي صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ جُنْدَبَ بْنِ السَّكَنِ أَخَذَ أَهْلُ أَبِي ذَرٍّ أَبَا ذَرٍّ ، فَانْفَلَتَ مِنْهُمْ ، فَقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا رَجَعَ مُهَاجِرًا عَرَضُوا لَهُ ، وَكَانُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ، (مكان)فَانْفَلَتَ أَيْضًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ . وَأَمَّا صُهَيْبٌ فَأَخَذَهُ أَهْلُهُ ، فَافْتَدَى مِنْهُمْ بِمَالِهِ ، ثُمَّ خَرَجَ مُهَاجِرًا فَأَدْرَكَهُ قُنْقُذُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ جُدْعَانَ ، فَخَرَجَ لَهُ مِمَّا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ .
4002 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبَى جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلُهُ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ " الْآيَةَ ، قَالَ : كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ (مكان)أَسْلَمَ ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، (مكان)فَمَنَعُوهُ وَحَبَسُوهُ ، فَقَالَ لَهُمْ : أُعْطِيكُمْ دَارِي وَمَالِي وَمَا كَانَ لِي مِنْ شَيْءٍ! فَخَلُّوا عَنِّي ، فَأَلْحَقُ بِهَذَا الرَّجُلِ ! فَأَبَوْا . ثُمَّ إِنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ لَهُمْ : خُذُوا مِنْهُ مَا كَانَ لَهُ مِنْ شَيْءٍ وَخَلُّوا عَنْهُ ! فَفَعَلُوا ، فَأَعْطَاهُمْ دَارَهُ وَمَالَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ; فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ (مكان): " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ " ، الْآيَةَ . فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ (مكان)تَلَقَّاهُ عُمَرُ فِي رِجَالٍ ، فَقَالَ لَهُ عُمْرُ : رَبِحَ الْبَيْعُ! قَالَ : وَبَيْعُكَ فَلَا يَخْسَرُ! قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : أُنْزِلَ فِيكَ كَذَا وَكَذَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ كُلُّ شَارٍ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ ، أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [4/249]
4003 - مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَمَلَ هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ عَلَى الصَّفِّ حَتَّى خَرَقَهُ ، فَقَالُوا : أَلْقَى بِيَدِهِ !! فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ " .
4004 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ، قَالَ : بَعَثَ عُمْرُ جَيْشًا فَحَاصَرُوا أَهْلَ حِصْنٍ ، وَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ بُجَيْلَةَ ، فَقَاتَلَ ، فَقُتِلَ ، فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ يَقُولُونَ : أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ! قَالَ : فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : كَذَبُوا ، أَلَيْسَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ " ؟
4005 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : حَمَلَ هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ عَلَى الصَّفِّ حَتَّى شَقَّهُ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ " .
4006 - حَدَّثَنَا سِوَارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُزَمُ بْنُ أَبِي حُزَمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ قَرَأَ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ " ، أَتَدْرُونَ فِيمَ أُنْزِلَتْ ؟ نَزَلَتْ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ لَقِيَ الْكَافِرَ فَقَالَ لَهُ : " قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، فَإِذَا قُلْتَهَا عَصَمْتَ دَمَكَ [4/250]وَمَالَكَ إِلَّا بِحَقِّهِمَا! فَأَبَى أَنْ يَقُولَهَا ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ : وَاللَّهِ لَأَشْرِيَنَّ نَفْسِي لِلَّهِ! فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ .
4007 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ ، قَالَ : سَمِعَ عُمْرُ إِنْسَانًا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ " ، قَالَ : اسْتَرْجَعَ عُمَرُ فَقَالَ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! قَامَ رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَقُتِلَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ التَّأْوِيلِ ، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، مِنْ أَنْ يَكُونَ عُنِيَ بِهَا الْآمِرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَصَفَ صِفَةَ فَرِيقَيْنِ : أَحَدُهُمَا مُنَافِقٌ يَقُولُ بِلِسَانِهِ خِلَافَ مَا فِي نَفْسِهِ ، وَإِذَا اقْتَدَرَ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ رَكِبَهَا ، وَإِذَا لَمْ يَقْتَدِرْ رَامَهَا ، وَإِذَا نُهِيَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ بِمَا هُوَ بِهِ آثِمٌ ، وَالْآخَرُ مِنْهُمَا بَائِعٌ نَفْسَهُ ، طَالِبٌ مِنَ اللَّهِ رِضَا اللَّهِ . فَكَانَ الظَّاهِرُ مِنَ التَّأْوِيلِ أَنَّ الْفَرِيقَ الْمَوْصُوفَ بِأَنَّهُ شَرَى نَفْسَهُ لِلَّهِ وَطَلَبَ رِضَاهُ ، إِنَّمَا شَرَاهَا لِلْوُثُوبِ بِالْفَرِيقِ الْفَاجِرِ طَلَبَ رِضَا اللَّهِ . فَهَذَا هُوَ الْأَغْلَبُ الْأَظْهَرُ مِنْ تَأْوِيلِ الْآيَةِ .
وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ نُزُولِ الْآيَةِ فِي أَمْرِ صُهَيْبٍ ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ ، إِذْ كَانَ غَيْرَ مَدْفُوعٍ جَوَازُ نُزُولِ آيَةٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ ، وَالْمَعْنِيُّ بِهَا كُلُّ مَنْ شَمِلَهُ ظَاهِرُهَا . [4/251]
فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَصَفَ شَارِيًا نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ ، فَكُلُّ مَنْ بَاعَ نَفْسَهُ فِي طَاعَتِهِ حَتَّى قُتِلَ فِيهَا ، أَوِ اسْتَقْتَلَ وَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ ، فَمَعْنِيٌّ بِقَوْلِهِ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ - فِي جِهَادِ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ ، أَوْ فِي أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ( 207 )
قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى " الرَّأْفَةِ " ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَأَنَّهَا رِقَّةُ الرَّحْمَةِ
فَمَعْنَى ذَلِكَ : وَاللَّهُ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ بِعَبْدِهِ الَّذِي يَشْرِي نَفْسَهُ لَهُ فِي جِهَادِ مَنْ حَادَّهُ فِي أَمْرِهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْفُسُوقِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي عَاجَلِهِمْ وَآجِلِ مَعَادِهِمْ ، فَيُنْجِزُ لَهُمُ الثَّوَابَ عَلَى مَا أَبْلَوْا فِي طَاعَتِهِ فِي الدُّنْيَا ، وَيُسْكِنُهُمْ جَنَّاتِهِ عَلَى مَا عَمِلُوا فِيهَا مِنْ مَرْضَاتِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَبِيعُ نَفْسَهُ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ وَابْتَاعَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ بِقَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ التَّوْبَةِ : 111 ] .
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى " شَرَى " بَاعَ ، فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ " فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ هَذَا الشَّارِيَ يَشْرِي إِذَا اشْتَرَى طَلَبَ مَرْضَاةِ اللَّهِ .
وَنُصِبَ " ابْتِغَاءَ " بِقَوْلِهِ : " يَشْرِي " ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي [ نَفْسَهُ ] مِنْ أَجْلِ ابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ ، ثُمَّ تُرِكَ " مِنْ أَجْلِ " وَعَمَلَ فِيهِ الْفِعْلُ .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ نَصَبَ ذَلِكَ عَلَى الْفِعْلِ ، عَلَى " يَشْرِي " ، كَأَنَّهُ قَالَ : لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ ، فَلَمَّا نَزَعَ " اللَّامَ " عَمِلَ الْفِعْلُ ، قَالَ : وَمِثْلُهُ : حَذَرَ الْمَوْتِ [ الْبَقَرَةِ : 19 ] وَقَالَ الشَّاعِرُ وَهُوَ حَاتِمٌ : [4/247]
وَأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ ادِّخَارَهُ وَأُعْرِضُ عَنْ قَوْلِ الَّلئِيمِ تَكَرُّمَا
وَقَالَ : لَمَّا أَذْهَبَ " اللَّامَ " أَعْمَلَ فِيهِ الْفِعْلَ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَيُّمَا مَصْدَرٍ وُضِعَ مَوْضِعَ الشَّرْطِ ، وَمَوْضِعَ " أَنْ " فَتَحْسُنُ فِيهَا " الْبَاءُ " وَ " اللَّامُ " ، فَتَقُولُ : " أَتَيْتُكَ مِنْ خَوْفِ الشَّرِّ - وَلِخَوْفِ الشَّرِّ - وَبِأَنْ خِفْتُ الشَّرَّ " ، فَالصِّفَةُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ ، فَحُذِفَتْ وَأُقِيمَ الْمَصْدَرُ مَقَامَهَا . قَالَ : وَلَوْ كَانَتِ الصِّفَةُ حَرْفًا وَاحِدًا بِعَيْنِهِ ، لَمْ يَجُزْ حَذْفُهَا ، كَمَا غَيْرُ جَائِزٍ لِمَنْ قَالَ : " فَعَلْتُ هَذَا لَكَ وَلِفُلَانٍ " أَنْ يُسْقِطَ " اللَّامَ " .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَي مَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِ وَمَنْ عُنِيَ بِهَا . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَزَلَتْ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَعُنِيَ بِهَا الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
4000 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ " ، قَالَ : الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَزَلَتْ فِي رِجَالٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ بِأَعْيَانِهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [4/248]
4001 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ " ، قَالَ : نَزَلَتْ فِي صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ جُنْدَبَ بْنِ السَّكَنِ أَخَذَ أَهْلُ أَبِي ذَرٍّ أَبَا ذَرٍّ ، فَانْفَلَتَ مِنْهُمْ ، فَقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا رَجَعَ مُهَاجِرًا عَرَضُوا لَهُ ، وَكَانُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ، (مكان)فَانْفَلَتَ أَيْضًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ . وَأَمَّا صُهَيْبٌ فَأَخَذَهُ أَهْلُهُ ، فَافْتَدَى مِنْهُمْ بِمَالِهِ ، ثُمَّ خَرَجَ مُهَاجِرًا فَأَدْرَكَهُ قُنْقُذُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ جُدْعَانَ ، فَخَرَجَ لَهُ مِمَّا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ .
4002 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبَى جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلُهُ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ " الْآيَةَ ، قَالَ : كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ (مكان)أَسْلَمَ ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، (مكان)فَمَنَعُوهُ وَحَبَسُوهُ ، فَقَالَ لَهُمْ : أُعْطِيكُمْ دَارِي وَمَالِي وَمَا كَانَ لِي مِنْ شَيْءٍ! فَخَلُّوا عَنِّي ، فَأَلْحَقُ بِهَذَا الرَّجُلِ ! فَأَبَوْا . ثُمَّ إِنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ لَهُمْ : خُذُوا مِنْهُ مَا كَانَ لَهُ مِنْ شَيْءٍ وَخَلُّوا عَنْهُ ! فَفَعَلُوا ، فَأَعْطَاهُمْ دَارَهُ وَمَالَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ; فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ (مكان): " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ " ، الْآيَةَ . فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ (مكان)تَلَقَّاهُ عُمَرُ فِي رِجَالٍ ، فَقَالَ لَهُ عُمْرُ : رَبِحَ الْبَيْعُ! قَالَ : وَبَيْعُكَ فَلَا يَخْسَرُ! قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : أُنْزِلَ فِيكَ كَذَا وَكَذَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ كُلُّ شَارٍ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ ، أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [4/249]
4003 - مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَمَلَ هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ عَلَى الصَّفِّ حَتَّى خَرَقَهُ ، فَقَالُوا : أَلْقَى بِيَدِهِ !! فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ " .
4004 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ، قَالَ : بَعَثَ عُمْرُ جَيْشًا فَحَاصَرُوا أَهْلَ حِصْنٍ ، وَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ بُجَيْلَةَ ، فَقَاتَلَ ، فَقُتِلَ ، فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ يَقُولُونَ : أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ! قَالَ : فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : كَذَبُوا ، أَلَيْسَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ " ؟
4005 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : حَمَلَ هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ عَلَى الصَّفِّ حَتَّى شَقَّهُ ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ " .
4006 - حَدَّثَنَا سِوَارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُزَمُ بْنُ أَبِي حُزَمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ قَرَأَ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ " ، أَتَدْرُونَ فِيمَ أُنْزِلَتْ ؟ نَزَلَتْ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ لَقِيَ الْكَافِرَ فَقَالَ لَهُ : " قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، فَإِذَا قُلْتَهَا عَصَمْتَ دَمَكَ [4/250]وَمَالَكَ إِلَّا بِحَقِّهِمَا! فَأَبَى أَنْ يَقُولَهَا ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ : وَاللَّهِ لَأَشْرِيَنَّ نَفْسِي لِلَّهِ! فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ .
4007 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ ، قَالَ : سَمِعَ عُمْرُ إِنْسَانًا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ " ، قَالَ : اسْتَرْجَعَ عُمَرُ فَقَالَ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! قَامَ رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَقُتِلَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ التَّأْوِيلِ ، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، مِنْ أَنْ يَكُونَ عُنِيَ بِهَا الْآمِرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَصَفَ صِفَةَ فَرِيقَيْنِ : أَحَدُهُمَا مُنَافِقٌ يَقُولُ بِلِسَانِهِ خِلَافَ مَا فِي نَفْسِهِ ، وَإِذَا اقْتَدَرَ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ رَكِبَهَا ، وَإِذَا لَمْ يَقْتَدِرْ رَامَهَا ، وَإِذَا نُهِيَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ بِمَا هُوَ بِهِ آثِمٌ ، وَالْآخَرُ مِنْهُمَا بَائِعٌ نَفْسَهُ ، طَالِبٌ مِنَ اللَّهِ رِضَا اللَّهِ . فَكَانَ الظَّاهِرُ مِنَ التَّأْوِيلِ أَنَّ الْفَرِيقَ الْمَوْصُوفَ بِأَنَّهُ شَرَى نَفْسَهُ لِلَّهِ وَطَلَبَ رِضَاهُ ، إِنَّمَا شَرَاهَا لِلْوُثُوبِ بِالْفَرِيقِ الْفَاجِرِ طَلَبَ رِضَا اللَّهِ . فَهَذَا هُوَ الْأَغْلَبُ الْأَظْهَرُ مِنْ تَأْوِيلِ الْآيَةِ .
وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ نُزُولِ الْآيَةِ فِي أَمْرِ صُهَيْبٍ ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ ، إِذْ كَانَ غَيْرَ مَدْفُوعٍ جَوَازُ نُزُولِ آيَةٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ ، وَالْمَعْنِيُّ بِهَا كُلُّ مَنْ شَمِلَهُ ظَاهِرُهَا . [4/251]
فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَصَفَ شَارِيًا نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ ، فَكُلُّ مَنْ بَاعَ نَفْسَهُ فِي طَاعَتِهِ حَتَّى قُتِلَ فِيهَا ، أَوِ اسْتَقْتَلَ وَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ ، فَمَعْنِيٌّ بِقَوْلِهِ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ - فِي جِهَادِ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ ، أَوْ فِي أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ( 207 )
قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى " الرَّأْفَةِ " ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَأَنَّهَا رِقَّةُ الرَّحْمَةِ
فَمَعْنَى ذَلِكَ : وَاللَّهُ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ بِعَبْدِهِ الَّذِي يَشْرِي نَفْسَهُ لَهُ فِي جِهَادِ مَنْ حَادَّهُ فِي أَمْرِهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْفُسُوقِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي عَاجَلِهِمْ وَآجِلِ مَعَادِهِمْ ، فَيُنْجِزُ لَهُمُ الثَّوَابَ عَلَى مَا أَبْلَوْا فِي طَاعَتِهِ فِي الدُّنْيَا ، وَيُسْكِنُهُمْ جَنَّاتِهِ عَلَى مَا عَمِلُوا فِيهَا مِنْ مَرْضَاتِهِ .