النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ( 205 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَإِذَا تَوَلَّى " ، وَإِذَا أَدْبَرَ هَذَا الْمُنَافِقُ مِنْ عِنْدِكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)مُنْصَرِفًا عَنْكَ . كَمَا : -
3980 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَإِذَا تَوَلَّى " ، قَالَ : يَعْنِي : وَإِذَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ " سَعَى " .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَإِذَا غَضِبَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
3981 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : [4/238]قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ : " وَإِذَا تَوَلَّى " ، قَالَ : إِذَا غَضِبَ .
فَمَعْنَى الْآيَةِ : وَإِذَا خَرَجَ هَذَا الْمُنَافِقُ مِنْ عِنْدِكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)غَضْبَانَ ، عَمِلَ فِي الْأَرْضِ بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَحَاوَلَ فِيهَا مَعْصِيَةَ اللَّهِ ، وَقَطْعَ الطَّرِيقِ وَإِفْسَادَ السَّبِيلِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا مَنْ فِعْلِ الْأَخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ الثَّقَفِيِّ ، الَّذِي ذَكَرَ السُّدِّيُّ أَنَّ فِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، مِنْ إِحْرَاقِهِ زَرْعَ الْمُسْلِمِينَ وَقَتْلِهِ حُمُرَهُمْ .
وَ " السَّعْيُ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْعَمَلُ ، يُقَالُ مِنْهُ : " فُلَانٌ يَسْعَى عَلَى أَهْلِهِ " ، يَعْنِي بِهِ : يَعْمَلُ فِيمَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ نَفْعُهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى :
وَسَعَى لِكِنْدَةَ سَعْيَ غَيْرِ مُوَاكِلٍ قَيْسٌ فَضَرَّ عَدُوَّهَا وَبَنَى لَهَا
يَعْنِي بِذَلِكَ : عَمِلَ لَهُمْ فِي الْمَكَارِمِ .
وَكَالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ .
3982 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ " وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى " ، قَالَ : عَمِلَ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى " الْإِفْسَادِ " الَّذِي أَضَافَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى هَذَا الْمُنَافِقِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُهُ مَا قُلْنَا فِيهِ مِنْ قَطْعِهِ الطَّرِيقَ وَإِخَافَتِهِ السَّبِيلَ ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ فِعْلِ الْأَخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ . [4/239]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ قَطْعُ الرَّحِمِ وَسَفْكِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
3983 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ : " سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا " ، قَطْعُ الرَّحِمَ ، وَسَفْكُ الدِّمَاءِ ، دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِذَا قِيلَ : لِمَ تَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ أَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَصَفَ هَذَا الْمُنَافِقَ بِأَنَّهُ إِذَا تَوَلَّى مُدْبِرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمِلَ فِي أَرْضِ اللَّهِ بِالْفَسَادِ . وَقَدْ يَدْخُلُ فِي " الْإِفْسَادِ " جَمِيعُ الْمَعَاصِي ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمَعَاصِي إِفْسَادٌ فِي الْأَرْضِ ، فَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ وَصْفَهُ بِبَعْضِ مَعَانِي " الْإِفْسَادِ " دُونَ بَعْضٍ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْإِفْسَادُ مِنْهُ كَانَ بِمَعْنَى قَطْعِ الطَّرِيقِ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ ذَلِكَ . وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ فَقَدْ كَانَ إِفْسَادًا فِي الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَعْصِيَةٌ . غَيْرَ أَنَّ الْأَشْبَهَ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ أَنْ يَكُونَ كَانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ وَيُخِيفُ السَّبِيلَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَصَفَهُ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ بِأَنَّهُ " سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ، وَذَلِكَ بِفِعْلٍ مُخِيفِ السَّبِيلِ ، أَشْبَهُ مِنْهُ بِفِعْلِ قَطَّاعِ الرَّحِمِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي وَجْهِ " إِهْلَاكِ " هَذَا الْمُنَافِقِ ، الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِمَا وَصَفَهُ بِهِ مِنْ صِفَةِ " إِهْلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ " . [4/240]
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إِحْرَاقًا لِزَرْعِ قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَعَقْرًا لِحُمُرِهِمْ .
3984 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : -
3985 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَثَّامُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " الْآيَةَ . قَالَ : إِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ بِالْعُدْوَانِ وَالظُّلْمِ ، فَيَحْبِسُ اللَّهُ بِذَلِكَ الْقَطْرَ ، فَيَهْلَكُ الْحَرْثُ وَالنَّسْلُ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ . قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ مُجَاهِدٌ : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ الرُّومِ : 41 ] قَالَ : ثُمَّ قَالَ : أَمَا وَاللَّهِ مَا هُوَ بَحْرُكُمْ هَذَا ، وَلَكِنْ كُلُّ قَرْيَةٍ عَلَى مَاءٍ جَارٍ فَهُوَ " بَحْرٌ " .
وَالَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا مِنَ التَّأْوِيلِ تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ ، فَإِنَّ الَّذِي هُوَ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ مِنَ التَّأْوِيلِ مَا ذَكَرْنَا عَنِ السُّدِّيِّ ، فَلِذَلِكَ اخْتَرْنَاهُ
وَأَمَّا " الْحَرْثُ " فَإِنَّهُ الزَّرْعُ ، وَالنَّسْلُ : الْعَقِبُ وَالْوَلَدُ .
" وَإِهْلَاكُهُ الزَّرْعَ " إِحْرَاقُهُ . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَانَ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ بِاحْتِبَاسِ الْقَطْرِ مِنْ أَجْلِ مَعْصِيَتِهِ رَبَّهُ وَسَعْيِهِ بِالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ بِقَتْلِهِ الْقُوَّامَ بِهِ وَالْمُتَعَاهِدِينَ لَهُ حَتَّى فَسَدَ فَهَلَكَ . وَكَذَلِكَ جَائِزٌ فِي مَعْنَى : " إِهْلَاكِهِ النَّسْلَ " : أَنْ يَكُونَ كَانَ بِقَتْلِهِ أُمَّهَاتِهِ أَوْ آبَاءَهُ الَّتِي مِنْهَا يَكُونُ النَّسْلُ ، فَيَكُونُ فِي [4/241]قَتْلِهِ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ انْقِطَاعُ نَسْلِهِمَا . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ ، فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِهَا مَا قَالَهُ السُّدِّيُّ غَيْرَ أَنَّ السُّدِّيَّ ذَكَرَ أَنَّ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي قَتْلِهِ حُمُرَ الْقَوْمِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِحْرَاقِهِ زَرْعًا لَهُمْ . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ ، فَغَيْرُ فَاسِدٍ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِ ، وَالْمُرَادُ بِهَا كُلٌّ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ فِي قَتْلِ كُلِّ مَا قَتَلَ مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ بِحَالٍ ، وَالَّذِي يَحِلُّ قَتْلُهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ - إِذَا قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ ، بَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ عِنْدِي ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَخْصُصْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ بَلْ عَمَّهُ .
وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي عُمُومِ ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
3986 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ التَّمِيمِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ : " وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ، قَالَ : نَسْلَ كُلِّ دَابَّةٍ .
3987 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ التَّمِيمِيِّ ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ : قَالَ : قُلْتُ أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ : " الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ؟ قَالَ : الْحَرْثُ حَرْثُكُمْ ، وَالنَّسْلُ : نَسَلُ كُلِّ دَابَّةٍ .
3988 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ التَّمِيمِيِّ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ " الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ، فَقَالَ : الْحَرْثُ : مِمَّا تَحْرُثُونَ ، وَالنَّسْلُ : نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ .
3989 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ تَمِيمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِثْلَهُ . [4/242]
3990 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ، فَنَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ ، وَالنَّاسِ أَيْضًا .
3991 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ " ، قَالَ : نَبَاتُ الْأَرْضِ ، " وَالنَّسْلَ " مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ تَمْشِي مِنَ الْحَيَوَانِ مِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ .
3992 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ " ، قَالَ : نَبَاتُ الْأَرْضِ ، " وَالنَّسْلِ " : نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ .
3993 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، قَالَ : الْحَرْثُ النَّبَاتُ ، وَالنَّسْلُ : نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ .
3994 - حَدَّثَنِي عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ " ، قَالَ : " الْحَرْثُ " الَّذِي يَحْرُثُهُ النَّاسُ : نَبَاتُ الْأَرْضِ ، " وَالنَّسْلُ " نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ .
3995 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : " وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ، قَالَ : الْحَرْثُ : الزَّرْعُ ، وَالنَّسْلُ مِنَ النَّاسِ وَالْأَنْعَامِ ، قَالَ : يَقْتُلُ نَسْلَ النَّاسِ وَالْأَنْعَامِ قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يَبْتَغِي فِي الْأَرْضِ هَلَاكَ الْحَرْثِ - نَبَاتِ الْأَرْضِ - وَالنَّسْلِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ .
3996 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ، قَالَ : الْحَرْثُ : الْأَصْلُ ، وَالنَّسْلُ : كُلُّ دَابَّةٍ وَالنَّاسُ مِنْهُمْ . [4/243]
3997 - حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرَقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ : سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ " فَسَادِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ " وَمَا هُمَا : أَيُّ حَرْثٍ ، وَأَيُّ نَسْلٍ ؟ قَالَ سَعِيدٌ : قَالَ مَكْحُولٌ : الْحَرْثُ : مَا تَحْرُثُونَ ، وَأَمَّا النَّسْلُ : فَنَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُ الْقَرَأَةِ : " وَيَهْلَكُ الْحَرْثُ وَالنَّسْلُ " بِرَفْعِ " يَهْلَكُ " ، عَلَى مَعْنَى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ، وَيُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ، وَاللَّهِ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ فَيَرُدُّ " وَيُهْلِكُ " عَلَى " وَيُشْهِدُ اللَّهَ " عَطْفًا بِهِ عَلَيْهِ .
وَذَلِكَ قِرَاءَةٌ عِنْدِي غَيْرُ جَائِزَةٍ ، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَخْرَجٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، لِمُخَالَفَتِهَا لِمَا عَلَيْهِ الْحُجَّةُ مُجْمِعَةٌ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ ، قِرَاءَةُ " وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ، وَأَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُصْحَفِهِ - فِيمَا ذُكِرَ لَنَا : " لِيُفْسِدَ فِيهَا وَلِيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ، وَذَلِكَ مِنْ أَدَلِّ الدَّلِيلِ عَلَى تَصْحِيحِ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ " وَيُهْلِكَ " بِالنَّصْبِ ، عَطْفًا بِهِ عَلَى : " لِيُفْسِدَ فِيهَا " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ( 205 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمَعَاصِيَ ، وَقَطْعَ السَّبِيلِ ، وَإِخَافَةَ الطَّرِيقِ .
و " الْفَسَادُ " مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " فَسَدَ الشَّيْءُ يَفْسُدُ " ، نَظِيرَ قَوْلِهِمْ : [4/244]" ذَهَبَ يَذْهَبُ ذَهَابًا " . وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْعَلُ مَصْدَرَ " فَسَدَ " " فُسُودًا " ، وَمَصْدَرُ " ذَهَبَ يَذْهَبُ ذُهُوبًا " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَإِذَا تَوَلَّى " ، وَإِذَا أَدْبَرَ هَذَا الْمُنَافِقُ مِنْ عِنْدِكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)مُنْصَرِفًا عَنْكَ . كَمَا : -
3980 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَإِذَا تَوَلَّى " ، قَالَ : يَعْنِي : وَإِذَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ " سَعَى " .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَإِذَا غَضِبَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
3981 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : [4/238]قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ : " وَإِذَا تَوَلَّى " ، قَالَ : إِذَا غَضِبَ .
فَمَعْنَى الْآيَةِ : وَإِذَا خَرَجَ هَذَا الْمُنَافِقُ مِنْ عِنْدِكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)غَضْبَانَ ، عَمِلَ فِي الْأَرْضِ بِمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَحَاوَلَ فِيهَا مَعْصِيَةَ اللَّهِ ، وَقَطْعَ الطَّرِيقِ وَإِفْسَادَ السَّبِيلِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا مَنْ فِعْلِ الْأَخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ الثَّقَفِيِّ ، الَّذِي ذَكَرَ السُّدِّيُّ أَنَّ فِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، مِنْ إِحْرَاقِهِ زَرْعَ الْمُسْلِمِينَ وَقَتْلِهِ حُمُرَهُمْ .
وَ " السَّعْيُ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْعَمَلُ ، يُقَالُ مِنْهُ : " فُلَانٌ يَسْعَى عَلَى أَهْلِهِ " ، يَعْنِي بِهِ : يَعْمَلُ فِيمَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ نَفْعُهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى :
وَسَعَى لِكِنْدَةَ سَعْيَ غَيْرِ مُوَاكِلٍ قَيْسٌ فَضَرَّ عَدُوَّهَا وَبَنَى لَهَا
يَعْنِي بِذَلِكَ : عَمِلَ لَهُمْ فِي الْمَكَارِمِ .
وَكَالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ .
3982 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ " وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى " ، قَالَ : عَمِلَ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى " الْإِفْسَادِ " الَّذِي أَضَافَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى هَذَا الْمُنَافِقِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُهُ مَا قُلْنَا فِيهِ مِنْ قَطْعِهِ الطَّرِيقَ وَإِخَافَتِهِ السَّبِيلَ ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ فِعْلِ الْأَخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ . [4/239]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ قَطْعُ الرَّحِمِ وَسَفْكِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
3983 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ : " سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا " ، قَطْعُ الرَّحِمَ ، وَسَفْكُ الدِّمَاءِ ، دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِذَا قِيلَ : لِمَ تَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ أَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَصَفَ هَذَا الْمُنَافِقَ بِأَنَّهُ إِذَا تَوَلَّى مُدْبِرًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمِلَ فِي أَرْضِ اللَّهِ بِالْفَسَادِ . وَقَدْ يَدْخُلُ فِي " الْإِفْسَادِ " جَمِيعُ الْمَعَاصِي ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمَعَاصِي إِفْسَادٌ فِي الْأَرْضِ ، فَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ وَصْفَهُ بِبَعْضِ مَعَانِي " الْإِفْسَادِ " دُونَ بَعْضٍ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْإِفْسَادُ مِنْهُ كَانَ بِمَعْنَى قَطْعِ الطَّرِيقِ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ ذَلِكَ . وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ فَقَدْ كَانَ إِفْسَادًا فِي الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَعْصِيَةٌ . غَيْرَ أَنَّ الْأَشْبَهَ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ أَنْ يَكُونَ كَانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ وَيُخِيفُ السَّبِيلَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَصَفَهُ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ بِأَنَّهُ " سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ، وَذَلِكَ بِفِعْلٍ مُخِيفِ السَّبِيلِ ، أَشْبَهُ مِنْهُ بِفِعْلِ قَطَّاعِ الرَّحِمِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي وَجْهِ " إِهْلَاكِ " هَذَا الْمُنَافِقِ ، الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِمَا وَصَفَهُ بِهِ مِنْ صِفَةِ " إِهْلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ " . [4/240]
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ إِحْرَاقًا لِزَرْعِ قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَعَقْرًا لِحُمُرِهِمْ .
3984 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : -
3985 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَثَّامُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " الْآيَةَ . قَالَ : إِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ بِالْعُدْوَانِ وَالظُّلْمِ ، فَيَحْبِسُ اللَّهُ بِذَلِكَ الْقَطْرَ ، فَيَهْلَكُ الْحَرْثُ وَالنَّسْلُ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ . قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ مُجَاهِدٌ : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ الرُّومِ : 41 ] قَالَ : ثُمَّ قَالَ : أَمَا وَاللَّهِ مَا هُوَ بَحْرُكُمْ هَذَا ، وَلَكِنْ كُلُّ قَرْيَةٍ عَلَى مَاءٍ جَارٍ فَهُوَ " بَحْرٌ " .
وَالَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا مِنَ التَّأْوِيلِ تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ ، فَإِنَّ الَّذِي هُوَ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ مِنَ التَّأْوِيلِ مَا ذَكَرْنَا عَنِ السُّدِّيِّ ، فَلِذَلِكَ اخْتَرْنَاهُ
وَأَمَّا " الْحَرْثُ " فَإِنَّهُ الزَّرْعُ ، وَالنَّسْلُ : الْعَقِبُ وَالْوَلَدُ .
" وَإِهْلَاكُهُ الزَّرْعَ " إِحْرَاقُهُ . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَانَ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ بِاحْتِبَاسِ الْقَطْرِ مِنْ أَجْلِ مَعْصِيَتِهِ رَبَّهُ وَسَعْيِهِ بِالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ بِقَتْلِهِ الْقُوَّامَ بِهِ وَالْمُتَعَاهِدِينَ لَهُ حَتَّى فَسَدَ فَهَلَكَ . وَكَذَلِكَ جَائِزٌ فِي مَعْنَى : " إِهْلَاكِهِ النَّسْلَ " : أَنْ يَكُونَ كَانَ بِقَتْلِهِ أُمَّهَاتِهِ أَوْ آبَاءَهُ الَّتِي مِنْهَا يَكُونُ النَّسْلُ ، فَيَكُونُ فِي [4/241]قَتْلِهِ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ انْقِطَاعُ نَسْلِهِمَا . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ ، فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِهَا مَا قَالَهُ السُّدِّيُّ غَيْرَ أَنَّ السُّدِّيَّ ذَكَرَ أَنَّ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي قَتْلِهِ حُمُرَ الْقَوْمِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِحْرَاقِهِ زَرْعًا لَهُمْ . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ ، فَغَيْرُ فَاسِدٍ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِ ، وَالْمُرَادُ بِهَا كُلٌّ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُ فِي قَتْلِ كُلِّ مَا قَتَلَ مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ بِحَالٍ ، وَالَّذِي يَحِلُّ قَتْلُهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ - إِذَا قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ ، بَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ عِنْدِي ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَخْصُصْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ بَلْ عَمَّهُ .
وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي عُمُومِ ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
3986 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ التَّمِيمِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ : " وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ، قَالَ : نَسْلَ كُلِّ دَابَّةٍ .
3987 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ التَّمِيمِيِّ ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ : قَالَ : قُلْتُ أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ : " الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ؟ قَالَ : الْحَرْثُ حَرْثُكُمْ ، وَالنَّسْلُ : نَسَلُ كُلِّ دَابَّةٍ .
3988 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ التَّمِيمِيِّ ، قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ " الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ، فَقَالَ : الْحَرْثُ : مِمَّا تَحْرُثُونَ ، وَالنَّسْلُ : نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ .
3989 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ تَمِيمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِثْلَهُ . [4/242]
3990 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ، فَنَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ ، وَالنَّاسِ أَيْضًا .
3991 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ " ، قَالَ : نَبَاتُ الْأَرْضِ ، " وَالنَّسْلَ " مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ تَمْشِي مِنَ الْحَيَوَانِ مِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ .
3992 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ " ، قَالَ : نَبَاتُ الْأَرْضِ ، " وَالنَّسْلِ " : نَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ .
3993 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، قَالَ : الْحَرْثُ النَّبَاتُ ، وَالنَّسْلُ : نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ .
3994 - حَدَّثَنِي عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ " ، قَالَ : " الْحَرْثُ " الَّذِي يَحْرُثُهُ النَّاسُ : نَبَاتُ الْأَرْضِ ، " وَالنَّسْلُ " نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ .
3995 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : " وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ، قَالَ : الْحَرْثُ : الزَّرْعُ ، وَالنَّسْلُ مِنَ النَّاسِ وَالْأَنْعَامِ ، قَالَ : يَقْتُلُ نَسْلَ النَّاسِ وَالْأَنْعَامِ قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يَبْتَغِي فِي الْأَرْضِ هَلَاكَ الْحَرْثِ - نَبَاتِ الْأَرْضِ - وَالنَّسْلِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ .
3996 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ، قَالَ : الْحَرْثُ : الْأَصْلُ ، وَالنَّسْلُ : كُلُّ دَابَّةٍ وَالنَّاسُ مِنْهُمْ . [4/243]
3997 - حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرَقِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ : سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ " فَسَادِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ " وَمَا هُمَا : أَيُّ حَرْثٍ ، وَأَيُّ نَسْلٍ ؟ قَالَ سَعِيدٌ : قَالَ مَكْحُولٌ : الْحَرْثُ : مَا تَحْرُثُونَ ، وَأَمَّا النَّسْلُ : فَنَسْلُ كُلِّ شَيْءٍ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُ الْقَرَأَةِ : " وَيَهْلَكُ الْحَرْثُ وَالنَّسْلُ " بِرَفْعِ " يَهْلَكُ " ، عَلَى مَعْنَى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ، وَيُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ، وَاللَّهِ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ فَيَرُدُّ " وَيُهْلِكُ " عَلَى " وَيُشْهِدُ اللَّهَ " عَطْفًا بِهِ عَلَيْهِ .
وَذَلِكَ قِرَاءَةٌ عِنْدِي غَيْرُ جَائِزَةٍ ، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَخْرَجٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، لِمُخَالَفَتِهَا لِمَا عَلَيْهِ الْحُجَّةُ مُجْمِعَةٌ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ ، قِرَاءَةُ " وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ، وَأَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُصْحَفِهِ - فِيمَا ذُكِرَ لَنَا : " لِيُفْسِدَ فِيهَا وَلِيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ " ، وَذَلِكَ مِنْ أَدَلِّ الدَّلِيلِ عَلَى تَصْحِيحِ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ " وَيُهْلِكَ " بِالنَّصْبِ ، عَطْفًا بِهِ عَلَى : " لِيُفْسِدَ فِيهَا " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ ( 205 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمَعَاصِيَ ، وَقَطْعَ السَّبِيلِ ، وَإِخَافَةَ الطَّرِيقِ .
و " الْفَسَادُ " مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " فَسَدَ الشَّيْءُ يَفْسُدُ " ، نَظِيرَ قَوْلِهِمْ : [4/244]" ذَهَبَ يَذْهَبُ ذَهَابًا " . وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْعَلُ مَصْدَرَ " فَسَدَ " " فُسُودًا " ، وَمَصْدَرُ " ذَهَبَ يَذْهَبُ ذُهُوبًا " .