تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ "

ج 3
ص 561

الآية المفسَّرة

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 3 · ص 561

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 190 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ بِقِتَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ . وَقَالُوا : أُمِرَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَالْكَفِّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُمْ ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِ " بَرَاءَةٍ " .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
3089 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " قَالَ : هَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ [3/562]بِالْمَدِينَةِ (مكان)فَلَمَّا نَزَلَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَاتِلُ مَنْ يُقَاتِلُهُ ، وَيَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ ، حَتَّى نَزَلَتْ " بَرَاءَةٌ " - وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : " الْمَدِينَةَ (مكان)" .
3090 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ " إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، قَالَ : قَدْ نُسِخَ هَذَا! وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [ سُورَةَ التَّوْبَةِ : 36 ] ، وَهَذِهِ النَّاسِخَةُ ، وَقَرَأَ : بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ حَتَّى بَلَغَ : فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ إِلَى : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ سُورَةَ التَّوْبَةِ : 1 - 5 ] .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ ، لَمْ يُنْسَخْ . وَإِنَّمَا الِاعْتِدَاءُ الَّذِي نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ ، هُوَ نَهْيُهُ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِي . قَالُوا : وَالنَّهْيُ عَنْ قَتْلِهِمْ ثَابِتٌ حُكْمُهُ الْيَوْمَ . قَالُوا : فَلَا شَيْءَ نُسِخَ مِنْ حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
3091 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ صَدَقَةَ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيِّ قَالَ : كَتَبْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَسْأَلُهُ عَنْ قَوْلِهِ : " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " ، قَالَ : فَكَتَبَ إِلَيَّ : " إِنَّ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ وَمَنْ لَمْ يَنْصِبْ لَكَ الْحَرَبَ مِنْهُمْ " .
3092 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ " لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أُمِرُوا بِقِتَالِ الْكُفَّارِ .
3093 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . [3/563]
3094 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " يَقُولُ : لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَلَا الصِّبْيَانَ وَلَا الشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَلَا مَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَكَفَ يَدَهُ ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ هَذَا فَقَدَ اعْتَدَيْتُمْ .
3095 - حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ : " إِنِّي وَجَدْتُ آيَةً فِي كِتَابِ اللَّهِ : " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " أَيْ : لَا تُقَاتِلْ مَنْ لَا يُقَاتِلُكَ ، يَعْنِي : النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالرُّهْبَانَ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ ، الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ . لِأَنَّ دَعْوَى الْمُدَّعِي نَسْخَ آيَةٍ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ ، بِغَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ ، تَحَكُّمٌ . وَالتَّحَكُّمُ لَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَحَدٌ .
وَقَدْ دَلَلْنَا عَلَى مَعْنَى " النُّسَخِ " ، وَالْمَعْنَى الَّذِي مِنْ قِبَلِهِ يُثْبِتُ صِحَّةَ النَّسْخِ ، بِمَا قَدْ أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ - إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا - : وَقَاتِلُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَسَبِيلُهُ : طَرِيقُهُ الَّذِي أَوْضَحَهُ ، وَدِينُهُ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ يَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَاتَلُوا فِي طَاعَتِي وَعَلَى مَا شَرَعْتُ لَكُمْ مِنْ دِينِي ، وَادْعُوَا إِلَيْهِ مَنْ وَلَّى عَنْهُ وَاسْتَكْبَرَ بِالْأَيْدِي وَالْأَلْسُنِ ، حَتَّى يَنِيبُوا إِلَى طَاعَتِي ، أَوْ يُعْطُوكُمُ الْجِزْيَةَ صَغَارًا إِنَّ كَانُوا أَهْلَ كُتَّابٍ . وَأَمَرَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقِتَالِ مَنْ كَانَ مِنْهُ قِتَالٌ مِنْ مُقَاتِلَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ دُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ قِتَالٌ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَّارِيهِمْ ، فَإِنَّهُمْ أَمْوَالٌ وَخَوَلٌ لَهُمْ إِذَا غُلِبَ الْمُقَاتِلُونَ مِنْهُمْ فَقُهِرُوا ، فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [3/564]" لِأَنَّهُ أَبَاحَ الْكَفَّ عَمَّنْ كَفَّ ، فَلَمْ يُقَاتِلْ مِنْ مُشْرِكِي أَهْلِ الْأَوْثَانِ وَالْكَافِّينَ عَنْ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ صَغَارًا .
فَمَعْنَى قَوْلِهِ : " وَلَا تَعْتَدُوا " : لَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَلَا امْرَأَةً ، وَلَا مَنْ أَعْطَاكُمُ الْجِزْيَةَ مِنْ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ وَالْمَجُوسِ " إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ " الَّذِينَ يُجَاوِزُونَ حُدُودَهُ ، فَيَسْتَحِلُّونَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَنْ قَتْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَرَّمَ قَتْلَهُمْ مِنْ نِسَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَذَرَارِيهِمْ .