النص
[3/548]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 188 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : وَلَا يَأْكُلُ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ بِالْبَاطِلِ . فَجَعَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ آكِلَ مَالِ أَخِيهِ بِالْبَاطِلِ ، كَالْآكِلِ مَالَ نَفْسِهِ بِالْبَاطِلِ .
وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [ سُورَةَ الْحُجُرَاتِ : 11 ] وَقَوْلُهُ : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ سُورَةَ النِّسَاءِ : 29 ] بِمَعْنَى : لَا يَلْمُزْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، وَلَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ جَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ إِخْوَةً ، فَقَاتَلَ أَخِيهِ كَقَاتِلِ نَفْسِهِ ، وَلَامَزَهُ كَلَامِزٍ نَفْسَهُ ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ تُكَنِّي عَنْ نَفْسِهَا بِأَخَوَاتِهَا ، وَعَنْ أَخَوَاتِهَا بِأَنْفُسِهَا ، فَتَقُولُ : " أَخِي وَأَخُوكَ أَيُّنَا أَبْطِشُ " . يَعْنِي : أَنَا وَأَنْتَ نَصْطَرِعُ ، فَنَنْظُرُ أَيُّنَا أَشَدُّ - فَيُكَنِّي الْمُتَكَلِّمُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَخِيهِ ، لِأَنَّ أَخَا الرَّجُلِ عِنْدَهَا كَنَفْسِهِ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
أخِي وَأَخُوكَ بِبَطْنِ النُّسَيْرِ لَيْسَ بِهِ مِنْ مَعَدٍّ عَرِيبْ [3/549]
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَلَا يَأْكُلْ بَعْضُكُمْ أَمْوَالَ بَعْضٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ .
" وَأَكْلُهُ بِالْبَاطِلِ " : أَكْلُهُ مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي أَبَاحَهُ اللَّهُ لِآكِلِيهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَتُخَاصِمُوا بِهَا - يَعْنِي : بِأَمْوَالِكُمْ - إِلَى الْحُكَّامِ " لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا " طَائِفَةً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ . [3/550]
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " بِالْإِثْمِ " بِالْحَرَامِ الَّذِي قَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ " وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " ، أَيْ : وَأَنْتُمْ تَتَعَمَّدُونَ أَكْلَ ذَلِكَ بِالْإِثْمِ ، عَلَى قَصْدٍ مِنْكُمْ إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ، وَمَعْرِفَةٍ بِأَنَّ فِعْلَكُمْ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ وَإِثْمٌ . . . كَمَا :
3059 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " فَهَذَا فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ مَالٌ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ بَيِّنَةٌ ، فَيَجْحَدُ الْمَالَ ، فَيُخَاصِمُهُمْ فِيهِ إِلَى الْحُكَّامِ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يُعْلَمُ أَنَّهُ آثِمٌ آكِلٌ حَرَامًا .
3060 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " قَالَ : لَا تُخَاصِمْ وَأَنْتَ ظَالِمٌ .
3061 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
3062 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " وَكَانَ يُقَالُ : مَنْ مَشَى مَعَ خَصْمِهِ وَهُوَ لَهُ ظَالِمٌ ، فَهُوَ آثِمٌ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ . وَاعْلَمْ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي لَا يَحِلُّ لَكَ حَرَامًا وَلَا يَحِقُّ لَكَ بَاطِلًا وَإِنَّمَا يَقْضِي الْقَاضِي بِنَحْوِ مَا يَرَى وَيُشْهِدُ بِهِ الشُّهُودَ ، وَالْقَاضِي بَشَرٌ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ . وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مِنْ قَدْ قُضِيَ لَهُ بِالْبَاطِلِ ، فَإِنَّ خُصُومَتَهُ لَمْ تَنْقُضْ حَتَّى يَجْمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَقْضِيَ عَلَى الْمِبْطِلِ لِلْمُحِقِّ ، بِأَجْوَدِ مِمَّا قُضِيَ بِهِ لِلْمُبْطِلِ عَلَى الْمُحِقِّ فِي الدُّنْيَا . [3/552]
3063 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " قَالَ : لَا تُدْلِ بِمَالِ أَخِيكَ إِلَى الْحَاكِمِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ ظَالِمٌ ، فَإِنَّ قَضَاءَهُ لَا يُحَلُّ لَكَ شَيْئًا كَانَ حَرَامًا عَلَيْكَ .
3064 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " أَمَا " الْبَاطِلُ " يَقُولُ : يَظْلِمُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ صَاحِبَهُ ، ثُمَّ يُخَاصِمُهُ لِيَقْطَعَ مَالَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : " وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " .
3065 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلَهُ : " وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ " قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ فَيَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا دَرَاهِمَ .
3066 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " يَقُولُ : يَكُونُ أَجْدِلَ مِنْهُ وَأَعْرَفَ بِالْحُجَّةِ ، فَيُخَاصِمُهُ فِي مَالِهِ بِالْبَاطِلِ لِيَأْكُلَ مَالَهُ بِالْبَاطِلِ . وَقَرَأَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [ سُورَةَ النِّسَاءِ : 29 ] قَالَ : هَذَا الْقِمَارُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ بِهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ .
وَأَصْلُ " الْإِدْلَاءِ " : إِرْسَالُ الرَّجُلِ الدَّلْوَ فِي سَبَبٍ مُتَعَلِّقًا بِهِ فِي الْبِئْرِ . فَقِيلَ لِلْمُحْتَجِّ لِدَعْوَاهُ : " أَدْلَى بِحُجَّةٍ كَيْتَ وَكَيْتَ " إِذَا كَانَتْ حُجَّتُهُ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا سَبَبًا [3/552]لَهُ ، هُوَ بِهِ مُتَعَلِّقٌ فِي خُصُومَتِهِ ، كَتَعَلُّقِ الْمُسْتَقِي مِنْ بِئْرٍ بِدَلْوٍ قَدْ أَرْسَلَهَا فِيهَا بِسَبَبِهَا الَّذِي الدَّلْو بِهِ مُتَعَلِّقَةٌ ، يُقَالُ فِيهِمَا جَمِيعًا - أَعْنِي مِنَ الِاحْتِجَاجِ ، وَمِنْ إِرْسَالِ الدَّلْوِ فِي الْبِئْرِ بِسَبَبٍ : " أَدْلَى فُلَانٌ بِحُجَّتِهِ ، فَهُوَ يُدْلِي بِهَا إِدْلَاءً وَأَدْلَى دَلْوَهُ فِي الْبِئْرِ ، فَهُوَ يُدْلِيهَا إِدْلَاءً " .
فَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " فَإِنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ مِنَ الْإِعْرَابِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : " وَتُدْلُوا " جَزْمًا عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ : " وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ " أَيْ : وَلَا تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ بِتَكْرِيرِ حَرْفِ النَّهْيِ : " وَلَا تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " .
وَالْآخَرُ مِنْهُمَا : النَّصْبُ عَلَى الصَّرْفِ ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ : لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَأَنْتُمْ تَدْلُونَ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
يَعْنِي : لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَأَنْتَ تَأْتِي مِثْلَهُ .
وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ - عَلَى مَا ذُكِرَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ - أَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا . [3/553]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : وَلَا يَأْكُلُ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ بِالْبَاطِلِ . فَجَعَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ آكِلَ مَالِ أَخِيهِ بِالْبَاطِلِ ، كَالْآكِلِ مَالَ نَفْسِهِ بِالْبَاطِلِ .
وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [ سُورَةَ الْحُجُرَاتِ : 11 ] وَقَوْلُهُ : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ سُورَةَ النِّسَاءِ : 29 ] بِمَعْنَى : لَا يَلْمُزْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، وَلَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ جَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ إِخْوَةً ، فَقَاتَلَ أَخِيهِ كَقَاتِلِ نَفْسِهِ ، وَلَامَزَهُ كَلَامِزٍ نَفْسَهُ ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ تُكَنِّي عَنْ نَفْسِهَا بِأَخَوَاتِهَا ، وَعَنْ أَخَوَاتِهَا بِأَنْفُسِهَا ، فَتَقُولُ : " أَخِي وَأَخُوكَ أَيُّنَا أَبْطِشُ " . يَعْنِي : أَنَا وَأَنْتَ نَصْطَرِعُ ، فَنَنْظُرُ أَيُّنَا أَشَدُّ - فَيُكَنِّي الْمُتَكَلِّمُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَخِيهِ ، لِأَنَّ أَخَا الرَّجُلِ عِنْدَهَا كَنَفْسِهِ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
أخِي وَأَخُوكَ بِبَطْنِ النُّسَيْرِ لَيْسَ بِهِ مِنْ مَعَدٍّ عَرِيبْ [3/549]
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَلَا يَأْكُلْ بَعْضُكُمْ أَمْوَالَ بَعْضٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ .
" وَأَكْلُهُ بِالْبَاطِلِ " : أَكْلُهُ مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي أَبَاحَهُ اللَّهُ لِآكِلِيهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَتُخَاصِمُوا بِهَا - يَعْنِي : بِأَمْوَالِكُمْ - إِلَى الْحُكَّامِ " لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا " طَائِفَةً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ . [3/550]
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " بِالْإِثْمِ " بِالْحَرَامِ الَّذِي قَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ " وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " ، أَيْ : وَأَنْتُمْ تَتَعَمَّدُونَ أَكْلَ ذَلِكَ بِالْإِثْمِ ، عَلَى قَصْدٍ مِنْكُمْ إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ، وَمَعْرِفَةٍ بِأَنَّ فِعْلَكُمْ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ وَإِثْمٌ . . . كَمَا :
3059 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " فَهَذَا فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ مَالٌ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ بَيِّنَةٌ ، فَيَجْحَدُ الْمَالَ ، فَيُخَاصِمُهُمْ فِيهِ إِلَى الْحُكَّامِ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يُعْلَمُ أَنَّهُ آثِمٌ آكِلٌ حَرَامًا .
3060 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " قَالَ : لَا تُخَاصِمْ وَأَنْتَ ظَالِمٌ .
3061 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
3062 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " وَكَانَ يُقَالُ : مَنْ مَشَى مَعَ خَصْمِهِ وَهُوَ لَهُ ظَالِمٌ ، فَهُوَ آثِمٌ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ . وَاعْلَمْ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي لَا يَحِلُّ لَكَ حَرَامًا وَلَا يَحِقُّ لَكَ بَاطِلًا وَإِنَّمَا يَقْضِي الْقَاضِي بِنَحْوِ مَا يَرَى وَيُشْهِدُ بِهِ الشُّهُودَ ، وَالْقَاضِي بَشَرٌ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ . وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مِنْ قَدْ قُضِيَ لَهُ بِالْبَاطِلِ ، فَإِنَّ خُصُومَتَهُ لَمْ تَنْقُضْ حَتَّى يَجْمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيَقْضِيَ عَلَى الْمِبْطِلِ لِلْمُحِقِّ ، بِأَجْوَدِ مِمَّا قُضِيَ بِهِ لِلْمُبْطِلِ عَلَى الْمُحِقِّ فِي الدُّنْيَا . [3/552]
3063 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " قَالَ : لَا تُدْلِ بِمَالِ أَخِيكَ إِلَى الْحَاكِمِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ ظَالِمٌ ، فَإِنَّ قَضَاءَهُ لَا يُحَلُّ لَكَ شَيْئًا كَانَ حَرَامًا عَلَيْكَ .
3064 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " أَمَا " الْبَاطِلُ " يَقُولُ : يَظْلِمُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ صَاحِبَهُ ، ثُمَّ يُخَاصِمُهُ لِيَقْطَعَ مَالَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : " وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " .
3065 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلَهُ : " وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ " قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ فَيَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا دَرَاهِمَ .
3066 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " يَقُولُ : يَكُونُ أَجْدِلَ مِنْهُ وَأَعْرَفَ بِالْحُجَّةِ ، فَيُخَاصِمُهُ فِي مَالِهِ بِالْبَاطِلِ لِيَأْكُلَ مَالَهُ بِالْبَاطِلِ . وَقَرَأَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [ سُورَةَ النِّسَاءِ : 29 ] قَالَ : هَذَا الْقِمَارُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ بِهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ .
وَأَصْلُ " الْإِدْلَاءِ " : إِرْسَالُ الرَّجُلِ الدَّلْوَ فِي سَبَبٍ مُتَعَلِّقًا بِهِ فِي الْبِئْرِ . فَقِيلَ لِلْمُحْتَجِّ لِدَعْوَاهُ : " أَدْلَى بِحُجَّةٍ كَيْتَ وَكَيْتَ " إِذَا كَانَتْ حُجَّتُهُ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا سَبَبًا [3/552]لَهُ ، هُوَ بِهِ مُتَعَلِّقٌ فِي خُصُومَتِهِ ، كَتَعَلُّقِ الْمُسْتَقِي مِنْ بِئْرٍ بِدَلْوٍ قَدْ أَرْسَلَهَا فِيهَا بِسَبَبِهَا الَّذِي الدَّلْو بِهِ مُتَعَلِّقَةٌ ، يُقَالُ فِيهِمَا جَمِيعًا - أَعْنِي مِنَ الِاحْتِجَاجِ ، وَمِنْ إِرْسَالِ الدَّلْوِ فِي الْبِئْرِ بِسَبَبٍ : " أَدْلَى فُلَانٌ بِحُجَّتِهِ ، فَهُوَ يُدْلِي بِهَا إِدْلَاءً وَأَدْلَى دَلْوَهُ فِي الْبِئْرِ ، فَهُوَ يُدْلِيهَا إِدْلَاءً " .
فَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " فَإِنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ مِنَ الْإِعْرَابِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : " وَتُدْلُوا " جَزْمًا عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ : " وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ " أَيْ : وَلَا تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ بِتَكْرِيرِ حَرْفِ النَّهْيِ : " وَلَا تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ " .
وَالْآخَرُ مِنْهُمَا : النَّصْبُ عَلَى الصَّرْفِ ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ : لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَأَنْتُمْ تَدْلُونَ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
يَعْنِي : لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَأَنْتَ تَأْتِي مِثْلَهُ .
وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ - عَلَى مَا ذُكِرَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ - أَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا . [3/553]