تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ . . . . "

ج 3
ص 334

الآية المفسَّرة

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَـزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 3 · ص 334

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَـزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ( 176 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَمَّا قَوْلُهُ : " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَـزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ " ، فَإِنَّهُ اخْتُلِفَ فِي الْمَعْنِيِّ بِ " ذَلِكَ " .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنِيُّ " ذَلِكَ " ، فِعْلُهُمْ هَذَا الَّذِي يَفْعَلُونَ مِنْ جَرَاءَتِهِمْ عَلَى عَذَابِ النَّارِ ، فِي مُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ ، وَكِتْمَانِهِمُ النَّاسَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَأَمْرِهِمْ بِبَيَانِهِ لَهُمْ مَنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْرِ دِينِهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ تَعَالَى " نَـزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ " ، وَتَنْزِيلُهُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ هُوَ خَبَرُهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 6 - 7 ] فَهُمْ - مَعَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ - لَا يَكُونُ مِنْهُمْ غَيْرُ اشْتِرَاءِ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى وَالْعَذَابِ بِالْمَغْفِرَةِ . [3/335]
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : " ذَلِكَ " مَعْلُومٌ لَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ نَـزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِأَنَّا قَدْ أَخْبَرْنَا فِي الْكِتَابِ أَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ ، وَالْكِتَابُ حَقٌّ .
كَأَنَّ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ كَانَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ عِنْدَهُمْ : ذَلِكَ الْعَذَابُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَهُمْ . لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ تَنْزِيلِهِ أَنَّ النَّارَ لِلْكَافِرِينَ ، وتَنْزِيلُهُ حَقٌّ ، فَالْخَبَرُ عَنْ " ذَلِكَ " عِنْدَهُمْ مُضْمَرٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى " ذَلِكَ " ، أَنَّ اللَّهَ وَصَفَ أَهْلَ النَّارِ ، فَقَالَ : " فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ " ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا الْعَذَابُ بِكُفْرِهِمْ . وَ " هَذَا " هَاهُنَا عِنْدَهُمْ ، هِيَ الَّتِي يَجُوزُ مَكَانُهَا " ذَلِكَ " ، كَأَنَّهُ قَالَ : فَعَلْنَا ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَكَفَرُوا بِهِ . قَالَ : فَيَكُونُ " ذَلِكَ " - إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ - نَصْبًا ، وَيَكُونُ رَفْعًا بِالْبَاءِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ عِنْدِي : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ : " ذَلِكَ " ، إِلَى جَمِيعِ مَا حَوَاهُ قَوْلُهُ : " إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ " ، إِلَى قَوْلِهِ : " ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَـزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ " ، مِنْ خَبَرِهِ عَنْ أَفْعَالِ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَذِكْرِهِ مَا أَعَدَّ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنَ الْعِقَابِ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ : هَذَا الَّذِي فَعَلَتْهُ هَؤُلَاءِ الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ بِكِتْمَانِهِمُ النَّاسَ مَا كَتَمُوا مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتِهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ ، طَلَبًا مِنْهُمْ لِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا خَسِيسٍ - وَبِخِلَافِهِمْ أَمْرِي وَطَاعَتِي وَذَلِكَ - مِنْ تَرْكِي تَطْهِيرَهُمْ وَتَزْكِيَتَهُمْ وَتَكْلِيمَهُمْ ، وَإِعْدَادِي لَهُمُ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ - بِأَنِّي أَنْزَلَتُ كِتَابِي بِالْحَقِّ ، فَكَفَرُوا بِهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ .
فَيَكُونُ فِي " ذَلِكَ " حِينَئِذٍ وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ : رَفْعٌ وَنَصْبٌ . وَالرَّفْعُ بِ " الْبَاءِ " ، وَالنُّصْبُ بِمَعْنَى : فَعَلْتُ ذَلِكَ بِأَنِّي أَنْزَلْتُ كِتَابِي بِالْحَقِّ ، فَكَفَرُوا بِهِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ . وَتُرِكَ ذِكْرُ " فَكَفَرُوا بِهِ وَاخْتَلَفُوا " ، اجْتِزَاءً بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ . [3/336]
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ " ، يَعْنِي بِذَلِكَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى . اخْتَلَفُوا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَكَفَرَتِ الْيَهُودُ بِمَا قَصَّ اللَّهُ فِيهِ مِنْ قَصَصِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (نبي)وَأُمِّهِ . وَصَدَّقَتِ النَّصَارَى بِبَعْضِ ذَلِكَ ، وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ ، وَكَفَرُوا جَمِيعًا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيمَا أَنْزَلَتُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)لَفِي مُنَازَعَةٍ وَمُفَارَقَةٍ لِلْحَقِّ بَعِيدَةٍ مِنَ الرُّشْدِ وَالصَّوَابِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 137 ] كَمَا :
2512 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ " ، يَقُولُ : هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى . يَقُولُ : هُمْ فِي عَدَاوَةٍ بَعِيدَةٍ . وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى " الشِّقَاقِ " ، فِيمَا مَضَى .