النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْـزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ( 173 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : لَا تُحَرِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَا لَمْ أُحَرِّمْهُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ منَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، بَلْ كُلُوا ذَلِكَ ، فَإِنِّي لَمْ أُحَرِّمْ عَلَيْكُمْ غَيْرَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِي .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ " ، مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْمَيْتَةَ . [3/318]
" وَإِنَّمَا " : حَرْفٌ وَاحِدٌ ، وَلِذَلِكَ نُصِبَتِ " الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ " ، وَغَيْرُ جَائِزٍ فِي " الْمَيْتَةِ " إِذَا جُعِلَتْ " إِنَّمَا " حَرْفًا وَاحِدًا - إِلَّا النَّصْبُ . وَلَوْ كَانَتْ " إِنَّمَا " حَرْفَيْنِ ، وَكَانَتْ مُنْفَصِلَةً مِنْ " إِنَّ " ، لَكَانَتِ " الْمَيْتَةُ " مَرْفُوعَةً وَمَا بَعْدَهَا . وَكَانَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمَطَاعِمِ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ، لَا غَيْرَ ذَلِكَ .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ . وَلَسْتُ لِلْقِرَاءَةِ بِهِ مُسْتَجِيزًا وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي التَّأْوِيلِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَجْهٌ مَفْهُومٌ - لِاتِّفَاقِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى خِلَافِهِ . فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِمْ فِيمَا نَقَلُوهُ مُجْمِعِينَ عَلَيْهِ .
وَلَوْ قُرِئَ فِي " حُرِّمَ " بِضَمِّ الْحَاءِ مِنْ " حَرَّمَ " ، لَكَانَ فِي " الْمَيْتَةِ " وَجْهَانِ مِنَ الرَّفْعِ . أَحَدُهُمَا : مِنْ أَنَّ الْفَاعِلَ غَيْرُ مُسَمًّى ، " وَإِنَّمَا " حَرْفٌ وَاحِدٌ .
وَالْآخَرُ : " إِنَّ " وَ " مَا " فِي مَعْنَى حَرْفَيْنِ ، وَ " حُرِّمَ " مِنْ صِلَةِ " مَا " ، " وَالْمَيْتَةُ " خَبَرُ " الَّذِي " مَرْفُوعٌ عَلَى الْخَبَرِ . وَلَسْتُ ، وَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَيْضًا وَجْهٌ ، مُسْتَجِيزًا لِلْقِرَاءَةِ بِهِ ، لِمَا ذَكَرْتُ .
وَأَمَّا " الْمَيْتَةُ " ، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ مُخْتَلِفَةٌ فِي قِرَاءَتِهَا . فَقَرَأَهَا بَعْضُهُمْ بِالتَّخْفِيفِ ، وَمَعْنَاهُ فِيهَا التَّشْدِيدُ ، وَلَكِنَّهُ يُخَفِّفُهَا كَمَا يُخَفِّفُ الْقَائِلُونَ فِي : " هُوَ هَيِّنٌ لَيِّنٌ " " الْهَيْنُ اللَّيْنُ " ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ إِنَّمَا الْمَيْتُ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ [3/319]
فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ ، فِي مَعْنَى وَاحِدٍ .
وَقَرَأَهَا بَعْضُهُمْ بِالتَّشْدِيدِ ، وَحَمَلُوهَا عَلَى الْأَصْلِ ، وَقَالُوا : إِنَّمَا هُوَ " مَيْوِتٌ " ، " فَيْعِلٌ " ، مِنَ الْمَوْتِ . وَلَكِنَّ " الْيَاءَ " السَّاكِنَةَ وَ " الْوَاوَ " الْمُتَحَرِّكَةَ لَمَّا اجْتَمَعَتَا ، " وَالْيَاءُ " مَعَ سُكُونِهَا مُتَقَدِّمَةٌ ، قُلِبَتِ " الْوَاوُ " " يَاءً " وَشُدِّدَتْ ، فَصَارَتَا " يَاءً " مُشَدَّدَةً ، كَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي " سَيِّدٍ وَجَيِّدٍ " . قَالُوا : وَمَنْ خَفَّفَهَا ، فَإِنَّمَا طَلَبَ الْخِفَّةَ . وَالْقِرَاءَةُ بِهَا عَلَى أَصْلِهَا الَّذِي هُوَ أَصْلُهَا أَوْلَى .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ التَّخْفِيفَ وَالتَّشْدِيدَ فِي " يَاءِ " " الْمَيْتَةِ " لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي الْقِرَاءَةِ وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَبِأَيِّهِمَا قَرَأَ ذَلِكَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ . لِأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِي مَعْنَيَيْهِمَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : وَمَا ذُبِحَ لِلْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ يُسَمَّى عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ ، أَوْ قُصِدَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الْأَصْنَامِ .
وَإِنَّمَا قِيلَ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ " ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَرَادُوا ذَبْحَ مَا قَرَّبُوهُ لِآلِهَتِهِمْ ، سَمَّوُا اسْمَ آلِهَتِهِمُ الَّتِي قَرَّبُوا ذَلِكَ لَهَا ، وَجَهَرُوا بِذَلِكَ أَصْوَاتَهُمْ ، فَجَرَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ ، حَتَّى قِيلَ لِكُلِّ ذَابِحٍ ، سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ ، جَهَرَ بِالتَّسْمِيَةِ أَوْ لَمْ يَجْهَرْ - : " مُهِلٌّ " . فَرَفْعُهُمْ أَصْوَاتَهُمْ بِذَلِكَ هُوَ " الْإِهْلَالُ " الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " . وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْمُلَبِّي فِي حَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ " مُهِلٌّ " ، لِرَفْعِهِ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ . وَمِنْهُ " اسْتِهْلَالُ " الصَّبِيِّ ، إِذَا صَاحَ عِنْدَ سُقُوطِهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ ، " وَاسْتِهْلَالُ " الْمَطَرِ ، وَهُوَ صَوْتُ وُقُوعِهِ عَلَى الْأَرْضِ ، كَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ قَمِيئَةَ :
[3/320]ظَلَمَ الْبِطَاحَ لَهُ انْهِلَالُ حَرِيصَةٍ فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ الْمُقْلَعِ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " ، مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2468 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " قَالَ : مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ .
2469 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " قَالَ : مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ مِمَّا لَمْ يُسَمَّ عَلَيْهِ .
2470 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " ، مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ .
2471 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " قَالَ : مَا أُهِلَّ بِهِ لِلطَّوَاغِيتِ .
2472 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " قَالَ : مَا أَهَّلَ بِهِ لِلطَّوَاغِيتِ .
2473 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " ، يَعْنِي : مَا أُهِلَّ لِلطَّوَاغِيتِ كُلِّهَا . يَعْنِي : مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ ، غَيْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى .
2474 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ : هُوَ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ . [3/321]
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2475 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " ، يَقُولُ : مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ .
2476 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ - وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " - قَالَ : مَا يُذْبَحُ لِآلِهَتِهِمُ ، الْأَنْصَابُ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا أَوْ يُسَمُّونَ أَسْمَاءَهَا عَلَيْهَا . قَالَ : يَقُولُونَ : " بِاسْمِ فُلَانٍ " ، كَمَا تَقُولُ أَنْتَ : " بِاسْمِ اللَّهِ " قَالَ : فَذَلِكَ قَوْلُهُ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " .
2477 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَيْوَةُ عَنْ عَقَبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ التُّجِيبِيِّ وَقَيْسِ بْنِ رَافِعٍ الْأَشْجَعِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا : أُحِلَّ لَنَا مَا ذُبِحَ لِعِيدِ الْكَنَائِسِ ، وَمَا أُهْدِيَ لَهَا مِنْ خُبْزٍ أَوْ لَحْمٍ ، فَإِنَّمَا هُوَ طَعَامُ أَهْلِ الْكِتَابِ . قَالَ حَيْوَةُ ، قُلْتُ : أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " ؟ قَالَ : إِنَّمَا ذَلِكَ الْمَجُوسُ وَأَهْلُ الْأَوْثَانِ وَالْمُشْرِكُونَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " فَمَنِ اضْطُرَّ " ، فَمَنْ حَلَّتْ بِهِ ضَرُورَةُ مَجَاعَةٍ إِلَى مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ - وَهُوَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا - فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهِ إِنْ أَكَلَهُ . [3/322]
وَقَوْلُهُ : فَمَنِ " اضْطُرَّ " " افْتُعِلَ " مِنَ " الضَّرُورَةِ " .
وَ " غَيْرَ بَاغٍ " نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنْ " مَنْ " ، فَكَأَنَّهُ . قِيلَ : فَمَنِ اضْطُرَّ لَا بَاغِيًا وَلَا عَادِيًا فَأَكَلَهُ ، فَهُوَ لَهُ حَلَالٌ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : " فَمَنِ اضْطُرَّ " ، فَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِهِ فَأَكَلَهُ ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2478 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : الرَّجُلُ يَأْخُذُهُ الْعَدُوُّ فَيَدْعُونَهُ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ مُخْتَلِفُونَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " غَيْرَ بَاغٍ " ، غَيْرَ خَارِجٍ عَلَى الْأَئِمَّةِ بِسَيْفِهِ بَاغِيًا عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ جَوْرٍ ، وَلَا عَادِيًا عَلَيْهِمْ بِحَرْبٍ وَعُدْوَانٍ ، فَمُفْسِدٌ عَلَيْهِمُ السَّبِيلَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2479 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : سَمِعْتُ لَيْثًا عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : غَيْرَ قَاطِعِ سَبِيلٍ ، وَلَا مَفَارِقِ جَمَاعَةٍ ، وَلَا خَارِجٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، فَلَهُ الرُّخْصَةُ .
2480 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " ، يَقُولُ : لَا قَاطِعًا لِلسَّبِيلِ ، وَلَا مُفَارِقًا لِلْأَئِمَّةِ ، وَلَا خَارِجًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، فَلَهُ الرُّخْصَةُ . وَمَنْ خَرَجَ بَاغِيًا أَوْ عَادِيًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، فَلَا رُخْصَةَ لَهُ وَإِنِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ .
2481 - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ سَعِيدٍ : " غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، فَلَيْسَ لَهُ رُخْصَةٌ [3/323]إِذَا جَاعَ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ ، وَإِذَا عَطِشَ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ .
2482 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ شَرِيكٍ عَنْ سَالِمٍ - يَعْنِي الْأَفْطَسَ - عَنْ سَعِيدٍ فِي قَوْلِهِ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : الْبَاغِي الْعَادِي الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، فَلَا رُخْصَةَ لَهُ وَلَا كَرَامَةَ .
2483 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ سَعِيدٍ فِي قَوْلِهِ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : إِذَا خَرَجَ فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ اللَّهِ فَاضْطَرَّ إِلَى شُرْبِ الْخَمْرِ شَرِبَ ، وَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى الْمَيْتَةِ أَكَلَ . وَإِذَا خَرَجَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، فَلَا رُخْصَةَ لَهُ .
2484 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنِ الْحَجَّاجِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : " غَيْرَ بَاغٍ " عَلَى الْأَئِمَّةِ ، " وَلَا عَادٍ " قَالَ : قَاطِعُ السَّبِيلِ .
2485 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : غَيْرَ قَاطِعٍ السَّبِيلَ ، وَلَا مُفَارِقٍ الْأَئِمَّةَ ، وَلَا خَارِجٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَهُ الرُّخْصَةُ .
2486 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : غَيْرَ بَاغٍ عَلَى الْأَئِمَّةِ ، وَلَا عَادٍ عَلَى ابْنِ السَّبِيلِ .
وَقَالَ آخَرُونَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " : غَيْرَ بَاغٍ الْحَرَامَ فِي أَكْلِهِ ، وَلَا مُعْتَدٍ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ مِنْهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
2487 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ [3/324]عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : غَيْرَ بَاغٍ فِي أَكْلِهِ ، وَلَا عَادٍ : أَنْ يَتَعَدَّى حَلَالًا إِلَى حَرَامٍ ، وَهُوَ يَجِدُ عَنْهُ مَنْدُوحَةً .
2488 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : غَيْرَ بَاغٍ فِيهَا وَلَا مُعْتَدٍ فِيهَا بِأَكْلِهَا ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهَا .
2489 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ ذَلِكَ .
2490 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ جَابِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ قَوْلَهُ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " ، " غَيْرَ بَاغٍ " يَبْتَغِيهِ ، " وَلَا عَادٍ " : يَتَعَدَّى عَلَى مَا يُمْسِكُ نَفْسَهُ .
2491 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " ، يَقُولُ : مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْتَغِيَ حَرَامًا وَيَتَعَدَّاهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ : فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [ سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ : 7/ سُورَةُ الْمَعَارِجِ : 31 ]
2492 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : أَنْ يَأْكُلَ ذَلِكَ بَغْيًا وَتَعَدِّيًا عَنِ الْحَلَالِ إِلَى الْحَرَامِ ، وَيَتْرُكَ الْحَلَالَ وَهُوَ عِنْدَهُ ، وَيَتَعَدَّى بِأَكْلِ هَذَا الْحَرَامِ . هَذَا التَّعَدِّي . يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَا مُخْتَلِفَيْنِ ، وَيَقُولُ : هَذَا وَهَذَا وَاحِدٌ!
وَقَالَ آخَرُونَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ فِي أَكْلِهِ شَهْوَةً ، وَلَا عَادٍ فَوْقَ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2493 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا [3/325]أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " . أَمَّا " بَاغٍ " ، فَيَبْغِي فِيهِ شَهْوَتَهُ . وَأَمَّا " الْعَادِي " ، فَيَتَعَدَّى فِي أَكْلِهِ ، يَأْكُلُ حَتَّى يَشْبَعَ ، وَلَكِنْ يَأْكُلُ مِنْهُ قَدْرَ مَا يُمْسِكُ بِهِ نَفْسَهُ حَتَّى يَبْلُغَ بِهِ حَاجَتَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ بِأَكْلِهِ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ مِنْ أَكْلِهِ ، وَلَا عَادٍ فِي أَكْلِهِ ، وَلَهُ عَنْ تَرْكِ أَكْلِهِ - بِوُجُودِ غَيْرِهِ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ - مَنْدُوحَةٌ وَغِنًى .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يُرَخِّصْ لِأَحَدٍ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ بِحَالٍ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الْخَارِجَ عَلَى الْإِمَامِ وَالْقَاطِعَ الطَّرِيقَ ، وَإِنْ كَانَا قَدْ أَتَيَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا : مِنْ خُرُوجِ هَذَا عَلَى مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ ، وَسَعْيِ هَذَا بِالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ ، فَغَيْرُ مُبِيحٍ لَهُمَا فِعْلُهُمَا مَا فَعَلَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا - مَا كَانَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا قَبْلَ إِتْيَانِهِمَا مَا أَتَيَا مِنْ ذَلِكَ - مِنْ قَتْلِ أَنْفُسِهِمَا . [ وَرَدُّهُمَا إِلَى مَحَارِمِ اللَّهِ عَلَيْهِمَا بَعْدَ فِعْلِهِمَا مَا فَعَلَا وَإِنْ كَانَ قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِمَا مَا كَانَ مُرَخَّصًا لَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمَا ، وَإِنْ لَمْ نَرَ رَدَّهُمَا إِلَى مَحَارِمِ اللَّهِ عَلَيْهِمَا تَحْرِيمًا ، فَغَيْرُ مُرَخِّصٍ لَهُمَا مَا كَانَ عَلَيْهِمَا قَبْلَ ذَلِكَ حَرَامًا ] . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْوَاجِبُ عَلَى قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالْبُغَاةِ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْعَادِلَةِ ، الْأَوْبَةُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَالرُّجُوعُ إِلَى مَا أَلْزَمَهُمَا اللَّهُ الرُّجُوعَ إِلَيْهِ ، وَالتَّوْبَةُ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ - لَا قَتْلُ أَنْفُسِهِمَا بِالْمَجَاعَةِ ، فَيَزْدَادَانِ إِلَى إِثْمِهِمَا إِثْمًا ، وَإِلَى خِلَافِهِمَا أَمْرَ اللَّهِ خِلَافًا . [3/326]
وَأَمَّا الَّذِي وَجَّهَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ بَاغٍ فِي أَكْلِهِ شَهْوَةً ، فَأَكَلَ ذَلِكَ شَهْوَةً ، لَا لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ الْمُخَوِّفِ مِنْهَا الْهَلَاكَ - مِمَّا قَدْ دَخَلَ فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ - فَهُوَ بِمَعْنَى مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِهِ ، وَإِنْ كَانَ لِلَفْظِهِ مُخَالِفًا .
فَأَمَّا تَوْجِيهُ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَلَا عَادٍ " ، وَلَا آكِلٍ مِنْهُ شِبْعَةً ، وَلَكِنْ مَا يُمْسِكُ بِهِ نَفْسَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْضُ مَعَانِي الِاعْتِدَاءِ فِي أَكْلِهِ . وَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ مِنْ مَعَانِي الِاعْتِدَاءِ فِي أَكْلِهِ مَعْنًى ، فَيُقَالُ عَنَى بِهِ بَعْضَ مَعَانِيهِ .
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ مَا قُلْنَا : مِنْ أَنَّهُ الِاعْتِدَاءُ فِي كُلِّ مَعَانِيهِ الْمُحَرَّمَةِ .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ " ، يَقُولُ : مِنْ أَكَلَ ذَلِكَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا ، فَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَلَا حَرَجَ .
[3/327]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " ، " إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ " إِنْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ فِي إِسْلَامِكُمْ ، فَاجْتَنَبْتُمْ أَكْلَ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ، وَتَرَكْتُمُ اتِّبَاعَ الشَّيْطَانِ فِيمَا كُنْتُمْ تُحَرِّمُونَهُ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ - طَاعَةً مِنْكُمْ لِلشَّيْطَانِ وَاقْتِفَاءً مِنْكُمْ خُطُوَاتِهِ - مِمَّا لَمْ أُحَرِّمْهُ عَلَيْكُمْ لِمَا سَلَفَ مِنْكُمْ ، فِي كُفْرِكُمْ وَقَبْلَ إِسْلَامِكُمْ ، فِي ذَلِكَ مِنْ خَطَأٍ وَذَنْبٍ وَمَعْصِيَةٍ ، فَصَافِحٌ عَنْكُمْ ، وَتَارِكٌ عُقُوبَتَكُمْ عَلَيْهِ ، " رَحِيمٌ " بِكُمْ إِنْ أَطَعْتُمُوهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : لَا تُحَرِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَا لَمْ أُحَرِّمْهُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ منَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، بَلْ كُلُوا ذَلِكَ ، فَإِنِّي لَمْ أُحَرِّمْ عَلَيْكُمْ غَيْرَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِي .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ " ، مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْمَيْتَةَ . [3/318]
" وَإِنَّمَا " : حَرْفٌ وَاحِدٌ ، وَلِذَلِكَ نُصِبَتِ " الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ " ، وَغَيْرُ جَائِزٍ فِي " الْمَيْتَةِ " إِذَا جُعِلَتْ " إِنَّمَا " حَرْفًا وَاحِدًا - إِلَّا النَّصْبُ . وَلَوْ كَانَتْ " إِنَّمَا " حَرْفَيْنِ ، وَكَانَتْ مُنْفَصِلَةً مِنْ " إِنَّ " ، لَكَانَتِ " الْمَيْتَةُ " مَرْفُوعَةً وَمَا بَعْدَهَا . وَكَانَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمَطَاعِمِ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ، لَا غَيْرَ ذَلِكَ .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ . وَلَسْتُ لِلْقِرَاءَةِ بِهِ مُسْتَجِيزًا وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي التَّأْوِيلِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَجْهٌ مَفْهُومٌ - لِاتِّفَاقِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى خِلَافِهِ . فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِمْ فِيمَا نَقَلُوهُ مُجْمِعِينَ عَلَيْهِ .
وَلَوْ قُرِئَ فِي " حُرِّمَ " بِضَمِّ الْحَاءِ مِنْ " حَرَّمَ " ، لَكَانَ فِي " الْمَيْتَةِ " وَجْهَانِ مِنَ الرَّفْعِ . أَحَدُهُمَا : مِنْ أَنَّ الْفَاعِلَ غَيْرُ مُسَمًّى ، " وَإِنَّمَا " حَرْفٌ وَاحِدٌ .
وَالْآخَرُ : " إِنَّ " وَ " مَا " فِي مَعْنَى حَرْفَيْنِ ، وَ " حُرِّمَ " مِنْ صِلَةِ " مَا " ، " وَالْمَيْتَةُ " خَبَرُ " الَّذِي " مَرْفُوعٌ عَلَى الْخَبَرِ . وَلَسْتُ ، وَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَيْضًا وَجْهٌ ، مُسْتَجِيزًا لِلْقِرَاءَةِ بِهِ ، لِمَا ذَكَرْتُ .
وَأَمَّا " الْمَيْتَةُ " ، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ مُخْتَلِفَةٌ فِي قِرَاءَتِهَا . فَقَرَأَهَا بَعْضُهُمْ بِالتَّخْفِيفِ ، وَمَعْنَاهُ فِيهَا التَّشْدِيدُ ، وَلَكِنَّهُ يُخَفِّفُهَا كَمَا يُخَفِّفُ الْقَائِلُونَ فِي : " هُوَ هَيِّنٌ لَيِّنٌ " " الْهَيْنُ اللَّيْنُ " ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ إِنَّمَا الْمَيْتُ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ [3/319]
فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ ، فِي مَعْنَى وَاحِدٍ .
وَقَرَأَهَا بَعْضُهُمْ بِالتَّشْدِيدِ ، وَحَمَلُوهَا عَلَى الْأَصْلِ ، وَقَالُوا : إِنَّمَا هُوَ " مَيْوِتٌ " ، " فَيْعِلٌ " ، مِنَ الْمَوْتِ . وَلَكِنَّ " الْيَاءَ " السَّاكِنَةَ وَ " الْوَاوَ " الْمُتَحَرِّكَةَ لَمَّا اجْتَمَعَتَا ، " وَالْيَاءُ " مَعَ سُكُونِهَا مُتَقَدِّمَةٌ ، قُلِبَتِ " الْوَاوُ " " يَاءً " وَشُدِّدَتْ ، فَصَارَتَا " يَاءً " مُشَدَّدَةً ، كَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي " سَيِّدٍ وَجَيِّدٍ " . قَالُوا : وَمَنْ خَفَّفَهَا ، فَإِنَّمَا طَلَبَ الْخِفَّةَ . وَالْقِرَاءَةُ بِهَا عَلَى أَصْلِهَا الَّذِي هُوَ أَصْلُهَا أَوْلَى .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ التَّخْفِيفَ وَالتَّشْدِيدَ فِي " يَاءِ " " الْمَيْتَةِ " لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي الْقِرَاءَةِ وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَبِأَيِّهِمَا قَرَأَ ذَلِكَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ . لِأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِي مَعْنَيَيْهِمَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : وَمَا ذُبِحَ لِلْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ يُسَمَّى عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ ، أَوْ قُصِدَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الْأَصْنَامِ .
وَإِنَّمَا قِيلَ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ " ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَرَادُوا ذَبْحَ مَا قَرَّبُوهُ لِآلِهَتِهِمْ ، سَمَّوُا اسْمَ آلِهَتِهِمُ الَّتِي قَرَّبُوا ذَلِكَ لَهَا ، وَجَهَرُوا بِذَلِكَ أَصْوَاتَهُمْ ، فَجَرَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ ، حَتَّى قِيلَ لِكُلِّ ذَابِحٍ ، سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ ، جَهَرَ بِالتَّسْمِيَةِ أَوْ لَمْ يَجْهَرْ - : " مُهِلٌّ " . فَرَفْعُهُمْ أَصْوَاتَهُمْ بِذَلِكَ هُوَ " الْإِهْلَالُ " الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " . وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْمُلَبِّي فِي حَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ " مُهِلٌّ " ، لِرَفْعِهِ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ . وَمِنْهُ " اسْتِهْلَالُ " الصَّبِيِّ ، إِذَا صَاحَ عِنْدَ سُقُوطِهِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ ، " وَاسْتِهْلَالُ " الْمَطَرِ ، وَهُوَ صَوْتُ وُقُوعِهِ عَلَى الْأَرْضِ ، كَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ قَمِيئَةَ :
[3/320]ظَلَمَ الْبِطَاحَ لَهُ انْهِلَالُ حَرِيصَةٍ فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ الْمُقْلَعِ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " ، مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2468 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " قَالَ : مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ .
2469 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " قَالَ : مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ مِمَّا لَمْ يُسَمَّ عَلَيْهِ .
2470 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " ، مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ .
2471 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " قَالَ : مَا أُهِلَّ بِهِ لِلطَّوَاغِيتِ .
2472 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " قَالَ : مَا أَهَّلَ بِهِ لِلطَّوَاغِيتِ .
2473 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " ، يَعْنِي : مَا أُهِلَّ لِلطَّوَاغِيتِ كُلِّهَا . يَعْنِي : مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ ، غَيْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى .
2474 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ : هُوَ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ . [3/321]
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2475 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " ، يَقُولُ : مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ .
2476 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ - وَسَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " - قَالَ : مَا يُذْبَحُ لِآلِهَتِهِمُ ، الْأَنْصَابُ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا أَوْ يُسَمُّونَ أَسْمَاءَهَا عَلَيْهَا . قَالَ : يَقُولُونَ : " بِاسْمِ فُلَانٍ " ، كَمَا تَقُولُ أَنْتَ : " بِاسْمِ اللَّهِ " قَالَ : فَذَلِكَ قَوْلُهُ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " .
2477 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَيْوَةُ عَنْ عَقَبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ التُّجِيبِيِّ وَقَيْسِ بْنِ رَافِعٍ الْأَشْجَعِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا : أُحِلَّ لَنَا مَا ذُبِحَ لِعِيدِ الْكَنَائِسِ ، وَمَا أُهْدِيَ لَهَا مِنْ خُبْزٍ أَوْ لَحْمٍ ، فَإِنَّمَا هُوَ طَعَامُ أَهْلِ الْكِتَابِ . قَالَ حَيْوَةُ ، قُلْتُ : أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ : " وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ " ؟ قَالَ : إِنَّمَا ذَلِكَ الْمَجُوسُ وَأَهْلُ الْأَوْثَانِ وَالْمُشْرِكُونَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " فَمَنِ اضْطُرَّ " ، فَمَنْ حَلَّتْ بِهِ ضَرُورَةُ مَجَاعَةٍ إِلَى مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ - وَهُوَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا - فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهِ إِنْ أَكَلَهُ . [3/322]
وَقَوْلُهُ : فَمَنِ " اضْطُرَّ " " افْتُعِلَ " مِنَ " الضَّرُورَةِ " .
وَ " غَيْرَ بَاغٍ " نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنْ " مَنْ " ، فَكَأَنَّهُ . قِيلَ : فَمَنِ اضْطُرَّ لَا بَاغِيًا وَلَا عَادِيًا فَأَكَلَهُ ، فَهُوَ لَهُ حَلَالٌ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : " فَمَنِ اضْطُرَّ " ، فَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِهِ فَأَكَلَهُ ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2478 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : الرَّجُلُ يَأْخُذُهُ الْعَدُوُّ فَيَدْعُونَهُ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ مُخْتَلِفُونَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " غَيْرَ بَاغٍ " ، غَيْرَ خَارِجٍ عَلَى الْأَئِمَّةِ بِسَيْفِهِ بَاغِيًا عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ جَوْرٍ ، وَلَا عَادِيًا عَلَيْهِمْ بِحَرْبٍ وَعُدْوَانٍ ، فَمُفْسِدٌ عَلَيْهِمُ السَّبِيلَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2479 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : سَمِعْتُ لَيْثًا عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : غَيْرَ قَاطِعِ سَبِيلٍ ، وَلَا مَفَارِقِ جَمَاعَةٍ ، وَلَا خَارِجٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، فَلَهُ الرُّخْصَةُ .
2480 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " ، يَقُولُ : لَا قَاطِعًا لِلسَّبِيلِ ، وَلَا مُفَارِقًا لِلْأَئِمَّةِ ، وَلَا خَارِجًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، فَلَهُ الرُّخْصَةُ . وَمَنْ خَرَجَ بَاغِيًا أَوْ عَادِيًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، فَلَا رُخْصَةَ لَهُ وَإِنِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ .
2481 - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ سَعِيدٍ : " غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، فَلَيْسَ لَهُ رُخْصَةٌ [3/323]إِذَا جَاعَ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ ، وَإِذَا عَطِشَ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ .
2482 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ شَرِيكٍ عَنْ سَالِمٍ - يَعْنِي الْأَفْطَسَ - عَنْ سَعِيدٍ فِي قَوْلِهِ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : الْبَاغِي الْعَادِي الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، فَلَا رُخْصَةَ لَهُ وَلَا كَرَامَةَ .
2483 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ سَعِيدٍ فِي قَوْلِهِ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : إِذَا خَرَجَ فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ اللَّهِ فَاضْطَرَّ إِلَى شُرْبِ الْخَمْرِ شَرِبَ ، وَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى الْمَيْتَةِ أَكَلَ . وَإِذَا خَرَجَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ، فَلَا رُخْصَةَ لَهُ .
2484 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنِ الْحَجَّاجِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : " غَيْرَ بَاغٍ " عَلَى الْأَئِمَّةِ ، " وَلَا عَادٍ " قَالَ : قَاطِعُ السَّبِيلِ .
2485 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : غَيْرَ قَاطِعٍ السَّبِيلَ ، وَلَا مُفَارِقٍ الْأَئِمَّةَ ، وَلَا خَارِجٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَهُ الرُّخْصَةُ .
2486 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ حَجَّاجٍ ، عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : غَيْرَ بَاغٍ عَلَى الْأَئِمَّةِ ، وَلَا عَادٍ عَلَى ابْنِ السَّبِيلِ .
وَقَالَ آخَرُونَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " : غَيْرَ بَاغٍ الْحَرَامَ فِي أَكْلِهِ ، وَلَا مُعْتَدٍ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ مِنْهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
2487 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ [3/324]عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : غَيْرَ بَاغٍ فِي أَكْلِهِ ، وَلَا عَادٍ : أَنْ يَتَعَدَّى حَلَالًا إِلَى حَرَامٍ ، وَهُوَ يَجِدُ عَنْهُ مَنْدُوحَةً .
2488 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : غَيْرَ بَاغٍ فِيهَا وَلَا مُعْتَدٍ فِيهَا بِأَكْلِهَا ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهَا .
2489 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ يَقُولُ ذَلِكَ .
2490 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ جَابِرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ قَوْلَهُ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " ، " غَيْرَ بَاغٍ " يَبْتَغِيهِ ، " وَلَا عَادٍ " : يَتَعَدَّى عَلَى مَا يُمْسِكُ نَفْسَهُ .
2491 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " ، يَقُولُ : مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْتَغِيَ حَرَامًا وَيَتَعَدَّاهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ : فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [ سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ : 7/ سُورَةُ الْمَعَارِجِ : 31 ]
2492 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " قَالَ : أَنْ يَأْكُلَ ذَلِكَ بَغْيًا وَتَعَدِّيًا عَنِ الْحَلَالِ إِلَى الْحَرَامِ ، وَيَتْرُكَ الْحَلَالَ وَهُوَ عِنْدَهُ ، وَيَتَعَدَّى بِأَكْلِ هَذَا الْحَرَامِ . هَذَا التَّعَدِّي . يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَا مُخْتَلِفَيْنِ ، وَيَقُولُ : هَذَا وَهَذَا وَاحِدٌ!
وَقَالَ آخَرُونَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ فِي أَكْلِهِ شَهْوَةً ، وَلَا عَادٍ فَوْقَ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2493 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا [3/325]أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ " . أَمَّا " بَاغٍ " ، فَيَبْغِي فِيهِ شَهْوَتَهُ . وَأَمَّا " الْعَادِي " ، فَيَتَعَدَّى فِي أَكْلِهِ ، يَأْكُلُ حَتَّى يَشْبَعَ ، وَلَكِنْ يَأْكُلُ مِنْهُ قَدْرَ مَا يُمْسِكُ بِهِ نَفْسَهُ حَتَّى يَبْلُغَ بِهِ حَاجَتَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ بِأَكْلِهِ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ مِنْ أَكْلِهِ ، وَلَا عَادٍ فِي أَكْلِهِ ، وَلَهُ عَنْ تَرْكِ أَكْلِهِ - بِوُجُودِ غَيْرِهِ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ - مَنْدُوحَةٌ وَغِنًى .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يُرَخِّصْ لِأَحَدٍ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ بِحَالٍ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الْخَارِجَ عَلَى الْإِمَامِ وَالْقَاطِعَ الطَّرِيقَ ، وَإِنْ كَانَا قَدْ أَتَيَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا : مِنْ خُرُوجِ هَذَا عَلَى مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ ، وَسَعْيِ هَذَا بِالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ ، فَغَيْرُ مُبِيحٍ لَهُمَا فِعْلُهُمَا مَا فَعَلَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا - مَا كَانَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا قَبْلَ إِتْيَانِهِمَا مَا أَتَيَا مِنْ ذَلِكَ - مِنْ قَتْلِ أَنْفُسِهِمَا . [ وَرَدُّهُمَا إِلَى مَحَارِمِ اللَّهِ عَلَيْهِمَا بَعْدَ فِعْلِهِمَا مَا فَعَلَا وَإِنْ كَانَ قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِمَا مَا كَانَ مُرَخَّصًا لَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمَا ، وَإِنْ لَمْ نَرَ رَدَّهُمَا إِلَى مَحَارِمِ اللَّهِ عَلَيْهِمَا تَحْرِيمًا ، فَغَيْرُ مُرَخِّصٍ لَهُمَا مَا كَانَ عَلَيْهِمَا قَبْلَ ذَلِكَ حَرَامًا ] . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْوَاجِبُ عَلَى قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالْبُغَاةِ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْعَادِلَةِ ، الْأَوْبَةُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَالرُّجُوعُ إِلَى مَا أَلْزَمَهُمَا اللَّهُ الرُّجُوعَ إِلَيْهِ ، وَالتَّوْبَةُ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ - لَا قَتْلُ أَنْفُسِهِمَا بِالْمَجَاعَةِ ، فَيَزْدَادَانِ إِلَى إِثْمِهِمَا إِثْمًا ، وَإِلَى خِلَافِهِمَا أَمْرَ اللَّهِ خِلَافًا . [3/326]
وَأَمَّا الَّذِي وَجَّهَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ بَاغٍ فِي أَكْلِهِ شَهْوَةً ، فَأَكَلَ ذَلِكَ شَهْوَةً ، لَا لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ الْمُخَوِّفِ مِنْهَا الْهَلَاكَ - مِمَّا قَدْ دَخَلَ فِيمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ - فَهُوَ بِمَعْنَى مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِهِ ، وَإِنْ كَانَ لِلَفْظِهِ مُخَالِفًا .
فَأَمَّا تَوْجِيهُ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَلَا عَادٍ " ، وَلَا آكِلٍ مِنْهُ شِبْعَةً ، وَلَكِنْ مَا يُمْسِكُ بِهِ نَفْسَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْضُ مَعَانِي الِاعْتِدَاءِ فِي أَكْلِهِ . وَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ مِنْ مَعَانِي الِاعْتِدَاءِ فِي أَكْلِهِ مَعْنًى ، فَيُقَالُ عَنَى بِهِ بَعْضَ مَعَانِيهِ .
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ مَا قُلْنَا : مِنْ أَنَّهُ الِاعْتِدَاءُ فِي كُلِّ مَعَانِيهِ الْمُحَرَّمَةِ .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ " ، يَقُولُ : مِنْ أَكَلَ ذَلِكَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْنَا ، فَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَلَا حَرَجَ .
[3/327]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " ، " إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ " إِنْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ فِي إِسْلَامِكُمْ ، فَاجْتَنَبْتُمْ أَكْلَ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ، وَتَرَكْتُمُ اتِّبَاعَ الشَّيْطَانِ فِيمَا كُنْتُمْ تُحَرِّمُونَهُ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ - طَاعَةً مِنْكُمْ لِلشَّيْطَانِ وَاقْتِفَاءً مِنْكُمْ خُطُوَاتِهِ - مِمَّا لَمْ أُحَرِّمْهُ عَلَيْكُمْ لِمَا سَلَفَ مِنْكُمْ ، فِي كُفْرِكُمْ وَقَبْلَ إِسْلَامِكُمْ ، فِي ذَلِكَ مِنْ خَطَأٍ وَذَنْبٍ وَمَعْصِيَةٍ ، فَصَافِحٌ عَنْكُمْ ، وَتَارِكٌ عُقُوبَتَكُمْ عَلَيْهِ ، " رَحِيمٌ " بِكُمْ إِنْ أَطَعْتُمُوهُ .