تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً . . . . "

ج 3
ص 308

الآية المفسَّرة

وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 3 · ص 308

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً ( 171 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : مَثَلُ الْكَافِرِ فِي قِلَّةِ فَهْمِهِ عَنِ اللَّهِ مَا يُتْلَى عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ ، وَسُوءِ قَبُولِهِ لِمَا يُدْعَى إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَيُوعَظُ بِهِ مَثَلُ الْبَهِيمَةِ الَّتِي تَسْمَعُ الصَّوْتَ إِذَا نُعِقْ بِهَا ، وَلَا تَعْقِلُ مَا يُقَالُ لَهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2450 - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً " قَالَ : مَثَلُ الْبَعِيرِ أَوْ مَثَلُ الْحِمَارِ ، تَدْعُوهُ فَيَسْمَعُ الصَّوْتَ وَلَا يَفْقَهُ مَا تَقُولُ .
2451 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السِّمَتِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ " قَالَ : هُوَ كَمَثَلِ الشَّاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . [3/309]
2452 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : " وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً " ، كَمَثَلِ الْبَعِيرِ وَالْحِمَارِ وَالشَّاةِ ، إِنْ قُلْتَ لِبَعْضِهَا " كُلْ " - لَا يَعْلَمُ مَا تَقُولُ غَيْرَ أَنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ ، إِنْ أَمَرْتَهُ بِخَيْرٍ أَوْ نَهَيْتَهُ عَنْ شَرٍّ أَوْ وَعَظْتَهُ ، لَمْ يَعْقِلْ مَا تَقُولُ غَيْرَ أَنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ .
2453 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَثَلُ الدَّابَّةِ تُنَادَى فَتُسْمِعُ وَلَا تَعْقِلُ مَا يُقَالُ لَهَا . كَذَلِكَ الْكَافِرُ ، يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَلَا يَعْقِلُ .
2454 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ خَصِيفٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : " كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ " قَالَ : مَثَلُ الْكَافِرِ مَثَلُ الْبَهِيمَةِ تَسْمَعُ الصَّوْتَ وَلَا تَعْقِلُ .
2455 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ : " كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ " ، مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ لِلْكَافِرِ يَسْمَعُ مَا يُقَالُ لَهُ وَلَا يُعْقَلُ ، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تَسْمَعُ النَّعِيقَ وَلَا تَعْقِلُ .
2456 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً " ، يَقُولُ : مَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْبَعِيرِ وَالشَّاةِ ، يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَلَا يَعْقِلُ وَلَا يَدْرِي مَا عُنِيَ بِهِ . [3/310]
2457 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً " قَالَ : هُوَ مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ لِلْكَافِرِ؛ يَقُولُ : مَثَلُ هَذَا الْكَافِرِ مَثَلُ هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي تَسْمَعُ الصَّوْتَ وَلَا تَدْرِي مَا يُقَالُ لَهَا . فَكَذَلِكَ الْكَافِرُ لَا يَنْتَفِعُ بِمَا يُقَالُ لَهُ .
2458 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : هُوَ مَثَلُ الْكَافِرِ ، يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَلَا يَعْقِلُ مَا يُقَالُ لَهُ .
2459 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : سَأَلْتُ عَطَاءً ثُمَّ قُلْتُ لَهُ : يُقَالُ : لَا تَعْقِلُ - يَعْنِي الْبَهِيمَةَ - إِلَّا أَنَّهَا تَسْمَعُ دُعَاءَ الدَّاعِي حِينَ يَنْعِقُ بِهَا ، فَهُمْ كَذَلِكَ لَا يَعْقِلُونَ وَهُمْ يَسْمَعُونَ . فَقَالَ : كَذَلِكَ . قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِدٌ : " الَّذِي يَنْعِقُ " ، الرَّاعِي " بِمَا لا يَسْمَعُ " مِنَ الْبَهَائِمِ .
2460 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ " الرَّاعِي " بِمَا لا يَسْمَعُ " مِنَ الْبَهَائِمِ .
2461 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : " كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً " ، لَا يَعْقِلُ مَا يُقَالُ لَهُ إِلَّا أَنْ تُدْعَيْ فَتَأْتِي ، أَوْ يُنَادَى بِهَا فَتَذْهَبُ . وَأَمَّا " الَّذِي يَنْعِقُ " ، فَهُوَ الرَّاعِي الْغَنَمَ ، كَمَا يَنْعَقُ الرَّاعِي بِمَا لَا يَسْمَعُ مَا يُقَالُ لَهُ ، إِلَّا أَنْ يُدْعَى أَوْ يُنَادَى . فَكَذَلِكَ مُحَمَّدٌ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَدْعُو مَنْ لَا يَسْمَعُ إِلَّا خَرِيرَ الْكَلَامِ ، يَقُولُ اللَّهُ : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [ سُورَةَ الْبَقَرَةِ : 18 ]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمَعْنَى قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ - فِي تَأْوِيلِهِمْ مَا تأوَّلُوا ، عَلَى مَا حُكِيَتْ عَنْهُمْ - : وَمَثَلُ وَعْظِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَوَاعِظِهِمْ ، كَمَثَلِ نَعْقِ النَّاعِقِ بِغَنَمِهِ [3/311]وَنَعِيقِهِ بِهَا . فَأُضِيفَ " الْمَثَلُ " إِلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَتُرِكَ ذِكْرُ " الْوَعْظِ وَالْوَاعِظِ " ، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ . كَمَا يُقَالُ : " إِذَا لَقِيتَ فُلَانًا فَعَظِّمْهُ تَعْظِيمَ السُّلْطَانِ " ، يُرَادُ بِهِ : كَمَا تُعَظِّمُ السُّلْطَانَ ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
فَلَسْتُ مُسَلِّمًا مَا دُمْتُ حَيًّا عَلَى زَيْدٍ بِتَسْلِيمِ الْأَمِيرِ
يُرَادُ بِهِ : كَمَا يُسَلِّمُ عَلَى الْأَمِيرِ .
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى - عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ هَؤُلَاءِ - : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَّرُوا فِي قِلَّةِ فَهْمِهِمْ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ ، كَمَثَلِ الْمَنْعُوقِ بِهِ مِنَ الْبَهَائِمِ ، الَّذِي لَا يَفْقَهُ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ غَيْرَ الصَّوْتِ . وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ : " اعْتَلِفْ ، أَوْرِدِ الْمَاءَ " ، لَمْ يَدْرِ مَا يُقَالُ لَهُ غَيْرَ الصَّوْتِ الَّذِي يَسْمَعُهُ مِنْ قَائِلِهِ . فَكَذَلِكَ الْكَافِرُ مِثْلُهُ فِي قِلَّةِ فَهْمِهِ لِمَا يُؤْمَرُ بِهِ وَيُنْهَى عَنْهُ - بِسُوءِ تَدَبُّرِهِ إِيَّاهُ وَقِلَّةِ نَظَرِهِ وَفِكْرِهِ فِيهِ - مَثَلُ هَذَا الْمَنْعُوقِ بِهِ فِيمَا أُمِرَ بِهِ وَنُهِيَ عَنْهُ . فَيَكُونُ الْمَعْنَى لِلْمَنْعُوقِ بِهِ ، وَالْكَلَامُ خَارِجٌ عَلَى النَّاعِقِ ، كَمَا قَالَ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ :
وَقَدْ خِفْتُ ، حَتَّى مَا تَزِيدُ مَخَافَتِي عَلَى وَعِلٍ فِي ذِي الْمَطَارَةِ عَاقِلِ
وَالْمَعْنَى : حَتَّى مَا تَزِيدُ مَخَافَةُ الْوَعِلِ عَلَى مَخَافَتِي ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ : [3/312]
كَانَتْ فَرِيضَةُ مَا تَقُولُ ، كَمَا كَانَ الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ
وَالْمَعْنَى : كَمَا كَانَ الرَّجْمُ فَرِيضَةَ الزِّنَا ، فَجَعَلَ الزِّنَا فَرِيضَةَ الرَّجْمِ ، لِوُضُوحِ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَ سَامِعِهِ ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ :
إِنَّ سِرَاجًا لَكَرِيمٌ مَفْخَرُهْ تَحْلَى بِهِ الْعَيْنُ إِذَا مَا تَجْهَرُهْ
وَالْمَعْنَى : يَحْلَى بِالْعَيْنِ ، فَجَعَلَهُ تَحَلَّى بِهِ الْعَيْنُ . وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى ، مِمَّا تُوَجِّهُهُ الْعَرَبُ مِنْ خَبَرِ مَا تُخْبِرُ عَنْهُ إِلَى مَا صَاحَبَهُ ، لِظُهُورِ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ سَامِعِهِ ، فَتَقُولُ : " اعْرِضِ الْحَوْضَ عَلَى النَّاقَةِ " ، وَإِنَّمَا تَعْرِضُ النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي دُعَائِهِمْ آلِهَتَهُمْ وَأَوْثَانَهُمُ الَّتِي لَا تَسْمَعُ وَلَا تَعْقِلُ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً وَذَلِكَ الصَّدَى الَّذِي يَسْمَعُ صَوْتَهُ ، وَلَا يَفْهَمُ بِهِ عَنْهُ النَّاعِقُ شَيْئًا .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ قَائِلِي ذَلِكَ : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَآلِهَتِهِمْ - فِي دُعَائِهِمْ إِيَّاهَا وَهِيَ لَا تَفْقَهُ وَلَا تَعْقِلُ - كَمَثَلِ النَّاعِقِ بِمَا لَا يَسْمَعُهُ النَّاعِقُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ، أَيْ : لَا يَسْمَعُ مِنْهُ النَّاعِقُ إِلَّا دُعَاءَهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : [3/313]
2462 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً " قَالَ : الرَّجُلُ الَّذِي يَصِيحُ فِي جَوْفِ الْجِبَالِ فَيُجِيبُهُ فِيهَا صَوْتٌ يُرَاجِعُهُ يُقَالُ لَهُ " الصَّدَى " . فَمَثَلُ آلِهَةِ هَؤُلَاءِ لَهُمْ ، كَمَثَلِ الَّذِي يُجِيبُهُ بِهَذَا الصَّوْتِ ، لَا يَنْفَعُهُ ، لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً . قَالَ : وَالْعَرَبُ تُسَمِّي ذَلِكَ الصَّدَى .
وَقَدْ تَحْتَمِلُ الْآيَةُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَجْهًا آخَرَ غَيْرَ ذَلِكَ . وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي دُعَائِهِمْ آلِهَتَهُمُ الَّتِي لَا تَفْقَهُ دُعَاءَهُمْ ، كَمَثَلِ النَّاعِقِ بِغَنَمٍ لَهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَسْمَعُ صَوْتَهُ غَنَمُهُ ، فَلَا تَنْتَفِعُ مِنْ نَعْقِهِ بِشَيْءٍ ، غَيْرَ أَنَّهُ فِي عَنَاءٍ مِنْ دُعَاءٍ وَنِدَاءٍ ، فَكَذَلِكَ الْكَافِرُ فِي دُعَائِهِ آلِهَتَهُ ، إِنَّمَا هُوَ فِي عَنَاءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِيَّاهَا وَنِدَائِهِ لَهَا ، وَلَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلِ عِنْدِي بِالْآيَةِ ، التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ . وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ : وَمَثَلُ وَعْظِ الْكَافِرِ وَوَاعِظِهِ ، كَمَثَلِ النَّاعِقِ بِغَنَمِهِ وَنَعِيقِهِ ، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ نَعْقَهُ وَلَا يَعْقِلُ كَلَامَهُ ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ .
فَأَمَّا وَجْهُ جَوَازِ حَذْفِ " وَعْظِ " اكْتِفَاءً بِالْمَثَلِ مِنْهُ ، فَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَانِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 17 ] ، وَفِي غَيْرِهِ مِنْ نَظَائِرِهِ مِنَ الْآيَاتِ ، بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا هَذَا التَّأْوِيلَ ، لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ ، وَإِيَّاهُمْ عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِهَا ، وَلَمْ تَكُنِ الْيَهُودُ أَهْلَ أَوْثَانٍ يَعْبُدُونَهَا ، وَلَا أَهْلَ أَصْنَامٍ يُعَظِّمُونَهَا وَيَرْجُونَ نَفْعَهَا أَوْ دَفْعَ ضُرَّهَا . وَلَا وَجْهَ - إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ - لِتَأْوِيلِ مَنْ [3/314]تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى : مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي نِدَائِهِمُ الْآلِهَةَ وَدُعَائِهِمْ إِيَّاهَا .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا دَلِيلُكَ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْيَهُودُ؟
قِيلَ : دَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ مَا قَبْلَهَا مِنَ الْآيَاتِ وَمَا بَعْدَهَا ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الْمَعْنِيُّونَ بِهِ . فَكَانَ مَا بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُمْ ، أَحَقُّ وَأُولَى مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ غَيْرِهِمْ ، حَتَّى تَأْتِيَ الْأَدِلَّةُ وَاضِحَةً بِانْصِرَافِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ . هَذَا ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَخْبَارِ عَمَّنْ ذَكَرْنَا عَنْهُ أَنَّهَا فِيهِمْ نَزَلَتْ ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي رَوَيْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ نَزَلَتْ فِيهِمْ . وَبِمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَعْنِيٌّ بِهَا [3/315]الْيَهُودَ كَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ :
2463 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ لِي عَطَاءٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : هُمُ الْيَهُودُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا إِلَى قَوْلِهِ : فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 174 - 175 ] .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " يَنعِقُ " ، فَإِنَّهُ : يُصَوِّتُ بِالْغَنَمِ " النَّعِيقُ ، وَالنُّعَاقُ " ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ :
فَانْعِقْ بِضَأْنِكَ يَا جَرِيرُ ، فَإِنَّمَا مَنَّتْكَ نَفْسُكَ فِي الْخَلَاءِ ضَلَالَا
يَعْنِي : صَوِّتَ بِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 171 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ " ، هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ الَّذِينَ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً " صُمٌّ " عَنِ الْحَقِّ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ - " بُكْمٌ " يَعْنِي : خُرْسٌ عَنْ قِيلِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ ، وَالْإِقْرَارِ بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يُقِرُّوا بِهِ ، وَتَبْيِينِ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنْ يُبَيِّنُوهُ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ ، فَلَا يَنْطِقُونَ بِهِ وَلَا يَقُولُونَهُ ، وَلَا يُبَيِّنُونَهُ لِلنَّاسِ - ، " عُمْيٌ " [3/316]عَنِ الْهُدَى وَطَرِيقِ الْحَقِّ فَلَا يُبْصِرُونَهُ ، كَمَا : -
2464 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ " ، يَقُولُ : صُمٌّ عَنِ الْحَقِّ فَلَا يَسْمَعُونَهُ ، وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَلَا يَعْقِلُونَهُ; عُمْيٌ عَنِ الْحَقِّ وَالْهُدَى فَلَا يُبْصِرُونَهُ; بُكْمٌ عَنِ الْحَقِّ فَلَا يَنْطِقُونَ بِهِ .
2465 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ " يَقُولُ : عَنِ الْحَقِّ .
2466 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ " ، يَقُولُ : لَا يَسْمَعُونَ الْهُدَى وَلَا يُبْصِرُونَهُ وَلَا يَعْقِلُونَهُ .
وَأَمَّا الرَّفْعُ فِي قَوْلِهِ : " صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ " ، فَإِنَّهُ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ الِابْتِدَاءِ وَالِاسْتِئْنَافِ ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : " فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ " ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ : " هُوَ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ ، وَهُوَ أَبْكَمُ لَا يَتَكَلَّمُ " .