تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا "

ج 3
ص 293

الآية المفسَّرة

وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 3 · ص 293

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ( 167 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا " ، وَقَالَ أَتْبَاعُ الرِّجَالِ - الَّذِينَ كَانُوا اتَّخَذُوهُمْ أَنْدَادًا مِنْ دُونِ اللَّهِ يُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، وَيَعْصُونَ رَبَّهُمْ فِي طَاعَتِهِمْ ، إِذْ يَرَوْنَ عَذَابَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ - : " لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَةً " .
يَعْنِي " بِالْكَرَّةِ " ، الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " كَرَرْتُ عَلَى الْقَوْمِ أَكُرُّ كَرًّا " ، وَ " الْكَرَّةُ " الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ ، وَذَلِكَ إِذَا حَمَلَ عَلَيْهِمْ رَاجِعًا عَلَيْهِمْ بَعْدَ الِانْصِرَافِ عَنْهُمْ ، كَمَا قَالَ الْأَخْطَلُ : [3/294]
وَلَقَدْ عَطَفْنَ عَلَى فَزَارَةَ عَطْفَةً كَرَّ الْمَنِيحِ وَجُلْنَ ثَمَّ مَجَالَا
وَكَمَا : -
2432 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا " ، أَيْ : لَنَا رَجْعَةً إِلَى الدُّنْيَا .
2433 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً " قَالَ : قَالَتِ الْأَتْبَاعُ : لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً إِلَى الدُّنْيَا فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا .
وَقَوْلُهُ : " فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ " مَنْصُوبٌ ، لِأَنَّهُ جَوَابٌ لِلتَّمَنِّي بِ " الْفَاءِ " . لِأَنَّ الْقَوْمَ تَمَنَّوْا رَجْعَةً إِلَى الدُّنْيَا لِيَتَبَرَّءُوا مِنَ الَّذِينَ كَانُوا يُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، كَمَا تَبَرَّأَ مِنْهُمْ رُؤَسَاؤُهُمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي الدُّنْيَا ، الْمَتْبُوعُونَ فِيهَا عَلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ ، إِذْ عَايَنُوا عَظِيمَ النَّازِلِ بِهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، فَقَالُوا : يَا لَيْتَ لَنَا كَرَّةً إِلَى الدُّنْيَا فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ ، وَ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 27 ]
[3/295]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ " ، يَقُولُ : كَمَا أَرَاهُمُ الْعَذَابَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ : " وَرَأَوُا الْعَذَابَ " ، الَّذِي كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا ، فَكَذَلِكَ يُرِيهِمْ أَيْضًا أَعْمَالَهُمُ الْخَبِيثَةَ الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِهَا الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ " حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ " يَعْنِي : نَدَامَاتٍ .
" وَالْحَسَرَاتُ " جَمْعُ " حَسْرَةٍ " . وَكَذَلِكَ كَلُّ اسْمٍ كَانَ وَاحِدُهُ عَلَى " فَعْلَةٍ " مَفْتُوحُ الْأَوَّلِ سَاكِنُ الثَّانِي ، فَإِنَّ جَمْعَهُ عَلَى " فَعَلَاتٍ " مِثْلَ " شَهْوَةٍ وَتَمْرَةٍ " تُجْمَعُ " شَهَوَاتٍ وَتَمَرَاتٍ " مُثَقَّلَةُ الثَّوَانِي مِنْ حُرُوفِهَا . فَأَمَّا إِذَا كَانَ نَعْتًا فَإِنَّكَ تَدَعُ ثَانِيَهُ سَاكِنًا مِثْلَ " ضَخْمَةٍ " ، تَجَمَعُهَا " ضَخْمَاتٍ " وَ " عَبْلَةٍ " تَجَمَعُهَا " عَبْلَاتٍ " ، وَرُبَّمَا سُكِّنَ الثَّانِي فِي الْأَسْمَاءِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أَوْ دُولَاتِهَا يُدِلْنَنَا اللَّمَّةَ مِنْ لَمَّاتِهَا فَتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِنْ زَفْرَاتِهَا
فَسَكَّنَ الثَّانِي مِنَ " الزَّفَرَاتِ " ، وَهِيَ اسْمٌ . وَقِيلَ : إِنَّ " الْحَسْرَةَ " أَشَدُّ النَّدَامَةِ . [3/296]
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَكَيْفَ يَرَوْنَ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ، وَإِنَّمَا يَتَنَدَّمُ الْمُتَنَدِّمُ عَلَى تَرْكِ الْخَيْرَاتِ وَفَوْتِهَا إِيَّاهُ ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْكُفَّارَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا يَتَنَدَّمُونَ عَلَى تَرْكِهِمُ الِازْدِيَادَ مِنْهُ ، فَيُرِيهِمُ اللَّهُ قَلِيلَهُ! بَلْ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ كُلُّهَا مَعَاصِيَ لِلَّهِ ، وَلَا حَسْرَةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْحَسْرَةُ فِيمَا لَمْ يَعْمَلُوا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ ؟
قِيلَ : إِنْ أَهْلَ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ ، فَنَذْكُرُ فِي ذَلِكَ مَا قَالُوا ، ثُمَّ نُخْبِرُ بِالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمُ الَّتِي فَرَضَهَا عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا فَضَيَّعُوهَا وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهَا ، حَتَّى اسْتَوْجَبَ مَا كَانَ اللَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ ، لَوْ كَانُوا عَمِلُوا بِهَا فِي حَيَاتِهِمْ ، مِنَ الْمَسَاكِنِ وَالنِّعَمِ غَيْرُهُمْ بِطَاعَتِهِ رَبَّهُ . فَصَارَ مَا فَاتَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ - الَّذِي كَانَ اللَّهُ أَعَدَّهُ لَهُمْ عِنْدَهُ لَوْ كَانُوا أَطَاعُوهُ فِي الدُّنْيَا ، إِذْ عَايَنُوهُ عِنْدَ دُخُولِ النَّارِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ - أَسًى وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً عَلَيْهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2434 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ " ، زَعَمَ أَنَّهُ يَرْفَعُ لَهُمُ الْجَنَّةَ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَإِلَى بُيُوتِهِمْ فِيهَا ، لَوْ أَنَّهُمْ أَطَاعُوا اللَّهَ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : تِلْكَ مَسَاكِنُكُمْ لَوْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ ، ثُمَّ تُقَسَّمُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَيَرِثُونَهُمْ . فَذَلِكَ حِينَ يَنْدَمُونَ .
2435 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الزَّعْرَاءِ ، عَنْ عبدِ اللَّهِ - فِي [3/297]قِصَّةٍ ذَكَرَهَا - فَقَالَ : فَلَيْسَ نَفْسٌ إِلَّا وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى بَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ وَبَيْتٍ فِي النَّارِ ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَسْرَةِ . قَالَ : فَيَرَى أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ فِي الْجَنَّةِ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : لَوْ عَمِلْتُمْ! فَتَأْخُذَهُمُ الْحَسْرَةُ . قَالَ : فَيَرَى أَهْلُ الْجَنَّةِ الْبَيْتَ الَّذِي فِي النَّارِ ، فَيُقَالُ : لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ!
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَكُونُ مُضَافًا إِلَيْهِمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَمْ يَعْمَلُوهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ؟
قِيلَ : كَمَا يُعْرَضُ عَلَى الرَّجُلِ الْعَمَلُ فَيُقَالُ [ لَهُ ] قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَهُ : هَذَا عَمَلُكَ . يَعْنِي : هَذَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَعْمَلَهُ ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ يَحْضُرُ [3/298]غَدَاؤُهُ قَبْلَ أَنْ يَتَغَدَّى بِهِ : هَذَا غَدَاؤُكَ الْيَوْمَ . يَعْنِي بِهِ : هَذَا مَا تَتَغَدَّى بِهِ الْيَوْمَ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ " ، يَعْنِي : كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمُ الَّتِي كَانَ لَازِمًا لَهُمُ الْعَمَلُ بِهَا فِي الدُّنْيَا ، حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمُ السَّيِّئَةَ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ، لِمَ عَمِلُوهَا ؟ وَهَلَّا عَمِلُوا بِغَيْرِهَا مِمَّا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ ؟
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2436 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ " ، فَصَارَتْ أَعْمَالُهُمُ الْخَبِيثَةُ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
2437 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ " قَالَ : أَوَلَيَسَ أَعْمَالُهُمُ الْخَبِيثَةُ الَّتِي أَدْخَلَهُمُ اللَّهُ بِهَا النَّارَ ؟ [ فَجَعَلَهَا ] حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ . قَالَ : وَجَعَلَ أَعْمَالَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَهُمْ ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [ سُورَةُ الْحَاقَّةِ : 24 ]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : " كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ " ، كَذَلِكَ يُرِي اللَّهُ الْكَافِرِينَ أَعْمَالَهُمُ الْخَبِيثَةَ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ، لِمَ عَمِلُوا بِهَا ؟ وَهَلَّا عَمِلُوا بِغَيْرِهَا ؟ فَنَدِمُوا عَلَى مَا فُرِّطَ مِنْهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الرَّدِيئَةِ ، إِذْ رَأَوْا جَزَاءَهَا مِنَ اللَّهِ وَعِقَابَهَا ، لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ يُرِيهِمْ أَعْمَالَهُمْ نَدَمًا عَلَيْهِمْ . [3/299]
فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، مَا دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ دُونَ مَا احْتَمَلَهُ الْبَاطِنُ الَّذِي لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى أَنَّهُ الْمَعْنِيُّ بِهَا . وَالَّذِي قَالَ السُّدِّيُّ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ ، فَإِنَّهُ مَنْزَعٌ بَعِيدٌ . وَلَا أَثَرَ - بِأَنَّ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَ - تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ فَيُسَلَّمُ لَهَا ، وَلَا دَلَالَةَ فِي ظَاهِرِ الْآيَةِ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِهَا . فَإِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، لَمْ يُحَلْ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ إِلَى بَاطِنِ تَأْوِيلٍ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ( 167 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : وَمَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْتُهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ - وَإِنْ نَدِمُوا بَعْدَ مُعَايَنَتِهِمْ مَا عَايَنُوا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ، فَاشْتَدَّتْ نَدَامَتُهُمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ ، وَتَمَنَّوْا إِلَى الدُّنْيَا كَرَّةً لِيُنِيبُوا فِيهَا ، وَيَتَبَرَّءُوا مِنْ مُضِلِّيهِمْ وَسَادَتِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا يُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ فِيهَا - بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ الَّتِي أَصْلَاهُمُوهَا اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا ، وَلَا نَدَمُهُمْ فِيهَا بِمُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ حِينَئِذٍ ، وَلَكِنَّهُمْ فِيهَا مُخَلَّدُونَ .
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الدَّلَالَةُ عَلَى تَكْذِيبِ اللَّهِ الزَّاعِمِينَ أَنَّ عَذَابَ اللَّهِ أَهْلَ النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ مُنْقَضٍ ، وَأَنَّهُ إِلَى نِهَايَةٍ ، ثُمَّ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ فَانٍ . لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، ثُمَّ خَتَمَ الْخَبَرَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ خَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ، بِغَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ مِنْهُ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ . فَذَلِكَ إِلَى غَيْرِ حَدٍّ وَلَا نِهَايَةٍ .