النص
[3/287]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ ( 166 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ " ، إِذْ تَبْرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا " ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : -
2413 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا " ، وَهُمُ الْجَبَابِرَةُ وَالْقَادَةُ وَالرُّءُوسُ فِي الشِّرْكِ ، " مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا " ، وَهُمُ الْأَتْبَاعُ الضُّعَفَاءُ ، " وَرَأَوُا الْعَذَابَ " .
2414 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا " قَالَ : تَبَرَّأَتِ الْقَادَةُ مِنَ الْأَتْبَاعِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
2415 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا " قَالَ : تَبْرَأَ رُؤَسَاؤُهُمْ وَقَادَتُهُمْ وَسَادَاتُهُمْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : -
2416 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا [3/288]أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أَمَّا " الَّذِينَ اتُّبِعُوا " ، فَهُمُ الشَّيَاطِينُ تَبَرَّأُوا مِنَ الْإِنْسِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْمُتَّبَعِينَ عَلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ يَتَبَرَّأُونَ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ حِينَ يُعَايِنُونَ عَذَابَ اللَّهِ . وَلَمْ يُخَصِّصْ بِذَلِكَ مِنْهُمْ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ ، بَلْ عَمَّ جَمِيعَهُمْ . فَدَاخِلٌ فِي ذَلِكَ كُلُّ مَتْبُوعٍ عَلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَالضَّلَالِ أَنَّهُ يَتَبَرَّأُ مِنْ أَتْبَاعِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَّبِعُونَهُ عَلَى الضَّلَالِ فِي الدُّنْيَا ، إِذَا عَايَنُوا عَذَابَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ .
وَأَمَّا دَلَالَةُ الْآيَةِ فِي مَنْ عَنَى بِقَوْلِهِ : " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا " ، فَإِنَّهَا إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَنْدَادَ الَّذِينَ اتَّخَذَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ وَصَفَ تَعَالَى ذِكْرُهُ صِفَتَهُ بِقَوْلِهِ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا " ، هُمُ الَّذِينَ يَتَبَرَّأُونَ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ .
وَإِذْ كَانَتِ الْآيَةُ عَلَى ذَلِكَ دَالَّةً ، صَحَّ التَّأْوِيلُ الَّذِي تَأَوَّلَهُ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا " ، أَنَّ " الْأَنْدَادَ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، إِنَّمَا أُرِيدَ بِهَا الْأَنْدَادُ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُمْ فِيمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ مِنْ أَمْرٍ ، وَيَعْصُونَ اللَّهَ فِي طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُمْ ، كَمَا يُطِيعُ اللَّهَ الْمُؤْمِنُونَ وَيَعْصُونَ غَيْرَهُ وَفَسَدَ تَأْوِيلُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا " ، إِنَّهُمُ الشَّيَاطِينُ تَبَرَّأُوا مِنْ أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْإِنْسِ . لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْ مُتَّخِذِي الْأَنْدَادِ .
[3/289]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ( 166 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ، إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا ، وَإِذْ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى " الْأَسْبَابِ " . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : -
2417 - حَدَّثَنِي بِهِ يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، - عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " قَالَ : الْوِصَالُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا .
2418 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " قَالَ : تَوَاصُلُهُمْ فِي الدُّنْيَا .
2419 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ - جَمِيعًا قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِمِثْلِهِ . [3/290]
2420 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " قَالَ : الْمَوَدَّةُ .
2421 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
2422 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : تَوَاصُلٌ كَانَ بَيْنَهُمْ بِالْمَوَدَّةِ فِي الدُّنْيَا .
2423 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى قَالَ : أَخْبَرَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " قَالَ : الْمَوَدَّةُ .
2424 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " ، أَسْبَابُ النَّدَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَسْبَابُ الْمُوَاصَلَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا يَتَوَاصَلُونَ بِهَا ، وَيَتَحَابُّونَ بِهَا ، فَصَارَتْ عَلَيْهِمْ عَدَاوَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، وَيَتَبَرَّأُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ [ سُورَةُ الزُّخْرُفِ : 67 ] ، فَصَارَتْ كُلُّ خُلَّةٍ عَدَاوَةً عَلَى أَهْلِهَا إِلَّا خُلَّةَ الْمُتَّقِينَ .
2425 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " قَالَ : هُوَ الْوَصْلُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا .
2426 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " ، يَقُولُ : الْأَسْبَابُ ، النَّدَامَةُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ مَعْنَى " الْأَسْبَابُ " ، الْمَنَازِلُ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا . [3/291]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2427 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " ، يَقُولُ : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْمَنَازِلُ .
2428 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " قَالَ : الْأَسْبَابُ الْمَنَازِلُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الْأَسْبَابُ " ، الْأَرْحَامُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2429 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " قَالَ : الْأَرْحَامُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الْأَسْبَابُ " ، الْأَعْمَالُ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2430 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَمَّا " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " ، فَالْأَعْمَالُ .
2431 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " قَالَ : أَسْبَابُ أَعْمَالِهِمْ ، فَأَهْلُ التَّقْوَى أَعْطَوْا أَسْبَابَ أَعْمَالِهِمْ وَثِيقَةً ، فَيَأْخُذُونَ بِهَا فَيَنْجُونَ ، وَالْآخَرُونَ أَعْطَوْا أَسْبَابَ أَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ ، فَتُقَطَّعُ بِهِمْ فَيَذْهَبُونَ فِي النَّارِ . [3/292]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : " وَالْأَسْبَابُ " ، الشَّيْءُ يُتَعَلَّقُ بِهِ . قَالَ : وَ " السَّبَبُ " الْحَبْلُ . " وَالْأَسْبَابُ " جَمْعُ " سَبَبٍ " ، وَهُوَ كُلُّ مَا تَسَبَّبَ بِهِ الرَّجُلُ إِلَى طَلِبَتِهِ وَحَاجَتِهِ . فَيُقَالُ لِلْحَبَلِ " سَبَبٌ " ، لِأَنَّهُ يُتَسَبَّبُ بِالتَّعَلُّقِ بِهِ إِلَى الْحَاجَةِ الَّتِي لَا يُوَصَّلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالتَّعَلُّقِ بِهِ . وَيُقَالُ لِلطَّرِيقِ " سَبَبٌ " ، لِلتَّسَبُّبِ بِرُكُوبِهِ إِلَى مَا لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِقَطْعِهِ . وَلِلْمُصَاهَرَةِ " سَبَبٌ " ، لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِلْحُرْمَةِ . وَلِلْوَسِيلَةِ " سَبَبٌ " ، لِلْوُصُولِ بِهَا إِلَى الْحَاجَةِ ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا كَانَ بِهِ إِدْرَاكُ الطَّلِبَةِ ، فَهُوَ " سَبَبٌ " لِإِدْرَاكِهَا .
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ - مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ - يَتَبَرَّأُ عِنْدَ مُعَايَنَتِهِمْ عَذَابَ اللَّهِ الْمَتْبُوعُ مِنَ التَّابِعِ ، وَتَتَقَطَّعُ بِهِمُ الْأَسْبَابُ .
وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَلْعَنُ بَعْضًا ، وَأَخْبَرَ عَنِ الشَّيْطَانِ أَنَّهُ يَقُولُ لِأَوْلِيَائِهِ : مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 22 ] ، وَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ الْأَخِلَّاءَ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ، وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا يَنْصُرُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ [ سُورَةُ الصَّافَّاتِ : 24 - 25 ] وَأَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ لَا يَنْفَعُهُ نَسِيبُهُ وَلَا ذُو رَحِمِهِ ، وَإِنْ كَانَ نَسِيبُهُ لِلَّهِ وَلِيًّا ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ : وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 114 ] وَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ أَعْمَالَهُمْ تَصِيرُ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ .
وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعَانِي أَسْبَابٌ يُتَسَبَّبُ فِي الدُّنْيَا بِهَا إِلَى مَطَالِبَ ، فَقَطَعَ اللَّهُ مَنَافِعَهَا فِي الْآخِرَةِ عَنِ الْكَافِرِينَ بِهِ ، لِأَنَّهَا كَانَتْ بِخِلَافِ طَاعَتِهِ وَرِضَاهُ ، فَهِيَ مُنْقَطِعَةٌ [3/293]بِأَهْلِهَا . فَلَا خِلَالُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا نَفْعَهُمْ عِنْدَ ورُودِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ ،
وَلَا عِبَادَتُهُمْ أَنْدَادَهُمْ وَلَا طَاعَتُهُمْ شَيَاطِينَهُمْ ؛ وَلَا دَافَعَتْ عَنْهُمْ أَرْحَامٌ فَنَصَرَتْهُمْ مِنَ انْتِقَامِ اللَّهِ مِنْهُمْ ، وَلَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ أَعْمَالُهُمْ ، بَلْ صَارَتْ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ . فَكُلُّ أَسْبَابِ الْكُفَّارِ مُنْقَطِعَةٌ .
فَلَا مَعْنَى أَبْلَغُ - فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " - مِنْ صِفَةِ اللَّهِ [ ذَلِكَ ] وَذَلِكَ مَا بَيَّنَا مِنْ [ تَقَطُّعِ ] جَمِيعِ أَسْبَابِهِمْ دُونَ بَعْضِهَا ، عَلَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ . وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِذَلِكَ خَاصٌّ مِنَ الْأَسْبَابِ ، سُئِلَ عَنِ الْبَيَانِ عَلَى دَعْوَاهُ مِنْ أَصْلٍ لَا مُنَازِعَ فِيهِ ، وَعُورِضَ بِقَوْلِ مُخَالِفِهِ فِيهِ . فَلَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ " ، إِذْ تَبْرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا " ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : -
2413 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا " ، وَهُمُ الْجَبَابِرَةُ وَالْقَادَةُ وَالرُّءُوسُ فِي الشِّرْكِ ، " مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا " ، وَهُمُ الْأَتْبَاعُ الضُّعَفَاءُ ، " وَرَأَوُا الْعَذَابَ " .
2414 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا " قَالَ : تَبَرَّأَتِ الْقَادَةُ مِنَ الْأَتْبَاعِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
2415 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا " قَالَ : تَبْرَأَ رُؤَسَاؤُهُمْ وَقَادَتُهُمْ وَسَادَاتُهُمْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : -
2416 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا [3/288]أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أَمَّا " الَّذِينَ اتُّبِعُوا " ، فَهُمُ الشَّيَاطِينُ تَبَرَّأُوا مِنَ الْإِنْسِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْمُتَّبَعِينَ عَلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ يَتَبَرَّأُونَ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ حِينَ يُعَايِنُونَ عَذَابَ اللَّهِ . وَلَمْ يُخَصِّصْ بِذَلِكَ مِنْهُمْ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ ، بَلْ عَمَّ جَمِيعَهُمْ . فَدَاخِلٌ فِي ذَلِكَ كُلُّ مَتْبُوعٍ عَلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَالضَّلَالِ أَنَّهُ يَتَبَرَّأُ مِنْ أَتْبَاعِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَّبِعُونَهُ عَلَى الضَّلَالِ فِي الدُّنْيَا ، إِذَا عَايَنُوا عَذَابَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ .
وَأَمَّا دَلَالَةُ الْآيَةِ فِي مَنْ عَنَى بِقَوْلِهِ : " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا " ، فَإِنَّهَا إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَنْدَادَ الَّذِينَ اتَّخَذَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ وَصَفَ تَعَالَى ذِكْرُهُ صِفَتَهُ بِقَوْلِهِ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا " ، هُمُ الَّذِينَ يَتَبَرَّأُونَ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ .
وَإِذْ كَانَتِ الْآيَةُ عَلَى ذَلِكَ دَالَّةً ، صَحَّ التَّأْوِيلُ الَّذِي تَأَوَّلَهُ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا " ، أَنَّ " الْأَنْدَادَ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، إِنَّمَا أُرِيدَ بِهَا الْأَنْدَادُ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِينَ يُطِيعُونَهُمْ فِيمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ مِنْ أَمْرٍ ، وَيَعْصُونَ اللَّهَ فِي طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُمْ ، كَمَا يُطِيعُ اللَّهَ الْمُؤْمِنُونَ وَيَعْصُونَ غَيْرَهُ وَفَسَدَ تَأْوِيلُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا " ، إِنَّهُمُ الشَّيَاطِينُ تَبَرَّأُوا مِنْ أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْإِنْسِ . لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا هِيَ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ عَنْ مُتَّخِذِي الْأَنْدَادِ .
[3/289]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ ( 166 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ، إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا ، وَإِذْ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى " الْأَسْبَابِ " . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : -
2417 - حَدَّثَنِي بِهِ يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، - عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " قَالَ : الْوِصَالُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا .
2418 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " قَالَ : تَوَاصُلُهُمْ فِي الدُّنْيَا .
2419 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ - جَمِيعًا قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِمِثْلِهِ . [3/290]
2420 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " قَالَ : الْمَوَدَّةُ .
2421 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
2422 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : تَوَاصُلٌ كَانَ بَيْنَهُمْ بِالْمَوَدَّةِ فِي الدُّنْيَا .
2423 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى قَالَ : أَخْبَرَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " قَالَ : الْمَوَدَّةُ .
2424 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " ، أَسْبَابُ النَّدَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَسْبَابُ الْمُوَاصَلَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا يَتَوَاصَلُونَ بِهَا ، وَيَتَحَابُّونَ بِهَا ، فَصَارَتْ عَلَيْهِمْ عَدَاوَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ، وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، وَيَتَبَرَّأُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ [ سُورَةُ الزُّخْرُفِ : 67 ] ، فَصَارَتْ كُلُّ خُلَّةٍ عَدَاوَةً عَلَى أَهْلِهَا إِلَّا خُلَّةَ الْمُتَّقِينَ .
2425 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " قَالَ : هُوَ الْوَصْلُ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا .
2426 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " ، يَقُولُ : الْأَسْبَابُ ، النَّدَامَةُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ مَعْنَى " الْأَسْبَابُ " ، الْمَنَازِلُ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا . [3/291]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2427 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " ، يَقُولُ : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْمَنَازِلُ .
2428 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " قَالَ : الْأَسْبَابُ الْمَنَازِلُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الْأَسْبَابُ " ، الْأَرْحَامُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2429 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " قَالَ : الْأَرْحَامُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الْأَسْبَابُ " ، الْأَعْمَالُ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2430 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَمَّا " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " ، فَالْأَعْمَالُ .
2431 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " قَالَ : أَسْبَابُ أَعْمَالِهِمْ ، فَأَهْلُ التَّقْوَى أَعْطَوْا أَسْبَابَ أَعْمَالِهِمْ وَثِيقَةً ، فَيَأْخُذُونَ بِهَا فَيَنْجُونَ ، وَالْآخَرُونَ أَعْطَوْا أَسْبَابَ أَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ ، فَتُقَطَّعُ بِهِمْ فَيَذْهَبُونَ فِي النَّارِ . [3/292]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : " وَالْأَسْبَابُ " ، الشَّيْءُ يُتَعَلَّقُ بِهِ . قَالَ : وَ " السَّبَبُ " الْحَبْلُ . " وَالْأَسْبَابُ " جَمْعُ " سَبَبٍ " ، وَهُوَ كُلُّ مَا تَسَبَّبَ بِهِ الرَّجُلُ إِلَى طَلِبَتِهِ وَحَاجَتِهِ . فَيُقَالُ لِلْحَبَلِ " سَبَبٌ " ، لِأَنَّهُ يُتَسَبَّبُ بِالتَّعَلُّقِ بِهِ إِلَى الْحَاجَةِ الَّتِي لَا يُوَصَّلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالتَّعَلُّقِ بِهِ . وَيُقَالُ لِلطَّرِيقِ " سَبَبٌ " ، لِلتَّسَبُّبِ بِرُكُوبِهِ إِلَى مَا لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِقَطْعِهِ . وَلِلْمُصَاهَرَةِ " سَبَبٌ " ، لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِلْحُرْمَةِ . وَلِلْوَسِيلَةِ " سَبَبٌ " ، لِلْوُصُولِ بِهَا إِلَى الْحَاجَةِ ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا كَانَ بِهِ إِدْرَاكُ الطَّلِبَةِ ، فَهُوَ " سَبَبٌ " لِإِدْرَاكِهَا .
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ - مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ - يَتَبَرَّأُ عِنْدَ مُعَايَنَتِهِمْ عَذَابَ اللَّهِ الْمَتْبُوعُ مِنَ التَّابِعِ ، وَتَتَقَطَّعُ بِهِمُ الْأَسْبَابُ .
وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَلْعَنُ بَعْضًا ، وَأَخْبَرَ عَنِ الشَّيْطَانِ أَنَّهُ يَقُولُ لِأَوْلِيَائِهِ : مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 22 ] ، وَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ الْأَخِلَّاءَ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ، وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا يَنْصُرُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ [ سُورَةُ الصَّافَّاتِ : 24 - 25 ] وَأَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ لَا يَنْفَعُهُ نَسِيبُهُ وَلَا ذُو رَحِمِهِ ، وَإِنْ كَانَ نَسِيبُهُ لِلَّهِ وَلِيًّا ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ : وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 114 ] وَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ أَعْمَالَهُمْ تَصِيرُ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ .
وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعَانِي أَسْبَابٌ يُتَسَبَّبُ فِي الدُّنْيَا بِهَا إِلَى مَطَالِبَ ، فَقَطَعَ اللَّهُ مَنَافِعَهَا فِي الْآخِرَةِ عَنِ الْكَافِرِينَ بِهِ ، لِأَنَّهَا كَانَتْ بِخِلَافِ طَاعَتِهِ وَرِضَاهُ ، فَهِيَ مُنْقَطِعَةٌ [3/293]بِأَهْلِهَا . فَلَا خِلَالُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا نَفْعَهُمْ عِنْدَ ورُودِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ ،
وَلَا عِبَادَتُهُمْ أَنْدَادَهُمْ وَلَا طَاعَتُهُمْ شَيَاطِينَهُمْ ؛ وَلَا دَافَعَتْ عَنْهُمْ أَرْحَامٌ فَنَصَرَتْهُمْ مِنَ انْتِقَامِ اللَّهِ مِنْهُمْ ، وَلَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ أَعْمَالُهُمْ ، بَلْ صَارَتْ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ . فَكُلُّ أَسْبَابِ الْكُفَّارِ مُنْقَطِعَةٌ .
فَلَا مَعْنَى أَبْلَغُ - فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ " - مِنْ صِفَةِ اللَّهِ [ ذَلِكَ ] وَذَلِكَ مَا بَيَّنَا مِنْ [ تَقَطُّعِ ] جَمِيعِ أَسْبَابِهِمْ دُونَ بَعْضِهَا ، عَلَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ . وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِذَلِكَ خَاصٌّ مِنَ الْأَسْبَابِ ، سُئِلَ عَنِ الْبَيَانِ عَلَى دَعْوَاهُ مِنْ أَصْلٍ لَا مُنَازِعَ فِيهِ ، وَعُورِضَ بِقَوْلِ مُخَالِفِهِ فِيهِ . فَلَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ .