تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ "

ج 3
ص 271

الآية المفسَّرة

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 3 · ص 271

النص

[3/271]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ( 164 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " إِنَّ فِي إِنْشَاءِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَابْتِدَاعِهِمَا .
وَمَعْنَى " خَلْقِ " اللَّهِ الْأَشْيَاءَ : ابْتِدَاعُهُ وَإِيجَادُهُ إِيَّاهَا ، بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً .
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قِيلَ : " الْأَرْضِ " ، وَلَمْ تُجْمَعْ كَمَا جُمِعَتِ السَّمَاوَاتُ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَهَلْ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ خَلْقٌ هُوَ غَيْرُهَا فَيُقَالُ : " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " ؟
قِيلَ : قَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : لَهَا خَلْقٌ هُوَ غَيْرُهَا . واعتلُّوا فِي ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَبِالَّتِي فِي سُورَةِ : الْكَهْفِ : مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 51 ] وَقَالُوا : لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ شَيْئًا إِلَّا وَاللَّهُ لَهُ مُرِيدٌ . قَالُوا : فَالْأَشْيَاءُ كَانَتْ بِإِرَادَةِ اللَّهِ ، وَالْإِرَادَةُ خَلْقٌ لَهَا . [3/272]
وَقَالَ آخَرُونَ : خَلْقُ الشَّيْءِ صِفَةٌ لَهُ ، لَا هِيَ هُوَ ، وَلَا غَيْرُهُ . قَالُوا : لَوْ كَانَ غَيْرَهُ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ مَوْصُوفًا . قَالُوا : وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ خَلْقُهُ غَيْرَهُ ، وَأَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا ، لَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ لَهُ صِفَةٌ هِيَ لَهُ خَلْقٌ . وَلَوْ وَجَبَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ نِهَايَةً . قَالُوا : فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ صِفَةٌ لِلشَّيْءِ . قَالُوا : فَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ صِفَةٌ لَهُمَا ، عَلَى مَا وَصَفْنَا . وَاعْتَلُّوا أَيْضًا - بِأَنَّ لِلشَّيْءِ خَلْقًا لَيْسَ هُوَ بِهِ - مِنْ كِتَابِ اللَّهِ بِنَحْوِ الَّذِي اعْتَلَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَخَلْقُ كُلِّ مَخْلُوقٍ ، هُوَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ لَا غَيْرُهُ .
فَمَعْنَى قَوْلِهِ : " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " : إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ " ، وَتَعَاقُبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ .
وَإِنَّمَا " الِاخْتِلَافُ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ " الِافْتِعَالُ " مِنْ " خُلُوفِ " كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [ سُورَةُ الْفُرْقَانِ : 62 ] .
بِمَعْنَى : أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُخْلِفُ مَكَانَ صَاحِبِهِ ، إِذَا ذَهَبَ اللَّيْلُ جَاءَ النَّهَارُ بَعْدَهُ ، وَإِذَا ذَهَبَ النَّهَارُ جَاءَ اللَّيْلُ خَلْفَهُ . وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ : " خَلَفَ فُلَانٌ فُلَانًا فِي أَهْلِهِ بِسُوءٍ " ، وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ :
بِهَا الْعِينُ وَالْآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ [3/273]
وَأَمَّا " اللَّيْلُ " . فَإِنَّهُ جَمْعُ " لَيْلَةٍ " ، نَظِيرُ " التَّمْرِ " الَّذِي هُوَ جَمْعُ " تَمْرَةٍ " . وَقَدْ يُجْمَعُ " لَيَالٍ " ، فَيَزِيدُونَ فِي جَمْعِهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي وَاحِدَتِهَا . وَزِيَادَتُهُمُ " الْيَاءَ " فِي ذَلِكَ نَظِيرُ زِيَادَتِهِمْ إِيَّاهَا فِي " رُبَاعِيَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَكَرَاهِيَةٍ " .
وَأَمَّا " النَّهَارَ " ، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَكَادُ تَجْمَعُهُ ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الضَّوْءِ . وَقَدْ سُمِعَ فِي جَمْعِهِ " النُّهُرُ " ، قَالَ الشَّاعِرُ :
لَوْلَا الثَّرِيدانِ هَلَكْنَا بِالضُّمُرْ ثَرِيدُ لَيْلٍ وثَرِيدٌ بِالنُّهُرْ
وَلَوْ قِيلَ فِي جَمْعِ قَلِيلِهِ " أَنَهِرَةٌ " كَانَ قِيَاسًا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ فِي الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ .
وَ " الْفُلْكِ " هُوَ السُّفُنُ ، وَاحِدُهُ وَجَمْعُهُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي تَذْكِيرِهِ فِي آيَةٍ أُخْرَى : وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [ سُورَةُ يَس : 41 ] ، فَذَكَرَهُ .
وَقَدْ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : " وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ " ، وَهِيَ مُجْرَاةٌ ، لِأَنَّهَا [3/274]إِذَا أُجْرِيَتْ فَهِيَ " الْجَارِيَةُ " ، فَأُضِيفَ إِلَيْهَا مِنَ الصِّفَةِ مَا هُوَ لَهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ " ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : يَنْفَعُ النَّاسَ فِي الْبَحْرِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ " ، وَفِي مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ ، وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يُنْزِلُهُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ .
وَقَوْلُهُ : " فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا " ، وَإِحْيَاؤُهَا : عِمَارَتُهَا ، وَإِخْرَاجُ نَبَاتِهَا . وَ " الْهَاءُ " الَّتِي فِي " بِهِ " عَائِدَةٌ عَلَى " الْمَاءِ " وَ " الْهَاءُ وَالْأَلِفُ " فِي قَوْلِهِ : " بَعْدَ مَوْتِهَا " عَلَى الْأَرْضِ .
وَ " مَوْتُ الْأَرْضِ " ، خَرَابُهَا ، وَدُثُورُ عِمَارَتِهَا ، وَانْقِطَاعُ نَبَاتِهَا ، الَّذِي هُوَ لِلْعِبَادِ أَقْوَاتٌ ، وَلِلْأَنَامِ أَرْزَاقٌ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ " ، وَإِنَّ فِيمَا بَثَّ فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ . [3/275]
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " وَبَثَّ فِيهَا " ، وَفَرَّقَ فِيهَا ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " بَثَّ الْأَمِيرُ سَرَايَاهُ " ، يَعْنِي : فَرَّقَ .
وَ " الْهَاءُ وَالْأَلِفُ " فِي قَوْلِهِ : " فِيهَا " ، عَائِدَتَانِ عَلَى " الْأَرْضِ " .
" وَالدَّابَّةُ " " الْفَاعِلَةُ " ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " دَبَّتِ الدَّابَّةُ تَدِبُّ دَبِيبًا فَهِيَ دَابَّةٌ " . " وَالدَّابَّةُ " ، اسْمٌ لِكُلِّ ذِي رُوحٍ كَانَ غَيْرَ طَائِرٍ بِجَنَاحَيْهِ ، لِدَبِيبِهِ عَلَى الْأَرْضِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ " ، وَفِي تَصْرِيفِهِ الرِّيَاحَ ، فَأَسْقَطَ ذِكْرَ الْفَاعِلِ وَأَضَافَ الْفِعْلَ إِلَى الْمَفْعُولِ ، كَمَا تَقُولُ : " يُعْجِبُنِي إِكْرَامُ أَخِيكَ " ، تُرِيدُ : إِكْرَامُكَ أَخَاكَ .
" وَتَصْرِيفِ " اللَّهِ إِيَّاهَا ، أَنْ يُرْسِلَهَا مَرَّةً لَوَاقِحَ ، وَمَرَّةً يَجْعَلُهَا عَقِيمًا ، وَيَبْعَثُهَا عَذَابًا تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ، كَمَا : -
2405 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ " قَالَ : قَادِرٌ وَاللَّهِ رَبُّنَا عَلَى ذَلِكَ ، إِذَا شَاءَ [ جَعَلَهَا رَحْمَةً لَوَاقِحَ لِلسَّحَابِ وَنَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ، وَإِذَا شَاءَ ] جَعَلَهَا عَذَابًا رِيحًا عَقِيمًا لَا تُلَقِّحُ ، إِنَّمَا هِيَ عَذَابٌ عَلَى مَنْ أُرْسِلَتْ عَلَيْهِ . [3/276]
وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : " وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ " ، أَنَّهَا تَأْتِي مَرَّةً جَنُوبًا وَشَمَالًا وَقُبُولًا وَدُبُورًا . ثُمَّ قَالَ : وَذَلِكَ تَصْرِيفُهَا . وَهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي وَصَفَ الرِّيَاحَ بِهَا ، صِفَةُ تَصَرُّفِهَا لَا صِفَةُ تَصْرِيفِهَا ، لِأَنَّ " تَصْرِيفَهَا " تَصْرِيفُ اللَّهِ لَهَا ، " وَتَصَرُّفُهَا " اخْتِلَافُ هُبُوبِهَا .
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ " ، تَصْرِيفُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ هُبُوبَ الرِّيحِ بِاخْتِلَافِ مَهابِّهَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 164 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ " ، وَفِي السَّحَابِ ، جَمْعُ " سَحَابَةٍ " . يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ [ سُورَةُ الرَّعْدِ : 12 ] فَوَحَّدَ الْمُسَخَّرَ وَذَكَّرَهُ ، كَمَا قَالُوا : " هَذِهِ تَمْرَةٌ وَهَذَا تَمْرٌ كَثِيرٌ " . فِي جَمْعِهِ ، " وَهَذِهِ نَخْلَةٌ وَهَذَا نَخْلٌ " .
وَإِنَّمَا قِيلَ لِلسَّحَابِ " سَحَابٌ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، لِجَرِّ بَعْضِهِ بَعْضًا وَسَحْبِهِ إِيَّاهُ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " مَرَّ فُلَانٌ يَجُرُّ ذَيْلَهُ " ، يَعْنِي : " يَسْحَبُهُ " .
فَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : " لَآيَاتٍ " ، فَإِنَّهُ عَلَامَاتٌ وَدَلَّالَاتٌ عَلَى أَنَّ خَالِقَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَمُنْشِئَهُ ، إِلَهٌ وَاحِدٌ . [3/277]
" لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ " ، لِمَنْ عَقَلَ مَوَاضِعَ الْحُجَجِ ، وَفَهِمَ عَنِ اللَّهِ أَدِلَّتَهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ . فَأَعْلَمَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ ، بِأَنَّ الْأَدِلَّةَ وَالْحُجَجَ إِنَّمَا وُضِعَتْ مُعْتَبَرًا لِذَوِي الْعُقُولِ وَالتَّمْيِيزِ ، دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْخَلْقِ ، إِذْ كَانُوا هُمُ الْمَخْصُوصِينَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وَالْمُكَلَّفِينَ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ ، وَلَهُمُ الثَّوَابُ ، وَعَلَيْهِمُ الْعِقَابُ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ احْتَجَّ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ بِقَوْلِهِ : " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ " الْآيَةَ ، فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ ؟ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ أَصْنَافًا مِنْ أَصْنَافِ الْكَفَرَةِ تَدْفَعُ أَنْ تَكُونَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَسَائِرُ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَخْلُوقَةً ؟
قِيلَ : إِنَّ إِنْكَارَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ دَافِعٍ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا ذَكَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، دَلِيلًا عَلَى خَالِقِهِ وَصَانِعِهِ ، وَأَنَّ لَهُ مُدَبِّرًا لَا يُشْبِهُهُ [ شَيْءٌ ] ، وَبَارِئًا لَا مِثْلَ لَهُ . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا حَاجَّ بِذَلِكَ قَوْمًا كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يُشْرِكُونَ فِي عِبَادَتِهِ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ . فَحَاجَّهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَقَالَ - إِذْ أَنْكَرُوا قَوْلَهُ : " وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ " ، وَزَعَمُوا أَنَّ لَهُ شُرَكَاءَ مِنَ الْآلِهَةِ - : [ إِنَّ إِلَهَكُمُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَأَجْرَى فِيهَا الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَكُمْ بِأَرْزَاقِكُمْ دَائِبَيْنِ فِي سَيْرِهِمَا . وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ] وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا [3/278]يَنْفَعُ النَّاسَ " - وأَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْغَيْثَ مِنَ السَّمَاءِ ، فَأَخْصَبَ بِهِ جَنَابَكُمْ بَعْدَ جُدُوبِهِ ، وَأَمْرَعَهُ بَعْدَ دُثُورِهِ ، فَنَعَشَكُمْ بِهِ بَعْدَ قُنُوطِكُمْ - ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا " - وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ فِيهَا لَكُمْ مَطَاعِمُ وَمَآكِلُ ، وَمِنْهَا جَمَالٌ وَمَرَاكِبُ ، وَمِنْهَا أَثَاثٌ وَمَلَابِسُ - وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ " - وَأَرْسَلَ لَكُمُ الرِّيَاحَ لِوَاقِحَ لِأَشْجَارِ ثِمَارِكُمْ وَغِذَائِكُمْ وَأَقْوَاتِكُمْ ، وَسَيَّرَ لَكُمُ السَّحَابَ الَّذِي بِوَدْقِهِ حَيَاتُكُمْ وَحَيَاةُ نَعَمِكُمْ وَمَوَاشِيكُمْ - وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ " .
فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ إِلَهَهُمْ هُوَ اللَّهُ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ النِّعَمِ ، وَتَفَرَّدَ لَهُمْ بِهَا . ثُمَّ قَالَ : هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ ، فَتُشْرِكُوهُ فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّايَ ، وَتَجْعَلُوهُ لِي نِدًّا وَعَدْلًا ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ ، فَفِي الَّذِي عَدَّدْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ نِعْمَتِي ، وَتَفَرَّدْتُ لَكُمْ بِأَيَادِيَّ ، دَلَالَاتٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ مَوَاقِعَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَالْجَوْرِ وَالْإِنْصَافِ . وَذَلِكَ أَنَّى لَكُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْكُمْ مُتَفَرِّدٌ دُونَ غَيْرِي ، وَأَنْتُمْ تَجْعَلُونَ لِي فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّايَ أَنْدَادًا . فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْآيَةِ .
وَالَّذِينَ ذُكِّرُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ وَاحْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِهَا ، هُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ وَصَفْتُ صِفَتَهُمْ ، دُونَ الْمُعَطِّلَةِ وَالدَّهْرِيَّةِ ، وَإِنْ كَانَ فِي أَصْغَرِ مَا عَدَّ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، مِنَ الْحُجَجِ الْبَالِغَةِ ، الْمَقْنَعُ لِجَمِيعِ الْأَنَامِ ، تَرَكْنَا الْبَيَانَ عَنْهُ ، كَرَاهَةَ إِطَالَةِ الْكِتَابِ بِذِكْرِهِ .