تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ "

ج 3
ص 224

الآية المفسَّرة

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 3 · ص 224

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ( 158 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : " وَالصَّفَا " جَمَعُ " صَفَاةٍ " ، وَهِيَ الصَّخْرَةُ الْمَلْسَاءُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الطِّرِمَّاحِ :
أَبَى لِي ذُو الْقُوَى وَالطَّوْلِ أَلَّا يُؤَبِّسَ حَافِرٌ أَبَدًا صَفَاتِي [3/225]
وَقَدْ قَالُوا إِنَّ " الصَّفَا " وَاحِدٌ ، وَأَنَّهُ يُثَنَّى " صَفَوانِ " ، وَيُجْمَعُ " أَصْفَاءُ " وَ " صُفِيًّا ، وَصِفِيًّا " ، وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الرَّاجِزِ
كَأَنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ
وَقَالُوا : هُوَ نَظِيرُ " عَصَا وعُصِيٍّ [ وَعِصِيٍّ ، وَأَعْصَاءَ ] ، وَرَحَا ورُحِيٍّ [ وَرِحِيٍّ ] وَأَرْحَاءَ " .
وَأَمَّا " الْمَرْوَةُ " ، فَإِنَّهَا الْحَصَاةُ الصَّغِيرَةُ ، يُجْمَعُ قَلِيلُهَا " مَرَواتٍ " ، وَكَثِيرُهَا " الْمرْوُ " ، مِثْلَ " تَمْرَةٍ وَتَمَرَاتٍ وَتَمْرِ " ، قَالَ الْأَعْشَى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ : [3/226]
وَتَرَى بِالْأَرْضِ خُفًّا زائِلًا فَإِذَا مَا صَادَفَ الْمَرْوَ رَضَحَ
يَعْنِي بِ " الْمَرْوِ " : الصَّخْرَ الصِّغَارَ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ :
حَتَّى كَأَنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌ بِصَفَا الْمُشَرَّقِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ
وَيُقَالُ " الْمُشَقَّرُ " .
وَإِنَّمَا عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ " ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْجَبَلَيْنِ الْمُسَمَّيَيْنِ بِهَذَيْنَ الِاسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي حَرَمِهِ ، دُونَ سَائِرِ الصَّفَا وَالْمَرْوِ . وَلِذَلِكَ أَدْخَلَ فِيهِمَا " الْأَلِفَ وَاللَّامَ " ، لِيَعْلَمَ عِبَادُهُ أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ الْجَبَلَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ بِهَذَيْنَ الِاسْمَيْنِ ، دُونَ سَائِرِ الْأَصْفَاءِ وَالْمَرْوِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : مِنْ مَعَالِمِ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَهَا تَعَالَى ذِكْرُهُ لِعِبَادِهِ مَعْلَمًا وَمَشْعَرًا يَعْبُدُونَهُ عِنْدَهَا ، إِمَّا بِالدُّعَاءِ ، وَإِمَّا بِالذِّكْرِ ، وَإِمَّا بِأَدَاءِ مَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَمَلِ عِنْدَهَا . وَمِنْهُ قَوْلُ الْكُمَيْتِ :
نُقَتِّلُهُمْ جِيَلًا فَجِيلًا تَرَاهُمُ شَعَائِرَ قُرْبَانٍ بِهِمْ يُتَقَرَّبُ [3/227]
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي الشَّعَائِرِ بِمَا : -
2332 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " قَالَ : مِنَ الْخَبَرِ الَّذِي أَخْبَرَكُمْ عَنْهُ .
2333 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
فَكَأَنَّ مُجَاهِدًا كَانَ يَرَى أَنَّ الشَّعَائِرَ ، إِنَّمَا هُوَ جَمْعُ " شَعِيرَةٍ " ، مِنْ إِشْعَارِ اللَّهِ عِبَادَهُ أَمْرَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ ، (مكان)وَمَا عَلَيْهِمْ فِي الطَّوَافِ بِهِمَا . فَمَعْنَاهُ : إِعْلَامُهُمْ ذَلِكَ .
وَذَلِكَ تَأْوِيلٌ مِنَ الْمَفْهُومِ بَعِيدٌ . وَإِنَّمَا أَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا مِنْ مَشَاعِرِ الْحَجِّ الَّتِي سَنَّهَا لَهُمْ ، وَأَمَرَ بِهَا خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذْ سَأَلَهُ أَنْ يُرِيَهُ مَنَاسِكَ الْحَجِّ . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ الْخَبَرِ ، فَإِنَّهُ مُرَادٌ بِهِ الْأَمْرُ . لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ أَمَرَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَقَالَ لَهُ : ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [ سُورَةُ النَّحْلِ : 123 ] ، وَجَعَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)إِمَامًا لِمَنْ بَعْدَهُ . فَإِذْ كَانَ صَحِيحًا أَنَّ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ وَمِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)صَلَّى اللَّهُ [3/228]عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَمِلَ بِهِ وَسَنَّهُ لِمَنْ بَعْدَهُ ، وَقَدْ أُمِرَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّتَهُ بِاتِّبَاعِهِ ، فَعَلَيْهِمُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ ، عَلَى مَا بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ : " فَمِنْ حَجَّ الْبَيْتَ " ، فَمَنْ أَتَاهُ عَائِدًا إِلَيْهِ بَعْدَ بَدْءٍ . وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَكْثَرَ الِاخْتِلَافَ إِلَى شَيْءٍ فَهُوَ " حَاجٌّ إِلَيْهِ " ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
لِأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولًا كثِيرَةً يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الْمُزَعْفَرَا [3/229]
يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " يَحُجُّونَ " ، يُكْثِرُونَ التَّرَدُّدَ إِلَيْهِ لِسُؤْدُدِهِ وَرِيَاسَتِهِ . وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْحَاجِّ " حَاجٌّ " ، لِأَنَّهُ يَأْتِي الْبَيْتَ قَبْلَ التَّعْرِيفِ ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ لِطَوَافِ يَوْمِ النَّحْرِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ عَنْهُ إِلَى مِنًى (مكان)، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ لِطَوَافِ الصَّدْرِ . فَلِتَكْرَارِهِ الْعَوْدَ إِلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى قِيلَ لَهُ : " حَاجٌّ " .
وَأَمَّا " الْمُعْتَمِرُ " ، فَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ : " مُعْتَمِرٌ " ، لِأَنَّهُ إِذَا طَافَ بِهِ انْصَرَفَ عَنْهُ بَعْدَ زِيَارَتِهِ إِيَّاهُ . وَإِنَّمَا يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " أَوِ اعْتَمَرَ " ، أَوِ اعْتَمَرَ الْبَيْتَ ، وَيَعْنِي بِ " الِاعْتِمَارِ " الزِّيَارَةَ . فَكُلُّ قَاصِدٍ لِشَيْءٍ فَهُوَ لَهُ " مُعْتَمِرٌ " ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَجَّاجِ :
لَقَدْ سَمَا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرْ مَغْزًى بَعِيدًا مِنْ بَعِيدٍ وَضَبَرْ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " حِينَ اعْتَمَرَ " ، حِينَ قَصَدَهُ وَأَمَّهُ .
[3/230]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " فَلَا جَنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " ، يَقُولُ : فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَلَا مَأْثَمَ فِي طَوَافِهِ بِهِمَا .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا وَجْهُ هَذَا الْكَلَامِ ، وَقَدْ قُلْتَ لَنَا ، إِنَّ قَوْلَهُ : " إِنَّ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةَ (مكان)مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ ظَاهِرَ الْخَبَرِ ، فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ بِالطَّوَافِ بِهِمَا ؟ فَكَيْفَ يَكُونُ أَمْرًا بِالطَّوَافِ ، ثُمَّ يُقَالُ : لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فِي الطَّوَافِ بِهِمَا ؟ وَإِنَّمَا يُوضَعُ الْجُنَاحُ عَمَّنْ أَتَى مَا عَلَيْهِ بِإِتْيَانِهِ الْجُنَاحَ وَالْحَرَجَ ؟ وَالْأَمْرُ بِالطَّوَافِ بِهِمَا ، وَالتَّرْخِيصُ فِي الطَّوَافِ بِهِمَا ، غَيْرُ جَائِزٍ اجْتِمَاعُهُمَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ ؟
قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إِلَيْهِ ذَهَبْتَ . وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ أَقْوَامٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ ، تَخَوَّفَ أَقْوَامٌ كَانُوا يَطُوفُونَ بِهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لِصَنَمَيْنِ كَانَا عَلَيْهِمَا تَعْظِيمًا مِنْهُمْ لَهُمَا ، فَقَالُوا : وَكَيْفَ نَطُوفُ بِهِمَا ، وَقَدْ عَلَّمَنَا أَنَّ تَعْظِيمَ الْأَصْنَامِ وَجَمِيعَ مَا كَانَ يُعْبَدُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، شِرْكٌ ؟ فَفِي طَوَافِنَا بِهَذَيْنَ الْحَجَرَيْنِ أَحْرَجُ ذَلِكَ ، لِأَنَّ الطَّوَافَ بِهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِنَّمَا كَانَ لِلصَّنَمَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَا عَلَيْهِمَا ، وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ الْيَوْمَ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَعْظِيمِ شَيْءٍ مَعَ اللَّهِ بِمَعْنَى الْعِبَادَةِ لَهُ!
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " ، [3/231]يَعْنِي : إِنَّ الطَّوَافَ بِهِمَا ، فَتَرَكَ ذِكْرَ " الطَّوَافِ بِهِمَا " ، اكْتِفَاءً بِذِكْرِهِمَا عَنْهُ . وَإِذْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ أَنَّ مَعْنَاهُ : مِنْ مَعَالِمِ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَهَا عَلَمًا لِعِبَادِهِ يَعْبُدُونَهُ عِنْدَهُمَا بِالطَّوَافِ بَيْنَهُمَا ، وَيَذْكُرُونَهُ عَلَيْهِمَا وَعِنْدَهُمَا بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ مِنَ الذِّكْرِ ، " فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ " فَلَا يَتَخَوَّفَنَّ الطَّوَافَ بِهِمَا ، مِنْ أَجْلِ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ بِهِمَا مِنْ أَجْلِ الصَّنَمَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَا عَلَيْهِمَا ، فَإِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ كَانُوا يَطُوفُونَ بِهِمَا كُفْرًا ، وَأَنْتُمْ تَطُوفُونَ بِهِمَا إِيمَانًا ، وَتَصْدِيقًا لِرَسُولِي ، وَطَاعَةً لِأَمْرِي ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي الطَّوَافِ بِهِمَا .
وَ " الْجَنَاحُ " ، الْإِثْمُ ، كَمَا : -
2334 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " ، يَقُولُ : لَيْسَ عَلَيْهِ إِثْمٌ ، وَلَكِنْ لَهُ أَجْرٌ .
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ تَظَاهَرَتِ الرِّوَايَةُ عَنِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ .
ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتَ بِذَلِكَ :
2335 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكَ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ : أَنَّ وَثَنًا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الصَّفَا (مكان)يُسَمَّى " إِسَافًا " ، وَوَثَنًا عَلَى الْمَرْوَةِ (مكان)يُسَمَّى " نَائِلَةَ " ، فَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ مَسَحُوا الْوَثَنَيْنِ . فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَكُسِرَتِ الْأَوْثَانُ ، قَالَ الْمُسْلِمُونَ : إِنَّ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةَ (مكان)إِنَّمَا كَانَ يُطَافُ بِهِمَا مِنْ أَجْلِ الْوَثَنَيْنِ ، وَلَيْسَ الطَّوَافُ بِهِمَا مِنَ الشَّعَائِرِ! قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ : إِنَّهُمَا مِنَ الشَّعَائِرِ ، " فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " .
2336 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : كَانَ صَنَمٌ بِالصَّفَا (مكان)يُدْعَى " إِسَافًا " ، وَوَثَنٌ بِالْمَرْوَةِ (مكان)يُدْعَى " نَائِلَةَ " ، [3/232]ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ - وَزَادَ فِيهِ ، قَالَ : فَذُكِّرَ الصَّفَا (مكان)مِنْ أَجْلِ الْوَثَنِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ ، وأُنِّثَ الْمَرْوَةُ (مكان)مِنْ أَجْلِ الْوَثَنِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مُؤَنَّثًا .
2337 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ عَنْ يَزِيدَ ، وَزَادَ فِيهِ - قَالَ : فَجَعَلَهُ اللَّهُ تَطَوُّعَ خَيْرٍ .
2338 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ قَالَ : قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ كُنَّا نَكْرَهُ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ
2339 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَاصِمٍ قَالَ : سَأَلْتُ أَنْسًا عَنِ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)، فَقَالَ : كَانَتَا مِنْ مَشَاعِرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ أَمْسَكُوا عَنْهُمَا ، فنَزَلَتْ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " . [3/233]
2340 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْحُسَيْنِ الْمُعَلِّمُ قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَبَشِيٍّ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " قَالَ : انْطَلِقْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَاسْأَلْهُ ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ مَنْ بَقِيَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلَتْهُ ، فَقَالَ : إِنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمَا أَصْنَامٌ ، فَلَمَّا حُرِّمْنَ أَمْسَكُوا عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا ، حَتَّى أُنْزِلَتْ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " . [3/234]
2341 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " ، وَذَلِكَ أَنَّ نَاسًا كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)، فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِهِ ، وَالطَّوَافُ بَيْنَهُمَا أَحَبُّ إِلَيْهِ ، فَمَضَتِ السُّنَّةُ بِالطَّوَافِ بَيْنَهُمَا .
2342 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " قَالَ : زَعَمَ أَبُو مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ شَيَاطِينُ تَعْزِفُ اللَّيْلَ أَجْمَعَ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا آلِهَةٌ ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَظَهَرَ ، قَالَ الْمُسْلِمُونَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)، فَإِنَّهُ شِرْكٌ كُنَّا نَفْعَلُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " . [3/235]
2343 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " قَالَ : قَالَتِ الْأَنْصَارُ : إِنَّ السَّعْيَ بَيْنَ هَذَيْنَ الْحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ "
2344 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ .
2345 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ قَدْ وَضَعُوا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَنَمًا يُعَظِّمُونَهُمَا ، فَلَمَّا أَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ كَرِهُوا الطَّوَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِمَكَانِ الصَّنَمَيْنِ ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " ، وَقَرَأَ : وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [ سُورَةُ الْحَجِّ : 32 ] ، وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّوَافَ بِهِمَا .
2346 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَاصِمٍ قَالَ : قُلْتُ لِأَنَسٍ : الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةُ ، (مكان)أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ أَنْ تَطُوفُوا بِهِمَا مَعَ الْأَصْنَامِ الَّتِي نُهِيتُمْ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، حَتَّى نَزَلَتْ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " .
2347 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : إِنَّ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةَ (مكان)مِنْ مَشَاعِرِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، [3/236]فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ تَرْكَنَاهُمَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ هَذِهِ الْآيَةَ ، فِي سَبَبِ قَوْمٍ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَسْعَوْنَ بَيْنَهُمَا ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ تَخَوَّفُوا السَّعْيَ بَيْنَهُمَا كَمَا كَانُوا يَتَخَوَّفُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2348 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " الْآيَةَ ، فَكَانَ حَيٌّ مِنْ تِهَامَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَسْعَوْنَ بَيْنَهُمَا ، فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ أَنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ، وَكَانَ مِنْ سُنَّةِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)الطَّوَافُ بَيْنَهُمَا .
2349 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " .
2350 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي عَقِيلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ لَهَا : أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمِنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " ؟ وَقُلْتُ لِعَائِشَةَ : وَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جَنَاحٌ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِالصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ ؟ (مكان)فَقَالَتْ عَائِشَةُ : بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي ، إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا كَانَتْ : لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ، وَلَكِنَّهَا إِنَّمَا أُنْزِلَتْ فِي الْأَنْصَارِ : كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ ، الطَّاغِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ بِالْمُشَلَّلِ ، وَكَانَ مِنْ أَهَلَّ لَهَا يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بَيْنَ [3/237]الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)، فَلَمَّا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ - فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)- أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمِنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " . قَالَتْ عَائِشَةُ : ثُمَّ قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا . [3/238]
2351 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزَّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ يُهِلُّ لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - وَ " مَنَاةُ " صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ (مكان)وَالْمَدِينَةِ (مكان)- قَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّا كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ ، فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطُوفَ بِهِمَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جَنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " . قَالَ عُرْوَةُ : فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ : مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)! قَالَ اللَّهُ : " فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ " . قَالَتْ : يَا ابْنَ أُخْتِي ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " ! قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَقَالَ : هَذَا الْعِلْمُ! قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يُنزِلِ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)، قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا كُنَّا نَطُوفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَذْكُرِ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ ، (مكان)فَهَلْ عَلَيْنَا مَنْ حَرَجٍ أَنْ لَا نَطُوفَ بِهِمَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " الْآيَةَ كُلَّهَا ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : فَأَسْمَعُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا ، فِي مَنْ طَافَ وَفِي مَنْ لَمْ يَطُفْ . [3/239]
2352 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ جَعَلَ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ، كَمَا جَعَلَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ مِنْ شَعَائِرِهِ .
فَأَمَّا قَوْلُهُ : " فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " ، فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قِيلَ لِكِلَا الْفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ تَخَوَّفَ بَعْضُهُمُ الطَّوَّافَ بِهِمَا مِنْ أَجْلِ الصَّنَمَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الشَّعْبِيُّ ، وَبَعْضُهُمْ مِنْ أَجْلِ مَا كَانَ مِنْ كَرَاهَتِهِمُ الطَّوَافَ بِهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ . [3/240]
وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " ، الْآيَةَ ، دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ عَنَى بِهِ وَضْعَ الْحَرَجِ عَمَّنْ طَافَ بِهِمَا ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الطَّوَافَ بِهِمَا كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ بِحَظْرِ اللَّهِ ذَلِكَ ، ثُمَّ جُعِلَ الطَّوَافُ بِهِمَا رُخْصَةً ، لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يَحْظُرْ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ ، ثُمَّ رَخَّصَ فِيهِ بِقَوْلِهِ : " فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " .
وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَوْجُهٍ . فَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ تَارِكَ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا تَارِكٌ مِنْ مَنَاسِكِ حَجِّهِ مَا لَا يُجْزِيهِ مِنْهُ غَيْرُ قَضَائِهِ بِعَيْنِهِ ، كَمَا لَا يُجْزِي تَارِكَ الطَّوَافِ - الَّذِي هُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ - إِلَّا قَضَاؤُهُ بِعَيْنِهِ . وَقَالُوا : هُمَا طَوَافَانِ : أَمَرَ اللَّهُ بِأَحَدِهِمَا بِالْبَيْتِ ، وَالْآخَرُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .
وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ تَارِكَ الطَّوَافِ بِهِمَا يُجْزِيهِ مِنْ تَرْكِهِ فِدْيَةٌ ، وَرَأَوْا أَنَّ حُكْمَ الطَّوَافِ بِهِمَا حُكْمُ رَمْيِ بَعْضِ الْجَمَرَاتِ ، وَالْوُقُوفِ بِالْمِشْعَرِ ، وَطَوَافِ الصَّدْرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، مِمَّا يُجْزِي تَارِكَهُ مِنْ تَرْكِهِ فِدْيَةٌ ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ لِقَضَائِهِ بِعَيْنِهِ .
وَرَأَى آخَرُونَ أَنَّ الطَّوَافَ بِهِمَا تَطَوُّعٌ ، إِنْ فَعَلَهُ صَاحِبُهُ كَانَ مُحْسِنًا ، وَإِنْ تَرَكَهُ تَارِكٌ لَمْ يُلْزِمْهُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : إِنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَاجِبٌ وَلَا يُجْزِي مِنْهُ فَدِيَةٌ ، وَمَنْ تَرَكَهُ فَعَلَيْهِ الْعَوْدُ . [3/241]
2353 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَعَمْرِي مَا حَجَّ مَنْ لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)، لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " .
2353 م - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : مَنْ نَسِيَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)حَتَّى يَسْتَبْعِدَ مِنْ مَكَّةَ ، (مكان)فَلْيَرْجِعْ فَلْيَسْعَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَصَابَ النِّسَاءَ فَعَلَيْهِ الْعُمْرَةُ وَالْهَدْيُ .
وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ : عَلَى مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)حَتَّى رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ ، الْعُودُ إِلَى مَكَّةَ (مكان)حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَهُمَا ، لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ .
2354 - حَدَّثْنَا بِذَلِكَ عَنْهُ الرَّبِيعُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : يُجْزِي مِنْهُ دَمٌ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَوْدٌ لِقَضَائِهِ .
قَالَ الثَّوْرِيُّ بِمَا : -
2355 - حَدَّثَنِي بِهِ عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ ، عَنْهُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ : إِنْ عَادَ تَارِكُ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا لِقَضَائِهِ فَحَسَنٌ ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ فَعَلَيْهِ دَمٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : الطَّوَافُ بَيْنَهُمَا تَطَوُّعٌ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ ، وَمَنْ كَانَ يَقْرَأُ : ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) .
2356 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ : لَوْ أَنَّ حَاجًّا أَفَاضَ بَعْدَمَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، (مكان)فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَسْعَ ، فَأَصَابَهَا - يَعْنِي : امْرَأَتَهُ - لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، لَا حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ ، مِنْ أَجْلِ قَوْلِ اللَّهِ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ : " فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا " . فَعَاوَدْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقُلْتُ : إِنَّهُ قَدْ تَرَكَ سُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : أَلَا تَسْمَعُهُ يَقُولُ : " فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا " ، فَأَبَى أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهِ شَيْئًا ؟
2357 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكَ ، [3/242]عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " الْآيَةَ " فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا " .
2358 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَاصِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ : الطَّوَافُ بَيْنَهُمَا تَطَوُّعٌ .
2359 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ قَالَ : قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : هُمَا تَطُّوُعٌ .
2360 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ .
2361 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " قَالَ : فَلَمْ يُحَرِّجْ مَنْ لَمْ يَطُفْ بِهِمَا .
2362 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، عَنْ عِيسَى بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : هُمَا تَطَوُّعٌ . [3/243]
2364 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَاصِمٍ قَالَ : قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)تَطَوُّعٌ ؟ قَالَ : تَطَوُّعٌ .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّ الطَّوَافَ بِهِمَا فَرْضٌ وَاجِبٌ ، وَأَنَّ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ الْعَوْدَ لِقَضَائِهِ ، نَاسِيًا كَانَ ، أَوْ عَامِدًا . لِأَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ ، لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَجَّ بِالنَّاسِ ، فَكَانَ مِمَّا عَلَّمَهُمْ مِنْ مَنَاسِكِ حَجِّهِمُ الطَّوَافُ بِهِمَا .
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ بِذَلِكَ :
2365 - حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ سَلْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : لَمَّا دَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الصَّفَا (مكان)فِي حَجِّهِ قَالَ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " ، ابْدَأُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِذِكْرِهِ . فَبَدَأَ بِالصَّفَا (مكان)فِرَقِيَ عَلَيْهِ .
2366 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ مَيْمُونٍ أَبُو الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنِ ابْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ " ، فَأَتَى الصَّفَا (مكان)فَبَدَأَ بِهَا ، فَقَامَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ أَتَى الْمَرْوَةَ (مكان)فَقَامَ عَلَيْهَا ، وَطَافَ وَسَعَى . [3/244]
فَإِذْ كَانَ صَحِيحًا بِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ مِنَ الْأُمَّةِ - أَنَّ الطَّوَافَ بِهِمَا عَلَى تَعْلِيمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ فِي مَنَاسِكِهِمْ ، وَعَمَلِهِ فِي حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ وَكَانَ بَيَانُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ جُمَلَ مَا نَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَفَرَضَهُ فِي تَنْزِيلِهِ ، وَأَمَرَ بِهِ مِمَّا لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهُ إِلَّا بِبَيَانِهِ ، لَازِمًا الْعَمَلُ بِهِ أَمَتَّهُ ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا " كِتَابِ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ " - إِذَا اخْتَلَفَتِ الْأُمَّةُ فِي وُجُوبِهِ ، ثُمَّ كَانَ مُخْتَلِفًا فِي الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا : هَلْ هُوَ واجِبٌ أَوْ غَيْرُ وَاجِبٍ كَانَ بَيِّنًا وُجُوبُ فَرْضِهِ عَلَى مَنْ حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ ، لِمَا وَصَفْنَا .
وَكَذَلِكَ وُجُوبُ الْعَوْدِ لِقَضَاءِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ - لِمَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيمَا عَلَى مَنْ تَرَكَهُ ، مَعَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَّمَهُ أُمَّتَهُ فِي حَجِّهِمْ وَعُمْرَتِهِمْ إِذْ عَلَّمَهُمْ مَنَاسِكَ حَجِّهِمْ - كَمَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَعَلَّمَهُ أُمَّتَهُ فِي حَجِّهِمْ وَعُمْرَتِهِمْ ، إِذْ عَلَّمَهُمْ مَنَاسِكَ حَجِّهِمْ وَعُمْرَتِهِمْ - وَأَجْمَعَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ لَا تُجْزِي مِنْهُ فَدِيَةٌ وَلَا بَدَلٌ ، وَلَا يُجْزِي تَارِكَهُ إِلَّا الْعَوْدُ لِقَضَائِهِ كَانَ نَظِيرًا لَهُ الطَّوَافُ بِالصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)، وَلَا تُجْزِي مِنْهُ فِدْيَةٌ وَلَا جَزَاءٌ ، وَلَا يُجْزِي تَارِكَهُ إِلَّا الْعَوْدُ لِقَضَائِهِ ، إِذْ كَانَا كِلَاهُمَا طَوَافِينَ : أَحَدُهُمَا بِالْبَيْتِ ، وَالْآخِرُ بِالصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان). [3/245]
وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِهِمَا عُكِسَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فِيهِ ، ثُمَّ سُئِلَ الْبُرْهَانَ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا .
فَإِنِ اعْتَلَّ بِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : " فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا " .
قِيلَ : ذَلِكَ خِلَافُ مَا فِي مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ ، غَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ أَنْ يَزِيدَ فِي مَصَاحِفِهِمْ مَا لَيْسَ فِيهَا . وَسَوَاءٌ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَارِئٌ ، أَوْ قَرَأَ قَارِئٌ : ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [ سُورَةُ الْحَجِّ : 29 ] ، " فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَطَّوَّفُوا بِهِ " . فَإِنْ جَازَتْ إِحْدَى الزِّيَادَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَيْسَتَا فِي الْمُصْحَفِ ، كَانَتِ الْأُخْرَى نَظِيرَتَهَا ، وَإِلَّا كَانَ مُجِيزُ إِحْدَاهِمَا - إِذَا مَنَعَ الْأُخْرَى - مُتَحَكِّمًا ، وَالتَّحَكُّمُ لَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَحَدٌ .
وَقَدْ رُوِيَ إِنْكَارُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ ، وَأَنْ يَكُونَ التَّنْزِيلُ بِهَا ، عَنْ عَائِشَةَ .
2367 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ : أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " ، فَمَا نَرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا! فَقَالَتْ عَائِشَةُ : كَلَّا! لَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ ، كَانَتْ : " فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا " ، إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ ، كَانُوا يُهلُّونَ لِمَنَاةَ - وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قَدِيدٍ - ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان). فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ ، سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : " إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ [3/246]الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ يَحْتَمِلُ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : " فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا " ، أَنْ تَكُونَ " لَا " الَّتِي مَعَ " أَنْ " ، صِلَةً فِي الْكَلَامِ ، إِذْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَهَا جَحْدٌ فِي الْكَلَامِ قَبْلَهَا ، وَهُوَ قَوْلُهُ : فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ ، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 12 ] ، بِمَعْنَى مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ فِعْلَهُمَا والطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ
وَلَوْ كَانَ رَسْمُ الْمُصْحَفِ كَذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ لِمُحْتَجٍّ حُجَّةٌ ، مَعَ احْتِمَالِ الْكَلَامِ مَا وَصَفْنَا . لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ فِي مَنَاسِكِهِمْ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَلِدَلَالَةِ الْقِيَاسِ عَلَى صِحَّتِهِ ، فَكَيْفَ وَهُوَ خِلَافُ رُسُومِ مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمِمَّا لَوْ قَرَأَهُ الْيَوْمَ قَارِئٌ كَانَ مُسْتَحِقًّا الْعُقُوبَةَ لِزِيَادَتِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا لَيْسَ مِنْهُ ؟
[3/247]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ (مكان): " وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا " عَلَى لَفْظِ الْمُضِيِّ بِ " التَّاءِ " وَفَتَحِ " الْعَيْنِ " . وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ : " وَمَنْ يَطَّوَّعْ خَيْرًا " بِ " الْيَاءِ " وَجَزْمِ " الْعَيْنِ " وَتَشْدِيدِ " الطَّاءِ " ، بِمَعْنَى : وَمَنْ يَتَطَوَّعْ . وَذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : " وَمَنْ يَتَطَوَّعْ " ، فَقَرَأَ ذَلِكَ قُرَّاءُ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، عَلَى مَا وَصَفْنَا ، اعْتِبَارًا بِالَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ - سِوَى عَاصِمٍ ، فَإِنَّهُ وَافَقَ الْمَدَنِيِّينَ - فَشَدَّدُوا " الطَّاءَ " طَلَبًا لِإِدْغَامِ " التَّاءِ " فِي " الطَّاءِ " . وَكِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ مَعْرُوفَةٌ صَحِيحَةٌ ، مُتَّفَقٌ مَعْنَيَاهُمَا غَيْرُ مُخْتَلِفَيْنِ - لِأَنَّ الْمَاضِيَ مِنَ الْفِعْلِ مَعَ حُرُوفِ الْجَزَاءِ بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ . فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ ذَلِكَ قَارِئٌ فَمُصِيبٌ .
[ وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ ، أَنَّ ] مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَنْ تَطَوَّعَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بَعْدَ قَضَاءِ حَجَّتِهِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ لَهُ عَلَى تَطَوُّعِهِ لَهُ بِمَا تَطَوَّعَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ ، فَمُجَازِيهِ بِهِ ، عَلِيمٌ بِمَا قَصَدَ وَأَرَادَ بتطُّوعِهِ بِمَا تَطَوَّعَ بِهِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ الصَّوَابَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : " فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا " هُوَ مَا وَصَفْنَا ، دُونَ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ : فَمَنْ تَطَوَّعَ بِالسَّعْي وَالطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، لِأَنَّ السَّاعِيَ بَيْنَهُمَا لَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا بِالسَّعْي بَيْنَهُمَا ، إِلَّا فِي حَجِّ تَطَوُّعٍ أَوْ عُمْرَةِ تَطَوُّعٍ ، لِمَا وَصَفْنَا قَبْلُ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ إِنَّمَا عَنَى بِالتَّطَوُّعِ بِذَلِكَ ، التطُّوعَ بِمَا يَعْمَلُ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ . [3/248]
وَأَمَّا الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الطَّوَافَ بِهِمَا تَطَوُّعٌ لَا وَاجِبٌ ، فَإِنَّ الصَّوَابَ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِمْ : فَمَنْ تَطَوَّعَ بِالطَّوَافِ بِهِمَا ، فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ لِأَنَّ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ عَلَى قَوْلِهِمُ الطَّوَافَ بِهِمَا إِنْ شَاءَ ، وَتَرْكَ الطَّوَافِ . فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى تَأْوِيلِهِمْ : فَمَنْ تَطَوَّعَ بِالطَّوَافِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ تَطَوُّعَهُ ذَلِكَ عَلِيمٌ بِمَا أَرَادَ وَنَوَى الطَّائِفُ بِهِمَا كَذَلِكَ ، كَمَا : -
2368 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ قَالَ : مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ، تَطَوَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَتْ مِنَ السُّنَنِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَنْ تَطَوَّعُ خَيْرًا فَاعْتَمَرَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2369 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَاعْتَمَرَ فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ . قَالَ : فَالْحَجُّ فَرِيضَةٌ ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ ، لَيْسَتِ الْعُمْرَةُ وَاجِبَةً عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ .