تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ "

ج 3
ص 199

الآية المفسَّرة

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 3 · ص 199

النص

[3/199]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ( 150 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ وَبُقْعَةٍ شَخَصْتَ فَخَرَجْتَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)، فَوَلِّ وَجْهَكَ تِلْقَاءَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، (مكان)وَهُوَ شَطْرُهُ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ " ، وَأَيْنَمَا كُنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَرْضِ اللَّهِ ، فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ تُجَاهَهُ وَقِبَلَهُ وَقَصْدَهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ : عَنَى اللَّهُ تَعَالَى بِ " النَّاسِ " فِي قَوْلِهِ : " لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ " ، أَهْلَ الْكِتَابِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2292 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ " ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَهْلَ الْكِتَابِ . قَالُوا - حِينَ صُرِفَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان)- : اشْتَاقَ الرَّجُلُ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ وَدِينِ قَوْمِهِ!
2293 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، [3/200]عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ " ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَهْلَ الْكِتَابِ ، قَالُوا - حِينَ صُرِفَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)- : اشْتَاقَ الرَّجُلُ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ وَدِينِ قَوْمِهِ!
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَأَيَّةُ حُجَّةٍ كَانَتْ لِأَهْلِ الْكِتَابِ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، (مكان)عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ؟
قِيلَ : قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ . قِيلَ : إِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : مَا دَرَى مُحَمَّدٌ (نبي)وَأَصْحَابُهُ أَيْنَ قَبِلَتْهُمْ حَتَّى هَدَيْنَاهُمْ نَحْنُ! وَقَوْلَهُمْ : يُخَالِفُنَا مُحَمَّدٌ (نبي)فِي دِينِنَا وَيَتَّبِعُ قِبْلَتَنَا! فَهِيَ الْحُجَّةُ الَّتِي كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، عَلَى وَجْهِ الْخُصُومَةِ مِنْهُمْ لَهُمْ ، وَالتَّمْوِيهِ مِنْهُمْ بِهَا عَلَى الْجُهَّالِ وَأَهْلِ الْغَبَاءِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ مَعْنَى حِجَاجِ الْقَوْمِ إِيَّاهُ ، الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ ، إِنَّمَا هِيَ الْخُصُومَاتُ وَالْجِدَالُ . فَقَطَعَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَلِكَ مِنْ حُجَّتِهِمْ ، وَحَسَمَهُ بِتَحْوِيلِ قِبْلَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ ، مِنْ قِبْلَةِ الْيَهُودِ إِلَى قِبْلَةِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ " ، يَعْنِي بِ " النَّاسِ " ، الَّذِينَ كَانُوا يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِمْ بِمَا وَصَفْتُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " ، فَإِنَّهُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ مِنْ قُرَيْشٍ ، فِيمَا تَأَوَّلَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2294 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " ، قَوْمُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . [3/201]
2295 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ : هُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ (مكان).
2296 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " ، يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ .
2297 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " قَالَ : هُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ .
2298 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " ، وَ " الَّذِينَ ظَلَمُوا " : مُشْرِكُو قُرَيْشٍ .
2299 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ : هُمْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي عبدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ عَطَاءٍ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَأَيَّةُ حُجَّةٍ كَانَتْ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ، فِي تَوَجُّهِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ إِلَى الْكَعْبَةِ ؟ (مكان)وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ - فِيمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ أَوْ نَهَاهُمْ عَنْهُ - حُجَّةٌ ؟
قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا تَوَهَّمْتَ وَذَهَبْتَ إِلَيْهِ . وَإِنَّمَا " الْحُجَّةُ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، الْخُصُومَةُ وَالْجِدَالُ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : لِئَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ عَلَيْكُمْ خُصُومَةٌ وَدَعْوَى بَاطِلٌ غَيْرَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ، فَإِنَّ لَهُمْ عَلَيْكُمْ دَعْوَى بَاطِلًا وَخُصُومَةً بِغَيْرِ حَقٍّ ، بِقِيلِهِمْ لَكُمْ : " رَجَعَ مُحَمَّدٌ (نبي)إِلَى قِبْلَتِنَا ، وَسَيَرْجِعُ إِلَى [3/202]دِينِنَا " . فَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَأَمَانِيِّهِمُ الْبَاطِلَةِ ، هِيَ " الْحُجَّةُ " الَّتِي كَانَتْ لِقُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ . وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ " الَّذِينَ ظَلَمُوا " مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ غَيْرِهِمْ ، إِذْ نَفَى أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي قِبْلَتِهِمُ الَّتِي وَجَّهَهُمْ إِلَيْهَا حُجَّةٌ .
وَبِمَثَلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2300 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةً إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " ، قَوْمُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ مُجَاهِدٌ : يَقُولُ : حُجَّتُهُمْ ، قَوْلُهُمْ : قَدْ رَاجَعْتَ قِبْلَتَنَا!
2301 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ - إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : قَوْلُهُمْ : قَدْ رَجَعْتَ إِلَى قِبْلَتِنَا!
2302 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " ، قَالَا : هُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ ، قَالُوا حِينَ صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان): قَدْ رَجَعَ إِلَى قِبْلَتِكُمْ ، فَيُوشِكُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى دِينِكُمْ! قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي " .
2303 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " ، وَ " الَّذِينَ ظَلَمُوا " : مُشْرِكُو قُرَيْشٍ . يَقُولُ : إِنَّهُمْ سَيَحْتَجُّونَ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ ، فَكَانَتْ حُجَّتُهُمْ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصِرَافَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان)أَنَّهُمْ قَالُوا سَيَرْجِعُ إِلَى دِينِنَا كَمَا رَجَعَ إِلَى قِبْلَتِنَا! فَأَنْزَلَ اللَّهُ [3/203]تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ .
2304 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ .
2305 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِيمَا يَذْكُرُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : لَمَّا صُرِفَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ ، (مكان)بَعْدَ صِلَاتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، (مكان)قَالَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ : تُحِيِّرَ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)دِينُهُ! فَتَوَجَّهَ بِقِبْلَتِهِ إِلَيْكُمْ ، وَعَلِمَ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ أَهْدَى مِنْهُ سَبِيلًا وَيُوشِكُ أَنْ يَدْخُلَ فِي دِينِكُمْ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِمْ : " لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي " .
2306 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : قَوْلُهُ : " لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " قَالَ : قَالَتْ قُرَيْشٌ - لَمَّا رَجَعَ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)وَأُمِرَ بِهَا : - مَا كَانَ يَسْتَغْنِي عَنَّا! قَدِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا! فَهِيَ حُجَّتُهُمْ ، وَهُمُ " الَّذِينَ ظَلَمُوا " - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي عبدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ عَطَاءٍ ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ : حُجَّتُهُمْ ، قَوْلُهُمْ : رَجَعْتَ إِلَى قِبْلَتِنَا! [3/204]
فَقَدْ أَبَانَ تَأْوِيلُ مَنْ ذَكَرْنَا تَأْوِيلَهُ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ قَوْلَهُ : " إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " ، عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِهِ ، وَأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمَعْرُوفِ ، الَّذِي ثَبَتَ فِيهِمْ لِمَا بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ مَا كَانَ مَنْفِيًّا عَمَّا قَبْلَهُ . كَمَا قَوْلُ الْقَائِلِ " مَا سَارَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ إِلَّا أَخُوكَ " ، إِثْبَاتٌ لِلْأَخِ مِنَ السَّيْرِ مَا هُوَ مَنْفِيٌّ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " ، نَفَى عَنْ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ خُصُومَةٌ وَجَدَلٌ قِبَلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعْوَى بَاطِلٍ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ ، بِسَبَبِ تَوَجُّهِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ قِبَلَ الْكَعْبَةِ (مكان)- إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَإِنَّ لَهُمْ قِبَلَهُمْ خُصُومَةً وَدَعْوَى بَاطِلًا بِأَنْ يَقُولُوا : إِنَّمَا تَوَجَّهْتُمْ إِلَيْنَا وَإِلَى قِبْلَتِنَا ، لِأَنَّا كُنَّا أَهْدَى مِنْكُمْ سَبِيلًا وَأَنَّكُمْ كُنْتُمْ بِتَوَجُّهِكُمْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)عَلَى ضَلَالٍ وَبَاطِلٍ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى الْآيَةِ بِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ، فَبَيِّنٌ خَطَأُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : " إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " : وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ، وَأَنَّ " إِلَّا " بِمَعْنَى " الْوَاوِ " . لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعْنَاهُ ، لَكَانَ النَّفْيُ الْأَوَّلُ عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ - أَنْ يَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي تَحَوُّلِهِمْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ (مكان)بِوُجُوهِهِمْ - مُبَيِّنًا عَنِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ : " إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " إِلَّا التَّلْبِيسَ الَّذِي يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ أَوْ يُوصَفَ بِهِ .
هَذَا مَعَ خُرُوجِ مَعْنَى الْكَلَامِ إِذَا وَجَّهْتَ " إِلَّا " إِلَى مَعْنَى " الْوَاوِ " ، وَمَعْنَى [3/205]الْعَطْفِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ . وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ " إِلَّا " فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهَا بِمَعْنَى " الْوَاوِ " ، إِلَّا مَعَ اسْتِثْنَاءٍ سَابِقٍ قَدْ تَقَدَّمَهَا . كَقَوْلِ الْقَائِلِ : " سَارَ الْقَوْمُ إِلَّا عَمْرًا إِلَّا أَخَاكَ " ، بِمَعْنَى : إِلَّا عَمْرًا وَأَخَاكَ ، فَتَكُونُ " إِلَّا " حِينَئِذٍ مُؤَدِّيَةً عَمَّا تُؤَدِّي عَنْهُ " الْوَاوُ " ، لِتَعَلُّقِ " إِلَّا " الثَّانِيَةِ بِ " إِلَّا " الْأُولَى . وَيُجْمَعُ فِيهَا أَيْضًا بَيْنَ " إِلَّا " وَ " الْوَاوِ " فَيُقَالُ : " سَارَ الْقَوْمُ إِلَّا عَمْرًا وَإِلَّا أَخَاكَ " ، فَتُحْذَفُ إِحْدَاهُمَا ، فَتَنُوبُ الْأُخْرَى عَنْهَا ، فَيُقَالُ : " سَارَ الْقَوْمُ إِلَّا عَمْرًا وَأَخَاكَ - أَوْ إِلَّا عَمْرًا إِلَّا أَخَاكَ " ، لِمَا وَصَفْنَا قَبَلُ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ لِمُدَّعٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّ يَدَّعِيَ أَنَّ " إِلَّا " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى " الْوَاوِ " الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى الْعَطْفِ .
وَوَاضِحٌ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ، فَإِنَّهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ ، فَلَا تَخْشَوْهُمْ . كَقَوْلِ الْقَائِلِ فِي الْكَلَامِ : " النَّاسُ كُلُّهُمْ لَكَ حَامِدُونَ إِلَّا الظَّالِمَ [ لَكَ ] الْمُعْتَدِيَ عَلَيْكَ " ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْتَدُّ بعُداوَنِهِ وَلَا بِتَرْكِهِ الْحَمْدَ ، لِمَوْضِعِ الْعَدَاوَةِ . وَكَذَلِكَ الظَّالِمُ لَا حُجَّةَ لَهُ ، وَقَدْ سُمِّيَ ظَالِمًا لِإِجْمَاعِ جَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى تَخْطِئَةِ مَا ادَّعَى مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ . وَكَفَى شَاهِدًا عَلَى خَطَأِ مَقَالَتِهِ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى تَخْطِئَتِهَا .
وَظَاهِرٌ بُطُولُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ : أَنَّ " الَّذِينَ ظَلَمُوا " هَاهُنَا ، نَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ [3/206]كَانُوا يَهُودًا وَنَصَارَى ، فَكَانُوا يَحْتَجُّونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَّا سَائِرُ الْعَرَبِ ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ حُجَّةٌ ، وَكَانَتْ حُجَّةُ مَنْ يَحْتَجُّ مُنْكَسِرَةً . لِأَنَّكَ تَقُولُ لِمَنْ تُرِيدُ أَنْ تَكْسِرَ عَلَيْهِ حُجَّتَهُ : " إِنَّ لَكَ عَلَيَّ حُجَّةً وَلَكِنَّهَا مُنْكَسِرَةٌ ، وَإِنَّكَ لَتَحْتَجُّ بِلَا حُجَّةٍ ، وَحُجَّتُكَ ضَعِيفَةٌ " . وَوَجَّهَ مَعْنَى : " إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ " إِلَى مَعْنَى : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ، مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَإِنَّ لَهُمْ عَلَيْكُمْ حُجَّةً وَاهِيَةً أَوْ حُجَّةً ضَعِيفَةً .
وَوَهْيُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : " إِلَّا " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى " لَكِنْ " .
وَضَعْفُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ ابْتِدَاءٌ بِمَعْنَى : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ .
لِأَنَّ تَأْوِيلَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ جَاءَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ : أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ بِمَا قَدْ ذَكَرْنَا ، وَلَمْ يَقْصِدْ فِي ذَلِكَ إِلَى الْخَبَرِ عَنْ صِفَةِ حُجَّتِهِمْ بِالضَّعْفِ وَلَا بِالْقُوَّةِ - وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً لِأَنَّهَا بَاطِلَةٌ - وَإِنَّمَا قَصَدَ فِيهِ الْإِثْبَاتَ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا ، مَا قَدْ نَفَى عَنِ الَّذِينَ قَبْلَ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الصِّفَةِ .
2307 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ الرَّبِيعُ : إِنَّ يَهُودِيًّا خَاصَمَ أَبَا الْعَالِيَةِ فَقَالَ : إِنَّ مُوسَى (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان). فَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الصَّخْرَةِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان). قَالَ : قَالَ : فَبَيْنِي وَبَيْنَكَ مَسْجِدُ صَالِحٍ ، فَإِنَّهُ نَحَتَهُ مِنَ الْجَبَلِ . قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : قَدْ صَلَّيْتُ فِيهِ وَقِبْلَتُهُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان). قَالَ الرَّبِيعُ : وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى مَسْجِدِ ذِي الْقَرْنَيْنِ ، وَقِبْلَتُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان).
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي " ، يَعْنِي : فَلَا تَخْشَوْا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكُمْ أَمْرَهُمْ مِنَ الظَّلَمَةِ فِي حُجَّتِهِمْ وَجِدَالِهِمْ وَقَوْلِهِمْ مَا يَقُولُونَ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى [3/207]اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رَجَعَ إِلَى قِبْلَتِنَا ، وَسَيَرْجِعُ إِلَى دِينِنَا! - أَوْ أَنْ يَقْدِرُوا لَكُمْ عَلَى ضُرٍّ فِي دِينِكُمْ أَوْ صَدِّكُمْ عَمَّا هَدَاكُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُ مِنَ الْحَقِّ ، وَلَكِنِ اخْشَوْنِي ، فَخَافُوا عِقَابِي ، فِي خِلَافِكُمْ أَمْرِي إِنْ خَالَفْتُمُوهُ .
وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ تَقَدُّمٌ إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، بِالْحَضِّ عَلَى لُزُومِ قِبْلَتِهِمْ وَالصَّلَاةِ إِلَيْهَا ، وَبِالنَّهْي عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَى غَيْرِهَا . يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاخْشَوْنِي أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، فِي تَرْكِ طَاعَتِي فِيمَا أَمَرَتْكُمْ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (مكان).
وَقَدْ حُكِيَ عَنِ السُّدِّيِّ فِي ذَلِكَ مَا : -
2308 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي " ، يَقُولُ : لَا تَخْشَوْا أَنْ أَرُدَّكُمْ فِي دِينِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 150 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ " ، وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ مِنَ الْبِلَادِ وَالْأَرْضِ ، وَإِلَى أَيِّ بُقْعَةٍ شَخَصْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (مكان)، وَحَيْثُ كُنْتَ ، يَا مُحَمَّدُ (نبي)وَالْمُؤْمِنُونَ ، فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ شَطْرَهُ ، [3/208]وَاتَّخَذُوهُ قِبْلَةً لَكُمْ ، كَيْلَا يَكُونَ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ - سِوَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ - حُجَّةٌ ، وَلِأُتِمَّ بِذَلِكَ - مِنْ هِدَايَتِي لَكُمْ إِلَى قِبْلَةِ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمَ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ ، الَّذِي جَعَلَتْهُ إِمَامًا لِلنَّاسِ - نِعْمَتِي ، فَأُكْمِلَ لَكُمْ بِهِ فَضْلِي عَلَيْكُمْ ، وَأُتْمِمْ بِهِ شَرَائِعَ مِلَّتِكُمُ الْحَنِيفِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ الَّتِي وَصَّيْتُ بِهَا نُوحًا (نبي)وَإِبْرَاهِيمَ (نبي)وَمُوسَى (نبي)وَعِيسَى (نبي)وَسَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرَهُمْ . وَذَلِكَ هُوَ نِعْمَتُهُ الَّتِي أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ مُتِمُّهَا عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ .
وَقَوْلِهِ : " وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " ، يَعْنِي : وَكَيْ تُرْشَدُوا لِلصَّوَابِ مِنَ الْقِبْلَةِ . وَ " لَعَلَّكُمْ " عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ : " وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ " ، " وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ " عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ : " لِئَلَّا يَكُونَ " .