تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَإِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ . . . . "

ج 3
ص 184

الآية المفسَّرة

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 3 · ص 184

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ( 145 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ تَبَارَكَ اسْمُهُ : وَلَإِنْ جِئْتَ ، يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ، بِكُلِّ بُرْهَانٍ وَحُجَّةٍ - وَهِيَ " الْآيَةُ " - بِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ ، مِنْ فَرْضِ التَّحَوُّلِ مِنْ قِبْلَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)فِي الصَّلَاةِ ، إِلَى قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (مكان)، مَا صَدَّقُوا بِهِ ، وَلَا اتَّبَعُوا - مَعَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ - قِبْلَتَكَ الَّتِي حَوَّلْتُكَ إِلَيْهَا ، وَهِيَ التَّوَجُّهُ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (مكان).
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأُجِيبَتْ " لَإِنْ " بِالْمَاضِي مِنَ الْفِعْلِ ، وَحُكْمُهَا الْجَوَابُ بِالْمُسْتَقْبَلِ تَشْبِيهًا لَهَا بِ " لَوْ " ، فَأُجِيبَتْ بِمَا تُجَابُ بِهِ " لَوْ " ، لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا . [3/185]وَقَدْ مَضَى الْبَيَانُ عَنْ نَظِيرِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى . وَأُجِيبَتْ " لَوْ " بِجَوَابِ الْأَيْمَانِ . وَلَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْجَزَاءِ خَاصَّةً ، لِأَنَّ الْجَزَاءَ مُشَابِهُ الْيَمِينِ : فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَتِمُّ أَوَّلُهُ إِلَّا بِآخِرِهِ ، وَلَا يَتِمُّ وَحْدَهُ ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِمَا يُؤَكَّدُ بِهِ بَعْدَهُ . فَلَمَّا بَدَأَ بِالْيَمِينِ فَأُدْخِلَتْ عَلَى الْجَزَاءِ ، صَارَتِ " اللَّامُ " الْأُولَى بِمَنْزِلَةِ يَمِينٍ ، وَالثَّانِيَةُ بِمَنْزِلَةِ جَوَابٍ لَهَا ، كَمَا قِيلَ : " لَعَمْرُكَ لَتَقُومَنَّ " إِذْ كَثُرَتِ " اللَّامُ " مِنْ " لَعَمْرُكَ " ، حَتَّى صَارَتْ كَحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِهِ ، فَأُجِيبَ بِمَا يُجَابُ بِهِ الْأَيْمَانُ ، إِذْ كَانَتِ " اللَّامُ " تَنُوبُ فِي الْأَيْمَانِ عَنِ الْأَيْمَانِ ، دُونَ سَائِرِ الْحُرُوفِ ، غَيْرَ الَّتِي هِيَ أَحَقُّ بِهِ الْأَيْمَانُ . فَتَدُلُّ عَلَى الْأَيْمَانِ وَتَعْمَلُ عَمَلَ الْأَجْوِبَةِ ، وَلَا تَدُلُّ سَائِرُ أَجْوِبَةِ الْأَيْمَانِ لَنَا عَلَى الْأَيْمَانِ . فُشُبِّهَتِ " اللَّامُ " الَّتِي فِي جَوَابِ الْأَيْمَانِ بِالْأَيْمَانِ ، لِمَا وَصَفْنَا ، فَأُجِيبَتْ بِأَجْوِبَتِهَا .
فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ - إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا - : لَوْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قَبِلَتْكَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ " ، يَقُولُ : وَمَا لَكَ مِنْ سَبِيلٍ يَا مُحَمَّدُ (نبي)إِلَى اتِّبَاعِ قِبْلَتِهِمْ . وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ تَسْتَقْبِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ (مكان)بِصَلَاتِهَا ، وَأَنَّ النَّصَارَى تَسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقَ ، فَأَنَّى يَكُونُ لَكَ السَّبِيلُ إِلَى إِتْبَاعِ قِبْلَتِهِمْ . مَعَ اخْتِلَافِ وُجُوهِهَا ؟ يَقُولُ : فَالْزَمْ قِبْلَتَكَ الَّتِي أُمِرْتَ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهَا ، وَدَعْ عَنْكَ مَا تَقُولُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَتَدْعُوكَ إِلَيْهِ مِنْ قِبْلَتِهِمْ وَاسْتِقْبَالِهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَمَا الْيَهُودُ بِتَابِعَةٍ [3/186]قِبْلَةَ النَّصَارَى ، وَلَا النَّصَارَى بِتَابِعَةٍ قِبْلَةَ الْيَهُودِ فَمُتَوَجِّهَةٌ نَحْوَهَا ، كَمَا : -
2257 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَمَا بَعْضُهُمْ بَتَّابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ " ، يَقُولُ : مَا الْيَهُودُ بِتَابِعِي قِبْلَةِ النَّصَارَى ، وَلَا النَّصَارَى بِتَابِعِي قِبْلَةِ الْيَهُودِ . قَالَ : وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حُوِّلَ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)، قَالَتِ الْيَهُودُ : إِنَّ مُحَمَّدًا (نبي)اشْتَاقَ إِلَى بَلَدِ أَبِيهِ وَمَوْلِدِهِ! وَلَوْ ثَبَتَ عَلَى قِبْلَتِنَا لَكُنَّا نَرْجُو أَنْ يَكُونَ هُوَ صَاحِبَنَا الَّذِي نَنْتَظِرُ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ : " وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لِيَعْلَمُونِ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ " إِلَى قَوْلِهِ : " لَيَكْتُمُونِ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ " .
2258 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ " ، مِثْلَ ذَلِكَ .

وَإِنَّمَا يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا تَجْتَمِعُ عَلَى قِبْلَةٍ وَاحِدَةٍ ، مَعَ إِقَامَةِ كُلِّ حِزْبٍ مِنْهُمْ عَلَى مِلَّتِهِمْ . فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)لَا تُشْعِرْ نَفْسَكَ رِضَا هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ . لِأَنَّهُمْ مَعَ اخْتِلَافِ مِلَلِهِمْ لَا سَبِيلَ لَكَ إِلَى إِرْضَاءِ كُلِّ حِزْبٍ مِنْهُمْ . مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ قِبْلَةَ الْيَهُودِ أَسْخَطْتَ النَّصَارَى ، وَإِنِ اتَّبَعْتَ قِبْلَةَ النَّصَارَى أَسَخَطْتَ الْيَهُودَ ، فَدَعْ مَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ ، وَادْعُهُمْ إِلَى مَا لَهُمُ السَّبِيلُ إِلَيْهِ ، مِنَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى مِلَّتِكَ الْحَنِيفِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ ، وَقِبْلَتِكَ قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ وَالْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 145 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَلَإِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ " ، وَلَإِنِ الْتَمَسْتَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)رِضَا هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، الَّذِينَ قَالُوا لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ : " كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا " ، فَاتَّبَعْتَ قِبْلَتَهُمْ - يَعْنِي : فَرَجَعْتَ إِلَى قِبْلَتِهِمْ . [3/187]
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ " ، مِنْ بَعْدِ مَا وَصَلَ إِلَيْكَ مِنَ الْعِلْمِ ، بِإِعْلَامِي إِيَّاكَ أَنَّهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى بَاطِلٍ ، وَعَلَى عِنَادٍ مِنْهُمْ لِلْحَقِّ ، وَمَعْرِفَةٍ مِنْهُمْ أَنَّ الْقِبْلَةَ الَّتِي وَجَّهْتُكَ إِلَيْهَا هِيَ الْقِبْلَةُ الَّتِي فَرَضْتُ عَلَى أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَسَائِرِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنَ الرُّسُلِ - التَّوَجُّهَ نَحْوَهَا ، " إِنَّكَ إذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ " ، يَعْنِي : إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ ، مِنْ عِبَادِي الظَّلَمَةِ أَنْفُسَهُمْ ، الْمُخَالِفِينَ أَمْرِي ، وَالتَّارِكِينَ طَاعَتِي ، وَأَحَدُهُمْ وَفِي عِدَادِهِمْ .