النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ( 143 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " ، كَمَا هَدَيْنَاكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَخَصَصْنَاكُمْ بِالتَّوْفِيقِ لِقِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَمِلَّتِهِ ، وَفَضَّلْنَاكُمْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ سِوَاكُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ ، كَذَلِكَ خَصَصْنَاكُمْ فَفَضَّلْنَاكُمْ عَلَى غَيْرِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ ، بِأَنْ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ " الْأُمَّةَ " ، هِيَ الْقَرْنُ مِنَ النَّاسِ وَالصِّنْفُ مِنْهُمْ وَغَيْرِهِمْ .
وَأَمَّا " الْوَسَطُ " ، فَإِنَّهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْخِيَارُ . يُقَالُ مِنْهُ : " فَلَانٌ وَسَطُ الْحَسَبِ فِي قَوْمِهِ " ، أَيْ مُتَوَسِّطُ الْحَسَبِ ، إِذَا أَرَادُوا بِذَلِكَ الرَّفْعَ فِي حَسَبِهِ ، وَ " هُوَ وَسَطٌ فِي قَوْمِهِ ، وَوَاسِطٌ " ،
كَمَا يُقَالُ : " شَاةٌ يَابِسَةُ اللَّبَنِ وَيَبَسَةُ اللَّبَنِ " ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : [3/142] فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا [ سُورَةُ طَهَ : 77 ] ، وَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى فِي " الْوَسَطِ " :
هُمُ وَسَطٌ تَرْضَى الَأَنَامُ بِحُكْمِهِمْ إِذَا نَزَلَتْ إحْدَى اللَّيَالِي بِمُعْظَمِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَنَا أَرَى أَنَّ " الْوَسَطَ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، هُوَ " الْوَسَطُ " الَّذِي بِمَعْنَى : الْجُزْءِ الَّذِي هُوَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ ، مِثْلَ " وَسَطِ الدَّارِ " مُحَرَّكُ الْوَسَطِ مُثَقَّلِهِ ، غَيْرُ جَائِزٍ فِي " سِينِهِ " التَّخْفِيفُ .
وَأَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ " وَسَطٌ " ، لِتُوَسُّطِهِمْ فِي الدِّينِ ، فَلَا هُمْ أَهْلَ غُلُوٍّ فِيهِ ، غُلُوَّ النَّصَارَى الَّذِينَ غَلَوْا بِالتَّرَهُّبِ ، وَقِيلِهِمْ فِي عِيسَى (نبي)مَا قَالُوا فِيهِ - وَلَا هُمْ أَهْلَ تَقْصِيرٍ فِيهِ ، تَقْصِيرَ الْيَهُودِ الَّذِينَ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَهُمْ ، وَكَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ ، وَكَفَرُوا بِهِ ؛ وَلَكِنَّهُمْ أَهْلُ تَوَسُّطٍ وَاعْتِدَالٍ فِيهِ . فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ ، إِذْ كَانَ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَى اللَّهِ أَوْسَطُهَا .
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ ، فَإِنَّهُ جَاءَ بِأَنَّ " الْوَسَطَ " الْعَدْلُ . وَذَلِكَ مَعْنَى الْخِيَارِ ، لِأَنَّ الْخِيَارَ مِنَ النَّاسِ عُدُولُهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : " الْوَسَطُ " الْعَدْلُ .
2165 - حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ [3/143]عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : عُدُولًا .
2166 - حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ .
2167 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : " عُدُولًا .
2168 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : " جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : عُدُولًا . [3/144]
2169 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : عُدُولًا .
2170 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : عُدُولًا .
2171 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
2172 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : عُدُولًا .
2173 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : عُدُولًا .
2174 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : عُدُولًا . [3/145]
2175 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " ، يَقُولُ : جَعَلَكُمْ أُمَّةً عُدُولًا .
2176 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكَ ، عَنْ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَنْعُمَ الْمَعَافِرِيُّ ، عَنْ حِبَّانَ بْنِ أَبِي جَبَلَةَ ، يُسْنِدُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : الْوَسَطُ الْعَدْلُ .
2177 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَعبدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ : " أُمَّةً وَسَطًا " ، قَالُوا : عُدُولًا . قَالَ مُجَاهِدٌ : عَدْلًا .
2178 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : هُمْ وَسَطٌ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْأُمَمِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : " وَالشُّهَدَاءُ " جَمْعُ " شَهِيدٍ " .
فَمَعْنَى ذَلِكَ : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا عُدُولًا [ لِتَكُونُوا ] [3/146]شُهَدَاءَ لِأَنْبِيَائِي وَرُسُلِي عَلَى أُمَمِهَا بِالْبَلَاغِ ، أَنَّهَا قَدْ بَلَّغَتْ مَا أُمِرَتْ بِبَلَاغِهِ مِنْ رِسَالَاتِي إِلَى أُمَمِهَا ، وَيَكُونَ رَسُولِي مُحَمَّدٌ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ ، بِإِيمَانِكُمْ بِهِ وَبِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي ، كَمَا : -
2179 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُدْعَى بِنُوحٍ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ : هَلْ بَلَّغْتَ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ . فَيُقَالُ لِقَوْمِهِ : هَلْ بَلَّغَكُمْ ؟ فَيَقُولُ : مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ! فَيُقَالُ لَهُ : مَنْ يَعْلَمُ ذَاكَ ؟ فَيَقُولُ : مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ . فَهُوَ قَوْلُهُ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " .
2180 - حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِنَحْوِهِ - إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِيهِ : فَيُدْعَوْنَ وَيَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ .
2181 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " - بِأَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا - " وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ [3/147]شَهِيدًا " . بِمَا عَمِلْتُمْ ، أَوْ فَعَلْتُمْ .
2182 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عُتَيْبَةَ بْنِ النَّهَّاسِ : أَنْ مُكَاتَبًا لَهُمْ حَدَّثَهُمْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عبدِ اللَّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنِّي وَأُمَّتِي لِعَلَى كَوْمٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، مُشْرِفِينَ عَلَى الْخَلَائِقِ . مَا أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا وَدَّ أَنَّهُ مِنْهَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ إِلَّا نَحْنُ شُهَدَاءُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ وَنَصَحَ لَهُمْ . قَالَ : " وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " . [3/148]
2183 - حَدَّثَنِي عِصَامُ بْنُ رَوَّادِ بْنِ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنَازَةٍ ، فَلَمَّا صَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ قَالَ النَّاسُ : نِعْمَ الرَّجُلُ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَجَبَتْ! ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي جَنَازَةٍ أُخْرَى ، فَلَمَّا صَلَّوْا عَلَى الْمَيِّتِ قَالَ النَّاسُ : بِئْسَ الرَّجُلُ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَجَبَتْ . فَقَامَ إِلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا قَوْلُكَ وَجَبَتْ ؟ قَالَ : " قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " .
2184 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلِّ الرَّمْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : [3/149]حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرٍو ، عَنْ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنِي عبدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الْمَدِينِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَنَازَةٍ ، فَقَالَ النَّاسُ : نَعِمَ الرَّجُلُ! ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عِصَامٍ عَنْ أَبِيهِ .
2185 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا بِثَنَاءٍ حَسَنٍ ، فَقَالَ : وَجَبَتْ! وَمُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا دُونَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : وَجَبَتْ! قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا وَجَبَتْ ؟ قَالَ : الْمَلَائِكَةُ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ ، وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ، فَمَا شَهِدْتُمْ عَلَيْهِ وَجَبَ . ثُمَّ قَرَأَ : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ الْآيَةَ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 105 ] . [3/150]
2186 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " ، تَكُونُوا شُهَدَاءَ لِمُحَمَّدٍ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْأُمَمِ ، الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ .
2187 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
2188 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا [ أَبُو ] عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ : يَأْتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَادِيَهُ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ ، فَتَشْهَدُ لَهُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمْ .
2189 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنِ عُمَيْرٍ مِثْلَهُ .
2190 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : يَأْتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ ، مِثْلَهُ .
2191 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ [3/151]قَتَادَةَ " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " ، أَيْ أَنَّ رُسُلَهُمْ قَدْ بَلَّغَتْ قَوْمَهَا عَنْ رَبِّهَا ، " وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ إِلَى أُمَّتِهِ .
2192 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ (نبي)يَقُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : لَمْ يُبَلِّغْنَا نُوحٌ (نبي)! فَيُدْعَى نُوحٌ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ فُيَسْأَلُ : هَلْ بَلَّغْتَهُمْ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ . فَيُقَالُ : مَنْ شُهُودُكَ ؟ فَيَقُولُ : أَحْمَدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ . فَتُدْعَوْنَ فتُسْأَلُونَ فَتَقُولُونَ : نَعَمْ ، قَدْ بَلَّغَهُمْ . فَتَقُولُ قَوْمُ نُوحٍ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ : كَيْفَ تَشْهَدُونَ عَلَيْنَا وَلَمْ تُدْرِكُونَا ؟ قَالُوا : قَدْ جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَكُمْ ، وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَكُمْ ، فَصَدَّقْنَاهُ . قَالَ : فَيُصَدَّقُ نُوحٌ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيُكَذِّبُونَهُمْ . قَالَ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا
2193 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " ، لِتُكَونَ هَذِهِ الْأُمَّةُ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْهُمْ ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ شَهِيدًا ، أَنْ قَدْ بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ .
2194 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : أَنَّ الْأُمَمَ يَقُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : وَاللَّهِ لَقَدْ كَادَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَنْ تَكُونَ أَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ! لِمَا يَرَوْنَ اللَّهَ أَعْطَاهُمْ .
2195 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَنْعُمَ الْمَعَافِرِيُّ ، عَنْ حِبَّانَ بْنِ أَبِي جَبَلَةَ يُسْنِدُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا جَمَعَ اللَّهُ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى إِسْرَافِيلُ ، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ : مَا فَعَلْتَ فِي عَهْدِي ؟ هَلْ بَلَّغْتَ عَهْدِي ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ رَبِّ ، قَدْ بَلَّغْتُهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، فَيُدْعَى جِبْرِيلُ ، فَيُقَالُ لَهُ : [3/152]هَلْ بَلَّغَكَ إِسْرَافِيلُ عَهْدِي! فَيَقُولُ : نَعَمْ رَبِّ ، قَدْ بَلَغَنِي . فَيُخَلَّى عَنْ إِسْرَافِيلَ ، وَيُقَالُ لِجِبْرِيلَ : هَلْ بَلَّغْتَ عَهْدِي ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ، قَدْ بَلَّغْتُ الرُّسُلَ . فَتُدْعَى الرُّسُلُ فَيُقَالُ لَهُمْ : هَلْ بَلَّغَكُمْ جِبْرِيلُ عَهْدِي ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ رَبَّنَا . فَيُخَلَّى عَنْ جِبْرِيلَ ، ثُمَّ يُقَالُ لِلرُّسُلِ : مَا فَعَلْتُمْ بِعَهْدِي ؟ فَيَقُولُونَ : بَلَّغْنَا أُمَمَنَا . فَتُدْعَى الْأُمَمُ ، فَيُقَالُ : هَلْ بَلَّغَكُمُ الرُّسُلُ عَهْدِي ؟ فَمِنْهُمُ الْمُكَذِّبُ وَمِنْهُمُ الْمُصَدِّقُ ، فَتَقُولُ الرُّسُلُ : إِنَّ لَنَا عَلَيْهِمْ شُهُودًا يَشْهَدُونَ أَنْ قَدْ بَلَّغْنَا مَعَ شَهَادَتِكَ . فَيَقُولُ : مَنْ يَشْهَدُ لَكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : أُمَّةُ مُحَمَّدٍ (نبي). فَتُدْعَى أُمَّةُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَقُولُ : أَتَشْهَدُونَ أَنَّ رُسُلِي هَؤُلَاءِ قَدْ بَلَّغُوا عَهْدِي إِلَى مَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِ ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ رَبَّنَا شَهِدْنَا أَنْ قَدْ بَلَّغُوا . فَتَقُولُ تِلْكَ الْأُمَمُ : كَيْفَ يَشْهَدُ عَلَيْنَا مَنْ لَمْ يُدْرِكْنَا ؟ فَيَقُولُ لَهُمُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : كَيْفَ تَشْهَدُونَ عَلَى مَنْ لَمْ تُدْرِكُوا ؟ فَيَقُولُونَ : رَبَّنَا بَعَثْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا وَأَنْزَلْتَ إِلَيْنَا عَهْدَكَ وَكِتَابَكَ ، وقصَصَتَ عَلَيْنَا أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا ، فَشَهِدْنَا بِمَا عَهِدْتَ إِلَيْنَا . فَيَقُولُ الرَّبُّ : صَدَقُوا . فَذَلِكَ قَوْلُهُ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " - وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ - " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " . قَالَ ابْنُ أَنْعُمَ : فَبَلَغَنِي أَنَّهُ يَشْهَدُ يَوْمَئِذٍ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَّا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حِنَةٌ عَلَى أَخِيهِ . [3/153]
2196 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " ، يَعْنِي بِذَلِكَ . الَّذِينَ اسْتَقَامُوا عَلَى الْهُدَى ، فَهُمُ الَّذِينَ يَكُونُونَ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ وَكُفْرِهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ . [3/154]
2197 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " ، يَقُولُ : لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى الْأُمَمِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ، بِمَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ ، وَبِمَا كَذَّبُوهُمْ ، فَقَالُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَجِبُوا : إِنَّ أُمَّةً لَمْ يَكُونُوا فِي زَمَانِنَا ، فَآمَنُوا بِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُنَا ، وَكَذَّبْنَا نَحْنُ بِمَا جَاءُوا بِهِ! فَعَجِبُوا كُلَّ الْعَجَبِ . قَوْلُهُ : " وَيَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " ، يَعْنِي بِإِيمَانِهِمْ بِهِ ، وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ .
2198 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " ، يَعْنِي : أَنَّهُمْ شَهِدُوا عَلَى الْقُرُونِ بِمَا سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ .
2199 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : مَا قَوْلُهُ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " ؟ قَالَ : أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ، (نبي)شَهِدُوا عَلَى مَنْ تَرَكَ الْحَقَّ حِينَ جَاءَهُ الْإِيمَانُ وَالْهُدَى ، مِمَّنْ كَانَ قَبْلنَا . قَالَهَا عبدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ . قَالَ : وَقَالَ عَطَاءٌ : شُهَدَاءُ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْحَقَّ مِمَّنْ تَرَكَهُ مِنَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ ، جَاءَ ذَلِكَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِتَابِهِمْ ، " وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ آمَنُوا بِالْحَقِّ حِينَ جَاءَهُمْ ، وَصَدَّقُوا بِهِ .
2200 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاهِدٌ عَلَى أُمَّتِهِ ، وَهُمْ شُهَدَاءُ عَلَى الْأُمَمِ ، وَهُمْ أَحَدُ الْأَشْهَادِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [ سُورَةُ غَافِرِ : 51 ] الْأَرْبَعَةُ : الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يُحْصُونَ أَعْمَالَنَا ، لَنَا وَعَلَيْنَا ، وَقَرَأَ قَوْلَهُ : وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ سُورَةُ ق : 21 ] ، وَقَالَ : هَذَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ . قَالَ : وَالنَّبِيُّونَ شُهَدَاءُ عَلَى أُمَمِهِمْ . قَالَ : وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شُهَدَاءُ عَلَى الْأُمَمِ . قَالَ : [3/155][ وَالْأَطْوَارُ ] الْأَجْسَادُ وَالْجُلُودُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا " ، وَلَمْ نَجْعَلْ صَرْفَكَ عَنِ الْقِبْلَةِ الَّتِي كُنْتَ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا يَا مُحَمَّدُ (نبي)فَصَرَفْنَاكَ عَنْهَا ، إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُكَ مِمَّنْ لَا يَتَّبِعُكَ ، مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ .
وَالْقِبْلَةُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا ، الَّتِي عَنَاهَا اللَّهُ بِقَوْلِهِ : " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا " ، هِيَ الْقِبْلَةُ الَّتِي كُنْتَ تَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَصْرِفَكَ إِلَى الْكَعْبَةِ ، (مكان)كَمَا : -
2201 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا " ، يَعْنِي : بَيْتَ الْمَقْدِسِ (مكان).
2202 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ [3/156]ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا " . قَالَ : الْقِبْلَةُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ (مكان).
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَ " الصَّرْفِ عَنْهَا " ، اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ مَا قَدْ ذَكَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَاهُ ، كَسَائِرِ مَا قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ نَظَائِرِهِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : ذَلِكَ مَعْنَاهُ ، لِأَنَّ مِحْنَةَ اللَّهِ أَصْحَابَ رَسُولِهِ فِي الْقِبْلَةِ ، إِنَّمَا كَانَتْ - فِيمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ - عِنْدَ التَّحْوِيلِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)، حَتَّى ارْتَدَّ - فِيمَا ذُكِرَ - رِجَالٌ مِمَّنْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَاتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَظْهَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نِفَاقَهُمْ ، وَقَالُوا : مَا بَالُ مُحَمَّدٍ يُحَوِّلُنَا مَرَّةً إِلَى هَاهُنَا وَمَرَّةً إِلَى هَاهُنَا! وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ ، فِي مَنْ مَضَى مِنْ إِخْوَانِهِمُ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان): بَطَلَتْ أَعْمَالُنَا وَأَعْمَالُهُمْ وَضَاعَتْ! وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : تَحَيَّرَ مُحَمَّدٌ (نبي)[ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] فِي دِينِهِ! فَكَانَ ذَلِكَ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ، وَتَمْحِيصًا لِلْمُؤْمِنِينَ .
فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ " ، أَيْ : وَمَا جَعَلْنَا صَرْفَكَ عَنِ الْقِبْلَةِ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا ، وَتَحْوِيلَكَ إِلَى غَيْرِهَا ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 60 ] بِمَعْنَى : وَمَا جَعَلْنَا خَبَرَكَ عَنِ الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ . وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ أَخْبَرَ الْقَوْمَ بِمَا كَانَ أُرِي ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ فِتْنَةٌ ، وَكَذَلِكَ الْقِبْلَةُ الْأُولَى الَّتِي كَانَتْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، (مكان)لَوْ لَمْ يَكُنْ صُرِفَ عَنْهَا إِلَى الْكَعْبَةِ ، (مكان)لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى أَحَدٍ فِتْنَةٌ وَلَا مِحْنَةٌ .
ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ فِي ذَلِكَ بِمَعْنَى مَا قُلْنَا : [3/157]
2203 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَتِ الْقِبْلَةُ فِيهَا بَلَاءٌ وَتَمْحِيصٌ . صَلَّتِ الْأَنْصَارُ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)حَوْلَيْنِ قَبْلَ قُدُومِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَلَّى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان)، فَقَالَ فِي ذَلِكَ قَائِلُونَ مِنَ النَّاسِ : " مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا " ؟ لَقَدِ اشْتَاقَ الرَّجُلُ إِلَى مَوْلِدِهِ! قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " . فَقَالَ أُنَاسٌ - لَمَّا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ نَحْوَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان)- : كَيْفَ بِأَعْمَالِنَا الَّتِي كُنَّا نَعْمَلُ فِي قِبْلَتِنَا الْأُولَى ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " . وَقَدْ يَبْتَلِي اللَّهُ الْعِبَادَ بِمَا شَاءَ مِنْ أَمْرِهِ ، الْأَمْرَ بَعْدَ الْأَمْرِ ، لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ ، إِذْ كَانَ فِي [ ذَلِكَ ] إِيمَانٌ بِاللَّهِ ، وَإِخْلَاصٌ لَهُ ، وَتَسْلِيمٌ لِقَضَائِهِ .
2204 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)، فَنَسَخَتْهَا الْكَعْبَةُ (مكان). فَلَمَّا وُجِّهَ قِبَلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، (مكان)اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا ، فَكَانُوا أَصْنَافًا ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ : مَا بَالُهُمْ كَانُوا عَلَى قِبْلَةٍ زَمَانًا ، ثُمَّ تَرَكُوهَا وَتَوَجَّهُوا إِلَى غَيْرِهَا ؟ وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : لَيْتَ شِعْرَنَا عَنْ إِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)! هَلْ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْهُمْ ، أَوْ لَا ؟ وَقَالَتِ الْيَهُودُ : إِنَّ مُحَمَّدًا (نبي)اشْتَاقَ إِلَى بَلَدِ أَبِيهِ وَمَوْلِدِهِ ، وَلَوْ ثَبَتَ عَلَى قِبْلَتِنَا لَكُنَّا نَرْجُو أَنْ يَكُونَ هُوَ صَاحِبُنَا الَّذِي نَنْتَظِرُ! وَقَالَ [3/158]الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ : تَحَيَّرَ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)دِينُهُ ، فَتَوَجَّهَ بِقِبْلَتِهِ إِلَيْكُمْ ، وَعَلِمَ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ أَهْدَى مِنْهُ ، وَيُوشِكُ أَنْ يَدْخُلَ فِي دِينِكُمْ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي الْمُنَافِقِينَ : " سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا " إِلَى قَوْلِهِ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " ، وَأَنْزَلَ فِي الْآخَرِينَ الْآيَاتِ بَعْدَهَا .
2205 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ " ؟ فَقَالَ عَطَاءٌ : يَبْتَلِيهِمْ ، لِيَعْلَمَ مَنْ يُسَلِّمُ لِأَمْرِهِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : بَلَغَنِي أَنَّ نَاسًا مِمَّنْ أَسْلَمَ رَجَعُوا فَقَالُوا : مَرَّةً هَاهُنَا وَمَرَّةً هَاهُنَا!
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : أَوَمَا كَانَ اللَّهُ عَالِمًا بِمَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ، إِلَّا بَعْدَ اتِّبَاعِ الْمُتَّبِعِ ، وَانْقِلَابِ الْمُنْقَلِبِ عَلَى عَقِبَيْهِ ، حَتَّى قَالَ : مَا فِعْلُنَا الَّذِي فَعَلْنَا مِنْ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إِلَّا لِنَعْلَمَ الْمُتَّبِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُنْقَلِبِ عَلَى عَقِبَيْهِ ؟
قِيلَ : إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُوَ الْعَالِمُ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا قَبْلَ كَوْنِهَا ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ : " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ " يُخْبِرُ [ عَنْ ] أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ وُجُودِهِ .
فَإِنْ قَالَ : فَمَا مَعْنَى ذَلِكَ ؟
قِيلَ لَهُ : أَمَّا مَعْنَاهُ عِنْدَنَا ، فَإِنَّهُ : وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِيَعْلَمَ رَسُولِي وَحِزْبِي وَأَوْلِيَائِي مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ " ، وَمَعْنَاهُ : لِيَعْلَمَ رَسُولِي وَأَوْلِيَائِي . إِذْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [3/159]وَأَوْلِيَاءُهُ مِنْ حِزْبِهِ ، وَكَانَ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ إِضَافَةُ مَا فَعَلَتْهُ أَتْبَاعُ الرَّئِيسِ إِلَى الرَّئِيسِ ، وَمَا فَعَلَ بِهِمْ إِلَيْهِ ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ : " فَتَحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَوَادَ الْعِرَاقِ ، وَجَبَى خَرَاجَهَا " ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ ، عَنْ سَبَبٍ كَانَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ . وَكَالَّذِي رُوِيَ فِي نَظِيرِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مَرِضْتُ فَلَمْ يَعُدْنِي عَبْدِي ، وَاسْتَقْرَضْتُهُ فَلَمْ يُقْرِضْنِي ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِي .
2206 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ : اسْتَقْرَضْتُ عَبْدِي فَلَمْ يُقْرِضْنِي ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِي! يَقُولُ : وَادَهْرَاهْ! وَأَنَا الدَّهْرُ ، أَنَا الدَّهْرُ .
2207 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ .
فَأَضَافَ تَعَالَى ذِكْرُهُ الِاسْتِقْرَاضَ وَالْعِيَادَةَ إِلَى نَفْسِهِ ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ سَبَبِهِ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا : " أَجُوعُ فِي غَيْرِ بَطْنِي ، وَأُعَرَّى فِي غَيْرِ [3/160]ظَهْرِي " ، بِمَعْنَى : جُوعِ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ وَعُرْيِ ظُهُورِهِمْ ،
فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ " ، بِمَعْنَى : يَعْلَمُ أَوْلِيَائِي وَحِزْبِي .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2208 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ " ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لِنُمَيِّزَ أَهْلَ الْيَقِينِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالرِّيبَةِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْعَرَبَ تَضَعُ " الْعِلْمَ " مَكَانَ " الرُّؤْيَةِ " ، وَ " الرُّؤْيَةَ " مَكَانَ " الْعِلْمِ " ، كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [ سُورَةُ الْفِيلِ : 1 ] ، فَزَعَمَ أَنَّ مَعْنَى " أَلَمْ تَرَ " ، أَلَمْ تَعْلَمْ ؟ وَزَعَمَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ " ، بِمَعْنَى : إِلَّا لِنَرَى مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ . وَزَعَمَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ : " رَأَيْتُ ، وَعَلِمْتُ ، وَشَهِدْتُ " ، حُرُوفٌ تَتَعَاقَبُ ، فَيُوضَعُ بَعْضُهَا مَوْضِعَ بَعْضٍ ، كَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ
كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ لَقِيطًا وَحَاجِبًا وَعَمْرَو بْنَ عَمْرٍو إِذْ دَعَا يَالَ دَارِمِ
بِمَعْنَى : كَأَنَّكَ لَمْ تَعْلَمْ لَقِيطًا ، لِأَنَّ بَيْنَ هُلْكِ لَقِيطٍ وَحَاجِبٍ وَزَمَانِ جَرِيرٍ ، مَا لَا يَخْفَى بُعْدُهُ مِنَ الْمُدَّةِ . وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ هَلَكُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَجَرِيرٌ كَانَ بَعْدَ بُرْهَةٍ مَضَتْ مِنْ مَجِيءِ الْإِسْلَامِ . [3/161]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ " الرُّؤْيَةَ " ، وَإِنِ اسْتُعْمِلَتْ فِي مَوْضِعِ " الْعِلْمِ " ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يَرَى أَحَدٌ شَيْئًا ، فَلَا تُوجِبُ رُؤْيَتُهُ إِيَّاهُ عِلْمًا بِأَنَّهُ قَدْ رَآهُ ، إِذَا كَانَ صَحِيحَ الْفِطْرَةِ . فَجَازَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَثْبَتَهُ رُؤْيَةً ، أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ إِثْبَاتُهُ إِيَّاهُ عِلْمًا ، وَصَحَّ أَنْ يَدُلَّ بِذِكْرِ " الرُّؤْيَةِ " عَلَى مَعْنَى " الْعِلْمِ " مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ . فَلَيْسَ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ [ جَائِزًا ] فِي الرُّؤْيَةِ - لِمَا وَصَفْنَا - بِجَائِزٍ فِي الْعِلْمِ ، فَيَدُلُّ بِذِكْرِ الْخَبَرِ عَنِ " الْعِلْمِ " عَلَى " الرُّؤْيَةِ " . لِأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَعْلَمُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً لَمْ يَرَهَا وَلَا يَرَاهَا ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَرَى شَيْئًا إِلَّا عَلِمَهُ ، كَمَا قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَانَ [ عَنْهُ ] . مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ : " عَلِمْتُ كَذَا " ، بِمَعْنَى رَأَيْتُهُ . وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَوْجِيهُ مَعَانِي مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أَنَزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منَ الْكَلَامِ ، إِلَى مَا كَانَ مَوْجُودًا مِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، دُونَ مَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي كَلَامِهَا . فَمَوْجُودٌ فِي كَلَامِهَا " رَأَيْتُ " بِمَعْنَى : عَلِمْتُ ، وَغَيْرُ مَوْجُودٍ فِي كَلَامِهَا " عَلِمْتُ " بِمَعْنَى : رَأَيْتُ ، فَيَجُوزُ تَوْجِيهُ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ " إِلَى مَعْنَى : إِلَّا لِنَرَى .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا قِيلَ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ " ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودَ وَأَهْلَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ ، أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ يَعْلَمُ الشَّيْءَ قَبْلَ كَوْنِهِ . وَقَالُوا - إِذْ قِيلَ لَهُمْ : إِنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ سَيَرْتَدُّونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، إِذَا حُوِّلَتْ قِبْلَةُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)- : ذَلِكَ غَيْرُ كَائِنٍ! أَوْ قَالُوا : ذَلِكَ بَاطِلٌ! فَلَمَّا فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ ، وَحَوَّلَ الْقِبْلَةَ ، وَكَفَرَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَنْ كَفَرَ ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ [3/162]ثَنَاؤُهُ : مَا فَعَلْتُ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَا عَلِمَهُ غَيْرُكُمْ - أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ الْمُنْكِرُونَ عِلْمِي بِمَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهِ - : أَنِّي عَالِمٌ بِمَا هُوَ كَائِنٌ مِمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ .
فَكَأَنَّ مَعْنَى قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ " : إِلَّا لِنُبَيِّنَ لَكُمْ أَنَّا نَعْلَمُ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا لَهُ مَخْرَجٌ ، فَبَعِيدٌ مِنَ الْمَفْهُومِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا قِيلَ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ " ، وَهُوَ بِذَلِكَ عَالِمٌ قَبْلَ كَوْنِهِ وَفِي كُلِّ حَالٍ ، عَلَى وَجْهِ التَّرَفُّقِ بِعِبَادِهِ ، وَاسْتِمَالَتِهِمْ إِلَى طَاعَتِهِ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ سُورَةُ سَبَأٍ : 24 ] ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ عَلَى هُدًى ، وَأَنَّهُمْ عَلَى ضَلَالٍ مُبِينٍ ، وَلَكِنَّهُ رَفَقَ بِهِمْ فِي الْخِطَابِ ، فَلَمْ يَقُلْ : أَنَا عَلَى هُدًى ، وَأَنْتُمْ عَلَى ضَلَالٍ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ " ، مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ : إِلَّا لِتَعْلَمُوا أَنْتُمْ ، إِذْ كُنْتُمْ جُهَّالًا بِهِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ . فَأَضَافَ الْعِلْمَ إِلَى نَفْسِهِ ، رِفْقًا بِخِطَابِهِمْ .
وَقَدْ بَيَّنَا الْقَوْلَ الَّذِي هُوَ أَوْلَى فِي ذَلِكَ بِالْحَقِّ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ " . فَإِنَّهُ يَعْنِي : الَّذِي يَتَّبِعُ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِهِ ، فَيُوَجَّهُ نَحْوَ الْوَجْهِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ نَحْوَهُ مُحَمَّدٌ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . [3/163]
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : مِنَ الَّذِي يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ ، فَيُنَافِقُ ، أَوْ يَكْفُرُ ، أَوْ يُخَالِفُ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ ، مِمَّنْ يُظْهِرُ اتِّبَاعَهُ ، كَمَا : -
2209 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ " قَالَ : مَنْ إِذَا دَخَلَتْهُ شُبْهَةٌ رَجَعَ عَنِ اللَّهِ ، وَانْقَلَبَ كَافِرًا عَلَى عَقِبَيْهِ .
وَأَصْلُ " الْمُرْتَدِّ عَلَى عَقِبَيْهِ " ، هُوَ : " الْمُنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ " ، الرَّاجِعُ مُسْتَدْبِرًا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي قَدْ كَانَ قَطَعَهُ ، مُنْصَرِفًا عَنْهُ . فَقِيلَ ذَلِكَ لِكُلِّ رَاجِعٍ عَنْ أَمْرٍ كَانَ فِيهِ ، مِنْ دِينٍ أَوْ خَيْرٍ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 64 ] ، بِمَعْنَى : رَجَعَا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي كَانَا سَلَكَاهُ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمُرْتَدِّ : " مُرْتَدٌ " ، لِرُجُوعِهِ عَنْ دِينِهِ وَمِلَّتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا .
وَإِنَّمَا قِيلَ : " رَجَعَ عَلَى عَقِبَيْهِ " ، لِرُجُوعِهِ دُبُرًا عَلَى عَقِبِهِ ، إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ بَدْءُ سَيْرِهِ قَبْلَ مَرْجِعِهِ عَنْهُ . فَيُجْعَلُ ذَلِكَ مَثَلًا لِكُلِّ تَارِكٍ أَمْرًا وَآخِذٍ آخَرَ غَيْرَهُ ، إِذَا انْصَرَفَ عَمَّا كَانَ فِيهِ ، إِلَى الَّذِي كَانَ لَهُ تَارِكًا فَأَخَذَهُ . فَقِيلَ : " ارْتَدَّ فَلَانٌ عَلَى عَقِبِهِ ، وَانْقَلَبَ عَلَى عَقِبَيْهِ " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّتِي وَصَفَهَا اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِأَنَّهَا كَانَتْ " كَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " . [3/164]
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِ " الْكَبِيرَةِ " ، التَّوْلِيَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (مكان)وَالتَّحْوِيلَ . وَإِنَّمَا أَنَّثَ " الْكَبِيرَةَ " ، لِتَأْنِيثِ " التَّوْلِيَةِ " .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2210 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ اللَّهُ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " ، يَعْنِي : تَحْوِيلَهَا .
2211 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " قَالَ : مَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّحَوُّلِ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان).
2212 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
2213 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " قَالَ : كَبِيرَةٌ ، حِينَ حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (مكان)، فَكَانَتْ كَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ " الْكَبِيرَةُ " ، هِيَ الْقِبْلَةُ بِعَيْنِهَا الَّتِي كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)قَبْلَ التَّحْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
2214 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً " ، أَيْ : قِبْلَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)- " إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " . [3/165]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلِ " الْكَبِيرَةُ " هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي كَانُوا يُصَلُّونَهَا إِلَى الْقِبْلَةِ الْأُولَى .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
2215 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " قَالَ : صَلَاتُكُمْ حَتَّى يَهْدِيَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْقِبْلَةَ .
2216 - وَقَدْ حَدَّثَنِي بِهِ يُونُسُ مَرَّةً أُخْرَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً " قَالَ : صَلَاتُكَ هَاهُنَا - يَعْنِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا - وَانْحِرَافَكَ هَاهُنَا
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان): أُنِّثَتِ " الْكَبِيرَةُ " لِتَأْنِيثِ الْقِبْلَةِ ، وَإِيَّاهَا عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً " .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ (مكان): بَلْ أُنِّثَتِ " الْكَبِيرَةُ " لِتَأْنِيثِ التَّوْلِيَةِ وَالتَّحْوِيلَةِ
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ : وَمَا جَعَلْنَا تَحْوِيلَتَنَا إِيَّاكَ عَنِ الْقِبْلَةِ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا وَتَوْلِيَّتُنَاكَ عَنْهَا ، إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ، وَإِنْ كَانَتْ تَحْوِيلَتُنَا إِيَّاكَ عَنْهَا وَتَوْلِيَّتُنَاكَ " لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " .
وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ . لِأَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا كَبُرَ عَلَيْهِمْ تَحْوِيلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْهَهُ عَنِ الْقِبْلَةِ الْأُولَى إِلَى الْأُخْرَى ، لَا عَيْنُ الْقِبْلَةِ ، وَلَا الصَّلَاةُ . لِأَنَّ الْقِبْلَةَ الْأُولَى وَالصَّلَاةَ ، قَدْ كَانَتْ وَهَى غَيْرُ كَبِيرَةٍ عَلَيْهِمْ . إِلَّا أَنْ يُوَجِّهَ مُوَجِّهٌ تَأْنِيثَ " الْكَبِيرَةِ " إِلَى " الْقِبْلَةِ " ، وَيَقُولُ : اجْتُزِئَ بِذِكْرِ " الْقِبْلَةِ " مِنْ ذِكْرِ " التَّوْلِيَةِ وَالتَّحْوِيلَةِ " ، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَى ذَلِكَ ، كَمَا قَدْ وَصَفْنَا لَكَ فِي نَظَائِرِهِ . فَيَكُونُ ذَلِكَ وَجْهًا صَحِيحًا ، وَمَذْهَبًا مَفْهُومًا . [3/166]
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " كَبِيرَةً " ، عَظِيمَةً ، . كَمَا : -
2217 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " قَالَ : كَبِيرَةٌ فِي صُدُورِ النَّاسِ ، فِيمَا يَدْخُلُ الشَّيْطَانُ بِهِ ابْنَ آدَمَ (نبي). قَالَ : مَا لَهُمْ صَلَّوْا إِلَى هَاهُنَا سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ انْحَرَفُوا! فَكَبُرَ ذَلِكَ فِي صُدُورِ مَنْ لَا يَعْرِفُ وَلَا يَعْقِلُ وَالْمُنَافِقِينَ ، فَقَالُوا : أَيُّ شَيْءٍ هَذَا الدِّينُ ؟ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا ، فَثَبَّتَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " قَالَ : صَلَاتُكُمْ حَتَّى يَهْدِيَكُمْ إِلَى الْقِبْلَةِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : " إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ :
وَإِنْ كَانَ تَقْلِيبَتُنَاكَ عَنِ الْقِبْلَةِ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا ، لَعَظِيمَةً إِلَّا عَلَى مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، فَهَدَاهُ لِتَصْدِيقِكَ وَالْإِيمَانِ بِكَ وَبِذَلِكَ ، وَاتِّبَاعِكَ فِيهِ ، وَفِي مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَيْكَ ، كَمَا : -
2218 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " ، يَقُولُ : إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ، يَعْنِي الْمُصَدِّقِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . [3/167]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قِيلَ : عَنَى بِ " الْإِيمَانِ " ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الصَّلَاةَ .
ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ بِذَلِكَ ، وَذِكْرُ قَوْلِ مَنْ قَالَهُ :
2219 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ - وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى - جَمِيعًا ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا وُجِّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)قَالُوا : كَيْفَ بِمَنْ مَاتَ مِنْ إِخْوَانِنَا قَبْلَ ذَلِكَ ، وَهُمْ يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ؟ (مكان)فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " .
2220 - حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " قَالَ : صَلَاتَكُمْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان).
2221 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ نَحْوَهُ .
2222 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُفَيْلٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ : مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ إِلَى الْبَيْتِ [3/168]رِجَالٌ وَقُتِلُوا ، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " .
2223 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَقْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ أُنَاسٌ مِنَ النَّاسِ - لَمَّا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ نَحْوَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان)- : كَيْفَ بِأَعْمَالِنَا الَّتِي كُنَّا نَعْمَلُ فِي قِبْلَتِنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " .
2224 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : لَمَّا وُجِّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، (مكان)قَالَ الْمُسْلِمُونَ : لَيْتَ شِعْرَنَا عَنْ إِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)! هَلْ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْهُمْ أَمْ لَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِمْ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " قَالَ : صَلَاتَكُمْ قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان): يَقُولُ : إِنَّ تِلْكَ طَاعَةٌ وَهَذِهِ طَاعَةٌ .
2225 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : قَالَ نَاسٌ - لَمَّا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان)- : كَيْفَ بِأَعْمَالِنَا الَّتِي كُنَّا نَعْمَلُ فِي قِبْلَتِنَا الْأُولَى ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " الْآيَةَ .
2226 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ : لَمَّا صُرِفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ [3/169]عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)، قَالَ الْمُسْلِمُونَ : هَلَكَ أَصْحَابُنَا الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)! فَنَزَلَتْ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " .
2227 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " ، يَقُولُ : صَلَاتَكُمُ الَّتِي صَلَّيْتُمُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَكُونَ الْقِبْلَةُ . فَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ قَدْ أَشْفَقُوا عَلَى مَنْ صَلَّى مِنْهُمْ أَنْ لَا تُقْبِلَ صَلَاتُهُمْ .
2228 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " ، صَلَاتَكُمْ .
2229 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَزَارِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمُؤَمَّلُ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " قَالَ : صَلَاتَكُمْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان).
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ " الْإِيمَانَ " التَّصْدِيقُ . وَأَنَّ التَّصْدِيقَ قَدْ يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَحْدَهُ ، وَبِالْفِعْلِ وَحْدَهُ ، وَبِهِمَا جَمِيعًا .
فَمَعْنَى قَوْلِهِ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " - عَلَى مَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ أَنَّهُ الصَّلَاةُ - : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ تَصْدِيقَ رَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِصَلَاتِكُمُ الَّتِي صَلَّيْتُمُوهَا نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)عَنْ أَمْرِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْكُمْ تَصْدِيقًا لِرَسُولِي ، وَاتِّبَاعًا لِأَمْرِي ، وَطَاعَةً مِنْكُمْ لِي .
قَالَ : " وَإِضَاعَتُهُ إِيَّاهُ " جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لَوْ أَضَاعَهُ - : تَرْكُ إِثَابَةِ أَصْحَابِهِ وَعَامِلِيهِ عَلَيْهِ ، فَيَذْهَبُ ضَيَاعًا ، وَيَصِيرُ بَاطِلًا كَهَيْئَةِ " إِضَاعَةِ الرَّجُلِ مَالَهُ " ، وَذَلِكَ إِهْلَاكُهُ إِيَّاهُ فِيمَا لَا يَعْتَاضُ مِنْهُ عِوَضًا فِي عَاجِلٍ وَلَا آجِلٍ . [3/170]
فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُبْطِلُ عَمَلَ عَامِلٍ عَمِلَ لَهُ عَمَلًا وَهُوَ لَهُ طَاعَةٌ ، فَلَا يُثِيبُهُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ نَسَخَ ذَلِكَ الْفَرْضَ بَعْدَ عَمَلِ الْعَامِلِ إِيَّاهُ عَلَى مَا كَلَّفَهُ مِنْ عَمَلِهِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " ، فَأَضَافَ الْإِيمَانَ إِلَى الْأَحْيَاءِ الْمُخَاطَبِينَ ، وَالْقَوْمُ الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ إِنَّمَا كَانُوا أَشْفَقُوا عَلَى إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)، وَفِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ؟
قِيلَ : إِنَّ الْقَوْمَ وَإِنْ كَانُوا أَشْفَقُوا مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ أَيْضًا قَدْ كَانُوا مُشْفِقِينَ مِنْ حُبُوطِ ثَوَابِ صَلَاتِهِمُ الَّتِي صَلَّوْهَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)قَبْلَ التَّحْوِيلِ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)، وَظَنُّوا أَنَّ عَمَلَهُمْ ذَلِكَ قَدْ بَطَلَ وَذَهَبَ ضَيَاعًا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَئِذٍ ، فَوَجَّهَ الْخِطَابَ بِهَا إِلَى الْأَحْيَاءِ وَدَخَلَ فِيهِمُ الْمَوْتَى مِنْهُمْ . لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ - إِذَا اجْتَمَعَ فِي الْخَبَرِ الْمُخَاطَبُ وَالْغَائِبُ - أَنْ يُغَلِّبُوا الْمُخَاطَبَ فَيَدْخُلُ الْغَائِبُ فِي الْخِطَابِ . فَيَقُولُوا لِرَجُلٍ خَاطَبُوهُ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْهُ وَعَنْ آخَرَ غَائِبٍ غَيْرِ حَاضِرٍ : " فَعَلْنَا بِكُمَا وَصَنَعْنَا بِكُمَا " ، كَهَيْئَةِ خِطَابِهِمْ لَهُمَا وَهُمَا حَاضِرَانِ ، وَلَا يَسْتَجِيزُونَ أَنْ يَقُولُوا : " فَعَلْنَا بِهِمَا " ، وَهُمْ يُخَاطِبُونَ أَحَدَهُمَا ، فَيَرُدُّوا الْمُخَاطَبَ إِلَى عِدَادِ الْغَيَبِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ( 143 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ " : أَنَّ اللَّهَ بِجَمِيعِ عِبَادِهِ ذُو رَأْفَةٍ . [3/171]
وَ " الرَّأْفَةُ " ، أَعْلَى مَعَانِي الرَّحْمَةِ ، وَهِيَ عَامَّةٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا ، وَلِبَعْضِهِمْ فِي الْآخِرَةِ .
وَأَمَّا " الرَّحِيمُ " : فَإِنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ .
وَإِنَّمَا أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أَنْ يُضِيعَ لَهُمْ طَاعَةً أَطَاعُوهُ بِهَا فَلَا يُثِيبُهُمْ عَلَيْهَا ، وَأَرْأَفُ بِهِمْ مِنْ أَنْ يُؤَاخِذَهُمْ بِتَرْكِ مَا لَمْ يَفْرِضْهُ عَلَيْهِمْ - أَيْ وَلَا تَأْسَوْا عَلَى مَوْتَاكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)- ، فَإِنِّي لَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّايَ بِصَلَاتِهِمُ الَّتِي صَلَّوْهَا كَذَلِكَ مُثِيبٌ ، لِأَنِّي أَرْحَمُ بِهِمْ مِنْ أَنْ أُضِيعَ لَهُمْ عَمَلًا عَمِلُوهُ لِي ؛ وَلَا تَحْزَنُوا عَلَيْهِمْ ، فَإِنِّي غَيْرُ مُؤَاخِذِهِمْ بِتَرْكِهِمُ الصَّلَاةَ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)، لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ فَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَأَنَا أَرْأَفُ بِخَلْقِي مِنْ أَنْ أُعَاقِبَهُمْ عَلَى تَرْكِهِمْ مَا لَمْ آمُرْهُمْ بِعَمَلِهِ .
وَفِي " الرَّءُوفِ " لُغَاتٌ . إِحْدَاهَا " رَؤُفٌ " عَلَى مِثَالِ " فَعُلٍ " ، كَمَا قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ :
وَشرُّ الطالِبِينَ - وَلَا تَكُنْهُ - بقَاتِلِ عَمِّهِ ، الرَّؤُفُ الرَّحِيمُ [3/172]
وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ . وَالْأُخْرَى " رَءُوفٌ " عَلَى مِثَالِ " فَعُولٍ " ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ ، وَ " رَئِفٌ " ، وَهِيَ لُغَةُ غَطَفَانَ ، عَلَى مِثَالِ " فَعِلٍ " مِثْلَ حَذِرٍ . وَ " رَأْفٌ " عَلَى مِثَالِ " فَعْلٍ " بِجَزْمِ الْعَيْنِ ، وَهِيَ لُغَةٌ لِبَنِي أَسَدٍ .
وَالْقِرَاءَةُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلِينَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " ، كَمَا هَدَيْنَاكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، فَخَصَصْنَاكُمْ بِالتَّوْفِيقِ لِقِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَمِلَّتِهِ ، وَفَضَّلْنَاكُمْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ سِوَاكُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ ، كَذَلِكَ خَصَصْنَاكُمْ فَفَضَّلْنَاكُمْ عَلَى غَيْرِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ ، بِأَنْ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ " الْأُمَّةَ " ، هِيَ الْقَرْنُ مِنَ النَّاسِ وَالصِّنْفُ مِنْهُمْ وَغَيْرِهِمْ .
وَأَمَّا " الْوَسَطُ " ، فَإِنَّهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْخِيَارُ . يُقَالُ مِنْهُ : " فَلَانٌ وَسَطُ الْحَسَبِ فِي قَوْمِهِ " ، أَيْ مُتَوَسِّطُ الْحَسَبِ ، إِذَا أَرَادُوا بِذَلِكَ الرَّفْعَ فِي حَسَبِهِ ، وَ " هُوَ وَسَطٌ فِي قَوْمِهِ ، وَوَاسِطٌ " ،
كَمَا يُقَالُ : " شَاةٌ يَابِسَةُ اللَّبَنِ وَيَبَسَةُ اللَّبَنِ " ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : [3/142] فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا [ سُورَةُ طَهَ : 77 ] ، وَقَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى فِي " الْوَسَطِ " :
هُمُ وَسَطٌ تَرْضَى الَأَنَامُ بِحُكْمِهِمْ إِذَا نَزَلَتْ إحْدَى اللَّيَالِي بِمُعْظَمِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَنَا أَرَى أَنَّ " الْوَسَطَ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، هُوَ " الْوَسَطُ " الَّذِي بِمَعْنَى : الْجُزْءِ الَّذِي هُوَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ ، مِثْلَ " وَسَطِ الدَّارِ " مُحَرَّكُ الْوَسَطِ مُثَقَّلِهِ ، غَيْرُ جَائِزٍ فِي " سِينِهِ " التَّخْفِيفُ .
وَأَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ " وَسَطٌ " ، لِتُوَسُّطِهِمْ فِي الدِّينِ ، فَلَا هُمْ أَهْلَ غُلُوٍّ فِيهِ ، غُلُوَّ النَّصَارَى الَّذِينَ غَلَوْا بِالتَّرَهُّبِ ، وَقِيلِهِمْ فِي عِيسَى (نبي)مَا قَالُوا فِيهِ - وَلَا هُمْ أَهْلَ تَقْصِيرٍ فِيهِ ، تَقْصِيرَ الْيَهُودِ الَّذِينَ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَهُمْ ، وَكَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ ، وَكَفَرُوا بِهِ ؛ وَلَكِنَّهُمْ أَهْلُ تَوَسُّطٍ وَاعْتِدَالٍ فِيهِ . فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ ، إِذْ كَانَ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَى اللَّهِ أَوْسَطُهَا .
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ ، فَإِنَّهُ جَاءَ بِأَنَّ " الْوَسَطَ " الْعَدْلُ . وَذَلِكَ مَعْنَى الْخِيَارِ ، لِأَنَّ الْخِيَارَ مِنَ النَّاسِ عُدُولُهُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : " الْوَسَطُ " الْعَدْلُ .
2165 - حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ [3/143]عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : عُدُولًا .
2166 - حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ .
2167 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : " عُدُولًا .
2168 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : " جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : عُدُولًا . [3/144]
2169 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : عُدُولًا .
2170 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : عُدُولًا .
2171 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
2172 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : " أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : عُدُولًا .
2173 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : عُدُولًا .
2174 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : عُدُولًا . [3/145]
2175 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " ، يَقُولُ : جَعَلَكُمْ أُمَّةً عُدُولًا .
2176 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكَ ، عَنْ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ أَنْعُمَ الْمَعَافِرِيُّ ، عَنْ حِبَّانَ بْنِ أَبِي جَبَلَةَ ، يُسْنِدُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : الْوَسَطُ الْعَدْلُ .
2177 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَعبدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ : " أُمَّةً وَسَطًا " ، قَالُوا : عُدُولًا . قَالَ مُجَاهِدٌ : عَدْلًا .
2178 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " قَالَ : هُمْ وَسَطٌ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْأُمَمِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : " وَالشُّهَدَاءُ " جَمْعُ " شَهِيدٍ " .
فَمَعْنَى ذَلِكَ : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا عُدُولًا [ لِتَكُونُوا ] [3/146]شُهَدَاءَ لِأَنْبِيَائِي وَرُسُلِي عَلَى أُمَمِهَا بِالْبَلَاغِ ، أَنَّهَا قَدْ بَلَّغَتْ مَا أُمِرَتْ بِبَلَاغِهِ مِنْ رِسَالَاتِي إِلَى أُمَمِهَا ، وَيَكُونَ رَسُولِي مُحَمَّدٌ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ ، بِإِيمَانِكُمْ بِهِ وَبِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي ، كَمَا : -
2179 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُدْعَى بِنُوحٍ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ : هَلْ بَلَّغْتَ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ . فَيُقَالُ لِقَوْمِهِ : هَلْ بَلَّغَكُمْ ؟ فَيَقُولُ : مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ! فَيُقَالُ لَهُ : مَنْ يَعْلَمُ ذَاكَ ؟ فَيَقُولُ : مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ . فَهُوَ قَوْلُهُ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " .
2180 - حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِنَحْوِهِ - إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِيهِ : فَيُدْعَوْنَ وَيَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ .
2181 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " - بِأَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا - " وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ [3/147]شَهِيدًا " . بِمَا عَمِلْتُمْ ، أَوْ فَعَلْتُمْ .
2182 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عُتَيْبَةَ بْنِ النَّهَّاسِ : أَنْ مُكَاتَبًا لَهُمْ حَدَّثَهُمْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عبدِ اللَّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنِّي وَأُمَّتِي لِعَلَى كَوْمٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، مُشْرِفِينَ عَلَى الْخَلَائِقِ . مَا أَحَدٌ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا وَدَّ أَنَّهُ مِنْهَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ إِلَّا نَحْنُ شُهَدَاءُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ وَنَصَحَ لَهُمْ . قَالَ : " وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " . [3/148]
2183 - حَدَّثَنِي عِصَامُ بْنُ رَوَّادِ بْنِ الْجَرَّاحِ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْفَضْلِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنَازَةٍ ، فَلَمَّا صَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ قَالَ النَّاسُ : نِعْمَ الرَّجُلُ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَجَبَتْ! ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي جَنَازَةٍ أُخْرَى ، فَلَمَّا صَلَّوْا عَلَى الْمَيِّتِ قَالَ النَّاسُ : بِئْسَ الرَّجُلُ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَجَبَتْ . فَقَامَ إِلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا قَوْلُكَ وَجَبَتْ ؟ قَالَ : " قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " .
2184 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلِّ الرَّمْلِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : [3/149]حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرٍو ، عَنْ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنِي عبدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الْمَدِينِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَنَازَةٍ ، فَقَالَ النَّاسُ : نَعِمَ الرَّجُلُ! ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عِصَامٍ عَنْ أَبِيهِ .
2185 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا بِثَنَاءٍ حَسَنٍ ، فَقَالَ : وَجَبَتْ! وَمُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا دُونَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : وَجَبَتْ! قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا وَجَبَتْ ؟ قَالَ : الْمَلَائِكَةُ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ ، وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ، فَمَا شَهِدْتُمْ عَلَيْهِ وَجَبَ . ثُمَّ قَرَأَ : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ الْآيَةَ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 105 ] . [3/150]
2186 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " ، تَكُونُوا شُهَدَاءَ لِمُحَمَّدٍ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْأُمَمِ ، الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ .
2187 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
2188 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا [ أَبُو ] عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ : يَأْتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَادِيَهُ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ ، فَتَشْهَدُ لَهُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمْ .
2189 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنِ عُمَيْرٍ مِثْلَهُ .
2190 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : يَأْتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ ، مِثْلَهُ .
2191 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ [3/151]قَتَادَةَ " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " ، أَيْ أَنَّ رُسُلَهُمْ قَدْ بَلَّغَتْ قَوْمَهَا عَنْ رَبِّهَا ، " وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ إِلَى أُمَّتِهِ .
2192 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : أَنَّ قَوْمَ نُوحٍ (نبي)يَقُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : لَمْ يُبَلِّغْنَا نُوحٌ (نبي)! فَيُدْعَى نُوحٌ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ فُيَسْأَلُ : هَلْ بَلَّغْتَهُمْ ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ . فَيُقَالُ : مَنْ شُهُودُكَ ؟ فَيَقُولُ : أَحْمَدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ . فَتُدْعَوْنَ فتُسْأَلُونَ فَتَقُولُونَ : نَعَمْ ، قَدْ بَلَّغَهُمْ . فَتَقُولُ قَوْمُ نُوحٍ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ : كَيْفَ تَشْهَدُونَ عَلَيْنَا وَلَمْ تُدْرِكُونَا ؟ قَالُوا : قَدْ جَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَكُمْ ، وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَكُمْ ، فَصَدَّقْنَاهُ . قَالَ : فَيُصَدَّقُ نُوحٌ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيُكَذِّبُونَهُمْ . قَالَ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا
2193 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " ، لِتُكَونَ هَذِهِ الْأُمَّةُ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْهُمْ ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ شَهِيدًا ، أَنْ قَدْ بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ .
2194 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : أَنَّ الْأُمَمَ يَقُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : وَاللَّهِ لَقَدْ كَادَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَنْ تَكُونَ أَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ! لِمَا يَرَوْنَ اللَّهَ أَعْطَاهُمْ .
2195 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَنْعُمَ الْمَعَافِرِيُّ ، عَنْ حِبَّانَ بْنِ أَبِي جَبَلَةَ يُسْنِدُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا جَمَعَ اللَّهُ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى إِسْرَافِيلُ ، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ : مَا فَعَلْتَ فِي عَهْدِي ؟ هَلْ بَلَّغْتَ عَهْدِي ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ رَبِّ ، قَدْ بَلَّغْتُهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، فَيُدْعَى جِبْرِيلُ ، فَيُقَالُ لَهُ : [3/152]هَلْ بَلَّغَكَ إِسْرَافِيلُ عَهْدِي! فَيَقُولُ : نَعَمْ رَبِّ ، قَدْ بَلَغَنِي . فَيُخَلَّى عَنْ إِسْرَافِيلَ ، وَيُقَالُ لِجِبْرِيلَ : هَلْ بَلَّغْتَ عَهْدِي ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ، قَدْ بَلَّغْتُ الرُّسُلَ . فَتُدْعَى الرُّسُلُ فَيُقَالُ لَهُمْ : هَلْ بَلَّغَكُمْ جِبْرِيلُ عَهْدِي ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ رَبَّنَا . فَيُخَلَّى عَنْ جِبْرِيلَ ، ثُمَّ يُقَالُ لِلرُّسُلِ : مَا فَعَلْتُمْ بِعَهْدِي ؟ فَيَقُولُونَ : بَلَّغْنَا أُمَمَنَا . فَتُدْعَى الْأُمَمُ ، فَيُقَالُ : هَلْ بَلَّغَكُمُ الرُّسُلُ عَهْدِي ؟ فَمِنْهُمُ الْمُكَذِّبُ وَمِنْهُمُ الْمُصَدِّقُ ، فَتَقُولُ الرُّسُلُ : إِنَّ لَنَا عَلَيْهِمْ شُهُودًا يَشْهَدُونَ أَنْ قَدْ بَلَّغْنَا مَعَ شَهَادَتِكَ . فَيَقُولُ : مَنْ يَشْهَدُ لَكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : أُمَّةُ مُحَمَّدٍ (نبي). فَتُدْعَى أُمَّةُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَقُولُ : أَتَشْهَدُونَ أَنَّ رُسُلِي هَؤُلَاءِ قَدْ بَلَّغُوا عَهْدِي إِلَى مَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِ ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ رَبَّنَا شَهِدْنَا أَنْ قَدْ بَلَّغُوا . فَتَقُولُ تِلْكَ الْأُمَمُ : كَيْفَ يَشْهَدُ عَلَيْنَا مَنْ لَمْ يُدْرِكْنَا ؟ فَيَقُولُ لَهُمُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : كَيْفَ تَشْهَدُونَ عَلَى مَنْ لَمْ تُدْرِكُوا ؟ فَيَقُولُونَ : رَبَّنَا بَعَثْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا وَأَنْزَلْتَ إِلَيْنَا عَهْدَكَ وَكِتَابَكَ ، وقصَصَتَ عَلَيْنَا أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا ، فَشَهِدْنَا بِمَا عَهِدْتَ إِلَيْنَا . فَيَقُولُ الرَّبُّ : صَدَقُوا . فَذَلِكَ قَوْلُهُ : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا " - وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ - " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " . قَالَ ابْنُ أَنْعُمَ : فَبَلَغَنِي أَنَّهُ يَشْهَدُ يَوْمَئِذٍ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَّا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حِنَةٌ عَلَى أَخِيهِ . [3/153]
2196 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " ، يَعْنِي بِذَلِكَ . الَّذِينَ اسْتَقَامُوا عَلَى الْهُدَى ، فَهُمُ الَّذِينَ يَكُونُونَ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ وَكُفْرِهُمْ بِآيَاتِ اللَّهِ . [3/154]
2197 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلَهُ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " ، يَقُولُ : لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى الْأُمَمِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ، بِمَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ ، وَبِمَا كَذَّبُوهُمْ ، فَقَالُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَجِبُوا : إِنَّ أُمَّةً لَمْ يَكُونُوا فِي زَمَانِنَا ، فَآمَنُوا بِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُنَا ، وَكَذَّبْنَا نَحْنُ بِمَا جَاءُوا بِهِ! فَعَجِبُوا كُلَّ الْعَجَبِ . قَوْلُهُ : " وَيَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " ، يَعْنِي بِإِيمَانِهِمْ بِهِ ، وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ .
2198 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " ، يَعْنِي : أَنَّهُمْ شَهِدُوا عَلَى الْقُرُونِ بِمَا سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ .
2199 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : مَا قَوْلُهُ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ " ؟ قَالَ : أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ، (نبي)شَهِدُوا عَلَى مَنْ تَرَكَ الْحَقَّ حِينَ جَاءَهُ الْإِيمَانُ وَالْهُدَى ، مِمَّنْ كَانَ قَبْلنَا . قَالَهَا عبدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ . قَالَ : وَقَالَ عَطَاءٌ : شُهَدَاءُ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْحَقَّ مِمَّنْ تَرَكَهُ مِنَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ ، جَاءَ ذَلِكَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِتَابِهِمْ ، " وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ آمَنُوا بِالْحَقِّ حِينَ جَاءَهُمْ ، وَصَدَّقُوا بِهِ .
2200 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا " قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاهِدٌ عَلَى أُمَّتِهِ ، وَهُمْ شُهَدَاءُ عَلَى الْأُمَمِ ، وَهُمْ أَحَدُ الْأَشْهَادِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [ سُورَةُ غَافِرِ : 51 ] الْأَرْبَعَةُ : الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يُحْصُونَ أَعْمَالَنَا ، لَنَا وَعَلَيْنَا ، وَقَرَأَ قَوْلَهُ : وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ سُورَةُ ق : 21 ] ، وَقَالَ : هَذَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ . قَالَ : وَالنَّبِيُّونَ شُهَدَاءُ عَلَى أُمَمِهِمْ . قَالَ : وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شُهَدَاءُ عَلَى الْأُمَمِ . قَالَ : [3/155][ وَالْأَطْوَارُ ] الْأَجْسَادُ وَالْجُلُودُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا " ، وَلَمْ نَجْعَلْ صَرْفَكَ عَنِ الْقِبْلَةِ الَّتِي كُنْتَ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَيْهَا يَا مُحَمَّدُ (نبي)فَصَرَفْنَاكَ عَنْهَا ، إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُكَ مِمَّنْ لَا يَتَّبِعُكَ ، مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ .
وَالْقِبْلَةُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا ، الَّتِي عَنَاهَا اللَّهُ بِقَوْلِهِ : " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا " ، هِيَ الْقِبْلَةُ الَّتِي كُنْتَ تَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَصْرِفَكَ إِلَى الْكَعْبَةِ ، (مكان)كَمَا : -
2201 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا " ، يَعْنِي : بَيْتَ الْمَقْدِسِ (مكان).
2202 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ [3/156]ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا " . قَالَ : الْقِبْلَةُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ (مكان).
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَ " الصَّرْفِ عَنْهَا " ، اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ مَا قَدْ ذَكَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَاهُ ، كَسَائِرِ مَا قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ نَظَائِرِهِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : ذَلِكَ مَعْنَاهُ ، لِأَنَّ مِحْنَةَ اللَّهِ أَصْحَابَ رَسُولِهِ فِي الْقِبْلَةِ ، إِنَّمَا كَانَتْ - فِيمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ - عِنْدَ التَّحْوِيلِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)، حَتَّى ارْتَدَّ - فِيمَا ذُكِرَ - رِجَالٌ مِمَّنْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَاتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَظْهَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نِفَاقَهُمْ ، وَقَالُوا : مَا بَالُ مُحَمَّدٍ يُحَوِّلُنَا مَرَّةً إِلَى هَاهُنَا وَمَرَّةً إِلَى هَاهُنَا! وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ ، فِي مَنْ مَضَى مِنْ إِخْوَانِهِمُ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان): بَطَلَتْ أَعْمَالُنَا وَأَعْمَالُهُمْ وَضَاعَتْ! وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : تَحَيَّرَ مُحَمَّدٌ (نبي)[ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] فِي دِينِهِ! فَكَانَ ذَلِكَ فِتْنَةً لِلنَّاسِ ، وَتَمْحِيصًا لِلْمُؤْمِنِينَ .
فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ " ، أَيْ : وَمَا جَعَلْنَا صَرْفَكَ عَنِ الْقِبْلَةِ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا ، وَتَحْوِيلَكَ إِلَى غَيْرِهَا ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 60 ] بِمَعْنَى : وَمَا جَعَلْنَا خَبَرَكَ عَنِ الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ . وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ أَخْبَرَ الْقَوْمَ بِمَا كَانَ أُرِي ، لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ فِتْنَةٌ ، وَكَذَلِكَ الْقِبْلَةُ الْأُولَى الَّتِي كَانَتْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، (مكان)لَوْ لَمْ يَكُنْ صُرِفَ عَنْهَا إِلَى الْكَعْبَةِ ، (مكان)لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى أَحَدٍ فِتْنَةٌ وَلَا مِحْنَةٌ .
ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ فِي ذَلِكَ بِمَعْنَى مَا قُلْنَا : [3/157]
2203 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَتِ الْقِبْلَةُ فِيهَا بَلَاءٌ وَتَمْحِيصٌ . صَلَّتِ الْأَنْصَارُ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)حَوْلَيْنِ قَبْلَ قُدُومِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَلَّى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، ثُمَّ وَجَّهَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان)، فَقَالَ فِي ذَلِكَ قَائِلُونَ مِنَ النَّاسِ : " مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا " ؟ لَقَدِ اشْتَاقَ الرَّجُلُ إِلَى مَوْلِدِهِ! قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " . فَقَالَ أُنَاسٌ - لَمَّا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ نَحْوَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان)- : كَيْفَ بِأَعْمَالِنَا الَّتِي كُنَّا نَعْمَلُ فِي قِبْلَتِنَا الْأُولَى ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " . وَقَدْ يَبْتَلِي اللَّهُ الْعِبَادَ بِمَا شَاءَ مِنْ أَمْرِهِ ، الْأَمْرَ بَعْدَ الْأَمْرِ ، لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ ، إِذْ كَانَ فِي [ ذَلِكَ ] إِيمَانٌ بِاللَّهِ ، وَإِخْلَاصٌ لَهُ ، وَتَسْلِيمٌ لِقَضَائِهِ .
2204 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)، فَنَسَخَتْهَا الْكَعْبَةُ (مكان). فَلَمَّا وُجِّهَ قِبَلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، (مكان)اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا ، فَكَانُوا أَصْنَافًا ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ : مَا بَالُهُمْ كَانُوا عَلَى قِبْلَةٍ زَمَانًا ، ثُمَّ تَرَكُوهَا وَتَوَجَّهُوا إِلَى غَيْرِهَا ؟ وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : لَيْتَ شِعْرَنَا عَنْ إِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)! هَلْ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْهُمْ ، أَوْ لَا ؟ وَقَالَتِ الْيَهُودُ : إِنَّ مُحَمَّدًا (نبي)اشْتَاقَ إِلَى بَلَدِ أَبِيهِ وَمَوْلِدِهِ ، وَلَوْ ثَبَتَ عَلَى قِبْلَتِنَا لَكُنَّا نَرْجُو أَنْ يَكُونَ هُوَ صَاحِبُنَا الَّذِي نَنْتَظِرُ! وَقَالَ [3/158]الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ : تَحَيَّرَ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)دِينُهُ ، فَتَوَجَّهَ بِقِبْلَتِهِ إِلَيْكُمْ ، وَعَلِمَ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ أَهْدَى مِنْهُ ، وَيُوشِكُ أَنْ يَدْخُلَ فِي دِينِكُمْ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي الْمُنَافِقِينَ : " سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا " إِلَى قَوْلِهِ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " ، وَأَنْزَلَ فِي الْآخَرِينَ الْآيَاتِ بَعْدَهَا .
2205 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ " ؟ فَقَالَ عَطَاءٌ : يَبْتَلِيهِمْ ، لِيَعْلَمَ مَنْ يُسَلِّمُ لِأَمْرِهِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : بَلَغَنِي أَنَّ نَاسًا مِمَّنْ أَسْلَمَ رَجَعُوا فَقَالُوا : مَرَّةً هَاهُنَا وَمَرَّةً هَاهُنَا!
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : أَوَمَا كَانَ اللَّهُ عَالِمًا بِمَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ، إِلَّا بَعْدَ اتِّبَاعِ الْمُتَّبِعِ ، وَانْقِلَابِ الْمُنْقَلِبِ عَلَى عَقِبَيْهِ ، حَتَّى قَالَ : مَا فِعْلُنَا الَّذِي فَعَلْنَا مِنْ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إِلَّا لِنَعْلَمَ الْمُتَّبِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُنْقَلِبِ عَلَى عَقِبَيْهِ ؟
قِيلَ : إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُوَ الْعَالِمُ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا قَبْلَ كَوْنِهَا ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ : " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ " يُخْبِرُ [ عَنْ ] أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ وُجُودِهِ .
فَإِنْ قَالَ : فَمَا مَعْنَى ذَلِكَ ؟
قِيلَ لَهُ : أَمَّا مَعْنَاهُ عِنْدَنَا ، فَإِنَّهُ : وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِيَعْلَمَ رَسُولِي وَحِزْبِي وَأَوْلِيَائِي مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ " ، وَمَعْنَاهُ : لِيَعْلَمَ رَسُولِي وَأَوْلِيَائِي . إِذْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [3/159]وَأَوْلِيَاءُهُ مِنْ حِزْبِهِ ، وَكَانَ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ إِضَافَةُ مَا فَعَلَتْهُ أَتْبَاعُ الرَّئِيسِ إِلَى الرَّئِيسِ ، وَمَا فَعَلَ بِهِمْ إِلَيْهِ ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ : " فَتَحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَوَادَ الْعِرَاقِ ، وَجَبَى خَرَاجَهَا " ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ ، عَنْ سَبَبٍ كَانَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ . وَكَالَّذِي رُوِيَ فِي نَظِيرِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مَرِضْتُ فَلَمْ يَعُدْنِي عَبْدِي ، وَاسْتَقْرَضْتُهُ فَلَمْ يُقْرِضْنِي ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِي .
2206 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ : اسْتَقْرَضْتُ عَبْدِي فَلَمْ يُقْرِضْنِي ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِي! يَقُولُ : وَادَهْرَاهْ! وَأَنَا الدَّهْرُ ، أَنَا الدَّهْرُ .
2207 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ .
فَأَضَافَ تَعَالَى ذِكْرُهُ الِاسْتِقْرَاضَ وَالْعِيَادَةَ إِلَى نَفْسِهِ ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ سَبَبِهِ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا : " أَجُوعُ فِي غَيْرِ بَطْنِي ، وَأُعَرَّى فِي غَيْرِ [3/160]ظَهْرِي " ، بِمَعْنَى : جُوعِ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ وَعُرْيِ ظُهُورِهِمْ ،
فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ " ، بِمَعْنَى : يَعْلَمُ أَوْلِيَائِي وَحِزْبِي .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2208 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ " ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لِنُمَيِّزَ أَهْلَ الْيَقِينِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالرِّيبَةِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْعَرَبَ تَضَعُ " الْعِلْمَ " مَكَانَ " الرُّؤْيَةِ " ، وَ " الرُّؤْيَةَ " مَكَانَ " الْعِلْمِ " ، كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [ سُورَةُ الْفِيلِ : 1 ] ، فَزَعَمَ أَنَّ مَعْنَى " أَلَمْ تَرَ " ، أَلَمْ تَعْلَمْ ؟ وَزَعَمَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ " ، بِمَعْنَى : إِلَّا لِنَرَى مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ . وَزَعَمَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ : " رَأَيْتُ ، وَعَلِمْتُ ، وَشَهِدْتُ " ، حُرُوفٌ تَتَعَاقَبُ ، فَيُوضَعُ بَعْضُهَا مَوْضِعَ بَعْضٍ ، كَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ
كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ لَقِيطًا وَحَاجِبًا وَعَمْرَو بْنَ عَمْرٍو إِذْ دَعَا يَالَ دَارِمِ
بِمَعْنَى : كَأَنَّكَ لَمْ تَعْلَمْ لَقِيطًا ، لِأَنَّ بَيْنَ هُلْكِ لَقِيطٍ وَحَاجِبٍ وَزَمَانِ جَرِيرٍ ، مَا لَا يَخْفَى بُعْدُهُ مِنَ الْمُدَّةِ . وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ هَلَكُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَجَرِيرٌ كَانَ بَعْدَ بُرْهَةٍ مَضَتْ مِنْ مَجِيءِ الْإِسْلَامِ . [3/161]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ " الرُّؤْيَةَ " ، وَإِنِ اسْتُعْمِلَتْ فِي مَوْضِعِ " الْعِلْمِ " ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ أَنْ يَرَى أَحَدٌ شَيْئًا ، فَلَا تُوجِبُ رُؤْيَتُهُ إِيَّاهُ عِلْمًا بِأَنَّهُ قَدْ رَآهُ ، إِذَا كَانَ صَحِيحَ الْفِطْرَةِ . فَجَازَ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَثْبَتَهُ رُؤْيَةً ، أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ إِثْبَاتُهُ إِيَّاهُ عِلْمًا ، وَصَحَّ أَنْ يَدُلَّ بِذِكْرِ " الرُّؤْيَةِ " عَلَى مَعْنَى " الْعِلْمِ " مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ . فَلَيْسَ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ [ جَائِزًا ] فِي الرُّؤْيَةِ - لِمَا وَصَفْنَا - بِجَائِزٍ فِي الْعِلْمِ ، فَيَدُلُّ بِذِكْرِ الْخَبَرِ عَنِ " الْعِلْمِ " عَلَى " الرُّؤْيَةِ " . لِأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَعْلَمُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً لَمْ يَرَهَا وَلَا يَرَاهَا ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَرَى شَيْئًا إِلَّا عَلِمَهُ ، كَمَا قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَانَ [ عَنْهُ ] . مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ : " عَلِمْتُ كَذَا " ، بِمَعْنَى رَأَيْتُهُ . وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَوْجِيهُ مَعَانِي مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أَنَزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منَ الْكَلَامِ ، إِلَى مَا كَانَ مَوْجُودًا مِثْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، دُونَ مَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي كَلَامِهَا . فَمَوْجُودٌ فِي كَلَامِهَا " رَأَيْتُ " بِمَعْنَى : عَلِمْتُ ، وَغَيْرُ مَوْجُودٍ فِي كَلَامِهَا " عَلِمْتُ " بِمَعْنَى : رَأَيْتُ ، فَيَجُوزُ تَوْجِيهُ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ " إِلَى مَعْنَى : إِلَّا لِنَرَى .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا قِيلَ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ " ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودَ وَأَهْلَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ ، أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ يَعْلَمُ الشَّيْءَ قَبْلَ كَوْنِهِ . وَقَالُوا - إِذْ قِيلَ لَهُمْ : إِنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ سَيَرْتَدُّونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، إِذَا حُوِّلَتْ قِبْلَةُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)- : ذَلِكَ غَيْرُ كَائِنٍ! أَوْ قَالُوا : ذَلِكَ بَاطِلٌ! فَلَمَّا فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ ، وَحَوَّلَ الْقِبْلَةَ ، وَكَفَرَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَنْ كَفَرَ ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ [3/162]ثَنَاؤُهُ : مَا فَعَلْتُ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَا عَلِمَهُ غَيْرُكُمْ - أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ الْمُنْكِرُونَ عِلْمِي بِمَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهِ - : أَنِّي عَالِمٌ بِمَا هُوَ كَائِنٌ مِمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ .
فَكَأَنَّ مَعْنَى قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ " : إِلَّا لِنُبَيِّنَ لَكُمْ أَنَّا نَعْلَمُ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا لَهُ مَخْرَجٌ ، فَبَعِيدٌ مِنَ الْمَفْهُومِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا قِيلَ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ " ، وَهُوَ بِذَلِكَ عَالِمٌ قَبْلَ كَوْنِهِ وَفِي كُلِّ حَالٍ ، عَلَى وَجْهِ التَّرَفُّقِ بِعِبَادِهِ ، وَاسْتِمَالَتِهِمْ إِلَى طَاعَتِهِ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ سُورَةُ سَبَأٍ : 24 ] ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ عَلَى هُدًى ، وَأَنَّهُمْ عَلَى ضَلَالٍ مُبِينٍ ، وَلَكِنَّهُ رَفَقَ بِهِمْ فِي الْخِطَابِ ، فَلَمْ يَقُلْ : أَنَا عَلَى هُدًى ، وَأَنْتُمْ عَلَى ضَلَالٍ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " إِلَّا لِنَعْلَمَ " ، مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ : إِلَّا لِتَعْلَمُوا أَنْتُمْ ، إِذْ كُنْتُمْ جُهَّالًا بِهِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ . فَأَضَافَ الْعِلْمَ إِلَى نَفْسِهِ ، رِفْقًا بِخِطَابِهِمْ .
وَقَدْ بَيَّنَا الْقَوْلَ الَّذِي هُوَ أَوْلَى فِي ذَلِكَ بِالْحَقِّ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ " . فَإِنَّهُ يَعْنِي : الَّذِي يَتَّبِعُ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِهِ ، فَيُوَجَّهُ نَحْوَ الْوَجْهِ الَّذِي يَتَوَجَّهُ نَحْوَهُ مُحَمَّدٌ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . [3/163]
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : مِنَ الَّذِي يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ ، فَيُنَافِقُ ، أَوْ يَكْفُرُ ، أَوْ يُخَالِفُ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ ، مِمَّنْ يُظْهِرُ اتِّبَاعَهُ ، كَمَا : -
2209 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ " قَالَ : مَنْ إِذَا دَخَلَتْهُ شُبْهَةٌ رَجَعَ عَنِ اللَّهِ ، وَانْقَلَبَ كَافِرًا عَلَى عَقِبَيْهِ .
وَأَصْلُ " الْمُرْتَدِّ عَلَى عَقِبَيْهِ " ، هُوَ : " الْمُنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ " ، الرَّاجِعُ مُسْتَدْبِرًا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي قَدْ كَانَ قَطَعَهُ ، مُنْصَرِفًا عَنْهُ . فَقِيلَ ذَلِكَ لِكُلِّ رَاجِعٍ عَنْ أَمْرٍ كَانَ فِيهِ ، مِنْ دِينٍ أَوْ خَيْرٍ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 64 ] ، بِمَعْنَى : رَجَعَا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي كَانَا سَلَكَاهُ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمُرْتَدِّ : " مُرْتَدٌ " ، لِرُجُوعِهِ عَنْ دِينِهِ وَمِلَّتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا .
وَإِنَّمَا قِيلَ : " رَجَعَ عَلَى عَقِبَيْهِ " ، لِرُجُوعِهِ دُبُرًا عَلَى عَقِبِهِ ، إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ بَدْءُ سَيْرِهِ قَبْلَ مَرْجِعِهِ عَنْهُ . فَيُجْعَلُ ذَلِكَ مَثَلًا لِكُلِّ تَارِكٍ أَمْرًا وَآخِذٍ آخَرَ غَيْرَهُ ، إِذَا انْصَرَفَ عَمَّا كَانَ فِيهِ ، إِلَى الَّذِي كَانَ لَهُ تَارِكًا فَأَخَذَهُ . فَقِيلَ : " ارْتَدَّ فَلَانٌ عَلَى عَقِبِهِ ، وَانْقَلَبَ عَلَى عَقِبَيْهِ " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّتِي وَصَفَهَا اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِأَنَّهَا كَانَتْ " كَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " . [3/164]
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِ " الْكَبِيرَةِ " ، التَّوْلِيَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (مكان)وَالتَّحْوِيلَ . وَإِنَّمَا أَنَّثَ " الْكَبِيرَةَ " ، لِتَأْنِيثِ " التَّوْلِيَةِ " .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2210 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ اللَّهُ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " ، يَعْنِي : تَحْوِيلَهَا .
2211 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " قَالَ : مَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّحَوُّلِ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان).
2212 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
2213 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " قَالَ : كَبِيرَةٌ ، حِينَ حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (مكان)، فَكَانَتْ كَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ " الْكَبِيرَةُ " ، هِيَ الْقِبْلَةُ بِعَيْنِهَا الَّتِي كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)قَبْلَ التَّحْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
2214 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً " ، أَيْ : قِبْلَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)- " إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " . [3/165]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلِ " الْكَبِيرَةُ " هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي كَانُوا يُصَلُّونَهَا إِلَى الْقِبْلَةِ الْأُولَى .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ .
2215 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " قَالَ : صَلَاتُكُمْ حَتَّى يَهْدِيَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْقِبْلَةَ .
2216 - وَقَدْ حَدَّثَنِي بِهِ يُونُسُ مَرَّةً أُخْرَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً " قَالَ : صَلَاتُكَ هَاهُنَا - يَعْنِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا - وَانْحِرَافَكَ هَاهُنَا
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان): أُنِّثَتِ " الْكَبِيرَةُ " لِتَأْنِيثِ الْقِبْلَةِ ، وَإِيَّاهَا عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً " .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ (مكان): بَلْ أُنِّثَتِ " الْكَبِيرَةُ " لِتَأْنِيثِ التَّوْلِيَةِ وَالتَّحْوِيلَةِ
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ : وَمَا جَعَلْنَا تَحْوِيلَتَنَا إِيَّاكَ عَنِ الْقِبْلَةِ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا وَتَوْلِيَّتُنَاكَ عَنْهَا ، إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ، وَإِنْ كَانَتْ تَحْوِيلَتُنَا إِيَّاكَ عَنْهَا وَتَوْلِيَّتُنَاكَ " لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " .
وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ . لِأَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا كَبُرَ عَلَيْهِمْ تَحْوِيلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْهَهُ عَنِ الْقِبْلَةِ الْأُولَى إِلَى الْأُخْرَى ، لَا عَيْنُ الْقِبْلَةِ ، وَلَا الصَّلَاةُ . لِأَنَّ الْقِبْلَةَ الْأُولَى وَالصَّلَاةَ ، قَدْ كَانَتْ وَهَى غَيْرُ كَبِيرَةٍ عَلَيْهِمْ . إِلَّا أَنْ يُوَجِّهَ مُوَجِّهٌ تَأْنِيثَ " الْكَبِيرَةِ " إِلَى " الْقِبْلَةِ " ، وَيَقُولُ : اجْتُزِئَ بِذِكْرِ " الْقِبْلَةِ " مِنْ ذِكْرِ " التَّوْلِيَةِ وَالتَّحْوِيلَةِ " ، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَى ذَلِكَ ، كَمَا قَدْ وَصَفْنَا لَكَ فِي نَظَائِرِهِ . فَيَكُونُ ذَلِكَ وَجْهًا صَحِيحًا ، وَمَذْهَبًا مَفْهُومًا . [3/166]
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " كَبِيرَةً " ، عَظِيمَةً ، . كَمَا : -
2217 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " قَالَ : كَبِيرَةٌ فِي صُدُورِ النَّاسِ ، فِيمَا يَدْخُلُ الشَّيْطَانُ بِهِ ابْنَ آدَمَ (نبي). قَالَ : مَا لَهُمْ صَلَّوْا إِلَى هَاهُنَا سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ انْحَرَفُوا! فَكَبُرَ ذَلِكَ فِي صُدُورِ مَنْ لَا يَعْرِفُ وَلَا يَعْقِلُ وَالْمُنَافِقِينَ ، فَقَالُوا : أَيُّ شَيْءٍ هَذَا الدِّينُ ؟ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا ، فَثَبَّتَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " قَالَ : صَلَاتُكُمْ حَتَّى يَهْدِيَكُمْ إِلَى الْقِبْلَةِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : " إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ :
وَإِنْ كَانَ تَقْلِيبَتُنَاكَ عَنِ الْقِبْلَةِ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا ، لَعَظِيمَةً إِلَّا عَلَى مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، فَهَدَاهُ لِتَصْدِيقِكَ وَالْإِيمَانِ بِكَ وَبِذَلِكَ ، وَاتِّبَاعِكَ فِيهِ ، وَفِي مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَيْكَ ، كَمَا : -
2218 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ " ، يَقُولُ : إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ، يَعْنِي الْمُصَدِّقِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . [3/167]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قِيلَ : عَنَى بِ " الْإِيمَانِ " ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الصَّلَاةَ .
ذِكْرُ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ بِذَلِكَ ، وَذِكْرُ قَوْلِ مَنْ قَالَهُ :
2219 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ - وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى - جَمِيعًا ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا وُجِّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)قَالُوا : كَيْفَ بِمَنْ مَاتَ مِنْ إِخْوَانِنَا قَبْلَ ذَلِكَ ، وَهُمْ يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ؟ (مكان)فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " .
2220 - حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " قَالَ : صَلَاتَكُمْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان).
2221 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ نَحْوَهُ .
2222 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُفَيْلٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ : مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ إِلَى الْبَيْتِ [3/168]رِجَالٌ وَقُتِلُوا ، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " .
2223 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَقْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ أُنَاسٌ مِنَ النَّاسِ - لَمَّا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ نَحْوَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان)- : كَيْفَ بِأَعْمَالِنَا الَّتِي كُنَّا نَعْمَلُ فِي قِبْلَتِنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " .
2224 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : لَمَّا وُجِّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، (مكان)قَالَ الْمُسْلِمُونَ : لَيْتَ شِعْرَنَا عَنْ إِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)! هَلْ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْهُمْ أَمْ لَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِمْ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " قَالَ : صَلَاتَكُمْ قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان): يَقُولُ : إِنَّ تِلْكَ طَاعَةٌ وَهَذِهِ طَاعَةٌ .
2225 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : قَالَ نَاسٌ - لَمَّا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان)- : كَيْفَ بِأَعْمَالِنَا الَّتِي كُنَّا نَعْمَلُ فِي قِبْلَتِنَا الْأُولَى ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " الْآيَةَ .
2226 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ : لَمَّا صُرِفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ [3/169]عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)، قَالَ الْمُسْلِمُونَ : هَلَكَ أَصْحَابُنَا الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)! فَنَزَلَتْ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " .
2227 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " ، يَقُولُ : صَلَاتَكُمُ الَّتِي صَلَّيْتُمُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَكُونَ الْقِبْلَةُ . فَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ قَدْ أَشْفَقُوا عَلَى مَنْ صَلَّى مِنْهُمْ أَنْ لَا تُقْبِلَ صَلَاتُهُمْ .
2228 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " ، صَلَاتَكُمْ .
2229 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَزَارِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمُؤَمَّلُ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " قَالَ : صَلَاتَكُمْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان).
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ " الْإِيمَانَ " التَّصْدِيقُ . وَأَنَّ التَّصْدِيقَ قَدْ يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَحْدَهُ ، وَبِالْفِعْلِ وَحْدَهُ ، وَبِهِمَا جَمِيعًا .
فَمَعْنَى قَوْلِهِ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " - عَلَى مَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ أَنَّهُ الصَّلَاةُ - : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ تَصْدِيقَ رَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِصَلَاتِكُمُ الَّتِي صَلَّيْتُمُوهَا نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)عَنْ أَمْرِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْكُمْ تَصْدِيقًا لِرَسُولِي ، وَاتِّبَاعًا لِأَمْرِي ، وَطَاعَةً مِنْكُمْ لِي .
قَالَ : " وَإِضَاعَتُهُ إِيَّاهُ " جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لَوْ أَضَاعَهُ - : تَرْكُ إِثَابَةِ أَصْحَابِهِ وَعَامِلِيهِ عَلَيْهِ ، فَيَذْهَبُ ضَيَاعًا ، وَيَصِيرُ بَاطِلًا كَهَيْئَةِ " إِضَاعَةِ الرَّجُلِ مَالَهُ " ، وَذَلِكَ إِهْلَاكُهُ إِيَّاهُ فِيمَا لَا يَعْتَاضُ مِنْهُ عِوَضًا فِي عَاجِلٍ وَلَا آجِلٍ . [3/170]
فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُبْطِلُ عَمَلَ عَامِلٍ عَمِلَ لَهُ عَمَلًا وَهُوَ لَهُ طَاعَةٌ ، فَلَا يُثِيبُهُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ نَسَخَ ذَلِكَ الْفَرْضَ بَعْدَ عَمَلِ الْعَامِلِ إِيَّاهُ عَلَى مَا كَلَّفَهُ مِنْ عَمَلِهِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ " ، فَأَضَافَ الْإِيمَانَ إِلَى الْأَحْيَاءِ الْمُخَاطَبِينَ ، وَالْقَوْمُ الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ إِنَّمَا كَانُوا أَشْفَقُوا عَلَى إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)، وَفِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ؟
قِيلَ : إِنَّ الْقَوْمَ وَإِنْ كَانُوا أَشْفَقُوا مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ أَيْضًا قَدْ كَانُوا مُشْفِقِينَ مِنْ حُبُوطِ ثَوَابِ صَلَاتِهِمُ الَّتِي صَلَّوْهَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)قَبْلَ التَّحْوِيلِ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)، وَظَنُّوا أَنَّ عَمَلَهُمْ ذَلِكَ قَدْ بَطَلَ وَذَهَبَ ضَيَاعًا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَئِذٍ ، فَوَجَّهَ الْخِطَابَ بِهَا إِلَى الْأَحْيَاءِ وَدَخَلَ فِيهِمُ الْمَوْتَى مِنْهُمْ . لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ - إِذَا اجْتَمَعَ فِي الْخَبَرِ الْمُخَاطَبُ وَالْغَائِبُ - أَنْ يُغَلِّبُوا الْمُخَاطَبَ فَيَدْخُلُ الْغَائِبُ فِي الْخِطَابِ . فَيَقُولُوا لِرَجُلٍ خَاطَبُوهُ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْهُ وَعَنْ آخَرَ غَائِبٍ غَيْرِ حَاضِرٍ : " فَعَلْنَا بِكُمَا وَصَنَعْنَا بِكُمَا " ، كَهَيْئَةِ خِطَابِهِمْ لَهُمَا وَهُمَا حَاضِرَانِ ، وَلَا يَسْتَجِيزُونَ أَنْ يَقُولُوا : " فَعَلْنَا بِهِمَا " ، وَهُمْ يُخَاطِبُونَ أَحَدَهُمَا ، فَيَرُدُّوا الْمُخَاطَبَ إِلَى عِدَادِ الْغَيَبِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ( 143 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ " : أَنَّ اللَّهَ بِجَمِيعِ عِبَادِهِ ذُو رَأْفَةٍ . [3/171]
وَ " الرَّأْفَةُ " ، أَعْلَى مَعَانِي الرَّحْمَةِ ، وَهِيَ عَامَّةٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا ، وَلِبَعْضِهِمْ فِي الْآخِرَةِ .
وَأَمَّا " الرَّحِيمُ " : فَإِنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ .
وَإِنَّمَا أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أَنْ يُضِيعَ لَهُمْ طَاعَةً أَطَاعُوهُ بِهَا فَلَا يُثِيبُهُمْ عَلَيْهَا ، وَأَرْأَفُ بِهِمْ مِنْ أَنْ يُؤَاخِذَهُمْ بِتَرْكِ مَا لَمْ يَفْرِضْهُ عَلَيْهِمْ - أَيْ وَلَا تَأْسَوْا عَلَى مَوْتَاكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)- ، فَإِنِّي لَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّايَ بِصَلَاتِهِمُ الَّتِي صَلَّوْهَا كَذَلِكَ مُثِيبٌ ، لِأَنِّي أَرْحَمُ بِهِمْ مِنْ أَنْ أُضِيعَ لَهُمْ عَمَلًا عَمِلُوهُ لِي ؛ وَلَا تَحْزَنُوا عَلَيْهِمْ ، فَإِنِّي غَيْرُ مُؤَاخِذِهِمْ بِتَرْكِهِمُ الصَّلَاةَ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)، لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ فَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَأَنَا أَرْأَفُ بِخَلْقِي مِنْ أَنْ أُعَاقِبَهُمْ عَلَى تَرْكِهِمْ مَا لَمْ آمُرْهُمْ بِعَمَلِهِ .
وَفِي " الرَّءُوفِ " لُغَاتٌ . إِحْدَاهَا " رَؤُفٌ " عَلَى مِثَالِ " فَعُلٍ " ، كَمَا قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ :
وَشرُّ الطالِبِينَ - وَلَا تَكُنْهُ - بقَاتِلِ عَمِّهِ ، الرَّؤُفُ الرَّحِيمُ [3/172]
وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ . وَالْأُخْرَى " رَءُوفٌ " عَلَى مِثَالِ " فَعُولٍ " ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ ، وَ " رَئِفٌ " ، وَهِيَ لُغَةُ غَطَفَانَ ، عَلَى مِثَالِ " فَعِلٍ " مِثْلَ حَذِرٍ . وَ " رَأْفٌ " عَلَى مِثَالِ " فَعْلٍ " بِجَزْمِ الْعَيْنِ ، وَهِيَ لُغَةٌ لِبَنِي أَسَدٍ .
وَالْقِرَاءَةُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلِينَ .