النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ( 140 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ وَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : " أَمْ تَقُولُونَ " بِ " التَّاءِ " . فَمَنْ قَرَأَ كَذَلِكَ ، فَتَأْوِيلُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ (نبي)- لِلْقَائِلِينَ لَكَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى : " كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا " - : أَتُجَادِلُونَنَا فِي اللَّهِ ، أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ؟ (نبي)فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ : " أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ " .
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْهُمَا : " أَمْ يَقُولُونَ " بِ " الْيَاءِ " . وَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجَّهَ قَوْلَهُ : " أَمْ يَقُولُونَ " إِلَى أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ مُسْتَأْنَفٌ ، كَقَوْلِهِ : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [ سُورَةُ السَّجْدَةِ : 3 ] ، وَكَمَا يُقَالُ : " إِنَّهَا لَإِبِلٌ أَمْ شَاءٌ " . وَإِنَّمَا جَعَلَهُ اسْتِفْهَامًا مُسْتَأْنَفًا ، لِمَجِيءِ خَبَرٍ مُسْتَأْنَفٍ ، كَمَا يُقَالُ : " أَتَقُومُ أَمْ يَقُومُ أَخُوكَ ؟ " فَيَصِيرُ قَوْلُهُ : " أَمْ يَقُومُ أَخُوكَ " خَبَرًا مُسْتَأْنِفًا لِجُمْلَةٍ لَيْسَتْ مِنَ الْأَوَّلِ وَاسْتِفْهَامًا [3/123]مُبْتَدَأً . وَلَوْ كَانَ نَسَقًا عَلَى الِاسْتِفْهَامِ الْأَوَّلِ ، لَكَانَ خَبَرًا عَنِ الْأَوَّلِ ، فَقِيلَ : " أَتَقُومُ أَمْ تَقْعُدُ ؟ "
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ ، إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ بِ " الْيَاءِ " ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي بَعْدَ " أَمْ " جُمْلَةً تَامَّةً ، فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ الْأَوَّلِ . لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : قِيلَ : أَيُّ هَذَيْنَ الْأَمْرَيْنِ كَائِنٌ ؟ هَذَا أَمْ هَذَا ؟
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ : " أَمْ تَقُولُونَ " " بِالتَّاءِ " دُونَ " الْيَاءِ " عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ : " قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا " ، بِمَعْنَى : أَيُّ هَذَيْنَ الْأَمْرَيْنِ تَفْعَلُونَ ؟ أَتُجَادِلُونَنَا فِي دِينِ اللَّهِ ، فَتَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ أَوْلَى مِنَّا وَأَهْدَى مِنَّا سَبِيلًا - وَأَمْرُنَا وَأَمْرُكُمْ مَا وَصَفْنَا ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَاهُ آنِفًا - أَمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ ، (نبي)وَمَنْ سَمَّى اللَّهُ ، كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى عَلَى مِلَّتِكُمْ ، فَيَصِحُّ لِلنَّاسِ بَهْتُكُمْ وَكَذِبُكُمْ ، لِأَنَّ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ حَدَثَتْ بَعْدَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِ . وَغَيْرُ جَائِزَةٍ قِرَاءَةُ ذَلِكَ بِ " الْيَاءِ " ، لِشُذُوذِهَا عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرَّاءِ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ أَيْضًا احْتِجَاجٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ قِصَصَهُمْ . يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ (نبي)- لِهَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى - : أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ ، وَتَزْعُمُونَ أَنَّ دِينَكُمْ أَفْضَلُ مِنْ دِينِنَا ، وَأَنَّكُمْ عَلَى هُدَى وَنَحْنُ عَلَى ضَلَالَةٍ ، بِبُرْهَانٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، فَتَدْعُونَنَا إِلَى دِينِكُمْ ؟ فَهَاتُوا بُرْهَانَكُمْ عَلَى ذَلِكَ فَنَتْبَعَكُمْ عَلَيْهِ ، أَمْ تَقُولُونَ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى عَلَى دِينِكُمْ ؟ فَهَاتُوا - عَلَى دَعْوَاكُمْ مَا ادَّعَيْتُمْ مِنْ ذَلِكَ - بُرْهَانًا فَنُصَدِّقَكُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَهُمْ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ . [3/124]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ (نبي)- إِنِ ادَّعَوْا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى : أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ وَبِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَدْيَانِ ، أَمِ اللَّهُ ؟
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي : فَإِنْ زَعَمَتْ يَا مُحَمَّدُ (نبي)الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى - الَّذِينَ قَالُوا لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ : " كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى " ، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِنْهُمْ ؟ يَقُولُ : وَأَيُّ امْرِئٍ أَظْلَمُ مِنْهُمْ ؟ وَقَدْ كَتَمُوا شَهَادَةً عِنْدَهُمْ مِنَ اللَّهِ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا مُسْلِمِينَ ، فَكَتَمُوا ذَلِكَ ، وَنَحَلُوهُمُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ :
2132 - فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ " قَالَ : فِي قَوْلِ يَهُودَ لِإِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمَا ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَهُودَ أَوْ نَصَارَى . فَيَقُولُ اللَّهُ : لَا تَكْتُمُوا مِنِّي شَهَادَةً إِنْ كَانَتْ عِنْدَكُمْ فِيهِمْ . وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ .
2133 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ " ، فِي قَوْلِ الْيَهُودِ لِإِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمَا : إِنَّهُمْ كَانُوا يَهُودَ أَوْ نَصَارَى . فَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ : لَا تَكْتُمُوا مِنِّي الشَّهَادَةَ فِيهِمْ ، إِنْ كَانَتْ عِنْدَكُمْ فِيهِمْ . وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ . [3/125]
2134 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : " أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ " إِلَى قَوْلِهِ : " قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ " ، قَالَ الْحَسَنُ : وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ عِنْدَ الْقَوْمِ مِنَ اللَّهِ شَهَادَةٌ أَنَّ أَنْبِيَاءَهُ بُرَآءٌ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ ، كَمَا أَنَّ عِنْدَ الْقَوْمِ مِنَ اللَّهِ شَهَادَةً أَنَّ أَمْوَالَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ ، فَبِمَ اسْتَحَلُّوهَا ؟
2135 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : قَوْلُهُ : " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ " ، أَهْلُ الْكِتَابِ ، كَتَمُوا الْإِسْلَامَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ دِينُ اللَّهِ ، وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ : أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَهُودَ وَلَا نَصَارَى ، وَكَانَتِ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ بَعْدَ هَؤُلَاءِ بِزَمَانٍ .
وَإِنَّمَا عَنَى تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ، إِنِ ادَّعَوْا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَمَنْ سُمِّي مَعَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى ، تَبَيَّنَ لِأَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ هُمْ نُصَرَاءُهُمْ ، كَذِبُهُمْ وَادِّعَاءُهُمْ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْبَاطِلَ لِأَنَّ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ حَدَثَتْ بَعَدَهُمْ ، وَإِنْ هُمْ نَفَوْا عَنْهُمُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ ، قِيلَ لَهُمْ : فَهَلُمُّوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ ، فَإِنَّا وَأَنْتُمْ مُقِرُّونَ جَمِيعًا بِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى حَقٍّ ، وَنَحْنُ مُخْتَلِفُونَ فِيمَا خَالَفَ الدِّينَ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ " ، الْيَهُودَ فِي كِتْمَانِهِمْ أَمْرَ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتَهُ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَيَجِدُونَهُ فِي كُتُبِهِمْ . [3/126]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2136 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى " ، أُولَئِكَ أَهْلُ الْكِتَابِ كَتَمُوا الْإِسْلَامَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ دِينُ اللَّهِ ، وَاتَّخَذُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ ، وَكَتَمُوا مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ .
2137 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ " قَالَ : الشَّهَادَةُ ، النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي كَتَمُوا .
2138 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، نَحْوَ حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ مُعَاذٍ ، عَنْ يَزِيدَ .
2139 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ " قَالَ : هُمْ يَهُودُ ، يُسْأَلُونَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ صِفَتِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عِنْدَهُمْ ، فَيَكْتُمُونَ الصِّفَةَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي قُلْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ " ، فِي إِثْرِ قِصَّةِ مَنْ سَمَّى اللَّهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِ ، وَأَمَامَ قِصَّتِهِ لَهُمْ . فَأَوْلَى بِالَّذِي هُوَ بَيْنَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَصَصِهِمْ دُونَ غَيْرِهِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَأَيَّةُ شَهَادَةٍ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنَ اللَّهِ فِي أَمْرِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وَالْأَسْبَاطَ ؟ [3/127]قِيلَ : الشَّهَادَةُ الَّتِي عِنْدَهُمْ مِنَ اللَّهِ فِي أَمْرِهِمْ ، مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، وَأَمَرَهُمْ فِيهَا بِالِاسْتِنَانِ بِسُنَّتِهِمْ وَاتِّبَاعِ مِلَّتِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ . وَهِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي عِنْدَهُمْ مِنَ اللَّهِ الَّتِي كَتَمُوهَا ، حِينَ دَعَاهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْإِسْلَامِ ، فَقَالُوا لَهُ : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 111 ] ، وَقَالُوا لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ : " كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا " ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَاتِ ، فِي تَكْذِيبِهِمْ ، وَكِتْمَانِهِمُ الْحَقَّ ، وَافْتِرَائِهِمْ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْبَاطِلَ وَالزُّورَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 140 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : وَقُلْ - لِهَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، الَّذِينَ يُحَاجُّونَكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)- : " وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " ، مِنْ كِتْمَانِكُمُ الْحَقَّ فِيمَا أَلْزَمَكُمْ فِي كِتَابِهِ بَيَانَهُ لِلنَّاسِ مِنْ أَمْرِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وَالْأَسْبَاطِ فِي أَمْرِ الْإِسْلَامِ ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ، وَأَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ الدَّيْنُونَةُ بِهِ ، دُونَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمِلَلِ - وَلَا هُوَ سَاهٍ عَنْ عِقَابِكُمْ عَلَى فِعْلِكُمْ ذَلِكَ ، بَلْ هُوَ مُحْصٍ عَلَيْكُمْ حَتَّى يُجَازِيَكُمْ بِهِ مِنَ الْجَزَاءِ مَا أَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الْآخِرَةِ . فَجَازَاهُمْ عَاجِلًا فِي الدُّنْيَا ، بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ ، وَإِجْلَائِهِ عَنْ وَطَنِهِ وَدَارِهِ ، وَهُوَ مُجَازِيهِمْ فِي الْآخِرَةِ الْعَذَابَ الْمُهِينَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ وَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : " أَمْ تَقُولُونَ " بِ " التَّاءِ " . فَمَنْ قَرَأَ كَذَلِكَ ، فَتَأْوِيلُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ (نبي)- لِلْقَائِلِينَ لَكَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى : " كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا " - : أَتُجَادِلُونَنَا فِي اللَّهِ ، أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ؟ (نبي)فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ : " أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ " .
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْهُمَا : " أَمْ يَقُولُونَ " بِ " الْيَاءِ " . وَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجَّهَ قَوْلَهُ : " أَمْ يَقُولُونَ " إِلَى أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ مُسْتَأْنَفٌ ، كَقَوْلِهِ : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [ سُورَةُ السَّجْدَةِ : 3 ] ، وَكَمَا يُقَالُ : " إِنَّهَا لَإِبِلٌ أَمْ شَاءٌ " . وَإِنَّمَا جَعَلَهُ اسْتِفْهَامًا مُسْتَأْنَفًا ، لِمَجِيءِ خَبَرٍ مُسْتَأْنَفٍ ، كَمَا يُقَالُ : " أَتَقُومُ أَمْ يَقُومُ أَخُوكَ ؟ " فَيَصِيرُ قَوْلُهُ : " أَمْ يَقُومُ أَخُوكَ " خَبَرًا مُسْتَأْنِفًا لِجُمْلَةٍ لَيْسَتْ مِنَ الْأَوَّلِ وَاسْتِفْهَامًا [3/123]مُبْتَدَأً . وَلَوْ كَانَ نَسَقًا عَلَى الِاسْتِفْهَامِ الْأَوَّلِ ، لَكَانَ خَبَرًا عَنِ الْأَوَّلِ ، فَقِيلَ : " أَتَقُومُ أَمْ تَقْعُدُ ؟ "
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ ، إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ بِ " الْيَاءِ " ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي بَعْدَ " أَمْ " جُمْلَةً تَامَّةً ، فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ الْأَوَّلِ . لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : قِيلَ : أَيُّ هَذَيْنَ الْأَمْرَيْنِ كَائِنٌ ؟ هَذَا أَمْ هَذَا ؟
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ : " أَمْ تَقُولُونَ " " بِالتَّاءِ " دُونَ " الْيَاءِ " عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ : " قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا " ، بِمَعْنَى : أَيُّ هَذَيْنَ الْأَمْرَيْنِ تَفْعَلُونَ ؟ أَتُجَادِلُونَنَا فِي دِينِ اللَّهِ ، فَتَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ أَوْلَى مِنَّا وَأَهْدَى مِنَّا سَبِيلًا - وَأَمْرُنَا وَأَمْرُكُمْ مَا وَصَفْنَا ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَاهُ آنِفًا - أَمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ ، (نبي)وَمَنْ سَمَّى اللَّهُ ، كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى عَلَى مِلَّتِكُمْ ، فَيَصِحُّ لِلنَّاسِ بَهْتُكُمْ وَكَذِبُكُمْ ، لِأَنَّ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ حَدَثَتْ بَعْدَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِ . وَغَيْرُ جَائِزَةٍ قِرَاءَةُ ذَلِكَ بِ " الْيَاءِ " ، لِشُذُوذِهَا عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرَّاءِ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ أَيْضًا احْتِجَاجٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ قِصَصَهُمْ . يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ (نبي)- لِهَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى - : أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ ، وَتَزْعُمُونَ أَنَّ دِينَكُمْ أَفْضَلُ مِنْ دِينِنَا ، وَأَنَّكُمْ عَلَى هُدَى وَنَحْنُ عَلَى ضَلَالَةٍ ، بِبُرْهَانٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، فَتَدْعُونَنَا إِلَى دِينِكُمْ ؟ فَهَاتُوا بُرْهَانَكُمْ عَلَى ذَلِكَ فَنَتْبَعَكُمْ عَلَيْهِ ، أَمْ تَقُولُونَ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى عَلَى دِينِكُمْ ؟ فَهَاتُوا - عَلَى دَعْوَاكُمْ مَا ادَّعَيْتُمْ مِنْ ذَلِكَ - بُرْهَانًا فَنُصَدِّقَكُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَهُمْ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ . [3/124]
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ (نبي)- إِنِ ادَّعَوْا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى : أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ وَبِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَدْيَانِ ، أَمِ اللَّهُ ؟
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي : فَإِنْ زَعَمَتْ يَا مُحَمَّدُ (نبي)الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى - الَّذِينَ قَالُوا لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ : " كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى " ، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِنْهُمْ ؟ يَقُولُ : وَأَيُّ امْرِئٍ أَظْلَمُ مِنْهُمْ ؟ وَقَدْ كَتَمُوا شَهَادَةً عِنْدَهُمْ مِنَ اللَّهِ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا مُسْلِمِينَ ، فَكَتَمُوا ذَلِكَ ، وَنَحَلُوهُمُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ :
2132 - فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ " قَالَ : فِي قَوْلِ يَهُودَ لِإِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمَا ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَهُودَ أَوْ نَصَارَى . فَيَقُولُ اللَّهُ : لَا تَكْتُمُوا مِنِّي شَهَادَةً إِنْ كَانَتْ عِنْدَكُمْ فِيهِمْ . وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ .
2133 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ " ، فِي قَوْلِ الْيَهُودِ لِإِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمَا : إِنَّهُمْ كَانُوا يَهُودَ أَوْ نَصَارَى . فَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ : لَا تَكْتُمُوا مِنِّي الشَّهَادَةَ فِيهِمْ ، إِنْ كَانَتْ عِنْدَكُمْ فِيهِمْ . وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ . [3/125]
2134 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : " أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ " إِلَى قَوْلِهِ : " قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ " ، قَالَ الْحَسَنُ : وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ عِنْدَ الْقَوْمِ مِنَ اللَّهِ شَهَادَةٌ أَنَّ أَنْبِيَاءَهُ بُرَآءٌ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ ، كَمَا أَنَّ عِنْدَ الْقَوْمِ مِنَ اللَّهِ شَهَادَةً أَنَّ أَمْوَالَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ ، فَبِمَ اسْتَحَلُّوهَا ؟
2135 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : قَوْلُهُ : " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ " ، أَهْلُ الْكِتَابِ ، كَتَمُوا الْإِسْلَامَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ دِينُ اللَّهِ ، وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ : أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَهُودَ وَلَا نَصَارَى ، وَكَانَتِ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ بَعْدَ هَؤُلَاءِ بِزَمَانٍ .
وَإِنَّمَا عَنَى تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ، إِنِ ادَّعَوْا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَمَنْ سُمِّي مَعَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى ، تَبَيَّنَ لِأَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ هُمْ نُصَرَاءُهُمْ ، كَذِبُهُمْ وَادِّعَاءُهُمْ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْبَاطِلَ لِأَنَّ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ حَدَثَتْ بَعَدَهُمْ ، وَإِنْ هُمْ نَفَوْا عَنْهُمُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ ، قِيلَ لَهُمْ : فَهَلُمُّوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ ، فَإِنَّا وَأَنْتُمْ مُقِرُّونَ جَمِيعًا بِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى حَقٍّ ، وَنَحْنُ مُخْتَلِفُونَ فِيمَا خَالَفَ الدِّينَ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ " ، الْيَهُودَ فِي كِتْمَانِهِمْ أَمْرَ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتَهُ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَيَجِدُونَهُ فِي كُتُبِهِمْ . [3/126]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2136 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى " ، أُولَئِكَ أَهْلُ الْكِتَابِ كَتَمُوا الْإِسْلَامَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ دِينُ اللَّهِ ، وَاتَّخَذُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ ، وَكَتَمُوا مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ .
2137 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ " قَالَ : الشَّهَادَةُ ، النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي كَتَمُوا .
2138 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، نَحْوَ حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ مُعَاذٍ ، عَنْ يَزِيدَ .
2139 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ " قَالَ : هُمْ يَهُودُ ، يُسْأَلُونَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ صِفَتِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عِنْدَهُمْ ، فَيَكْتُمُونَ الصِّفَةَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي قُلْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ " ، فِي إِثْرِ قِصَّةِ مَنْ سَمَّى اللَّهُ مِنْ أَنْبِيَائِهِ ، وَأَمَامَ قِصَّتِهِ لَهُمْ . فَأَوْلَى بِالَّذِي هُوَ بَيْنَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَصَصِهِمْ دُونَ غَيْرِهِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَأَيَّةُ شَهَادَةٍ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنَ اللَّهِ فِي أَمْرِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وَالْأَسْبَاطَ ؟ [3/127]قِيلَ : الشَّهَادَةُ الَّتِي عِنْدَهُمْ مِنَ اللَّهِ فِي أَمْرِهِمْ ، مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، وَأَمَرَهُمْ فِيهَا بِالِاسْتِنَانِ بِسُنَّتِهِمْ وَاتِّبَاعِ مِلَّتِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ . وَهِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي عِنْدَهُمْ مِنَ اللَّهِ الَّتِي كَتَمُوهَا ، حِينَ دَعَاهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْإِسْلَامِ ، فَقَالُوا لَهُ : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 111 ] ، وَقَالُوا لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ : " كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا " ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَاتِ ، فِي تَكْذِيبِهِمْ ، وَكِتْمَانِهِمُ الْحَقَّ ، وَافْتِرَائِهِمْ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ الْبَاطِلَ وَالزُّورَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 140 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : وَقُلْ - لِهَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، الَّذِينَ يُحَاجُّونَكَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)- : " وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " ، مِنْ كِتْمَانِكُمُ الْحَقَّ فِيمَا أَلْزَمَكُمْ فِي كِتَابِهِ بَيَانَهُ لِلنَّاسِ مِنْ أَمْرِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وَالْأَسْبَاطِ فِي أَمْرِ الْإِسْلَامِ ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ، وَأَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ الدَّيْنُونَةُ بِهِ ، دُونَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمِلَلِ - وَلَا هُوَ سَاهٍ عَنْ عِقَابِكُمْ عَلَى فِعْلِكُمْ ذَلِكَ ، بَلْ هُوَ مُحْصٍ عَلَيْكُمْ حَتَّى يُجَازِيَكُمْ بِهِ مِنَ الْجَزَاءِ مَا أَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الْآخِرَةِ . فَجَازَاهُمْ عَاجِلًا فِي الدُّنْيَا ، بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ ، وَإِجْلَائِهِ عَنْ وَطَنِهِ وَدَارِهِ ، وَهُوَ مُجَازِيهِمْ فِي الْآخِرَةِ الْعَذَابَ الْمُهِينَ .