تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ . . . . "

ج 3
ص 120

الآية المفسَّرة

قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 3 · ص 120

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ( 139 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ " ، قُلْ يَا مُحَمَّدُ (نبي)لِمُعَاشِرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، الَّذِينَ قَالُوا لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ : " كُونُوا هُودًا [3/121]أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا " ، وَزَعَمُوا أَنَّ دِينَهُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِكُمْ ، وَكِتَابَهُمْ خَيْرٌ مِنْ كِتَابِكُمْ ، لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ كِتَابِكُمْ ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ : " أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ " ، بِيَدِهِ الْخَيْرَاتُ ، وَإِلَيْهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ ، وَالْجَزَاءُ عَلَى الْأَعْمَالِ - الْحَسَنَاتِ مِنْهَا وَالسَّيِّئَاتِ ، فَتَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ بِاللَّهِ أَوْلَى مِنَّا ، مِنْ أَجْلِ أَنْ نَبِيَّكُمْ قَبْلَ نَبِيِّنَا ، وَكِتَابَكُمْ قَبْلَ كِتَابِنَا ، وَرَبُّكُمْ وَرَبُّنَا وَاحِدٌ ، وَأَنَّ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَّا مَا عَمِلَ وَاكْتَسَبَ مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ وَسَيِّئهَا ، يُجَازَى [ عَلَيْهَا ] فَيُثَابُ أَوْ يُعَاقَبُ ، - لَا عَلَى الْأَنْسَابِ وَقِدَمِ الدِّينِ وَالْكِتَابِ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا " ، قُلْ أَتُخَاصِمُونَنَا وَتُجَادِلُونَنَا ؟ كَمَا -
2129 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ " ، قُلْ : أَتُخَاصِمُونَنَا ؟
2130 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا " ، أَتُخَاصِمُونَنَا ؟
2131 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " أَتُحَاجُّونَنَا " ، أَتُجَادِلُونَنَا ؟
فَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَنَحْنُ لِلَّهِ مُخْلِصُو الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ ، لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَلَا نَعْبُدُ غَيْرَهُ أَحَدًا ، كَمَا عَبَدَ أَهْلُ الْأَوْثَانِ مَعَهُ الْأَوْثَانَ ، وَأَصْحَابُ الْعِجْلِ مَعَهُ الْعَجَلَ .
وَهَذَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَوْبِيخٌ لِلْيَهُودِ ، وَاحْتِجَاجٌ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُولُوا - أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، لِلْيَهُودِ [3/122]وَالنَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا لَكُمْ : " كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا " - : " أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ " ؟ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " فِي اللَّهِ " ، فِي دِينِ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَنَا أَنْ نَدِينَهُ بِهِ ، وَرَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَاحِدٌ عَدْلٌ لَا يَجُورُ ، وَإِنَّمَا يُجَازِي الْعِبَادَ عَلَى مَا اكْتَسَبُوا . وَتَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنَّا ، لِقِدَمِ دِينِكُمْ وَكِتَابِكُمْ وَنَبِيِّكُمْ ، وَنَحْنُ مُخْلِصُونَ لَهُ الْعِبَادَةَ ، لَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا ، وَقَدْ أَشْرَكْتُمْ فِي عِبَادَتِكُمْ إِيَّاهُ ، فَعَبَدَ بَعْضُكُمُ الْعِجْلَ ، وَبَعْضُكُمُ الْمَسِيحَ ، فَأَنَّى تَكُونُونَ خَيْرًا مِنَّا ، وَأَوْلَى بِاللَّهِ مِنَّا ؟