تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ "

ج 3
ص 117

الآية المفسَّرة

صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 3 · ص 117

النص

[3/117]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ( 138 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنيِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِ " الصِّبْغَةِ " : صِبْغَةَ الْإِسْلَامِ . وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تُنَصِّرَ أَطْفَالَهُمْ ، جَعَلَتْهُمْ فِي مَاءٍ لَهُمْ تَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ لَهَا تَقْدِيسٌ ، بِمَنْزِلَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ ، وَأَنَّهُ صِبْغَةٌ لَهُمْ فِي النَّصْرَانِيَّةِ .
فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ - إِذْ قَالُوا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ : " كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا " - : قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ (نبي): أَيُّهَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، بَلِ اتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ، (نبي)صِبْغَةَ اللَّهِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الصِّبَغِ ، فَإِنَّهَا هِيَ الْحَنِيفِيَّةُ الْمُسْلِمَةُ ، وَدَعُوا الشِّرْكَ بِاللَّهِ ، وَالضَّلَالَ عَنْ مَحَجَّةِ هُدَاهُ .
وَنَصَبَ " الصِّبْغَةَ " مَنْ قَرَأَهَا نَصْبًا عَلَى الرَّدِّ عَلَى " الْمِلَّةِ " . وَكَذَلِكَ رَفَعَ " الصِّبْغَةَ " مَنْ رَفَعَ " الْمِلَّةَ " ، عَلَى رَدِّهَا عَلَيْهَا .
وَقَدْ يَجُوزُ رَفْعُهَا عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ . وَذَلِكَ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، بِمَعْنَى : هِيَ صِبْغَةُ اللَّهِ .
وَقَدْ يَجُوزُ نَصْبُهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الرَّدِّ عَلَى " الْمِلَّةِ " ، وَلَكِنْ عَلَى قَوْلِهِ : " قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ " إِلَى قَوْلِهِ " وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " ، " صِبْغَةَ اللَّهِ " ، بِمَعْنَى : آمَنَّا هَذَا الْإِيمَانَ ، فَيَكُونُ الْإِيمَانُ حِينَئِذٍ هُوَ صِبْغَةَ اللَّهِ .
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ " الصِّبْغَةِ " قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2113 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : [3/118]" صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً " إِنَّ الْيَهُودَ تَصْبُغُ أَبْنَاءَهَا يَهُودَ ، وَالنَّصَارَى تَصْبُغُ أَبْنَاءَهَا نَصَارَى ، وَأَنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ، فَلَا صِبْغَةَ أَحْسَنُ مِنَ الْإِسْلَامِ ، وَلَا أَطْهَرُ ، وَهُوَ دِينُ اللَّهِ بَعَثَ بِهِ نُوحًا وَالْأَنْبِيَاءَ بَعْدَهُ .
2114 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ عَطَاءٌ : " صِبْغَةَ اللَّهِ " صَبَغَتِ الْيَهُودُ أَبْنَاءَهُمْ خَالَفُوا الْفِطْرَةَ .

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " صِبْغَةَ اللَّهِ " . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : دِينَ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2115 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " صِبْغَةَ اللَّهِ " قَالَ : دِينَ اللَّهِ .
2116 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : " صِبْغَةَ اللَّهِ " قَالَ : دِينَ اللَّهِ ، " وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً " ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ دِينًا .
2117 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ .
2118 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
2119 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
2120 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
2121 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ قَوْلُهُ : " صِبْغَةَ اللَّهِ " قَالَ : دِينَ اللَّهِ . [3/119]
2122 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً " ، يَقُولُ : دِينَ اللَّهِ ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ دِينًا .
2123 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " صِبْغَةَ اللَّهِ " قَالَ : دِينَ اللَّهِ .
2124 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " صِبْغَةَ اللَّهِ " قَالَ : دِينَ اللَّهِ .
2125 - حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ زَيْدٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : " صِبْغَةَ اللَّهِ " ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ .
وَقَالَ أَخَرُونَ : " صِبْغَةَ اللَّهِ " فِطْرَةَ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2126 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " صِبْغَةَ اللَّهِ " قَالَ : فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا .
2127 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً " قَالَ : الصِّبْغَةُ ، الْفِطْرَةُ .
2128 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : " صِبْغَةَ اللَّهِ " ، الْإِسْلَامَ ، فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ لِي عبدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ : " صِبْغَةَ اللَّهِ " قَالَ : دِينَ اللَّهِ ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ دِينًا . قَالَ : هِيَ فِطْرَةُ اللَّهِ . [3/120]
وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ ، فَوَجَّهَ " الصِّبْغَةَ " إِلَى الْفِطْرَةِ ، فَمَعْنَاهُ : بَلْ نَتَّبِعُ فِطْرَةَ اللَّهِ وَمِلَّتَهُ الَّتِي خَلَقَ عَلَيْهَا خَلْقَهُ ، وَذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ . مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 14 ] . بِمَعْنَى خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ( 138 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : " وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ " ، أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَهُ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، الَّذِينَ قَالُوا لَهُ وَلِمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ : " كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى " . فَقَالَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ بَلْ نَتْبَعُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)حَنِيفًا ، صِبْغَةَ اللَّهِ ، وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ . يَعْنِي : مِلَّةَ الْخَاضِعِينَ لِلَّهِ الْمُسْتَكِينِينَ لَهُ ، فِي اتِّبَاعِنَا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ، وَديْنُونَتِنَا لَهُ بِذَلِكَ ، غَيْرَ مُسْتَكْبِرِينَ فِي اتِّبَاعِ أَمْرِهِ ، وَالْإِقْرَارِ بِرِسَالَتِهِ رُسُلَهُ ، كَمَا اسْتَكْبَرَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، فَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِكْبَارًا وَبَغْيًا وَحَسَدًا .