النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ( 137 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ " ، فَإِنْ صَدَّقَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِاللَّهِ ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وَالْأَسْبَاطِ ، وَمَا أُوتِيَ مُوسَى (نبي)وَعِيسَى (نبي)، وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَأَقَرُّوا بِذَلِكَ ، مِثْلَ مَا صَدَّقْتُمْ أَنْتُمْ بِهِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَأَقْرَرْتُمْ ، فَقَدْ وُفِّقُوا ورَشِدوا ، وَلَزِمُوا طَرِيقَ الْحَقِّ ، وَاهْتَدَوْا ، وَهُمْ حِينَئِذٍ مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنْهُمْ ، بِدُخُولِهِمْ فِي مِلَّتِكُمْ بِإِقْرَارِهِمْ بِذَلِكَ .
فَدَلَّ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ عَمَلًا إِلَّا بِالْإِيمَانِ بِهَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي عَدَّهَا قَبْلَهَا ، كَمَا : -
2108 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : " فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا " وَنَحْوُ هَذَا ، قَالَ : أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى ، وَأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ عَمَلًا إِلَّا بِهِ ، وَلَا تَحْرُمُ الْجَنَّةُ إِلَّا عَلَى مَنْ تَرَكَهُ . [3/114]
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةٌ ، جَاءَتْ مَصَاحِفُ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِهَا ، وَأَجْمَعَتْ قَرَأَةُ الْقُرْآنِ عَلَى تَرْكِهَا . وَذَلِكَ مَا : -
2109 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا تَقُولُوا : " فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا " - فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ مِثْلٌ - وَلَكِنْ قُولُوا : " فَإِنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا " - أَوْ قَالَ : " فَإِنْ آمَنُوا بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ " .
فَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً عَنْهُ - يُوَجِّهُ تَأْوِيلَ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : " فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ " ، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ اللَّهِ ، وَبِمِثْلِ مَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي). وَذَلِكَ إِذَا صُرِفَ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ ، شِرْكٌ لَا شَكَّ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ . لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لِلَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، فَنُؤْمِنُ أَوْ نَكْفُرُ بِهِ .
وَلَكِنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي وَجَّهَ إِلَيْهِ تَأْوِيلَهُ . وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا وَصَفْنَا ، وَهُوَ : فَإِنْ صَدَّقُوا مِثْلَ تَصْدِيقِكُمْ بِمَا صَدَّقْتُمْ بِهِ - مِنْ جَمِيعِ مَا عَدَدْنَا عَلَيْكُمْ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ - فَقَدِ اهْتَدَوْا . فَالتَّشْبِيهُ إِنَّمَا وَقَعَ بَيْنَ التَّصْدِيقَيْنِ وَالْإِقْرَارَيْنِ اللَّذَيْنِ هَمَّا إِيمَانُ هَؤُلَاءِ وَإِيمَانُ هَؤُلَاءِ . كَقَوْلِ الْقَائِلِ : " مَرَّ عَمْرٌو بِأَخِيكَ مِثْلَ مَا مَرَرْتُ بِهِ " ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَرَّ عَمْرٌو بِأَخِيكَ مِثْلَ مُرُورِي بِهِ . وَالتَّمْثِيلُ إِنَّمَا دَخَلَ تَمْثِيلًا بَيْنَ الْمُرُورَيْنِ ، لَا بَيْنَ عَمْرٍو وَبَيْنَ الْمُتَكَلِّمِ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ " ، إِنَّمَا وَقَعَ التَّمْثِيلُ بَيْنَ الْإِيمَانَيْنِ ، لَا بَيْنَ الْمُؤْمَنِ بِهِ .
[3/115]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَإِنْ تَوَلَّوْا " ، وَإِنْ تَوَلَّى - هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا لِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ : " كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى " - فَأَعْرَضُوا ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِمِثْلِ إِيمَانِكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ، وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ، وَابْتُعِثَتْ بِهِ الرُّسُلُ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ رُسُلِ اللَّهِ وَبَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ ، فَصَدَّقُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ فَاعْلَمُوا ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، أَنَّهُمْ إِنَّمَا هُمْ فِي عِصْيَانٍ وَفِرَاقٍ وَحَرْبٍ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلَكُمْ ، كَمَا : -
2110 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ " ، أَيْ : فِي فِرَاقٍ
2111 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ " ، يَعْنِي فِرَاقٍ .
2112 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ " قَالَ : الشِّقَاقُ : الْفِرَاقُ وَالْمُحَارَبَةُ . إِذَا شَاقَّ فَقَدْ حَارَبَ ، وَإِذَا حَارَبَ فَقَدْ شَاقَّ ، وَهْمًا وَاحِدٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَقَرَأَ : وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 115 ] .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَصْلُ " الشِّقَاقِ " عِنْدَنَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " شَقَّ عَلَيْهِ هَذَا الْأَمْرُ " ، إِذَا كَرَبَهُ وَآذَاهُ . ثُمَّ قِيلَ : " شَاقَّ فُلَانٌ فُلَانًا " ، بِمَعْنَى : نَالَ [3/116]كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مَا كَرَبَهُ وَآذَاهُ ، وَأَثْقَلَتْهُ مَسَاءَتُهُ . وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 35 ] بِمَعْنَى : فِرَاقَ بَيْنِهِمَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 137 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ " ، فَسَيَكْفِيكَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ : " كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا " ، مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، إِنْ هُمْ تَوَلَّوْا عَنْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمِثْلِ إِيمَانِ أَصْحَابِكَ بِاللَّهِ ، وَبِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرِهِمْ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ - إِمَّا بِقَتْلِ السَّيْفِ ، وَإِمَّا بِجَلَاءٍ عَنْ جِوَارِكَ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُوبَاتِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ " السَّمِيعُ " لِمَا يَقُولُونَ لَكَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَيُبْدُونَ لَكَ بِأَفْوَاهِهِمْ ، مِنَ الْجَهْلِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْكُفْرِ وَالْمِلَلِ الضَّالَّةِ - " الْعَلِيمُ " بِمَا يُبْطِنُونَ لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْحَسَدِ وَالْبَغْضَاءِ .
فَفَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ عَاجِلًا وَأَنْجَزَ وَعْدَهُ ، فَكَفَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَسْلِيطِهِ إِيَّاهُ عَلَيْهِمْ ، حَتَّى قَتَلَ بَعْضَهُمْ ، وَأَجْلَى بَعْضًا ، وَأَذَلَّ بَعْضًا وَأَخْزَاهُ بِالْجِزْيَةِ وَالصَّغَارِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ " ، فَإِنْ صَدَّقَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِاللَّهِ ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وَالْأَسْبَاطِ ، وَمَا أُوتِيَ مُوسَى (نبي)وَعِيسَى (نبي)، وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَأَقَرُّوا بِذَلِكَ ، مِثْلَ مَا صَدَّقْتُمْ أَنْتُمْ بِهِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَأَقْرَرْتُمْ ، فَقَدْ وُفِّقُوا ورَشِدوا ، وَلَزِمُوا طَرِيقَ الْحَقِّ ، وَاهْتَدَوْا ، وَهُمْ حِينَئِذٍ مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنْهُمْ ، بِدُخُولِهِمْ فِي مِلَّتِكُمْ بِإِقْرَارِهِمْ بِذَلِكَ .
فَدَلَّ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ عَمَلًا إِلَّا بِالْإِيمَانِ بِهَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي عَدَّهَا قَبْلَهَا ، كَمَا : -
2108 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : " فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا " وَنَحْوُ هَذَا ، قَالَ : أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى ، وَأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ عَمَلًا إِلَّا بِهِ ، وَلَا تَحْرُمُ الْجَنَّةُ إِلَّا عَلَى مَنْ تَرَكَهُ . [3/114]
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةٌ ، جَاءَتْ مَصَاحِفُ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِهَا ، وَأَجْمَعَتْ قَرَأَةُ الْقُرْآنِ عَلَى تَرْكِهَا . وَذَلِكَ مَا : -
2109 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا تَقُولُوا : " فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا " - فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ مِثْلٌ - وَلَكِنْ قُولُوا : " فَإِنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا " - أَوْ قَالَ : " فَإِنْ آمَنُوا بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ " .
فَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً عَنْهُ - يُوَجِّهُ تَأْوِيلَ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : " فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ " ، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ اللَّهِ ، وَبِمِثْلِ مَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي). وَذَلِكَ إِذَا صُرِفَ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ ، شِرْكٌ لَا شَكَّ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ . لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لِلَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، فَنُؤْمِنُ أَوْ نَكْفُرُ بِهِ .
وَلَكِنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي وَجَّهَ إِلَيْهِ تَأْوِيلَهُ . وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا وَصَفْنَا ، وَهُوَ : فَإِنْ صَدَّقُوا مِثْلَ تَصْدِيقِكُمْ بِمَا صَدَّقْتُمْ بِهِ - مِنْ جَمِيعِ مَا عَدَدْنَا عَلَيْكُمْ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ - فَقَدِ اهْتَدَوْا . فَالتَّشْبِيهُ إِنَّمَا وَقَعَ بَيْنَ التَّصْدِيقَيْنِ وَالْإِقْرَارَيْنِ اللَّذَيْنِ هَمَّا إِيمَانُ هَؤُلَاءِ وَإِيمَانُ هَؤُلَاءِ . كَقَوْلِ الْقَائِلِ : " مَرَّ عَمْرٌو بِأَخِيكَ مِثْلَ مَا مَرَرْتُ بِهِ " ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَرَّ عَمْرٌو بِأَخِيكَ مِثْلَ مُرُورِي بِهِ . وَالتَّمْثِيلُ إِنَّمَا دَخَلَ تَمْثِيلًا بَيْنَ الْمُرُورَيْنِ ، لَا بَيْنَ عَمْرٍو وَبَيْنَ الْمُتَكَلِّمِ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ " ، إِنَّمَا وَقَعَ التَّمْثِيلُ بَيْنَ الْإِيمَانَيْنِ ، لَا بَيْنَ الْمُؤْمَنِ بِهِ .
[3/115]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَإِنْ تَوَلَّوْا " ، وَإِنْ تَوَلَّى - هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا لِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ : " كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى " - فَأَعْرَضُوا ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِمِثْلِ إِيمَانِكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ، وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ، وَابْتُعِثَتْ بِهِ الرُّسُلُ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ رُسُلِ اللَّهِ وَبَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ ، فَصَدَّقُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ فَاعْلَمُوا ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، أَنَّهُمْ إِنَّمَا هُمْ فِي عِصْيَانٍ وَفِرَاقٍ وَحَرْبٍ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلَكُمْ ، كَمَا : -
2110 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " وَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ " ، أَيْ : فِي فِرَاقٍ
2111 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ " ، يَعْنِي فِرَاقٍ .
2112 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ " قَالَ : الشِّقَاقُ : الْفِرَاقُ وَالْمُحَارَبَةُ . إِذَا شَاقَّ فَقَدْ حَارَبَ ، وَإِذَا حَارَبَ فَقَدْ شَاقَّ ، وَهْمًا وَاحِدٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَقَرَأَ : وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 115 ] .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَصْلُ " الشِّقَاقِ " عِنْدَنَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " شَقَّ عَلَيْهِ هَذَا الْأَمْرُ " ، إِذَا كَرَبَهُ وَآذَاهُ . ثُمَّ قِيلَ : " شَاقَّ فُلَانٌ فُلَانًا " ، بِمَعْنَى : نَالَ [3/116]كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مَا كَرَبَهُ وَآذَاهُ ، وَأَثْقَلَتْهُ مَسَاءَتُهُ . وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 35 ] بِمَعْنَى : فِرَاقَ بَيْنِهِمَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 137 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ " ، فَسَيَكْفِيكَ اللَّهُ يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ : " كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا " ، مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، إِنْ هُمْ تَوَلَّوْا عَنْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمِثْلِ إِيمَانِ أَصْحَابِكَ بِاللَّهِ ، وَبِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ، وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرِهِمْ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ - إِمَّا بِقَتْلِ السَّيْفِ ، وَإِمَّا بِجَلَاءٍ عَنْ جِوَارِكَ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُوبَاتِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ " السَّمِيعُ " لِمَا يَقُولُونَ لَكَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ، وَيُبْدُونَ لَكَ بِأَفْوَاهِهِمْ ، مِنَ الْجَهْلِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْكُفْرِ وَالْمِلَلِ الضَّالَّةِ - " الْعَلِيمُ " بِمَا يُبْطِنُونَ لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْحَسَدِ وَالْبَغْضَاءِ .
فَفَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ عَاجِلًا وَأَنْجَزَ وَعْدَهُ ، فَكَفَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَسْلِيطِهِ إِيَّاهُ عَلَيْهِمْ ، حَتَّى قَتَلَ بَعْضَهُمْ ، وَأَجْلَى بَعْضًا ، وَأَذَلَّ بَعْضًا وَأَخْزَاهُ بِالْجِزْيَةِ وَالصَّغَارِ .