تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ . . . . "

ج 3
ص 100

الآية المفسَّرة

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 3 · ص 100

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 134 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ . بِقَوْلِهِ : " تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ " ، إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وَوَلَدَهُمْ .
يَقُولُ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، دَعُوا ذِكْرَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ (نبي)وَيَعْقُوبَ (نبي)وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ بِغَيْرِ مَا هُمْ أَهْلُهُ ، وَلَا تَنْحَلُوهُمْ كُفْرَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ ، فَتُضِيفُونَهَا إِلَيْهِمْ ، فَإِنَّهُمْ أُمَّةٌ - وَيَعْنِي : بِ " الْأُمَّةِ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْجَمَاعَةَ وَالْقَرْنَ مِنَ النَّاسِ - قَدْ خَلَتْ : مَضَتْ لِسَبِيلِهَا .
وَإِنَّمَا قِيلَ لِلَّذِي قَدْ مَاتَ فَذَهَبَ : " قَدْ خَلَا " ، لِتَخَلِّيهِ مِنَ الدُّنْيَا وَانْفِرَادِهِ ، عَمَّا كَانَ مِنَ الْأُنْسِ بِأَهْلِهِ وَقُرَنَائِهِ فِي دُنْيَاهُ .
وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ : " خَلَا الرَّجُلُ " ، إِذَا صَارَ بِالْمَكَانِ الَّذِي لَا أَنِيسَ لَهُ فِيهِ ، وَانْفَرَدَ مِنَ النَّاسِ . فَاسْتُعْمِلَ ذَلِكَ فِي الَّذِي يَمُوتُ ، عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى : إِنَّ لِمَنْ نَحَلْتُمُوهُ - ضَلَالَكُمْ وَكُفْرَكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ - مِنْ أَنْبِيَائِي وَرُسُلِي ، مَا كَسَبَ . [3/101]
" وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ " فِي قَوْلِهِ : " لَهَا " ، عَائِدَةٌ إِنْ شِئْتَ عَلَى " تِلْكَ " ، وَإِنْ شِئْتَ عَلَى " الْأُمَّةِ " .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " لَهَا مَا كَسَبَتْ " ، أَيْ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ ، وَلَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِثْلُ ذَلِكَ مَا عَمِلْتُمْ ، وَلَا تُؤَاخَذُونَ أَنْتُمْ - أَيُّهَا النَّاحِلُونَ مَا نَحَلْتُمُوهُمْ مِنَ الْمِلَلِ - فَتُسْأَلُوا عَمَّا كَانَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)وَإِسْحَاقُ (نبي)وَيَعْقُوبُ (نبي)وَوَلَدُهُمْ يَعْمَلُونَ . فَيَكْسِبُونَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ، لِأَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ . فَدَعُوا انْتِحَالَهُمْ وَانْتِحَالَ مِلَلِهِمْ ، فَإِنَّ الدَّعَاوَى غَيْرُ مُغْنِيَتِكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا يُغْنِي عَنْكُمْ عِنْدَهُ مَا سَلَفَ لَكُمْ مِنْ صَالِحِ أَعْمَالِكُمْ ، إِنْ كُنْتُمْ عَمِلْتُمُوهَا وَقَدَّمْتُمُوهَا .