تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ "

ج 3
ص 97

الآية المفسَّرة

أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 3 · ص 97

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ ( 133 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ " ، أَكُنْتُمْ . وَلَكِنَّهُ اسْتَفْهَمَ بِ " أَمْ " ، إِذْ كَانَ اسْتِفْهَامًا مُسْتَأْنَفًا عَلَى كَلَامٍ قَدْ سَبَقَهُ ، كَمَا قِيلَ : الم تَنْـزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [ سُورَةُ السَّجْدَةِ : 1 - 3 ] وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي كُلِّ اسْتِفْهَامٍ ابْتَدَأَتْهُ بَعْدَ كَلَامٍ قَدْ سَبَقَهُ ، تَسْتَفْهِمُ فِيهِ بِ " أَمْ " .
" وَالشُّهَدَاءُ " جَمْعُ " شَهِيدٍ " ، كَمَا " الشُّرَكَاءُ " جَمْعُ " شَرِيكٍ " وَ " الْخُصَمَاءُ " جَمْعُ " خَصِيمٍ " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : أَكُنْتُمْ - يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، الْمُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الْجَاحِدِينَ نُبُوَّتَهُ - ، حُضُورَ يَعْقُوبَ (نبي)وَشُهُودَهُ إِذْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ ، أَيْ إِنَّكُمْ لَمْ تَحْضُرُوا ذَلِكَ ، فَلَا تَدَّعُوا عَلَى أَنْبِيَائِي وَرُسُلِي الْأَبَاطِيلَ ، وَتَنْحِلُوهُمُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ ، فَإِنِّي ابْتَعَثْتُ خَلِيلِيَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)- وَوَلَدَهُ إِسْحَاقَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَذُرِّيَّتَهُمْ - بِالْحَنِيفِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ ، وَبِذَلِكَ وَصَّوْا بَنِيهِمْ ، وَبِهِ عَهِدُوا إِلَى أَوْلَادِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ . فَلَوْ حَضَرْتُمُوهُمْ [3/98]فَسَمِعْتُمْ مِنْهُمْ ، عَلِمْتُمْ أَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ مَا نَحِلْتُمُوهُمْ مِنَ الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ مِنْ بَعْدِهِمْ .
وَهَذِهِ آيَاتٌ نَزَلَتْ ، تَكْذِيبًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي دَعْوَاهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَوَلَدِهِ يَعْقُوبَ (نبي): أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مِلَّتِهِمْ ، فَقَالَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : " أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ " ، فَتَعْلَمُوا مَا قَالَ لِوَلَدِهِ وَقَالَ لَهُ وَلَدُهُ ؟ ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ مَا قَالَ لَهُمْ وَمَا قَالُوا لَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2088 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلُهُ : " أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ " ، يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 133 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ " ، إِذْ قَالَ يَعْقُوبُ (نبي)لِبَنِيهِ " .
وَ " إِذْ " هَذِهِ مُكَرَّرَةٌ إِبْدَالًا مِنْ " إِذِ " الْأَوْلَى ، بِمَعْنَى : أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ يَعْقُوبَ ، (نبي)إِذْ قَالَ يَعْقُوبُ (نبي)لِبَنِيهِ حِينَ حُضُورِ مَوْتِهِ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي " - أَيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَ " مِنْ بَعْدِي " ؟ أَيْ مِنْ بَعْدِ وَفَاتِي ؟ قَالُوا : " نَعْبُدُ إِلَهَكَ " ، يَعْنِي بِهِ : قَالَ بَنُوهُ لَهُ : نَعْبُدُ مَعْبُودَكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ ، وَمَعْبُودَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ ، (نبي)" إِلَهًا وَاحِدًا " أَيْ : [3/99]نُخْلِصُ لَهُ الْعِبَادَةَ ، وَنُوَحِّدُ لَهُ الرُّبُوبِيَّةَ ، فَلَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَلَا نَتَّخِذُ دُونَهُ رَبًّا .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " ، وَنَحْنُ لَهُ خَاضِعُونَ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالطَّاعَةِ .
وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ : " وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ " ، أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْحَالِ ، كَأَنَّهُمْ قَالُوا : نَعْبُدُ إِلَهَكَ مُسْلِمِينَ لَهُ بِطَاعَتِنَا وَعِبَادَتِنَا إِيَّاهُ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى : نَعْبُدُ إِلَهَكَ بَعْدَكَ ، وَنَحْنُ لَهُ الْآنَ وَفِي كُلِّ حَالٍ مُسْلِمُونَ .
وَأَحْسَنُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ - فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ - أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْحَالِ ، وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى : نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَإِسْحَاقَ ، (نبي)مُسْلِمِينَ لِعِبَادَتِهِ .
وَقِيلَ : إِنَّمَا قُدِّمَ ذِكْرُ إِسْمَاعِيلَ (نبي)عَلَى إِسْحَاقَ ، (نبي)لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ (نبي)كَانَ أَسَنَّ مِنْ إِسْحَاقَ (نبي).
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2089 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ " قَالَ : يُقَالُ : بَدَأَ بِإِسْمَاعِيلَ (نبي)لِأَنَّهُ أَكْبَرُ .
وَقَرَأَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ : " وَإِلَهَ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ " ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ ، (نبي)إِذْ كَانَ عَمَّا لِيَعْقُوبَ (نبي)، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَنْ تُرْجِمَ بِهِ عَنِ الْآبَاءِ ، وَدَاخِلًا فِي عِدَادِهِمْ . وَذَلِكَ مِنْ قَارِئِهِ كَذَلِكَ ، قِلَّةُ عَلِمٍ مِنْهُ بِمَجَارِي كَلَامِ الْعَرَبِ . وَالْعَرَبُ لَا تَمْتَنِعُ مِنْ أَنْ تَجْعَلَ الْأَعْمَامَ بِمَعْنَى الْآبَاءِ ، وَالْأَخْوَالَ بِمَعْنَى الْأُمَّهَاتِ . فَلِذَلِكَ دَخَلَ إِسْمَاعِيلُ (نبي)فِي مَنْ تُرْجِمُ بِهِ عَنِ الْآبَاءِ . وَإِبْرَاهِيمُ (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)وَإِسْحَاقُ ، (نبي)تَرْجَمَةٌ عَنِ الْآبَاءِ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ ، وَلَكِنَّهُمْ نُصِبُوا بِأَنَّهُمْ لَا يُجَرُّونَ .
[3/100]وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ : " وَإِلَهَ آبَائِكَ " ، لِإِجْمَاعِ الْقُرَّاءِ عَلَى تَصْوِيبِ ذَلِكَ ، وَشُذُوذِ مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْقُرَّاءِ مِمَّنْ قَرَأَ خِلَافَ ذَلِكَ .
وَنُصِبَ قَوْلُهُ : " إِلَهًا " ، عَلَى الْحَالِ مِنْ قَوْلِهِ : " إِلَهَكَ "