النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ( 132 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَوَصَّى بِهَا " ، وَوَصَّى بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ . عَنَى بِ " الْكَلِمَةِ " قَوْلَهُ " أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " ، وَهِيَ " الْإِسْلَامُ " [3/94]الَّذِي أَمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ إِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ وَالتَّوْحِيدِ لِلَّهِ ، وَخُضُوعُ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ لَهُ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ (نبي)بَنِيهِ " ، عَهِدَ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَيَعْقُوبُ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَوَصَّى بِذَلِكَ أَيْضًا يَعْقُوبُ بَنِيهِ ، كَمَا : -
2086 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ (نبي)بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ " ، يَقُولُ : وَوَصَّى بِهَا يَعْقُوبُ (نبي)بَنِيهِ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ (نبي).
2087 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ " ، وَصَّاهُمْ بِالْإِسْلَامِ ، وَوَصَّى يَعْقُوبُ (نبي)بِمِثْلِ ذَلِكَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَوْلُهُ : وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ، خَبَرٌ مُنْقَضٍ . وَقَوْلُهُ : " وَيَعْقُوبُ (نبي)" خَبَرُ مُبْتَدَأٍ . فَإِنَّهُ قَالَ : " وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ " . بِأَنْ يَقُولُوا : أَسْلَمْنَا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ - وَوَصَّى يَعْقُوبُ (نبي)بَنِيهِ : أَنْ : " يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ " .
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . لِأَنَّ الَّذِي أَوْصَى بِهِ يَعْقُوبُ (نبي)بَنِيهِ ، نَظِيرُ الَّذِي أَوْصَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ (نبي)بَنِيهِ : مِنَ الْحَثِّ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَالْخُضُوعِ لَهُ ، وَالْإِسْلَامِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ : مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ : وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ (نبي)بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ (نبي): أَنْ " يَا بَنِيَّ " - فَمَا بَالُ " أَنْ " مَحْذُوفَةٌ مِنَ الْكَلَامِ ؟
قِيلَ : لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ قَوْلٌ ، فَحُمِلَتْ عَلَى مَعْنَاهَا . وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَاءَ بِلَفْظِ [3/95]الْقَوْلِ ، لَمْ تَحْسُنْ مَعَهُ " أَنْ " ، وَإِنَّمَا كَانَ يُقَالُ : وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)لِبَنِيهِ وَيَعْقُوبُ : " يَا بَنِيَّ " . فَلَمَّا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ قَوْلًا حُمِلَتْ عَلَى مَعْنَاهَا دُونَ لَفْظِهَا ، فَحُذِفَتْ " أَنِ " الَّتِي تَحْسُنُ مَعَهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 11 ] ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
إِنِّي سَأُبْدِي لَكَ فِيمَا أُبْدِيَ لِي شَجَنَانِ شَجْنٌ بِنَجْدِ وَشَجَنٌ لِي بِبِلَادِ السِّنْدِ
فَحُذِفَتْ " أَنْ " ، إِذْ كَانَ الْإِبْدَاءُ بِاللِّسَانِ فِي الْمَعْنَى قَوْلًا فَحَمَلَهُ عَلَى مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ : إِنَّمَا حُذِفَتْ " أَنْ " مِنْ قَوْلِهِ : " وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ " ، اكْتِفَاءً بِالنِّدَاءِ - يَعْنِي بِالنِّدَاءِ قَوْلَهُ : " يَا بَنِيَّ " وَزَعَمَ أَنَّ عِلَّتَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ الِاكْتِفَاءَ بِالْأَدَوَاتِ عَنْ " أَنْ " ، كَقَوْلِهِمْ : " نَادَيْتُ هَلْ قُمْتَ ؟ - وَنَادَيْتُ أَيْنَ زِيدٌ ؟ " . قَالَ : وَرُبَّمَا أَدْخَلُوهَا مَعَ الْأَدَوَاتِ . فَقَالُوا : " نَادَيْتُ ، أَنْ هَلْ قُمْتَ ؟ " .
[3/96]وَقَدْ قَرَأَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقَرَأَةِ : " وَأَوْصَى بِهَا إِبْرَاهِيمُ " ، بِمَعْنَى : عَهِدَ .
وَأَمَّا مِنْ قَرَأَ " وَوَصَّى " مُشَدَّدَةً ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ عَهِدَ إِلَيْهِمْ عَهْدًا بَعْدَ عَهْدٍ ، وَأَوْصَى وَصِيَّةَ بَعْدً وَصِيَّةٍ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ " ، إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ لَكُمْ هَذَا الدِّينَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْكُمْ فِيهِ ، وَاجْتَبَاهُ لَكُمْ .
وَإِنَّمَا أَدْخَلَ " الْأَلِفَ وَاللَّامَ " فِي " الدِّينِ " ، لِأَنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا مِنْ وَلَدِهِمَا وَبَنِيهِمَا بِذَلِكَ ، كَانُوا قَدْ عَرَّفُوهُ بِوَصِيَّتِهِمَا إِيَّاهُمْ بِهِ ، وَعَهْدِهِمَا إِلَيْهِمْ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَا لَهُمْ - بَعْدَ أَنْ عَرَفَّاهُمُوهُ - : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ هَذَا الدِّينَ الَّذِي قَدْ عَهِدَ إِلَيْكُمْ فِيهِ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ أَنْ تَمُوتُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : أَوَإِلَى بَنِي آدَمَ (نبي)الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ ، فَيُنْهَى أَحَدُهُمْ أَنْ يَمُوتَ إِلَّا عَلَى حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ ؟
قِيلَ لَهُ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ظَنَنْتَ . وَإِنَّمَا مَعْنَى " فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ " ، أَيْ : فَلَا تُفَارِقُوا هَذَا الدِّينَ - وَهُوَ الْإِسْلَامُ - أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ . وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَدْرِي مَتَى تَأْتِيهِ مَنِيَّتُهُ ، فَلِذَلِكَ قَالَا لَهُمْ : " فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ [3/97]مُسْلِمُونَ " ، لِأَنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَتَى تَأْتِيكُمْ مَنَايَاكُمْ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ ، فَلَا تُفَارِقُوا الْإِسْلَامَ ، فَتَأْتِيَكُمْ مَنَايَاكُمْ وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ الدِّينِ الَّذِي اصْطَفَاهُ لَكُمْ رَبُّكُمْ فَتَمُوتُوا وَرَبُّكُمْ سَاخِطٌ عَلَيْكُمْ ، فَتَهْلَكُوا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَوَصَّى بِهَا " ، وَوَصَّى بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ . عَنَى بِ " الْكَلِمَةِ " قَوْلَهُ " أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " ، وَهِيَ " الْإِسْلَامُ " [3/94]الَّذِي أَمَرَ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ إِخْلَاصُ الْعِبَادَةِ وَالتَّوْحِيدِ لِلَّهِ ، وَخُضُوعُ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ لَهُ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ (نبي)بَنِيهِ " ، عَهِدَ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَيَعْقُوبُ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَوَصَّى بِذَلِكَ أَيْضًا يَعْقُوبُ بَنِيهِ ، كَمَا : -
2086 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ (نبي)بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ " ، يَقُولُ : وَوَصَّى بِهَا يَعْقُوبُ (نبي)بَنِيهِ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ (نبي).
2087 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ " ، وَصَّاهُمْ بِالْإِسْلَامِ ، وَوَصَّى يَعْقُوبُ (نبي)بِمِثْلِ ذَلِكَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَوْلُهُ : وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ، خَبَرٌ مُنْقَضٍ . وَقَوْلُهُ : " وَيَعْقُوبُ (نبي)" خَبَرُ مُبْتَدَأٍ . فَإِنَّهُ قَالَ : " وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ " . بِأَنْ يَقُولُوا : أَسْلَمْنَا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ - وَوَصَّى يَعْقُوبُ (نبي)بَنِيهِ : أَنْ : " يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ " .
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . لِأَنَّ الَّذِي أَوْصَى بِهِ يَعْقُوبُ (نبي)بَنِيهِ ، نَظِيرُ الَّذِي أَوْصَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ (نبي)بَنِيهِ : مِنَ الْحَثِّ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَالْخُضُوعِ لَهُ ، وَالْإِسْلَامِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ : مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ : وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ (نبي)بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ (نبي): أَنْ " يَا بَنِيَّ " - فَمَا بَالُ " أَنْ " مَحْذُوفَةٌ مِنَ الْكَلَامِ ؟
قِيلَ : لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ قَوْلٌ ، فَحُمِلَتْ عَلَى مَعْنَاهَا . وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَاءَ بِلَفْظِ [3/95]الْقَوْلِ ، لَمْ تَحْسُنْ مَعَهُ " أَنْ " ، وَإِنَّمَا كَانَ يُقَالُ : وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)لِبَنِيهِ وَيَعْقُوبُ : " يَا بَنِيَّ " . فَلَمَّا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ قَوْلًا حُمِلَتْ عَلَى مَعْنَاهَا دُونَ لَفْظِهَا ، فَحُذِفَتْ " أَنِ " الَّتِي تَحْسُنُ مَعَهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 11 ] ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
إِنِّي سَأُبْدِي لَكَ فِيمَا أُبْدِيَ لِي شَجَنَانِ شَجْنٌ بِنَجْدِ وَشَجَنٌ لِي بِبِلَادِ السِّنْدِ
فَحُذِفَتْ " أَنْ " ، إِذْ كَانَ الْإِبْدَاءُ بِاللِّسَانِ فِي الْمَعْنَى قَوْلًا فَحَمَلَهُ عَلَى مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ : إِنَّمَا حُذِفَتْ " أَنْ " مِنْ قَوْلِهِ : " وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ " ، اكْتِفَاءً بِالنِّدَاءِ - يَعْنِي بِالنِّدَاءِ قَوْلَهُ : " يَا بَنِيَّ " وَزَعَمَ أَنَّ عِلَّتَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ الِاكْتِفَاءَ بِالْأَدَوَاتِ عَنْ " أَنْ " ، كَقَوْلِهِمْ : " نَادَيْتُ هَلْ قُمْتَ ؟ - وَنَادَيْتُ أَيْنَ زِيدٌ ؟ " . قَالَ : وَرُبَّمَا أَدْخَلُوهَا مَعَ الْأَدَوَاتِ . فَقَالُوا : " نَادَيْتُ ، أَنْ هَلْ قُمْتَ ؟ " .
[3/96]وَقَدْ قَرَأَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقَرَأَةِ : " وَأَوْصَى بِهَا إِبْرَاهِيمُ " ، بِمَعْنَى : عَهِدَ .
وَأَمَّا مِنْ قَرَأَ " وَوَصَّى " مُشَدَّدَةً ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ عَهِدَ إِلَيْهِمْ عَهْدًا بَعْدَ عَهْدٍ ، وَأَوْصَى وَصِيَّةَ بَعْدً وَصِيَّةٍ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ " ، إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ لَكُمْ هَذَا الدِّينَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْكُمْ فِيهِ ، وَاجْتَبَاهُ لَكُمْ .
وَإِنَّمَا أَدْخَلَ " الْأَلِفَ وَاللَّامَ " فِي " الدِّينِ " ، لِأَنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا مِنْ وَلَدِهِمَا وَبَنِيهِمَا بِذَلِكَ ، كَانُوا قَدْ عَرَّفُوهُ بِوَصِيَّتِهِمَا إِيَّاهُمْ بِهِ ، وَعَهْدِهِمَا إِلَيْهِمْ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَا لَهُمْ - بَعْدَ أَنْ عَرَفَّاهُمُوهُ - : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ هَذَا الدِّينَ الَّذِي قَدْ عَهِدَ إِلَيْكُمْ فِيهِ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ أَنْ تَمُوتُوا إِلَّا وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 132 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : إِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : أَوَإِلَى بَنِي آدَمَ (نبي)الْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ ، فَيُنْهَى أَحَدُهُمْ أَنْ يَمُوتَ إِلَّا عَلَى حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ ؟
قِيلَ لَهُ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ظَنَنْتَ . وَإِنَّمَا مَعْنَى " فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ " ، أَيْ : فَلَا تُفَارِقُوا هَذَا الدِّينَ - وَهُوَ الْإِسْلَامُ - أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ . وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَدْرِي مَتَى تَأْتِيهِ مَنِيَّتُهُ ، فَلِذَلِكَ قَالَا لَهُمْ : " فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ [3/97]مُسْلِمُونَ " ، لِأَنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَتَى تَأْتِيكُمْ مَنَايَاكُمْ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ ، فَلَا تُفَارِقُوا الْإِسْلَامَ ، فَتَأْتِيَكُمْ مَنَايَاكُمْ وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ الدِّينِ الَّذِي اصْطَفَاهُ لَكُمْ رَبُّكُمْ فَتَمُوتُوا وَرَبُّكُمْ سَاخِطٌ عَلَيْكُمْ ، فَتَهْلَكُوا .