تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ "

ج 3
ص 92

الآية المفسَّرة

إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 3 · ص 92

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( 131 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ " ، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ : أَخْلِصْ لِيَ الْعِبَادَةَ ، وَاخْضَعْ لِي بِالطَّاعَةِ ، وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى " الْإِسْلَامِ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : " قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ مُجِيبًا لِرَبِّهِ : خَضَعْتُ بِالطَّاعَةِ ، وَأَخْلَصْتُ الْعِبَادَةَ ، لِمَالِكِ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ وَمُدَبِّرهَا دُونَ غَيْرِهِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ " إِذْ " وَقْتٌ ، فَمَا الَّذِي وُقِّتَ بِهِ ؟ وَمَا الَّذِي هُوَ لَهُ صِلَةٌ .
قِيلَ : هُوَ صِلَةٌ لِقَوْلِهِ : " وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا " . وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ، حِينَ قَالَ لَهُ رَبُّهُ : أَسْلِمْ . قَالَ : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حِينَ قُلْنَا لَهُ : أَسْلِمْ . قَالَ : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ . فَأَظْهَرَ اسْمَ " اللَّهِ " فِي قَوْلِهِ : " إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ " ، عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ [3/93]عَنْ غَائِبٍ ، وَقَدْ جَرَى ذِكْرُهُ قَبْلُ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْ نَفْسِهِ ، كَمَا قَالَ خُفَافُ بْنُ نَدْبَةَ :
أَقُولُ لَهُ - وَالرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنَهُ : تَأَمَّلْ خُفَافًا إِنَّنِي أَنَا ذَالِكَا
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَهَلْ دَعَا اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)إِلَى الْإِسْلَامِ ؟
قِيلَ لَهُ : نَعَمْ ، قَدْ دَعَاهُ إِلَيْهِ .
فَإِنْ قَالَ : وَفِي أَيِّ حَالٍ دَعَاهُ إِلَيْهِ ؟
قِيلَ حِينَ قَالَ : يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 78 - 79 ] ، وَذَلِكَ هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي قَالَ لَهُ رَبُّهُ : أَسْلِمْ - مِنْ بَعْدِ مَا امْتَحَنَهُ بِالْكَوَاكِبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ .