تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ "

ج 3
ص 89

الآية المفسَّرة

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 3 · ص 89

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ( 130 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ " ، وَأَيُّ النَّاسِ يَزْهَدُ فِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ، (نبي)وَيَتْرُكُهَا رَغْبَةً عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا ؟
وَإِنَّمَا عَنَى اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ، لِاخْتِيَارِهِمْ مَا اخْتَارُوا مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ عَلَى الْإِسْلَامِ . لِأَنَّ " مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)" هِيَ الْحَنِيفِيَّةُ الْمُسْلِمَةُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 67 ] ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُمْ : وَمَنْ يَزْهَدُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)الْحَنِيفِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ، كَمَا : -
2083 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ رَغِبَ عَنْ مِلَّتِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، وَاتَّخَذُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ ، بِدْعَةً لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ ، وَتَرَكُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)- يَعْنِي الْإِسْلَامَ - حَنِيفًا ؛ كَذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ (نبي).
2084 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ " قَالَ : رَغِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ، (نبي)وَابْتَدَعُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ ، وَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ ، وَتَرَكُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ (نبي): الْإِسْلَامَ .
[3/90]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ " ، إِلَّا مَنْ سَفِهَتْ نَفْسُهُ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ مَعْنَى " السَّفَهِ " ، الْجَهْلُ .
فَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَمَا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)الْحَنِيفِيَّةِ ، إِلَّا سَفِيهٌ جَاهِلٌ بِمَوْضِعِ حَظِّ نَفْسِهِ فِيمَا يَنْفَعُهَا ، وَيَضُرُّهَا فِي مَعَادِهَا ، كَمَا : -
2085 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ " قَالَ : إِلَّا مَنْ أَخْطَأَ حَظَّهُ .
وَإِنَّمَا نَصْبُ " النَّفْسِ " عَلَى مَعْنَى الْمُفَسِّرِ . ذَلِكَ أَنَّ " السَّفَهَ " فِي الْأَصْلِ لِلنَّفْسِ ، فَلَمَّا نُقِلَ إِلَى " مَنْ " ، نُصِبَتِ " النَّفْسُ " ، بِمَعْنَى التَّفْسِيرِ . كَمَا يُقَالُ : " هُوَ أَوْسَعُكُمْ دَارًا " ، فَتَدْخُلُ " الدَّارُ " فِي الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ السِّعَةَ فِيهَا ، لَا فِي الرَّجُلِ . فَكَذَلِكَ " النَّفْسُ " أُدْخِلَتْ لِأَنَّ السَّفَهَ لِلنَّفْسِ لَا لِ " مَنْ " . وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ : سَفِهَ أَخُوكَ . وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُفَسَّرَ بِالنَّفْسِ ، وَهِيَ مُضَافَةٌ إِلَى مَعْرِفَةٍ ، لِأَنَّهَا فِي تَأْوِيلِ نَكِرَةٍ .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : إِنَّ قَوْلَهُ : " سَفِهَ نَفْسَهُ " جَرَتْ مَجْرَى " سَفِهَ " إِذَا كَانَ الْفِعْلُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ ، وَإِنَّمَا عَدَّاهُ إِلَى " نَفْسِهِ " وَ " رَأْيِهِ " وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي الْمَعْنَى نَحْوَ " سَفِهَ " ، إِذَا هُوَ لَمَّ يَتَعَدَّ . فَأَمَّا " غَبِنَ " وَ " خَسِرَ " فَقَدْ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ ، يُقَالُ : " غَبِنَ خَمْسِينَ ، وَخَسِرَ خَمْسِينَ " .
[3/91]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا " ، وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَا إِبْرَاهِيمَ (نبي). وَ " الْهَاءُ " الَّتِي فِي قَوْلِهِ : " اصْطَفَيْنَاهُ " ، مِنْ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ (نبي).
وَ " الِاصْطِفَاءُ " " الِافْتِعَالُ " مِنَ " الصَّفْوَةِ " ، وَكَذَلِكَ " اصْطَفَيْنَا " " افْتَعَلْنَا " مِنْهُ ، صُيِّرَتْ تَاءُهَا طَاءً لِقُرْبِ مَخْرِجِهَا مِنْ مَخْرَجِ الصَّادِ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " اصْطَفَيْنَاهُ " : اخْتَرْنَاهُ وَاجْتَبَيْنَاهُ لِلْخُلَّةِ ، وَنُصَيِّرُهُ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ بَعْدَهُ إِمَامًا .
وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ أَنَّ مَنْ خَالَفَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)فِيمَا سَنَّ لِمَنْ بَعْدَهُ ، فَهُوَ لِلَّهِ مُخَالِفٌ ، وَإِعْلَامٌ مِنْهُ خَلْقَهُ أَنَّ مَنْ خَالَفَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَهُوَ لِإِبْرَاهِيمَ (نبي)مُخَالِفٌ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ اصْطَفَاهُ لِخُلَّتِهِ ، وَجَعَلَهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، وَأَخْبَرَ أَنَّ دِينَهُ كَانَ الْحَنِيفِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ . فَفِي ذَلِكَ أَوْضَحُ الْبَيَانِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ أَنَّ مَنْ خَالَفَهُ فَهُوَ لِلَّهِ عَدُوٌّ لِمُخَالَفَتِهِ الْإِمَامَ الَّذِي نَصَبَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ " ، وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ .
وَ " الصَّالِحُ " مِنْ بَنِي آدَمَ (نبي): هُوَ الْمُؤْدِّي حُقُوقَ اللَّهِ عَلَيْهِ . [3/92]
فَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ (نبي)خَلِيلِهِ ، أَنَّهُ فِي الدُّنْيَا صَفِيٌّ ، وَفِي الْآخِرَةِ وَلِيٌّ ، وَأَنَّهُ وَارِدٌ مَوَارِدَ أَوْلِيَائِهِ الْمُوَفِّينَ بِعَهْدِهِ .