النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ( 128 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا أَيْضًا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي): أَنَّهُمَا كَانَا يَرْفَعَانِ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ : " رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ " ، يَعْنِيَانِ بِذَلِكَ : وَاجْعَلْنَا مُسْتَسْلِمَيْنَ لِأَمْرِكَ ، خَاضِعَيْنَ لِطَاعَتِكَ ، لَا نُشْرِكُ مَعَكَ [3/74]فِي الطَّاعَةِ أَحَدًا سِوَاكَ ، وَلَا فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَكَ .
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ مَعْنَى " الْإِسْلَامِ " : الْخُضُوعُ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ " ، فَإِنَّهُمَا خَصَّا بِذَلِكَ بَعْضَ الذُّرِّيَّةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ كَانَ أَعْلَمَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)خَلِيلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَسْأَلَتِهِ هَذِهِ ، أَنَّ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ مَنْ لَا يَنَالُ عَهْدَهُ لِظُلْمِهِ وَفُجُورِهِ . فَخَصَّا بِالدَّعْوَةِ بَعْضَ ذُرِّيَّتِهِمَا .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُمَا عَنَيَا بِذَلِكَ الْعَرَبَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2062 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ " يَعْنِيَانِ الْعَرَبَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا قَوْلٌ يَدُلُّ ظَاهِرُ الْكِتَابِ عَلَى خِلَافِهِ . لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا دَعَوَا اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا أَهْلَ طَاعَتِهِ وَوِلَايَتِهِ ، وَالْمُسْتَجِيبِينَ لِأَمْرِهِ . وَقَدْ كَانَ فِي وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)الْعَرَبُ وَغَيْرُ الْعَرَبِ ، وَالْمُسْتَجِيبُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالْخَاضِعُ لَهُ بِالطَّاعَةِ ، مِنَ الْفَرِيقَيْنِ . فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : عَنَى إِبْرَاهِيمُ (نبي)بِدُعَائِهِ ذَلِكَ فَرِيقًا مِنْ وَلَدِهِ بِأَعْيَانِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ ، إِلَّا التَّحَكُّمَ الَّذِي لَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَحَدٌ .
وَأَمَّا " الْأُمَّةُ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهَا الْجَمَاعَةَ مِنَ النَّاسِ ، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ : وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 159 ] . [3/75]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ : " وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " بِمَعْنَى رُؤْيَةِ الْعَيْنِ ، أَيْ أَظْهِرْهَا لِأَعْيُنِنَا حَتَّى نَرَاهَا . وَذَلِكَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ . [3/76]
وَكَانَ بَعْضُ مَنْ يُوَجِّهُ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، يُسَكِّنُ الرَّاءَ مِنْ " أَرْنَا " ، غَيْرَ أَنَّهُ يُشِمُّهَا كَسْرَةً .
وَاخْتَلَفَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وقَرَأَةُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " مَنَاسِكَنَا "
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ مَنَاسِكُ الْحَجِّ وَمَعَالِمُهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2063 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " فَأَرَاهُمَا اللَّهُ مَنَاسِكَهُمَا : الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ، وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)، وَالْإِفَاضَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ (مكان)، وَالْإِفَاضَةَ مِنْ جَمْعٍ ، وَرَمْيَ الْجِمَارِ ، حَتَّى أَكْمَلَ اللَّهُ الدِّينَ - أَوْ دِينَهُ .
2064 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَأَرِنَا مَنَاسِكنَا " قَالَ : أَرِنَا نُسُكَنَا وَحَجَّنَا .
2065 - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ ، أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُنَادِيَ فَقَالَ : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [ سُورَةُ الْحَجِّ : 27 ] ، فَنَادَى بَيْنَ أَخْشَبَيْ مَكَّةَ (مكان): يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَحُجُّوا بَيْتَهُ . قَالَ : فَوَقَرَتْ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ ، فَأَجَابَهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ جَبَلٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ دَابَّةٍ : " لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ " . فَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ : " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ " ، وَأَتَاهُ مَنْ أَتَاهُ . فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَاتٍ ، وَنَعَتَهَا [ لَهُ ] ، فَخَرَجَ . فَلَمَّا بَلَغَ الشَّجَرَةَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ ، (مكان)اسْتَقْبَلَهُ الشَّيْطَانُ ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ [3/77]يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ، فَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا ، فَصَدَّهُ ، فَرَمَاهُ وَكَبَّرَ ، فَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَةِ الثَّالِثَةِ ، فَرَمَاهُ وَكَبَّرَ . فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُطِيقُهُ ، وَلَمْ يَدْرِ إِبْرَاهِيمُ (نبي)أَيْنَ يَذْهَبُ ، انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى " ذَا الْمَجَازِ " ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ جَازَ ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ : " ذَا الْمَجَازِ " . ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى وَقَعَ بِعَرَفَاتٍ ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا عَرَفَ النَّعْتَ . قَالَ : قَدْ عَرَفْتُ! فَسُمِّيَتْ : " عَرَفَاتٌ " . فَوَقَفَ إِبْرَاهِيمُ بِعَرَفَاتٍ ، حَتَّى إِذَا أَمْسَى ازْدَلَفْ إِلَى جَمْعٍ ، فَسَمَّيَتِ " الْمُزْدَلِفَةُ " ، فَوَقَفَ بِجَمْعٍ . ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَتَى الشَّيْطَانَ حَيْثُ لَقِيَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ أَقَامَ بِمِنًى حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ وَأَمْرِهِ . وَذَلِكَ قَوْلُهُ : " وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " .
وَقَالَ آخَرُونَ - مِمَّنْ قَرَأَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ - " الْمَنَاسِكُ " : الْمَذَابِحُ . فَكَانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ ، عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : وَأَرِنَا كَيْفَ نَنْسُكُ لَكَ يَا رَبَّنَا نَسَائِكَنَا ، فَنَذْبَحَهَا لَكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2066 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ : " وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " قَالَ : ذَبَحْنَا . [3/78]
2067 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : مَذَابِحُنَا .
2067 م - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
2067 م - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
2067 م - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ : سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ : " وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " قَالَ : أَرِنَا مَذَابِحَنَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : " وَأَرْنَا مَنَاسِكَنَا " بِتَسْكِيِنِ " الرَّاءِ " ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَعَلِّمْنَا ، وَدُلَّنَا عَلَيْهَا - لَا أَنَّ مَعْنَاهُ : أَرِنَاهَا بِالْأَبْصَارِ . وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ حُطَائِطَ بْنِ يَعْفُرَ ، أَخِي الْأَسُوَدِ بْنِ يَعْفُرَ :
أَرِينِي جَوَادًا مَاتَ هَزْلَا لِأَنَنِي أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلَا مُخَلَّدًا
يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " أَرِينِي " ، دُلِّينِي عَلَيْهِ وَعَرِّفِينِي مَكَانَهُ ، وَلَمْ يَعْنِ بِهِ رُؤْيَةَ الْعَيْنِ . [3/79]
وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ رُوِيَتْ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2068 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ : " أَرِنَا مَنَاسِكَنَا " ، أَخْرِجْهَا لَنَا ، عَلِّمْنَاهَا .
2069 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ ، قَالَ : " فَعَلْتُ أَيْ رَبِّ ، فَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " - أَبْرِزْهَا لَنَا ، عَلِّمْنَاهَا - فَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ ، فَحَجَّ بِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقَوْلُ وَاحِدٌ ، فَمَنْ كَسَرَ " الرَّاءَ " جَعَلَ عَلَامَةَ الْجَزْمِ سُقُوطَ " الْيَاءِ " الَّتِي فِي قَوْلِ الْقَائِلِ : " أَرِينِهِ " " أَرِنِهِ " ، وَأَقرَّ الرَّاءَ مَكْسُورَةً كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الْجَزْمِ . وَمَنْ سَكَّنَ " الرَّاءَ " مِنْ " أَرِنَا " ، تَوَهَّمَ أَنَّ إِعْرَابَ الْحَرْفِ فِي " الرَّاءِ " ، فَسَكَّنَهَا فِي الْجَزْمِ ، كَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي " لَمْ يَكُنْ " وَ " لَمْ يَكُ " .
وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ أَوْ مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ . وَلَا مَعْنَى لِفَرْقِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ فِي ذَلِكَ وَرُؤْيَةِ الْقَلْبِ .
وَأَمَّا " الْمَنَاسِكُ " فَإِنَّهَا جَمْعُ " مَنْسَكٍ " ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُنْسَكُ لِلَّهِ فِيهِ ، وَيُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ فِيهِ بِمَا يُرْضِيهِ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ : إِمَّا بِذَبْحِ ذَبِيحَةٍ لَهُ ، وَإِمَّا بِصَلَاةٍ أَوْ طَوَافٍ أَوْ سَعْيٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ . وَلِذَلِكَ قِيلَ لِمَشَاعِرَ الْحَجِّ [3/80]" مَنَاسِكُهُ " ، لِأَنَّهَا أَمَارَاتٌ وَعَلَامَاتٌ يَعْتَادُهَا النَّاسُ ، وَيَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهَا .
وَأَصْلُ " الْمَنْسَكِ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الْمَوْضِعُ الْمُعْتَادُ الَّذِي يَعْتَادُهُ الرَّجُلُ وَيَأْلَفُهُ ، يُقَالُ : " لِفُلَانٍ مَنْسَكٌ " ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ يَعْتَادُهُ لِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ . وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ " الْمَنَاسِكُ " " مَنَاسِكٌ " ، لِأَنَّهَا تُعْتَادُ ، وَيُتَرَدَّدُ إِلَيْهَا بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَبِالْأَعْمَالِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى " النُّسُكِ " : عِبَادَةُ اللَّهِ . وَأَنَّ " النَّاسِكَ " إِنَّمَا سُمِّيَ " نَاسِكًا " بِعِبَادَةِ رَبِّهِ .
فَتَأَوَّلَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ قَوْلَهُ : " وَأَرِنَا مَنَاسِكنَا " ، وَعَلِّمْنَا عِبَادَتَكَ ، كَيْفَ نَعْبُدُكَ ؟ وَأَيْنَ نَعْبُدُكَ ؟ وَمَا يُرْضِيكَ عَنَّا فَنَفْعَلُهُ ؟
وَهَذَا الْقَوْلُ ، وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا يَحْتَمِلُهُ الْكَلَامُ ، فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَى مَعْنَى " الْمَنَاسِكِ " مَا وَصَفْنَا قَبْلُ ، مِنْ أَنَّهَا " مَنَاسِكُ الْحَجِّ " الَّتِي ذَكَرْنَا مَعْنَاهَا .
وَخَرَجَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)عَلَى وَجْهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْهُمَا رَبَّهُمَا لِأَنْفُسِهِمَا . وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُمَا مَسْأَلَةُ رَبِّهُمَا لِأَنْفُسِهِمَا وَذُرِّيَّتِهِمَا الْمُسْلِمِينِ . فَلَمَّا ضَمَّا ذُرِّيَّتَهُمَا الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَنْفُسِهِمَا ، صَارَا كَالْمُخْبِرِينَ عَنْ أَنْفُسِهِمَا بِذَلِكَ . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لِتُقَدِّمِ الدُّعَاءِ مِنْهُمَا لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا قَبْلُ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ، وَتَأَخُّرِهِ بَعْدُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى . فَأَمَّا الَّذِي فِي أَوَّلِ الْآيَةِ فَقَوْلُهُمَا : " رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ " ، ثُمَّ جَمَعَا أَنْفُسَهُمَا وَالْأُمَّةَ الْمُسْلِمَةَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا ، فِي مَسْأَلَتِهِمَا رَبَّهُمَا أَنْ يُرِيَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ فَقَالَا " وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " . وَأَمَّا الَّتِي فِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا : " رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ " ، فَجَعَلَا الْمَسْأَلَةَ لِذَرِّيَّتِهِمَا خَاصَّةً . [3/81]
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : " وَأَرِهِمْ مَنَاسِكَهُمْ " ، يَعْنِي بِذَلِكَ وَأَرِ ذُرِّيَّتَنَا الْمُسْلِمَةَ مَنَاسِكَهُمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 128 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَمَّا " التَّوْبَةُ " ، فَأَصْلُهَا الْأَوْبَةُ مِنْ مَكْرُوهٍ إِلَى مَحْبُوبٍ . فَتَوْبَةُ الْعَبْدِ إِلَى رَبِّهِ ، أَوَبَتُهُ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ مِنْهُ ، بِالنَّدَمِ عَلَيْهِ ، وَالْإِقْلَاعِ عَنْهُ ، وَالْعَزْمِ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ فِيهِ . وَتَوْبَةُ الرَّبِّ عَلَى عَبْدِهِ : عَوْدُهُ عَلَيْهِ بِالْعَفْوِ لَهُ عَنْ جُرْمِهِ ، وَالصَّفْحِ لَهُ عَنْ عُقُوبَةِ ذَنْبِهِ ، مَغْفِرَةً لَهُ مِنْهُ ، وَتُفَضُّلًا عَلَيْهِ .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَهَلْ كَانَ لَهُمَا ذُنُوبٌ فَاحْتَاجَا إِلَى مَسْأَلَةِ رَبِّهِمَا التَّوْبَةَ ؟
قِيلَ : إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ، إِلَّا وَلَهُ مِنَ الْعَمَلِ - فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ - مَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنَابَةُ مِنْهُ وَالتَّوْبَةُ . فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَا كَانَ مِنْ قِبَلِهِمَا مَا قَالَا مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا خَصَّا بِهِ الْحَالَ الَّتِي كَانَا عَلَيْهَا ، مِنْ رَفْعِ قَوَاعِدِ الْبَيْتِ . لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَحْرَى الْأَمَاكِنِ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ فِيهَا دُعَاءَهُمَا ، وَلِيَجْعَلَا مَا فَعَلَا مِنْ ذَلِكَ سُنَّةً يُقْتَدَى بِهَا بَعْدَهُمَا ، وَتَتَّخِذُ النَّاسُ تِلْكَ الْبُقْعَةَ بَعْدَهُمَا مَوْضِعَ تَنَصُّلٍ مِنَ الذُّنُوبِ إِلَى اللَّهِ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَا عَنَيَا بِقَوْلِهِمَا : " وَتُبْ عَلَيْنَا " ، وَتُبْ عَلَى الظَّلَمَةِ مِنْ أَوْلَادِنَا وَذُرِّيَّتِنَا - الَّذِينَ أَعْلَمْتَنَا أَمْرَهُمْ - مِنْ ظُلْمِهِمْ وَشِرْكِهِمْ ، حَتَّى يُنِيبُوا إِلَى طَاعَتِكَ . فَيَكُونُ ظَاهِرُ الْكَلَامِ عَلَى الدُّعَاءِ لِأَنْفُسِهِمَا ، وَالْمَعْنِيُّ بِهِ ذَرِّيَّتُهُمَا . كَمَا [3/82]يُقَالُ : " أَكْرَمَنِي فَلَانٌ فِي وَلَدِي وَأَهْلِي ، وَبَرَّنِي فُلَانٌ " ، إِذَا بَرَّ وَلَدَهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَائِدُ عَلَى عِبَادِكَ بِالْفَضْلِ ، وَالْمُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِالْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ - الرَّحِيمُ بِهِمْ ، الْمُسْتَنْقِذُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُمْ بِرَحْمَتِكَ مِنْ هَلَكَتِهِ ، الْمُنْجِي مَنْ تُرِيدُ نَجَاتَهُ مِنْهُمْ بِرَأْفَتِكَ مِنْ سَخَطِكَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا أَيْضًا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي): أَنَّهُمَا كَانَا يَرْفَعَانِ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ : " رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ " ، يَعْنِيَانِ بِذَلِكَ : وَاجْعَلْنَا مُسْتَسْلِمَيْنَ لِأَمْرِكَ ، خَاضِعَيْنَ لِطَاعَتِكَ ، لَا نُشْرِكُ مَعَكَ [3/74]فِي الطَّاعَةِ أَحَدًا سِوَاكَ ، وَلَا فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَكَ .
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ مَعْنَى " الْإِسْلَامِ " : الْخُضُوعُ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ " ، فَإِنَّهُمَا خَصَّا بِذَلِكَ بَعْضَ الذُّرِّيَّةِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ كَانَ أَعْلَمَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)خَلِيلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَسْأَلَتِهِ هَذِهِ ، أَنَّ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ مَنْ لَا يَنَالُ عَهْدَهُ لِظُلْمِهِ وَفُجُورِهِ . فَخَصَّا بِالدَّعْوَةِ بَعْضَ ذُرِّيَّتِهِمَا .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُمَا عَنَيَا بِذَلِكَ الْعَرَبَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2062 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ " يَعْنِيَانِ الْعَرَبَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا قَوْلٌ يَدُلُّ ظَاهِرُ الْكِتَابِ عَلَى خِلَافِهِ . لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا دَعَوَا اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا أَهْلَ طَاعَتِهِ وَوِلَايَتِهِ ، وَالْمُسْتَجِيبِينَ لِأَمْرِهِ . وَقَدْ كَانَ فِي وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)الْعَرَبُ وَغَيْرُ الْعَرَبِ ، وَالْمُسْتَجِيبُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالْخَاضِعُ لَهُ بِالطَّاعَةِ ، مِنَ الْفَرِيقَيْنِ . فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : عَنَى إِبْرَاهِيمُ (نبي)بِدُعَائِهِ ذَلِكَ فَرِيقًا مِنْ وَلَدِهِ بِأَعْيَانِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ ، إِلَّا التَّحَكُّمَ الَّذِي لَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَحَدٌ .
وَأَمَّا " الْأُمَّةُ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهَا الْجَمَاعَةَ مِنَ النَّاسِ ، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ : وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 159 ] . [3/75]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ : " وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " بِمَعْنَى رُؤْيَةِ الْعَيْنِ ، أَيْ أَظْهِرْهَا لِأَعْيُنِنَا حَتَّى نَرَاهَا . وَذَلِكَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ . [3/76]
وَكَانَ بَعْضُ مَنْ يُوَجِّهُ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، يُسَكِّنُ الرَّاءَ مِنْ " أَرْنَا " ، غَيْرَ أَنَّهُ يُشِمُّهَا كَسْرَةً .
وَاخْتَلَفَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وقَرَأَةُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " مَنَاسِكَنَا "
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ مَنَاسِكُ الْحَجِّ وَمَعَالِمُهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2063 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " فَأَرَاهُمَا اللَّهُ مَنَاسِكَهُمَا : الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ، وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا (مكان)وَالْمَرْوَةِ (مكان)، وَالْإِفَاضَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ (مكان)، وَالْإِفَاضَةَ مِنْ جَمْعٍ ، وَرَمْيَ الْجِمَارِ ، حَتَّى أَكْمَلَ اللَّهُ الدِّينَ - أَوْ دِينَهُ .
2064 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَأَرِنَا مَنَاسِكنَا " قَالَ : أَرِنَا نُسُكَنَا وَحَجَّنَا .
2065 - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ ، أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُنَادِيَ فَقَالَ : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [ سُورَةُ الْحَجِّ : 27 ] ، فَنَادَى بَيْنَ أَخْشَبَيْ مَكَّةَ (مكان): يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَحُجُّوا بَيْتَهُ . قَالَ : فَوَقَرَتْ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ ، فَأَجَابَهُ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ جَبَلٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ دَابَّةٍ : " لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ " . فَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ : " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ " ، وَأَتَاهُ مَنْ أَتَاهُ . فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَاتٍ ، وَنَعَتَهَا [ لَهُ ] ، فَخَرَجَ . فَلَمَّا بَلَغَ الشَّجَرَةَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ ، (مكان)اسْتَقْبَلَهُ الشَّيْطَانُ ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ [3/77]يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ، فَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا ، فَصَدَّهُ ، فَرَمَاهُ وَكَبَّرَ ، فَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَةِ الثَّالِثَةِ ، فَرَمَاهُ وَكَبَّرَ . فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُطِيقُهُ ، وَلَمْ يَدْرِ إِبْرَاهِيمُ (نبي)أَيْنَ يَذْهَبُ ، انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى " ذَا الْمَجَازِ " ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ جَازَ ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ : " ذَا الْمَجَازِ " . ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى وَقَعَ بِعَرَفَاتٍ ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا عَرَفَ النَّعْتَ . قَالَ : قَدْ عَرَفْتُ! فَسُمِّيَتْ : " عَرَفَاتٌ " . فَوَقَفَ إِبْرَاهِيمُ بِعَرَفَاتٍ ، حَتَّى إِذَا أَمْسَى ازْدَلَفْ إِلَى جَمْعٍ ، فَسَمَّيَتِ " الْمُزْدَلِفَةُ " ، فَوَقَفَ بِجَمْعٍ . ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَتَى الشَّيْطَانَ حَيْثُ لَقِيَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ أَقَامَ بِمِنًى حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ وَأَمْرِهِ . وَذَلِكَ قَوْلُهُ : " وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " .
وَقَالَ آخَرُونَ - مِمَّنْ قَرَأَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ - " الْمَنَاسِكُ " : الْمَذَابِحُ . فَكَانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ ، عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : وَأَرِنَا كَيْفَ نَنْسُكُ لَكَ يَا رَبَّنَا نَسَائِكَنَا ، فَنَذْبَحَهَا لَكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2066 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ : " وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " قَالَ : ذَبَحْنَا . [3/78]
2067 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : مَذَابِحُنَا .
2067 م - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
2067 م - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
2067 م - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ : سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ : " وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " قَالَ : أَرِنَا مَذَابِحَنَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : " وَأَرْنَا مَنَاسِكَنَا " بِتَسْكِيِنِ " الرَّاءِ " ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَعَلِّمْنَا ، وَدُلَّنَا عَلَيْهَا - لَا أَنَّ مَعْنَاهُ : أَرِنَاهَا بِالْأَبْصَارِ . وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ حُطَائِطَ بْنِ يَعْفُرَ ، أَخِي الْأَسُوَدِ بْنِ يَعْفُرَ :
أَرِينِي جَوَادًا مَاتَ هَزْلَا لِأَنَنِي أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلَا مُخَلَّدًا
يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " أَرِينِي " ، دُلِّينِي عَلَيْهِ وَعَرِّفِينِي مَكَانَهُ ، وَلَمْ يَعْنِ بِهِ رُؤْيَةَ الْعَيْنِ . [3/79]
وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ رُوِيَتْ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2068 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ : " أَرِنَا مَنَاسِكَنَا " ، أَخْرِجْهَا لَنَا ، عَلِّمْنَاهَا .
2069 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ ، قَالَ : " فَعَلْتُ أَيْ رَبِّ ، فَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " - أَبْرِزْهَا لَنَا ، عَلِّمْنَاهَا - فَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ ، فَحَجَّ بِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقَوْلُ وَاحِدٌ ، فَمَنْ كَسَرَ " الرَّاءَ " جَعَلَ عَلَامَةَ الْجَزْمِ سُقُوطَ " الْيَاءِ " الَّتِي فِي قَوْلِ الْقَائِلِ : " أَرِينِهِ " " أَرِنِهِ " ، وَأَقرَّ الرَّاءَ مَكْسُورَةً كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الْجَزْمِ . وَمَنْ سَكَّنَ " الرَّاءَ " مِنْ " أَرِنَا " ، تَوَهَّمَ أَنَّ إِعْرَابَ الْحَرْفِ فِي " الرَّاءِ " ، فَسَكَّنَهَا فِي الْجَزْمِ ، كَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي " لَمْ يَكُنْ " وَ " لَمْ يَكُ " .
وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ أَوْ مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ . وَلَا مَعْنَى لِفَرْقِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ فِي ذَلِكَ وَرُؤْيَةِ الْقَلْبِ .
وَأَمَّا " الْمَنَاسِكُ " فَإِنَّهَا جَمْعُ " مَنْسَكٍ " ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُنْسَكُ لِلَّهِ فِيهِ ، وَيُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ فِيهِ بِمَا يُرْضِيهِ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ : إِمَّا بِذَبْحِ ذَبِيحَةٍ لَهُ ، وَإِمَّا بِصَلَاةٍ أَوْ طَوَافٍ أَوْ سَعْيٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ . وَلِذَلِكَ قِيلَ لِمَشَاعِرَ الْحَجِّ [3/80]" مَنَاسِكُهُ " ، لِأَنَّهَا أَمَارَاتٌ وَعَلَامَاتٌ يَعْتَادُهَا النَّاسُ ، وَيَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهَا .
وَأَصْلُ " الْمَنْسَكِ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الْمَوْضِعُ الْمُعْتَادُ الَّذِي يَعْتَادُهُ الرَّجُلُ وَيَأْلَفُهُ ، يُقَالُ : " لِفُلَانٍ مَنْسَكٌ " ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ يَعْتَادُهُ لِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ . وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ " الْمَنَاسِكُ " " مَنَاسِكٌ " ، لِأَنَّهَا تُعْتَادُ ، وَيُتَرَدَّدُ إِلَيْهَا بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، وَبِالْأَعْمَالِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى " النُّسُكِ " : عِبَادَةُ اللَّهِ . وَأَنَّ " النَّاسِكَ " إِنَّمَا سُمِّيَ " نَاسِكًا " بِعِبَادَةِ رَبِّهِ .
فَتَأَوَّلَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ قَوْلَهُ : " وَأَرِنَا مَنَاسِكنَا " ، وَعَلِّمْنَا عِبَادَتَكَ ، كَيْفَ نَعْبُدُكَ ؟ وَأَيْنَ نَعْبُدُكَ ؟ وَمَا يُرْضِيكَ عَنَّا فَنَفْعَلُهُ ؟
وَهَذَا الْقَوْلُ ، وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا يَحْتَمِلُهُ الْكَلَامُ ، فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَى مَعْنَى " الْمَنَاسِكِ " مَا وَصَفْنَا قَبْلُ ، مِنْ أَنَّهَا " مَنَاسِكُ الْحَجِّ " الَّتِي ذَكَرْنَا مَعْنَاهَا .
وَخَرَجَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)عَلَى وَجْهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْهُمَا رَبَّهُمَا لِأَنْفُسِهِمَا . وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُمَا مَسْأَلَةُ رَبِّهُمَا لِأَنْفُسِهِمَا وَذُرِّيَّتِهِمَا الْمُسْلِمِينِ . فَلَمَّا ضَمَّا ذُرِّيَّتَهُمَا الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَنْفُسِهِمَا ، صَارَا كَالْمُخْبِرِينَ عَنْ أَنْفُسِهِمَا بِذَلِكَ . وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لِتُقَدِّمِ الدُّعَاءِ مِنْهُمَا لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا قَبْلُ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ، وَتَأَخُّرِهِ بَعْدُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى . فَأَمَّا الَّذِي فِي أَوَّلِ الْآيَةِ فَقَوْلُهُمَا : " رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ " ، ثُمَّ جَمَعَا أَنْفُسَهُمَا وَالْأُمَّةَ الْمُسْلِمَةَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا ، فِي مَسْأَلَتِهِمَا رَبَّهُمَا أَنْ يُرِيَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ فَقَالَا " وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " . وَأَمَّا الَّتِي فِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا : " رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ " ، فَجَعَلَا الْمَسْأَلَةَ لِذَرِّيَّتِهِمَا خَاصَّةً . [3/81]
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : " وَأَرِهِمْ مَنَاسِكَهُمْ " ، يَعْنِي بِذَلِكَ وَأَرِ ذُرِّيَّتَنَا الْمُسْلِمَةَ مَنَاسِكَهُمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 128 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَمَّا " التَّوْبَةُ " ، فَأَصْلُهَا الْأَوْبَةُ مِنْ مَكْرُوهٍ إِلَى مَحْبُوبٍ . فَتَوْبَةُ الْعَبْدِ إِلَى رَبِّهِ ، أَوَبَتُهُ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ مِنْهُ ، بِالنَّدَمِ عَلَيْهِ ، وَالْإِقْلَاعِ عَنْهُ ، وَالْعَزْمِ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ فِيهِ . وَتَوْبَةُ الرَّبِّ عَلَى عَبْدِهِ : عَوْدُهُ عَلَيْهِ بِالْعَفْوِ لَهُ عَنْ جُرْمِهِ ، وَالصَّفْحِ لَهُ عَنْ عُقُوبَةِ ذَنْبِهِ ، مَغْفِرَةً لَهُ مِنْهُ ، وَتُفَضُّلًا عَلَيْهِ .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَهَلْ كَانَ لَهُمَا ذُنُوبٌ فَاحْتَاجَا إِلَى مَسْأَلَةِ رَبِّهِمَا التَّوْبَةَ ؟
قِيلَ : إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ، إِلَّا وَلَهُ مِنَ الْعَمَلِ - فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ - مَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنَابَةُ مِنْهُ وَالتَّوْبَةُ . فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَا كَانَ مِنْ قِبَلِهِمَا مَا قَالَا مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا خَصَّا بِهِ الْحَالَ الَّتِي كَانَا عَلَيْهَا ، مِنْ رَفْعِ قَوَاعِدِ الْبَيْتِ . لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَحْرَى الْأَمَاكِنِ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ فِيهَا دُعَاءَهُمَا ، وَلِيَجْعَلَا مَا فَعَلَا مِنْ ذَلِكَ سُنَّةً يُقْتَدَى بِهَا بَعْدَهُمَا ، وَتَتَّخِذُ النَّاسُ تِلْكَ الْبُقْعَةَ بَعْدَهُمَا مَوْضِعَ تَنَصُّلٍ مِنَ الذُّنُوبِ إِلَى اللَّهِ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَا عَنَيَا بِقَوْلِهِمَا : " وَتُبْ عَلَيْنَا " ، وَتُبْ عَلَى الظَّلَمَةِ مِنْ أَوْلَادِنَا وَذُرِّيَّتِنَا - الَّذِينَ أَعْلَمْتَنَا أَمْرَهُمْ - مِنْ ظُلْمِهِمْ وَشِرْكِهِمْ ، حَتَّى يُنِيبُوا إِلَى طَاعَتِكَ . فَيَكُونُ ظَاهِرُ الْكَلَامِ عَلَى الدُّعَاءِ لِأَنْفُسِهِمَا ، وَالْمَعْنِيُّ بِهِ ذَرِّيَّتُهُمَا . كَمَا [3/82]يُقَالُ : " أَكْرَمَنِي فَلَانٌ فِي وَلَدِي وَأَهْلِي ، وَبَرَّنِي فُلَانٌ " ، إِذَا بَرَّ وَلَدَهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَائِدُ عَلَى عِبَادِكَ بِالْفَضْلِ ، وَالْمُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ بِالْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ - الرَّحِيمُ بِهِمْ ، الْمُسْتَنْقِذُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُمْ بِرَحْمَتِكَ مِنْ هَلَكَتِهِ ، الْمُنْجِي مَنْ تُرِيدُ نَجَاتَهُ مِنْهُمْ بِرَأْفَتِكَ مِنْ سَخَطِكَ .