النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ( 127 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ " ، وَاذْكُرُوا إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ .
وَ " الْقَوَاعِدُ " جَمْعُ " قَاعِدَةٍ " ، يُقَالُ لِلْوَاحِدَةِ مِنْ " قَوَاعِدِ الْبَيْتِ " " قَاعِدَةٌ " ، وَلِلْوَاحِدَةِ مِنْ " قَوَاعِدِ النِّسَاءِ " وَعَجَائِزهِنَّ " قَاعِدٌ " ، فَتُلْغَى هَاءُ التَّأْنِيثِ ، لِأَنَّهَا " فَاعِلٌ " مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قَعَدَتْ عَنِ الْحَيْضِ " ، وَلَا حَظَّ فِيهِ لِلذُّكُورَةِ ، كَمَا يُقَالُ : " امْرَأَةٌ طَاهِرٌ وَطَامِثٌ " ، لِأَنَّهُ لَا حَظَّ فِي ذَلِكَ لِلذُّكُورِ . وَلَوْ عَنَى بِهِ " الْقُعُودَ " الَّذِي هُوَ خِلَافُ " الْقِيَامِ " ، لَقِيلَ : " قَاعِدَةٌ " ، وَلَمْ يَجُزْ حِينَئِذٍ إِسْقَاطُ هَاءِ التَّأْنِيثِ . وَ " قَوَاعِدُ الْبَيْتِ " : إِسَاسُهُ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي " الْقَوَاعِدِ " الَّتِي رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)مِنَ الْبَيْتِ . أَهُمَا أَحْدَثَا ذَلِكَ ، أَمْ هِيَ قَوَاعِدُ كَانَتْ لَهُ قَبْلَهُمَا ؟
فَقَالَ قَوْمٌ : هِيَ قَوَاعِدُ بَيْتٍ كَانَ بِنَاهُ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ بِأَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ ، ثُمَّ دَرَسَ مَكَانُهُ وَتَعَفَّى أَثَرُهُ بَعْدَهُ ، حَتَّى بَوَّأَهُ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَبَنَاهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2037 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : قَالَ آدَمُ (نبي): يَا رَبِّ ، إِنِّي لَا أَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْمَلَائِكَةِ! قَالَ : بِخَطِيئَتِكَ ، وَلَكِنِ اهْبِطْ إِلَى الْأَرْضِ ، وَابْنِ لِي بَيْتًا ، ثُمَّ احْفُفْ بِهِ كَمَا رَأَيْتَ [3/58]الْمَلَائِكَةَ تَحُفُّ بِبَيْتِيَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ . فَيَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّهُ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ : مِنْ " حِرَاءَ (مكان)" وَ " طُورِزَيْتَا (مكان)" ، وَ " طُورِسَيْنَا (مكان)" ، وَ " جَبَلِ لُبْنَانَ (مكان)" ، وَ " الْجُودِيِّ (مكان)" ، وَكَانَ رَبْضُهُ مِنْ حِرَاءَ (مكان). فَكَانَ هَذَا بِنَاءَ آدَمَ (نبي)حَتَّى بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)بَعْدُ .
2038 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ " قَالَ : الْقَوَاعِدُ الَّتِي كَانَتْ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ قَبْلَ ذَلِكَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ قَوَاعِدُ بَيْتٍ كَانَ اللَّهُ أَهْبَطَهُ لِآدَمَ (نبي)مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، يَطُوفُ بِهِ كَمَا كَانَ يَطُوفُ بِعَرْشِهِ فِي السَّمَاءِ ، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ أَيَّامَ الطُّوفَانِ ، فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)قَوَاعِدَ ذَلِكَ الْبَيْتِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2039 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ (نبي)مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ : إِنِّي مُهْبِطٌ مَعَكَ - أَوْ مُنْزِلٌ - مَعَكَ بَيْتًا يُطَافُ حَوْلَهُ كَمَا يُطَافُ حَوْلَ عَرْشِي ، وَيُصَلَّى عِنْدَهُ كَمَا يُصَلَّى عِنْدَ عَرْشِي . فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ الطُّوفَانِ رُفِعَ ، فَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ يَحُجُّونَهُ وَلَا يَعْلَمُونَ مَكَانَهُ ، حَتَّى بَوَّأَهُ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ ، (نبي)وَأَعْلَمَهُ مَكَانَهُ ، فَبَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ : مِنْ " حِرَاءَ (مكان)" وَ " ثَبِيرٍ (مكان)" وَ " لُبْنَانَ (مكان)" وَ " جَبَلِ الطُّورِ (مكان)" وَ " جَبَلِ الْخَمْرِ (مكان)" . [3/59]
2040 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، قَالَ : لَمَّا أُهْبِطَ آدَمُ (نبي)، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ .
2041 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنْ سَوَّارٍ [ خَتَنِ عَطَاءٍ ] ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، قَالَ : لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ (نبي)مِنَ الْجَنَّةِ ، كَانَ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ ، يَسْمَعُ كَلَامَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَدُعَاءَهُمْ ، يَأْنَسُ إِلَيْهِمْ ، فَهَابَتْهُ الْمَلَائِكَةُ ، حَتَّى شَكَتْ إِلَى اللَّهِ فِي دُعَائِهَا وَفِي صَلَاتِهَا ، فَخَفَضَهُ إِلَى الْأَرْضِ . فَلَمَّا فَقَدَ مَا كَانَ يَسْمَعُ مِنْهُمْ ، اسْتَوْحَشَ حَتَّى شَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ فِي دُعَائِهِ وَفِي صِلَاتِهِ ، فَوُجِّهَ إِلَى مَكَّةَ ، فَكَانَ مَوْضِعُ قَدَمِهِ قَرْيَةً وَخَطْوُهُ مَفَازَةً ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَّةَ (مكان). وأَنْزَلَ اللَّهُ يَاقُوتَةً مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ ، فَكَانَتْ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ الْآنَ ، فَلَمْ يَزَلْ يَطُوفُ بِهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ الطُّوفَانَ ، فَرُفِعَتْ تِلْكَ الْيَاقُوتَةُ ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)فَبَنَاهُ . فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : " وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ " .
2042 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : وَضَعَ اللَّهُ الْبَيْتَ مَعَ آدَمَ ، (نبي)حِينَ أَهْبَطُ اللَّهُ آدَمَ (نبي)إِلَى الْأَرْضِ ، وَكَانَ مَهْبِطُهُ بِأَرْضِ الْهِنْدِ (مكان)، وَكَانَ رَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ ، وَرِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ ، فَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَهَابُهُ ، فَنَقُصَ إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعًا : فَحَزِنَ آدَمُ (نبي)إِذْ فَقَدَ أَصْوَاتِ الْمَلَائِكَةِ وَتَسْبِيحَهُمْ ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَقَالَ اللَّهُ : يَا آدَمُ ، (نبي)إِنِّي قَدْ أَهْبَطْتُ إِلَيْكَ بَيْتًا تَطُوفُ بِهِ كَمَا يُطَافُ حَوْلَ عَرْشِي ، وَتَصِلِي عِنْدَهُ كَمَا يُصَلَّى عِنْدَ عَرْشِي . [3/60]فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ آدَمُ (نبي)فَخَرَجَ ، وَمُدَّ لَهُ فِي خَطْوِهُ ، فَكَانَ بَيْنَ كُلِّ خُطْوَتَيْنِ مَفَازَةٌ ، فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ الْمَفَاوِزُ بَعْدَ ذَلِكَ . فَأَتَى آدَمُ (نبي)الْبَيْتَ وَطَافَ بِهِ وَمَنْ بَعْدِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ .
2043 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَبَانَ : أَنَّ الْبَيْتَ أُهْبِطَ يَاقُوتَةً وَاحِدَةً - أَوْ دُرَّةً وَاحِدَةً - حَتَّى إِذَا أَغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ (نبي)رَفَعَهُ ، وَبَقِيَ أَسَاسُهُ ، فَبَوَّأَهُ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ (نبي)، فَبَنَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ رَبْوَةً حَمْرَاءَ كَهَيْئَةِ الْقُبَّةِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَرَادَ خَلْقَ الْأَرْضِ عَلَا الْمَاءَ زُبْدَةٌ حَمْرَاءُ أَوْ بَيْضَاءُ ، وَذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان). ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى بَوَّأَهُ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)، فَبَنَاهُ عَلَى أَسَاسِهِ . وَقَالُوا : أَسَاسُهُ عَلَى أَرْكَانٍ أَرْبَعَةٍ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2044 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، مِثْلَ الزُّبْدَةِ الْبَيْضَاءِ ، وَمِنْ تَحْتِهِ دُحِيَتِ الْأَرْضُ .
2045 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : بَعَثَ اللَّهُ رِيَاحًا فَصَفَّقَتِ الْمَاءَ ، فَأَبْرَزَتْ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ عَنْ حَشَفَةٍ كَأَنَّهَا الْقُبَّةُ ، فَهَذَا الْبَيْتُ مِنْهَا . فَلِذَلِكَ هِيَ " أُمُّ الْقُرَى " . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ عَطَاءٌ : ثُمَّ وَتَدَهَا بِالْجِبَالِ كَيْ لَا تُكْفَأَ بِمَيْدٍ ، فَكَانَ أَوَّلَ جَبَلٍ " أَبُو قُبَيْسٍ " . (مكان)[3/61]
2046 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : وُضِعَ الْبَيْتُ عَلَى أَرْكَانِ الْمَاءِ ، عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ ، قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ الدُّنْيَا بِأَلْفَيْ عَامٍ ، ثُمَّ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِ الْبَيْتِ .
2047 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ : وَجَدُوا بِمَكَّةَ (مكان)حَجَرًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ : " إِنِّي أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ ، بِنَيْتُهُ يَوْمَ صَنَعْتُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ، وَحَفَفْتُهُ بِسَبْعَةِ أَمْلَاكٍ حُنَفَاءَ " .
2048 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي عبدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَنَّ اللَّهَ لَمَّا بَوَّأَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)مَكَانَ الْبَيْتِ خَرَجَ إِلَيْهِ مِنَ الشَّامِ (مكان)، وَخَرَجَ مَعَهُ بِإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَأُمِّهِ هَاجَرَ ، وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)طِفْلٌ صَغِيرٌ يَرْضَعُ . وَحُمِلُوا - فِيمَا حَدَّثَنِي - عَلَى الْبُرَاقِ وَمَعَهُ جِبْرِيلُ يَدُلُّهُ عَلَى [3/62]مَوْضِعِ الْبَيْتِ وَمَعَالِمِ الْحَرَمِ . فَخَرَجَ وَخَرَجَ مَعَهُ جِبْرِيلُ ، فَقَالَ : كَانَ لَا يَمُرُّ بِقَرْيَةٍ إِلَّا قَالَ : أَبِهَذِهِ أُمِرْتُ يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ جِبْرِيلُ : امْضِهِ! حَتَّى قَدِمَ بِهِ مَكَّةَ (مكان)، وَهِيَ إِذْ ذَاكَ عِضَاهُ سَلْمٍ وَسَمُرٍ ، وَبِهَا أُنَاسٌ يُقَالُ لَهُمُ " الْعَمَالِيقُ " خَارِجَ مَكَّةَ (مكان)وَمَا حَوْلَهَا ، وَالْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ رَبْوَةٌ حَمْرَاءُ مَدَرَةٌ ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)لِجِبْرِيلَ : أَهاَهُنَا أُمِرْتُ أَنْ أَضَعَهُمَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَعَمَدَ بِهِمَا إِلَى مَوْضِعِ الْحَجَرِ فَأَنْزَلَهُمَا فِيهِ ، وَأَمَرَ هَاجَرَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِ عَرِيشًا ، فَقَالَ : رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ إِلَى قَوْلِهِ : لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 37 ]
قَالَ ابْنُ حُمَيْدٍ : قَالَ : سَلَمَةُ قَالَ : ابْنُ إِسْحَاقَ : وَيَزْعُمُونَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَتَى هَاجَرَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ - حِينَ أَنْزَلَهُمَا إِبْرَاهِيمُ (نبي)مَكَّةَ ، (مكان)قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ - فَأَشَارَ لَهَا إِلَى الْبَيْتِ ، وَهُوَ رَبْوَةٌ حَمْرَاءُ مَدَرَةٌ ، فَقَالَ لَهَا : هَذَا أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ ، وَهُوَ بَيْتُ اللَّهِ الْعَتِيقُ ، وَاعْلَمِي أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)هُمَا يَرْفَعَانِهِ لِلنَّاسِ .
2049 - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ قَالَ : أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : خَلَقَ اللَّهُ مَوْضِعَ هَذَا [3/63]الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ ، وَأَرْكَانُهُ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ .
2050 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ : أَخْبَرَنِي بِشْرُ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : حَدَّثَنَا كَعْبٌ : إِنَّ الْبَيْتَ كَانَ غُثَاءَةً عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الْأَرْضَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَمِنْهُ دُحِيَتِ الْأَرْضُ . قَالَ [ سَعِيدٌ ] : وحُدِّثْنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)أَقْبَلَ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ (مكان)مَعَهُ السَّكِينَةُ ، تَدُلُّهُ عَلَى تَبَوُّئِ الْبَيْتِ ، كَمَا تَتَبَوَّأُ الْعَنْكَبُوتُ بَيْتَهَا . قَالَ : فَرَفَعَتْ عَنْ أَحْجَارٍ تُطِيقُهُ - أَوْ لَا تُطِيقُهُ - ثَلَاثُونَ رَجُلًا قَالَ : قُلْتُ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ " قَالَ : كَانَ ذَاكَ بَعْدُ . [3/64]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ (نبي)خَلِيلِهِ أَنَّهُ وَابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ ، (نبي)رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان). وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوَاعِدَ بَيْتٍ كَانَ أَهْبَطَهُ مَعَ آدَمَ (نبي)، فَجَعَلَهُ مَكَانَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان)الَّذِي بِمَكَّةَ (مكان). وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ الْقُبَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا عَطَاءٌ ، مِمَّا أَنْشَأَهُ اللَّهُ مِنْ زَبَدِ الْمَاءِ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ يَاقُوتَةً أَوْ دُرَّةً أُهْبِطَا مِنَ السَّمَاءِ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ آدَمُ (نبي)بَنَاهُ ثُمَّ انْهَدَمَ ، حَتَّى رَفَعَ قَوَاعِدَهُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي). وَلَا عِلْمَ عِنْدِنَا بِأَيِّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَيٍّ ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ ذَلِكَ لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِخَبَرٍ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ . وَلَا خَبَرَ بِذَلِكَ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فَيَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا ، وَلَا هُوَ - إِذْ لَمْ يَكُنْ بِهِ خَبَرٌ ، عَلَى مَا وَصَفْنَا - مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالِاسْتِدْلَالِ وَالْمَقَايِيسِ ، فَيُمَثَّلُ بِغَيْرِهِ ، وَيُسْتَنْبَطُ عِلْمُهُ مِنْ جِهَةِ الِاجْتِهَادِ ، فَلَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِمَّا قُلْنَا . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)يَقُولَانِ : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا . وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2051 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : يَبْنِيَانِ وَهُمَا يَدْعُوَانِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتَلَى بِهَا إِبْرَاهِيمَ (نبي)رَبُّهُ ، قَالَ : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا [3/65]أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ " .
2052 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ " قَالَ : هُمَا يَرْفَعَانِ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَيَقُولَانِ : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " قَالَ : وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)يَحْمِلُ الْحِجَارَةَ عَلَى رَقَبَتِهِ ، وَالشَّيْخُ يَبْنِي .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)قَائِلَيْنِ : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قَائِلُ ذَلِكَ كَانَ إِسْمَاعِيلَ (نبي). فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ، وَإِذْ يَقُولُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا . فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ " إِسْمَاعِيلُ (نبي)" مَرْفُوعًا بِالْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهُ . وَ " يَقُولُ " حِينَئِذٍ ، خَبَرٌ لَهُ دُونَ إِبْرَاهِيمَ (نبي).
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي رَفَعَ الْقَوَاعِدَ ، بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)كَانَ مِمَّنْ رَفَعَهَا .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)جَمِيعًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2053 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ " . [3/66]قَالَ : فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)حَتَّى أَتَى مَكَّةَ (مكان)، فَقَامَ هُوَ وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)وَأَخَذَا الْمَعَاوِلَ ، لَا يَدْرِيَانِ أَيْنَ الْبَيْتُ . فَبَعْثَ اللَّهُ رِيحًا يُقَالُ لَهَا رِيحُ الْخَجُوجِ ، لَهَا جَنَاحَانِ وَرَأْسٌ فِي صُورَةِ حَيَّةٍ ، فَكَنَسَتْ لَهُمَا مَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ (مكان)عَنْ أَسَاسِ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ ، وَاتَّبَعَاهَا بِالْمَعَاوِلِ يَحْفِرَانِ ، حَتَّى وَضَعَا الْأَسَاسَ . فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ . [ سُورَةُ الْحَجِّ : 26 ] . فَلَمَّا بَنَيَا الْقَوَاعِدَ فَبَلَغَا مَكَانَ الرُّكْنِ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)لِإِسْمَاعِيلَ (نبي): يَا بُنَيَّ ، اطْلُبْ لِي حَجَرًا حَسَنًا أَضَعُهُ هَاهُنَا . قَالَ : يَا أَبَتِ ، إِنِّي كَسْلَانُ تَعِبٌ . قَالَ : عَلَيَّ بِذَلِكَ . فَانْطَلَقَ فَطَلَبَ لَهُ حَجَرًا فَجَاءَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يَرْضَهُ ، فَقَالَ : ائْتِنِي بِحَجَرٍ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا . فَانْطَلَقَ يَطْلُبُ لَهُ حَجَرًا ، وَجَاءَهُ جِبْرِيلُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (مكان)مِنَ الْهِنْدِ (مكان)، وَكَانَ أَبْيَضَ ، يَاقُوتَةً بَيْضَاءَ مِثْلَ الثَّغَامَةِ . وَكَانَ آدَمُ (نبي)هَبَطَ بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ فَاسْوَدَّ مِنْ خَطَايَا النَّاسِ . فَجَاءَهُ إِسْمَاعِيلُ (نبي)بِحَجَرٍ فَوَجَدَهُ عِنْدَ الرُّكْنِ ، فَقَالَ : يَا أَبَتِ مَنْ جَاءَكَ بِهَذَا ؟ فَقَالَ : مَنْ هُوَ أَنْشَطُ مِنْكَ! فَبَنَيَاهُ .
2054 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عبدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)هُمَا رَفَعَا قَوَاعِدَ الْبَيْتِ . [3/67]
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ رَفَعَ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ إِبْرَاهِيمُ (نبي)، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ (نبي)يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2055 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الرَّازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ - يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ - ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَ إِبْرَاهِيمُ ، (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)يَبْرِي نَبْلًا قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ ، (مكان)فَلَّمَا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ ، وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا إِسْمَاعِيلُ ، (نبي)إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ . قَالَ : فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ . قَالَ : وَتُعِينُنِي ؟ قَالَ : وَأُعِينُكَ . قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَاهُنَا بَيْتًا ! وَأَشَارَ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)، وَالْكَعْبَةُ (مكان)مُرْتَفِعَةٌ عَلَى مَا حَوْلَهَا . قَالَ : فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ . قَالَ : فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ (نبي)يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ ، وَإِبْرَاهِيمُ (نبي)يَبْنِي ، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ ، فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي ، وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَهُمَا يَقُولَانِ : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ حَتَّى دَوَّرَ حَوْلَ الْبَيْتِ . [3/68]
2056 - حَدَّثَنَا ابْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ : سَمِعْتُ كَثِيرَ بْنَ كَثِيرٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَ - يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ (نبي)- فَوَجَدَ إِسْمَاعِيلَ (نبي)يُصْلِحُ نَبْلًا مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ (مكان). قَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي): يَا إِسْمَاعِيلُ ، (نبي)إِنَّ اللَّهَ رَبَّكَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا . فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ (نبي): فَأَطِعْ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ . فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (نبي): قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ . قَالَ : إِذًا أَفْعَلُ . قَالَ : فَقَامَ مَعَهُ ، فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)يَبْنِيهِ ، وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَيَقُولَانِ : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَلَّمَّا ارْتَفَعَ الْبُنْيَانُ ، وَضَعُفَ الشَّيْخُ عَنْ رَفْعِ الْحِجَارَةِ ، قَامَ عَلَى حَجَرٍ ، فَهُوَ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ، (مكان)فَجَعَلَ يُنَاوِلُهُ وَيَقُولَانِ : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الَّذِي رَفَعَ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَحَدَهُ ، وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)يَوْمَئِذٍ طِفْلٌ صَغِيرٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2057 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَا حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ ، عَنْ عَلَيٍّ قَالَ : لَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)بِبِنَاءِ الْبَيْتِ ، خَرَجَ مَعَهُ إِسْمَاعِيلُ (نبي)وَهَاجَرُ . قَالَ : فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ (مكان)رَأَى عَلَى رَأْسِهِ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ مِثْلَ الْغَمَامَةِ ، فِيهِ مِثْلُ الرَّأْسِ ، فَكَلَّمَهُ فَقَالَ : يَا إِبْرَاهِيمَ ، (نبي)ابْنِ عَلَى [3/69]ظِلِّي - أَوْ عَلَى قَدْرِي - وَلَا تَزِدْ وَلَا تَنْقُصْ . فَلَمَّا بَنَى [ خَرَجَ ] وَخَلَّفَ إِسْمَاعِيلَ (نبي)وَهَاجَرَ ، فَقَالَتْ هَاجَرُ : يَا إِبْرَاهِيمُ ، (نبي)إِلَى مَنْ تَكِلُنَا ؟ قَالَ : إِلَى اللَّهِ . قَالَتِ : انْطَلِقْ فَإِنَّهُ لَا يُضَيِّعُنَا . قَالَ : فَعَطِشَ إِسْمَاعِيلُ (نبي)عَطَشًا شَدِيدًا قَالَ : فَصَعِدَتْ هَاجَرُ الصَّفَا ، (مكان)فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا . ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ ، (مكان)فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى الصَّفَا (مكان)فَنَظَرْتُ ، فَلَمْ تَرَ شَيْئًا . حَتَّى فَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ . فَقَالَتْ : يَا إِسْمَاعِيلُ ، (نبي)مُتْ حَيْثُ لَا أَرَاكَ . فَأَتَتْهُ وَهُوَ يَفْحَصُ بِرِجْلِهِ مِنَ الْعَطَشِ . فَنَادَاهَا جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهَا : مَنْ أَنْتِ ؟ فَقَالَتْ : أَنَا هَاجَرُ ، أُمُّ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ . قَالَ : إِلَى مَنْ وَكَلَكُمَا ؟ قَالَتْ : وَكَلَنَا إِلَى اللَّهِ . قَالَ : وَكَلَكُمَا إِلَى كَافٍ! قَالَ : فَفَحَصَ [ الْغُلَامُ ] الْأَرْضَ بِإِصْبَعِهِ ، فَنَبَعَتْ زَمْزَمُ (مكان)، فَجَعَلَتْ تَحْبِسُ الْمَاءَ . فَقَالَ : دَعِيهِ فَإِنَّهَا رَوَاءٌ .
2058 - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ : أَنَّ رَجُلًا قَامَ إِلَى عَلَيٍّ فَقَالَ : أَلَا تُخْبِرُنِي عَنِ الْبَيْتِ ؟ [3/70]أَهْوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وَضِعَ فِي الْأَرْضِ ؟ فَقَالَ : لَا وَلَكِنْ هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِيهِ الْبَرَكَةُ ، مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ (مكان)، وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ كَيْفَ بُنِيَ : إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ (نبي)أَنِ ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ . قَالَ : فَضَاقَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)بِذَلِكَ ذَرْعًا ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ السَّكِينَةَ - وَهَى رِيحٌ خَجُوجٌ ، وَلَهَا رَأْسَانِ - فَأَتْبَعَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى مَكَّةَ (مكان)، فَتَطَوَّتْ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ كَتَطَوِّي الْحَجَفَةِ ، وَأُمِرَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)أَنْ يَبْنِيَ حَيْثُ تَسْتَقِرُّ السَّكِينَةُ . فَبَنَى إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَبَقِيَ حَجَرٌ ، فَذَهَبَ الْغُلَامُ يَبْغِي شَيْئًا ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي): لَا! ابْغِنِي حَجَرًا كَمَا آمُرُكَ . قَالَ : فَانْطَلَقَ الْغُلَامُ يَلْتَمِسُ لَهُ حَجَرًا ، فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ قَدْ رَكَّبَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي مَكَانِهِ ، فَقَالَ : يَا أَبَتِ ، مَنْ أَتَاكَ بِهَذَا الْحَجَرِ ؟ قَالَ : أَتَانِي بِهِ مَنْ لَمْ يَتَّكِلْ عَلَى بِنَائِكَ ، جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ مِنَ السَّمَاءِ . فَأَتَمَّاهُ . [3/71]
2059 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ سِمَاكٍ قَالَ : سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ عَرْعَرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَلَيٍّ بِنَحْوِهِ .
2060 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو الْأَحْوَصِ كُلُّهُمْ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ، عَنْ عَلَيٍّ ، بِنَحْوِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَمَنْ قَالَ : رَفَعَ الْقَوَاعِدَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)، أَوْ قَالَ : رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ (نبي)يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ ، فَالصَّوَابُ فِي قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُضْمَرُ مِنَ الْقَوْلِ لِإِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي). وَيَكُونُ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ : " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)" يَقُولَانِ : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا " . وَقَدْ كَانَ يَحْتَمِلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، أَنْ يَكُونَ الْمُضْمَرُ مِنَ الْقَوْلِ لِإِسْمَاعِيلَ (نبي)خَاصَّةً دُونَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)، وَلِإِبْرَاهِيمَ (نبي)خَاصَّةً دُونَ إِسْمَاعِيلَ ، (نبي)لَوْلَا مَا عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنْ أَنَّ الْمُضْمَرَ مِنَ الْقَوْلِ لِإِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)جَمِيعًا .
وَأَمَّا عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلَيٍّ : - أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)هُوَ الَّذِي رَفَعَ الْقَوَاعِدَ دُونَ إِسْمَاعِيلَ (نبي)- فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُضْمَرُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَّا لِإِسْمَاعِيلَ (نبي)خَاصَّةً .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ : أَنَّ الْمُضْمَرَ مِنَ الْقَوْلِ لِإِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)، وَأَنَّ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)جَمِيعًا . وَذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ ، (نبي)إِنْ كَانَا هُمَا بَنَيَاهَا وَرَفَعَاهَا فَهُوَ مَا قُلْنَا . وَإِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)تَفَرَّدَ بِبِنَائِهَا ، وَكَانَ [3/72]إِسْمَاعِيلُ (نبي)يُنَاوِلُهُ ، فَهُمَا أَيْضًا رَفَعَاهَا ، لِأَنَّ رَفْعَهَا كَانَ بِهِمَا : مِنْ أَحَدِهِمَا الْبِنَاءُ ، وَمِنَ الْآخَرِ نَقْلُ الْحِجَارَةِ إِلَيْهَا وَمَعُونَةُ وَضْعِ الْأَحْجَارِ مَوَاضِعَهَا . وَلَا تَمْتَنِعُ الْعَرَبُ مِنْ نِسْبَةِ الْبِنَاءِ إِلَى مَنْ كَانَ بِسَبَبِهِ الْبِنَاءُ وَمَعُونَتُهُ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ ، لِإِجْمَاعِ جَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ إِسْمَاعِيلَ (نبي)مَعْنِيٌّ بِالْخَبَرِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِهِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُمَا : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " . فَمَعْلُومٌ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ (نبي)لَمْ يَكُنْ لِيَقُولَ ذَلِكَ ، إِلَّا وَهُوَ : إِمَّا رَجُلٌ كَامِلٌ ، وَإِمَّا غُلَامٌ قَدْ فَهِمَ مَوَاضِعَ الضُّرِّ مِنَ النَّفْعِ ، وَلَزِمَتْهُ فَرَائِضُ اللَّهِ وَأَحْكَامُهُ . وَإِذَا كَانَ - فِي حَالِ بِنَاءِ أَبِيهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِبِنَائِهِ وَرَفْعِهِ قَوَاعِدَ بَيْتِ اللَّهِ - كَذَلِكَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَارِكًا مَعُونَةَ أَبِيهِ ، إِمَّا عَلَى الْبِنَاءِ ، وَإِمَّا عَلَى نَقْلِ الْحِجَارَةِ . وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ ، فَقَدْ دَخَلَ فِي مَعْنَى مَنْ رَفَعَ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ ، وَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ الْمُضْمَرَ خَبَرٌ عَنْهُ وَعَنْ وَالِدِهِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)عَلَيْهِمَا السَّلَامُ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)يَقُولَانِ : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا عَمَلَنَا ، وَطَاعَتَنَا إِيَّاكَ ، وَعِبَادَتَنَا لَكَ ، فِي انْتِهَائِنَا إِلَى أَمْرِكَ الَّذِي أَمَرْتَنَا بِهِ ، فِي بِنَاءِ بَيْتِكَ الَّذِي أَمَرْتَنَا بِبِنَائِهِ ، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .
وَفِي إِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُمَا رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ بِنَاءَهُمَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَسْكَنًا يَسْكُنَانِهِ ، وَلَا مَنْزِلًا يَنْزِلِانِهِ ، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا بَنَيَاهُ وَرَفَعَا قَوَاعِدَهُ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ تَقَرُّبًا مِنْهُمَا إِلَى اللَّهِ بِذَلِكَ . وَلِذَلِكَ قَالَا " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا " . وَلَوْ كَانَا بَنَيَاهُ مَسْكَنًا لِأَنْفُسِهِمْ ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِمَا : " تَقَبَّلْ مِنَّا " وَجْهٌ مَفْهُومٌ . لِأَنَّهُ كَانَا [3/73]يَكُونَانِ - لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ - سَائِلِينَ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمَا مَا لَا قُرْبَةَ فِيهِ إِلَيْهِ . وَلَيْسَ مَوْضِعُهُمَا مَسْأَلَةَ اللَّهِ قَبُولَ مَا لَا قُرْبَةَ إِلَيْهِ فِيهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ( إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 127 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " ، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ دُعَاءَنَا وَمَسْأَلَتَنَا إِيَّاكَ قَبُولَ مَا سَأَلْنَاكَ قَبُولَهُ مِنَّا ، مِنْ طَاعَتِكَ فِي بِنَاءِ بَيْتِكَ الَّذِي أَمَرْتَنَا بِبِنَائِهِ - الْعَلِيمُ بِمَا فِي ضَمَائِرِ نُفُوسِنَا مِنَ الْإِذْعَانِ لَكَ فِي الطَّاعَةِ ، وَالْمَصِيرِ إِلَى مَا فِيهِ لَكَ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةُ ، وَمَا نُبْدِي وَنُخْفِي مِنْ أَعْمَالِنَا ، كَمَا : -
2061 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " ، يَقُولُ : تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ " ، وَاذْكُرُوا إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ .
وَ " الْقَوَاعِدُ " جَمْعُ " قَاعِدَةٍ " ، يُقَالُ لِلْوَاحِدَةِ مِنْ " قَوَاعِدِ الْبَيْتِ " " قَاعِدَةٌ " ، وَلِلْوَاحِدَةِ مِنْ " قَوَاعِدِ النِّسَاءِ " وَعَجَائِزهِنَّ " قَاعِدٌ " ، فَتُلْغَى هَاءُ التَّأْنِيثِ ، لِأَنَّهَا " فَاعِلٌ " مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قَعَدَتْ عَنِ الْحَيْضِ " ، وَلَا حَظَّ فِيهِ لِلذُّكُورَةِ ، كَمَا يُقَالُ : " امْرَأَةٌ طَاهِرٌ وَطَامِثٌ " ، لِأَنَّهُ لَا حَظَّ فِي ذَلِكَ لِلذُّكُورِ . وَلَوْ عَنَى بِهِ " الْقُعُودَ " الَّذِي هُوَ خِلَافُ " الْقِيَامِ " ، لَقِيلَ : " قَاعِدَةٌ " ، وَلَمْ يَجُزْ حِينَئِذٍ إِسْقَاطُ هَاءِ التَّأْنِيثِ . وَ " قَوَاعِدُ الْبَيْتِ " : إِسَاسُهُ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي " الْقَوَاعِدِ " الَّتِي رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)مِنَ الْبَيْتِ . أَهُمَا أَحْدَثَا ذَلِكَ ، أَمْ هِيَ قَوَاعِدُ كَانَتْ لَهُ قَبْلَهُمَا ؟
فَقَالَ قَوْمٌ : هِيَ قَوَاعِدُ بَيْتٍ كَانَ بِنَاهُ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ بِأَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ ، ثُمَّ دَرَسَ مَكَانُهُ وَتَعَفَّى أَثَرُهُ بَعْدَهُ ، حَتَّى بَوَّأَهُ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَبَنَاهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2037 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : قَالَ آدَمُ (نبي): يَا رَبِّ ، إِنِّي لَا أَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْمَلَائِكَةِ! قَالَ : بِخَطِيئَتِكَ ، وَلَكِنِ اهْبِطْ إِلَى الْأَرْضِ ، وَابْنِ لِي بَيْتًا ، ثُمَّ احْفُفْ بِهِ كَمَا رَأَيْتَ [3/58]الْمَلَائِكَةَ تَحُفُّ بِبَيْتِيَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ . فَيَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّهُ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ : مِنْ " حِرَاءَ (مكان)" وَ " طُورِزَيْتَا (مكان)" ، وَ " طُورِسَيْنَا (مكان)" ، وَ " جَبَلِ لُبْنَانَ (مكان)" ، وَ " الْجُودِيِّ (مكان)" ، وَكَانَ رَبْضُهُ مِنْ حِرَاءَ (مكان). فَكَانَ هَذَا بِنَاءَ آدَمَ (نبي)حَتَّى بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)بَعْدُ .
2038 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ " قَالَ : الْقَوَاعِدُ الَّتِي كَانَتْ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ قَبْلَ ذَلِكَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ قَوَاعِدُ بَيْتٍ كَانَ اللَّهُ أَهْبَطَهُ لِآدَمَ (نبي)مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، يَطُوفُ بِهِ كَمَا كَانَ يَطُوفُ بِعَرْشِهِ فِي السَّمَاءِ ، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ أَيَّامَ الطُّوفَانِ ، فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)قَوَاعِدَ ذَلِكَ الْبَيْتِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2039 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ (نبي)مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ : إِنِّي مُهْبِطٌ مَعَكَ - أَوْ مُنْزِلٌ - مَعَكَ بَيْتًا يُطَافُ حَوْلَهُ كَمَا يُطَافُ حَوْلَ عَرْشِي ، وَيُصَلَّى عِنْدَهُ كَمَا يُصَلَّى عِنْدَ عَرْشِي . فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ الطُّوفَانِ رُفِعَ ، فَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ يَحُجُّونَهُ وَلَا يَعْلَمُونَ مَكَانَهُ ، حَتَّى بَوَّأَهُ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ ، (نبي)وَأَعْلَمَهُ مَكَانَهُ ، فَبَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ : مِنْ " حِرَاءَ (مكان)" وَ " ثَبِيرٍ (مكان)" وَ " لُبْنَانَ (مكان)" وَ " جَبَلِ الطُّورِ (مكان)" وَ " جَبَلِ الْخَمْرِ (مكان)" . [3/59]
2040 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، قَالَ : لَمَّا أُهْبِطَ آدَمُ (نبي)، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ .
2041 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنْ سَوَّارٍ [ خَتَنِ عَطَاءٍ ] ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، قَالَ : لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ (نبي)مِنَ الْجَنَّةِ ، كَانَ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ ، يَسْمَعُ كَلَامَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَدُعَاءَهُمْ ، يَأْنَسُ إِلَيْهِمْ ، فَهَابَتْهُ الْمَلَائِكَةُ ، حَتَّى شَكَتْ إِلَى اللَّهِ فِي دُعَائِهَا وَفِي صَلَاتِهَا ، فَخَفَضَهُ إِلَى الْأَرْضِ . فَلَمَّا فَقَدَ مَا كَانَ يَسْمَعُ مِنْهُمْ ، اسْتَوْحَشَ حَتَّى شَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ فِي دُعَائِهِ وَفِي صِلَاتِهِ ، فَوُجِّهَ إِلَى مَكَّةَ ، فَكَانَ مَوْضِعُ قَدَمِهِ قَرْيَةً وَخَطْوُهُ مَفَازَةً ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَّةَ (مكان). وأَنْزَلَ اللَّهُ يَاقُوتَةً مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ ، فَكَانَتْ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ الْآنَ ، فَلَمْ يَزَلْ يَطُوفُ بِهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ الطُّوفَانَ ، فَرُفِعَتْ تِلْكَ الْيَاقُوتَةُ ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)فَبَنَاهُ . فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : " وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ " .
2042 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : وَضَعَ اللَّهُ الْبَيْتَ مَعَ آدَمَ ، (نبي)حِينَ أَهْبَطُ اللَّهُ آدَمَ (نبي)إِلَى الْأَرْضِ ، وَكَانَ مَهْبِطُهُ بِأَرْضِ الْهِنْدِ (مكان)، وَكَانَ رَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ ، وَرِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ ، فَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَهَابُهُ ، فَنَقُصَ إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعًا : فَحَزِنَ آدَمُ (نبي)إِذْ فَقَدَ أَصْوَاتِ الْمَلَائِكَةِ وَتَسْبِيحَهُمْ ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَقَالَ اللَّهُ : يَا آدَمُ ، (نبي)إِنِّي قَدْ أَهْبَطْتُ إِلَيْكَ بَيْتًا تَطُوفُ بِهِ كَمَا يُطَافُ حَوْلَ عَرْشِي ، وَتَصِلِي عِنْدَهُ كَمَا يُصَلَّى عِنْدَ عَرْشِي . [3/60]فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ آدَمُ (نبي)فَخَرَجَ ، وَمُدَّ لَهُ فِي خَطْوِهُ ، فَكَانَ بَيْنَ كُلِّ خُطْوَتَيْنِ مَفَازَةٌ ، فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ الْمَفَاوِزُ بَعْدَ ذَلِكَ . فَأَتَى آدَمُ (نبي)الْبَيْتَ وَطَافَ بِهِ وَمَنْ بَعْدِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ .
2043 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَبَانَ : أَنَّ الْبَيْتَ أُهْبِطَ يَاقُوتَةً وَاحِدَةً - أَوْ دُرَّةً وَاحِدَةً - حَتَّى إِذَا أَغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ (نبي)رَفَعَهُ ، وَبَقِيَ أَسَاسُهُ ، فَبَوَّأَهُ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ (نبي)، فَبَنَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ رَبْوَةً حَمْرَاءَ كَهَيْئَةِ الْقُبَّةِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَرَادَ خَلْقَ الْأَرْضِ عَلَا الْمَاءَ زُبْدَةٌ حَمْرَاءُ أَوْ بَيْضَاءُ ، وَذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان). ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى بَوَّأَهُ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)، فَبَنَاهُ عَلَى أَسَاسِهِ . وَقَالُوا : أَسَاسُهُ عَلَى أَرْكَانٍ أَرْبَعَةٍ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2044 - حَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، مِثْلَ الزُّبْدَةِ الْبَيْضَاءِ ، وَمِنْ تَحْتِهِ دُحِيَتِ الْأَرْضُ .
2045 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : بَعَثَ اللَّهُ رِيَاحًا فَصَفَّقَتِ الْمَاءَ ، فَأَبْرَزَتْ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ عَنْ حَشَفَةٍ كَأَنَّهَا الْقُبَّةُ ، فَهَذَا الْبَيْتُ مِنْهَا . فَلِذَلِكَ هِيَ " أُمُّ الْقُرَى " . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ عَطَاءٌ : ثُمَّ وَتَدَهَا بِالْجِبَالِ كَيْ لَا تُكْفَأَ بِمَيْدٍ ، فَكَانَ أَوَّلَ جَبَلٍ " أَبُو قُبَيْسٍ " . (مكان)[3/61]
2046 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : وُضِعَ الْبَيْتُ عَلَى أَرْكَانِ الْمَاءِ ، عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ ، قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ الدُّنْيَا بِأَلْفَيْ عَامٍ ، ثُمَّ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِ الْبَيْتِ .
2047 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ : وَجَدُوا بِمَكَّةَ (مكان)حَجَرًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ : " إِنِّي أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ ، بِنَيْتُهُ يَوْمَ صَنَعْتُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ، وَحَفَفْتُهُ بِسَبْعَةِ أَمْلَاكٍ حُنَفَاءَ " .
2048 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي عبدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَنَّ اللَّهَ لَمَّا بَوَّأَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)مَكَانَ الْبَيْتِ خَرَجَ إِلَيْهِ مِنَ الشَّامِ (مكان)، وَخَرَجَ مَعَهُ بِإِسْمَاعِيلَ (نبي)وَأُمِّهِ هَاجَرَ ، وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)طِفْلٌ صَغِيرٌ يَرْضَعُ . وَحُمِلُوا - فِيمَا حَدَّثَنِي - عَلَى الْبُرَاقِ وَمَعَهُ جِبْرِيلُ يَدُلُّهُ عَلَى [3/62]مَوْضِعِ الْبَيْتِ وَمَعَالِمِ الْحَرَمِ . فَخَرَجَ وَخَرَجَ مَعَهُ جِبْرِيلُ ، فَقَالَ : كَانَ لَا يَمُرُّ بِقَرْيَةٍ إِلَّا قَالَ : أَبِهَذِهِ أُمِرْتُ يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ جِبْرِيلُ : امْضِهِ! حَتَّى قَدِمَ بِهِ مَكَّةَ (مكان)، وَهِيَ إِذْ ذَاكَ عِضَاهُ سَلْمٍ وَسَمُرٍ ، وَبِهَا أُنَاسٌ يُقَالُ لَهُمُ " الْعَمَالِيقُ " خَارِجَ مَكَّةَ (مكان)وَمَا حَوْلَهَا ، وَالْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ رَبْوَةٌ حَمْرَاءُ مَدَرَةٌ ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)لِجِبْرِيلَ : أَهاَهُنَا أُمِرْتُ أَنْ أَضَعَهُمَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَعَمَدَ بِهِمَا إِلَى مَوْضِعِ الْحَجَرِ فَأَنْزَلَهُمَا فِيهِ ، وَأَمَرَ هَاجَرَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِ عَرِيشًا ، فَقَالَ : رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ إِلَى قَوْلِهِ : لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 37 ]
قَالَ ابْنُ حُمَيْدٍ : قَالَ : سَلَمَةُ قَالَ : ابْنُ إِسْحَاقَ : وَيَزْعُمُونَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَتَى هَاجَرَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ - حِينَ أَنْزَلَهُمَا إِبْرَاهِيمُ (نبي)مَكَّةَ ، (مكان)قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ - فَأَشَارَ لَهَا إِلَى الْبَيْتِ ، وَهُوَ رَبْوَةٌ حَمْرَاءُ مَدَرَةٌ ، فَقَالَ لَهَا : هَذَا أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ ، وَهُوَ بَيْتُ اللَّهِ الْعَتِيقُ ، وَاعْلَمِي أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)هُمَا يَرْفَعَانِهِ لِلنَّاسِ .
2049 - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ قَالَ : أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : خَلَقَ اللَّهُ مَوْضِعَ هَذَا [3/63]الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ ، وَأَرْكَانُهُ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ .
2050 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ : أَخْبَرَنِي بِشْرُ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : حَدَّثَنَا كَعْبٌ : إِنَّ الْبَيْتَ كَانَ غُثَاءَةً عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الْأَرْضَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَمِنْهُ دُحِيَتِ الْأَرْضُ . قَالَ [ سَعِيدٌ ] : وحُدِّثْنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)أَقْبَلَ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ (مكان)مَعَهُ السَّكِينَةُ ، تَدُلُّهُ عَلَى تَبَوُّئِ الْبَيْتِ ، كَمَا تَتَبَوَّأُ الْعَنْكَبُوتُ بَيْتَهَا . قَالَ : فَرَفَعَتْ عَنْ أَحْجَارٍ تُطِيقُهُ - أَوْ لَا تُطِيقُهُ - ثَلَاثُونَ رَجُلًا قَالَ : قُلْتُ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ " قَالَ : كَانَ ذَاكَ بَعْدُ . [3/64]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ (نبي)خَلِيلِهِ أَنَّهُ وَابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ ، (نبي)رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان). وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوَاعِدَ بَيْتٍ كَانَ أَهْبَطَهُ مَعَ آدَمَ (نبي)، فَجَعَلَهُ مَكَانَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ (مكان)الَّذِي بِمَكَّةَ (مكان). وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ الْقُبَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا عَطَاءٌ ، مِمَّا أَنْشَأَهُ اللَّهُ مِنْ زَبَدِ الْمَاءِ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ يَاقُوتَةً أَوْ دُرَّةً أُهْبِطَا مِنَ السَّمَاءِ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ آدَمُ (نبي)بَنَاهُ ثُمَّ انْهَدَمَ ، حَتَّى رَفَعَ قَوَاعِدَهُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي). وَلَا عِلْمَ عِنْدِنَا بِأَيِّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَيٍّ ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ ذَلِكَ لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِخَبَرٍ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ . وَلَا خَبَرَ بِذَلِكَ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فَيَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا ، وَلَا هُوَ - إِذْ لَمْ يَكُنْ بِهِ خَبَرٌ ، عَلَى مَا وَصَفْنَا - مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِالِاسْتِدْلَالِ وَالْمَقَايِيسِ ، فَيُمَثَّلُ بِغَيْرِهِ ، وَيُسْتَنْبَطُ عِلْمُهُ مِنْ جِهَةِ الِاجْتِهَادِ ، فَلَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِمَّا قُلْنَا . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)يَقُولَانِ : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا . وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2051 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : يَبْنِيَانِ وَهُمَا يَدْعُوَانِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتَلَى بِهَا إِبْرَاهِيمَ (نبي)رَبُّهُ ، قَالَ : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا [3/65]أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ " .
2052 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ " قَالَ : هُمَا يَرْفَعَانِ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَيَقُولَانِ : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " قَالَ : وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)يَحْمِلُ الْحِجَارَةَ عَلَى رَقَبَتِهِ ، وَالشَّيْخُ يَبْنِي .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)قَائِلَيْنِ : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قَائِلُ ذَلِكَ كَانَ إِسْمَاعِيلَ (نبي). فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ، وَإِذْ يَقُولُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا . فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ " إِسْمَاعِيلُ (نبي)" مَرْفُوعًا بِالْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَهُ . وَ " يَقُولُ " حِينَئِذٍ ، خَبَرٌ لَهُ دُونَ إِبْرَاهِيمَ (نبي).
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي رَفَعَ الْقَوَاعِدَ ، بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)كَانَ مِمَّنْ رَفَعَهَا .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)جَمِيعًا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2053 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ " . [3/66]قَالَ : فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)حَتَّى أَتَى مَكَّةَ (مكان)، فَقَامَ هُوَ وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)وَأَخَذَا الْمَعَاوِلَ ، لَا يَدْرِيَانِ أَيْنَ الْبَيْتُ . فَبَعْثَ اللَّهُ رِيحًا يُقَالُ لَهَا رِيحُ الْخَجُوجِ ، لَهَا جَنَاحَانِ وَرَأْسٌ فِي صُورَةِ حَيَّةٍ ، فَكَنَسَتْ لَهُمَا مَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ (مكان)عَنْ أَسَاسِ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ ، وَاتَّبَعَاهَا بِالْمَعَاوِلِ يَحْفِرَانِ ، حَتَّى وَضَعَا الْأَسَاسَ . فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ : وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ . [ سُورَةُ الْحَجِّ : 26 ] . فَلَمَّا بَنَيَا الْقَوَاعِدَ فَبَلَغَا مَكَانَ الرُّكْنِ ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)لِإِسْمَاعِيلَ (نبي): يَا بُنَيَّ ، اطْلُبْ لِي حَجَرًا حَسَنًا أَضَعُهُ هَاهُنَا . قَالَ : يَا أَبَتِ ، إِنِّي كَسْلَانُ تَعِبٌ . قَالَ : عَلَيَّ بِذَلِكَ . فَانْطَلَقَ فَطَلَبَ لَهُ حَجَرًا فَجَاءَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يَرْضَهُ ، فَقَالَ : ائْتِنِي بِحَجَرٍ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا . فَانْطَلَقَ يَطْلُبُ لَهُ حَجَرًا ، وَجَاءَهُ جِبْرِيلُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ (مكان)مِنَ الْهِنْدِ (مكان)، وَكَانَ أَبْيَضَ ، يَاقُوتَةً بَيْضَاءَ مِثْلَ الثَّغَامَةِ . وَكَانَ آدَمُ (نبي)هَبَطَ بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ فَاسْوَدَّ مِنْ خَطَايَا النَّاسِ . فَجَاءَهُ إِسْمَاعِيلُ (نبي)بِحَجَرٍ فَوَجَدَهُ عِنْدَ الرُّكْنِ ، فَقَالَ : يَا أَبَتِ مَنْ جَاءَكَ بِهَذَا ؟ فَقَالَ : مَنْ هُوَ أَنْشَطُ مِنْكَ! فَبَنَيَاهُ .
2054 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عبدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)هُمَا رَفَعَا قَوَاعِدَ الْبَيْتِ . [3/67]
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ رَفَعَ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ إِبْرَاهِيمُ (نبي)، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ (نبي)يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2055 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الرَّازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ - يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ - ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَ إِبْرَاهِيمُ ، (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)يَبْرِي نَبْلًا قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ ، (مكان)فَلَّمَا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ ، وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا إِسْمَاعِيلُ ، (نبي)إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ . قَالَ : فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ . قَالَ : وَتُعِينُنِي ؟ قَالَ : وَأُعِينُكَ . قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَاهُنَا بَيْتًا ! وَأَشَارَ إِلَى الْكَعْبَةِ (مكان)، وَالْكَعْبَةُ (مكان)مُرْتَفِعَةٌ عَلَى مَا حَوْلَهَا . قَالَ : فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ . قَالَ : فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ (نبي)يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ ، وَإِبْرَاهِيمُ (نبي)يَبْنِي ، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ ، فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي ، وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَهُمَا يَقُولَانِ : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ حَتَّى دَوَّرَ حَوْلَ الْبَيْتِ . [3/68]
2056 - حَدَّثَنَا ابْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ : سَمِعْتُ كَثِيرَ بْنَ كَثِيرٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَ - يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ (نبي)- فَوَجَدَ إِسْمَاعِيلَ (نبي)يُصْلِحُ نَبْلًا مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ (مكان). قَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي): يَا إِسْمَاعِيلُ ، (نبي)إِنَّ اللَّهَ رَبَّكَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا . فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ (نبي): فَأَطِعْ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ . فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (نبي): قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تُعِينَنِي عَلَيْهِ . قَالَ : إِذًا أَفْعَلُ . قَالَ : فَقَامَ مَعَهُ ، فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)يَبْنِيهِ ، وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَيَقُولَانِ : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَلَّمَّا ارْتَفَعَ الْبُنْيَانُ ، وَضَعُفَ الشَّيْخُ عَنْ رَفْعِ الْحِجَارَةِ ، قَامَ عَلَى حَجَرٍ ، فَهُوَ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ، (مكان)فَجَعَلَ يُنَاوِلُهُ وَيَقُولَانِ : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الَّذِي رَفَعَ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَحَدَهُ ، وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)يَوْمَئِذٍ طِفْلٌ صَغِيرٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2057 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَا حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ ، عَنْ عَلَيٍّ قَالَ : لَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)بِبِنَاءِ الْبَيْتِ ، خَرَجَ مَعَهُ إِسْمَاعِيلُ (نبي)وَهَاجَرُ . قَالَ : فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ (مكان)رَأَى عَلَى رَأْسِهِ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ مِثْلَ الْغَمَامَةِ ، فِيهِ مِثْلُ الرَّأْسِ ، فَكَلَّمَهُ فَقَالَ : يَا إِبْرَاهِيمَ ، (نبي)ابْنِ عَلَى [3/69]ظِلِّي - أَوْ عَلَى قَدْرِي - وَلَا تَزِدْ وَلَا تَنْقُصْ . فَلَمَّا بَنَى [ خَرَجَ ] وَخَلَّفَ إِسْمَاعِيلَ (نبي)وَهَاجَرَ ، فَقَالَتْ هَاجَرُ : يَا إِبْرَاهِيمُ ، (نبي)إِلَى مَنْ تَكِلُنَا ؟ قَالَ : إِلَى اللَّهِ . قَالَتِ : انْطَلِقْ فَإِنَّهُ لَا يُضَيِّعُنَا . قَالَ : فَعَطِشَ إِسْمَاعِيلُ (نبي)عَطَشًا شَدِيدًا قَالَ : فَصَعِدَتْ هَاجَرُ الصَّفَا ، (مكان)فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا . ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ ، (مكان)فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى الصَّفَا (مكان)فَنَظَرْتُ ، فَلَمْ تَرَ شَيْئًا . حَتَّى فَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ . فَقَالَتْ : يَا إِسْمَاعِيلُ ، (نبي)مُتْ حَيْثُ لَا أَرَاكَ . فَأَتَتْهُ وَهُوَ يَفْحَصُ بِرِجْلِهِ مِنَ الْعَطَشِ . فَنَادَاهَا جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهَا : مَنْ أَنْتِ ؟ فَقَالَتْ : أَنَا هَاجَرُ ، أُمُّ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ . قَالَ : إِلَى مَنْ وَكَلَكُمَا ؟ قَالَتْ : وَكَلَنَا إِلَى اللَّهِ . قَالَ : وَكَلَكُمَا إِلَى كَافٍ! قَالَ : فَفَحَصَ [ الْغُلَامُ ] الْأَرْضَ بِإِصْبَعِهِ ، فَنَبَعَتْ زَمْزَمُ (مكان)، فَجَعَلَتْ تَحْبِسُ الْمَاءَ . فَقَالَ : دَعِيهِ فَإِنَّهَا رَوَاءٌ .
2058 - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ : أَنَّ رَجُلًا قَامَ إِلَى عَلَيٍّ فَقَالَ : أَلَا تُخْبِرُنِي عَنِ الْبَيْتِ ؟ [3/70]أَهْوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وَضِعَ فِي الْأَرْضِ ؟ فَقَالَ : لَا وَلَكِنْ هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِيهِ الْبَرَكَةُ ، مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ (مكان)، وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ كَيْفَ بُنِيَ : إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ (نبي)أَنِ ابْنِ لِي بَيْتًا فِي الْأَرْضِ . قَالَ : فَضَاقَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)بِذَلِكَ ذَرْعًا ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ السَّكِينَةَ - وَهَى رِيحٌ خَجُوجٌ ، وَلَهَا رَأْسَانِ - فَأَتْبَعَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى مَكَّةَ (مكان)، فَتَطَوَّتْ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ كَتَطَوِّي الْحَجَفَةِ ، وَأُمِرَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)أَنْ يَبْنِيَ حَيْثُ تَسْتَقِرُّ السَّكِينَةُ . فَبَنَى إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَبَقِيَ حَجَرٌ ، فَذَهَبَ الْغُلَامُ يَبْغِي شَيْئًا ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي): لَا! ابْغِنِي حَجَرًا كَمَا آمُرُكَ . قَالَ : فَانْطَلَقَ الْغُلَامُ يَلْتَمِسُ لَهُ حَجَرًا ، فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ قَدْ رَكَّبَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي مَكَانِهِ ، فَقَالَ : يَا أَبَتِ ، مَنْ أَتَاكَ بِهَذَا الْحَجَرِ ؟ قَالَ : أَتَانِي بِهِ مَنْ لَمْ يَتَّكِلْ عَلَى بِنَائِكَ ، جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ مِنَ السَّمَاءِ . فَأَتَمَّاهُ . [3/71]
2059 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ سِمَاكٍ قَالَ : سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ عَرْعَرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَلَيٍّ بِنَحْوِهِ .
2060 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو الْأَحْوَصِ كُلُّهُمْ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ، عَنْ عَلَيٍّ ، بِنَحْوِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَمَنْ قَالَ : رَفَعَ الْقَوَاعِدَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)، أَوْ قَالَ : رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ (نبي)يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ ، فَالصَّوَابُ فِي قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُضْمَرُ مِنَ الْقَوْلِ لِإِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي). وَيَكُونُ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ : " وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)" يَقُولَانِ : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا " . وَقَدْ كَانَ يَحْتَمِلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، أَنْ يَكُونَ الْمُضْمَرُ مِنَ الْقَوْلِ لِإِسْمَاعِيلَ (نبي)خَاصَّةً دُونَ إِبْرَاهِيمَ (نبي)، وَلِإِبْرَاهِيمَ (نبي)خَاصَّةً دُونَ إِسْمَاعِيلَ ، (نبي)لَوْلَا مَا عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنْ أَنَّ الْمُضْمَرَ مِنَ الْقَوْلِ لِإِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)جَمِيعًا .
وَأَمَّا عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلَيٍّ : - أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)هُوَ الَّذِي رَفَعَ الْقَوَاعِدَ دُونَ إِسْمَاعِيلَ (نبي)- فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُضْمَرُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَّا لِإِسْمَاعِيلَ (نبي)خَاصَّةً .
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ : أَنَّ الْمُضْمَرَ مِنَ الْقَوْلِ لِإِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ (نبي)، وَأَنَّ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ (نبي)وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)جَمِيعًا . وَذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)وَإِسْمَاعِيلَ ، (نبي)إِنْ كَانَا هُمَا بَنَيَاهَا وَرَفَعَاهَا فَهُوَ مَا قُلْنَا . وَإِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)تَفَرَّدَ بِبِنَائِهَا ، وَكَانَ [3/72]إِسْمَاعِيلُ (نبي)يُنَاوِلُهُ ، فَهُمَا أَيْضًا رَفَعَاهَا ، لِأَنَّ رَفْعَهَا كَانَ بِهِمَا : مِنْ أَحَدِهِمَا الْبِنَاءُ ، وَمِنَ الْآخَرِ نَقْلُ الْحِجَارَةِ إِلَيْهَا وَمَعُونَةُ وَضْعِ الْأَحْجَارِ مَوَاضِعَهَا . وَلَا تَمْتَنِعُ الْعَرَبُ مِنْ نِسْبَةِ الْبِنَاءِ إِلَى مَنْ كَانَ بِسَبَبِهِ الْبِنَاءُ وَمَعُونَتُهُ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ ، لِإِجْمَاعِ جَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ إِسْمَاعِيلَ (نبي)مَعْنِيٌّ بِالْخَبَرِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِهِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُمَا : " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " . فَمَعْلُومٌ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ (نبي)لَمْ يَكُنْ لِيَقُولَ ذَلِكَ ، إِلَّا وَهُوَ : إِمَّا رَجُلٌ كَامِلٌ ، وَإِمَّا غُلَامٌ قَدْ فَهِمَ مَوَاضِعَ الضُّرِّ مِنَ النَّفْعِ ، وَلَزِمَتْهُ فَرَائِضُ اللَّهِ وَأَحْكَامُهُ . وَإِذَا كَانَ - فِي حَالِ بِنَاءِ أَبِيهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِبِنَائِهِ وَرَفْعِهِ قَوَاعِدَ بَيْتِ اللَّهِ - كَذَلِكَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَارِكًا مَعُونَةَ أَبِيهِ ، إِمَّا عَلَى الْبِنَاءِ ، وَإِمَّا عَلَى نَقْلِ الْحِجَارَةِ . وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ ، فَقَدْ دَخَلَ فِي مَعْنَى مَنْ رَفَعَ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ ، وَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ الْمُضْمَرَ خَبَرٌ عَنْهُ وَعَنْ وَالِدِهِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)عَلَيْهِمَا السَّلَامُ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ (نبي)يَقُولَانِ : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا عَمَلَنَا ، وَطَاعَتَنَا إِيَّاكَ ، وَعِبَادَتَنَا لَكَ ، فِي انْتِهَائِنَا إِلَى أَمْرِكَ الَّذِي أَمَرْتَنَا بِهِ ، فِي بِنَاءِ بَيْتِكَ الَّذِي أَمَرْتَنَا بِبِنَائِهِ ، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .
وَفِي إِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُمَا رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ : رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ بِنَاءَهُمَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَسْكَنًا يَسْكُنَانِهِ ، وَلَا مَنْزِلًا يَنْزِلِانِهِ ، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا بَنَيَاهُ وَرَفَعَا قَوَاعِدَهُ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ تَقَرُّبًا مِنْهُمَا إِلَى اللَّهِ بِذَلِكَ . وَلِذَلِكَ قَالَا " رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا " . وَلَوْ كَانَا بَنَيَاهُ مَسْكَنًا لِأَنْفُسِهِمْ ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِمَا : " تَقَبَّلْ مِنَّا " وَجْهٌ مَفْهُومٌ . لِأَنَّهُ كَانَا [3/73]يَكُونَانِ - لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ - سَائِلِينَ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمَا مَا لَا قُرْبَةَ فِيهِ إِلَيْهِ . وَلَيْسَ مَوْضِعُهُمَا مَسْأَلَةَ اللَّهِ قَبُولَ مَا لَا قُرْبَةَ إِلَيْهِ فِيهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ( إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 127 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " ، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ دُعَاءَنَا وَمَسْأَلَتَنَا إِيَّاكَ قَبُولَ مَا سَأَلْنَاكَ قَبُولَهُ مِنَّا ، مِنْ طَاعَتِكَ فِي بِنَاءِ بَيْتِكَ الَّذِي أَمَرْتَنَا بِبِنَائِهِ - الْعَلِيمُ بِمَا فِي ضَمَائِرِ نُفُوسِنَا مِنَ الْإِذْعَانِ لَكَ فِي الطَّاعَةِ ، وَالْمَصِيرِ إِلَى مَا فِيهِ لَكَ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةُ ، وَمَا نُبْدِي وَنُخْفِي مِنْ أَعْمَالِنَا ، كَمَا : -
2061 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " ، يَقُولُ : تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ .