النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ( 126 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا " ، وَاذْكُرُوا إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي): رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ بَلَدًا آمِنًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " آمِنًا " : آمِنًا مِنَ الْجَبَابِرَةِ وَغَيْرِهِمْ ، أَنْ يُسَلَّطُوا [3/45]عَلَيْهِ ، وَمِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ أَنْ تَنَالَهُ ، كَمَا تَنَالُ سَائِرَ الْبُلْدَانِ ، مَنْ خَسْفٍ ، وَائْتِفَاكٍ ، وَغَرَقٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَمَثُلَاتِهِ الَّتِي تُصِيبُ سَائِرَ الْبِلَادِ غَيْرَهُ ، كَمَا :
2026 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَرَمَ حُرِّمَ بِحِيَالِهِ إِلَى الْعَرْشِ . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْبَيْتَ هَبَطَ مَعَ آدَمَ (نبي)حِينَ هَبَطَ . قَالَ اللَّهُ لَهُ : أَهْبِطُ مَعَكَ بَيْتِي يُطَافُ حَوْلَهُ كَمَا يُطَافُ حَوْلَ عَرْشِي . فَطَافَ حَوْلَهُ آدَمُ (نبي)وَمَنْ كَانَ بَعْدَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ الطُّوفَانِ - حِينَ أَغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ (نبي)- رَفَعَهُ وَطَهَّرَهُ ، وَلَمْ تُصِبْهُ عُقُوبَةُ أَهْلِ الْأَرْضِ . فَتَتَبَّعَ مِنْهُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)أَثَرًا ، فَبَنَاهُ عَلَى أَسَاسٍ قَدِيمٍ كَانَ قَبْلَهُ .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : أَوَمَا كَانَ الْحَرَمُ آمِنًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ سَأَلَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)رَبَّهُ لَهُ الْأَمَانَ ؟
قِيلَ لَهُ : لَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَمْ يَزَلِ الْحَرَمُ آمِنًا مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ وَعُقُوبَةِ جَبَابِرَةِ خَلْقِهِ ، مُنْذُ خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ . وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا : -
2027 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيَّ يَقُولُ : لَمَّا افْتُتِحَتْ مَكَّةُ (مكان)قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَقَالَ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ (مكان)يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَضَ ، فَهِيَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا ، أَوْ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا . أَلَا وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، [3/46]وَلَمْ تُحَلَّ لِي إِلَّا هَذِهِ السَّاعَةَ ، غَضَبًا عَلَى أَهْلِهَا . أَلَا فَهِيَ قَدْ رَجَعَتْ عَلَى حَالِهَا بِالْأَمْسِ . أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ، فَمَنْ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَتَلَ بِهَا! فَقُولُوا : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّهَا لِرَسُولِهِ وَلَمْ يُحِلَّهَا لَكَ " .
2028 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - جَمِيعًا ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِمَكَّةَ (مكان)حِينَ افْتَتَحَهَا : " هَذِهِ حَرَمٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَخَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ، وَوَضَعَ هَذَيْنِ الْأَخْشَبَيْنِ ، لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، أُحِلَتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ . [3/47]
قَالُوا : فَمَكَّةُ (مكان)مُنْذُ خُلِقَتْ حَرَمٌ آمِنٌ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ وَعُقُوبَةِ الْجَبَابِرَةِ . قَالُوا : وَقَدْ أَخْبَرَتْ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا . قَالُوا : وَلَمْ يَسْأَلْ إِبْرَاهِيمُ (نبي)رَبَّهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ مِنْ عُقُوبَتِهِ وَعُقُوبَةِ الْجَبَابِرَةِ ، وَلَكِنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يُؤْمِّنَ أَهْلَهُ مِنَ الْجَدُوبِ والْقُحُوطِ ، وَأَنْ يَرْزُقَ سَاكِنَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ، كَمَا أَخْبَرَ رَبُّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَهُ بِقَوْلِهِ : " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالُوا : وَإِنَّمَا سَأَلَ رَبَّهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَسْكَنَ فِيهِ ذُرِّيَّتَهُ ، وَهُوَ غَيْرُ ذِي زَرْعٍ وَلَا ضَرْعٍ ، فَاسْتَعَاذَ رَبَّهُ مِنْ أَنْ يُهْلِكَهُمْ بِهَا جُوعًا وَعَطَشًا ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ مِمَّا حَذِرَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ .
قَالُوا : وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)سَأَلَ رَبَّهُ تَحْرِيمَ الْحَرَمِ ، وَأَنْ يُؤَمِّنَهُ مِنْ عُقُوبَتِهِ وَعُقُوبَةِ جَبَابِرَةِ خَلْقِهِ ، وَهُوَ الْقَائِلُ - حِينَ حَلَّهُ ، وَنَزَلَهُ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ : رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 37 ] ؟ قَالُوا : فَلَوْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)هُوَ الَّذِي حَرَّمَ الْحَرَمَ أَوْ سَأَلَ رَبَّهُ [3/48]تَحْرِيمَهُ لَمَا قَالَ : " عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ " عِنْدَ نُزُولِهِ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ حُرِّمَ قَبْلَهُ ، وَحُرِّمَ بَعْدَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ الْحَرَمُ حَلَالًا قَبْلَ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)كَسَائِرِ الْبِلَادِ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا صَارَ حَرَامًا بِتَحْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)إِيَّاهُ ، كَمَا كَانَتْ مَدِينَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَالًا قَبْلَ تَحْرِيمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهَا . قَالُوا : وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ ، مَا : -
2029 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عبدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ بَيْتَ اللَّهِ وَأَمَّنَهُ ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ، لَا يُصَادُ صَيْدُهَا ، وَلَا تُقْطَعُ عِضَاهُهَا .
2030 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا [ حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الرَّازِي ، [ قَالَا جَمِيعًا ] : سَمِعْنَا أَشْعَثَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)كَانَ عبدَ اللَّهِ وَخَلِيلَهُ ، وَإِنِّي عبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)حَرَّمَ مَكَّةَ ، (مكان)وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ (مكان)مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ، عِضَاهَهَا وَصَيْدَهَا ، وَلَا يُحْمَلُ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ ، وَلَا يُقْطَعُ مِنْهَا شَجَرٌ إِلَّا لِعَلَفِ بَعِيرٍ . [3/49]
2031 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)حَرَّمَ مَكَّةَ (مكان)، وَإِنِّي أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ (مكان)مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا . [3/50]
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَطُولُ بِاسْتِيعَابِهَا الْكِتَابُ .
قَالُوا : " وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)قَالَ : " رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا " ، وَلَمْ يُخْبِرْ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ أَنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا مِنْ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ دُونَ بَعْضٍ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الَّذِي سَأَلَهُ مِنْ ذَلِكَ ، الْأَمَانُ لَهُ مِنْ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ دُونَ بَعْضٍ ، إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا . قَالُوا : وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي شُرَيْحٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، فَخَبَرَانِ لَا تَثْبُتُ بِهِمَا حُجَّةٌ ، لِمَا فِي أَسَانِيدِهِمَا مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ فِيهَا مِنْ أَجْلِهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ جَعَلَ مَكَّةَ (مكان)حَرَمًا حِينَ خَلَقَهَا وَأَنْشَأَهَا ، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّهُ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ " ، بِغَيْرِ تَحْرِيمٍ مِنْهُ لَهَا عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ ، وَلَكِنْ بِمَنْعِهِ مَنْ أَرَادَهَا بِسُوءٍ ، وَبِدَفْعِهِ عَنْهَا مِنَ الْآفَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ ، وَعَنْ سَاكِنِيهَا ، مَا أَحَلَّ بِغَيْرِهَا وَغَيْرِ سَاكِنِيهَا مِنَ النَّقَمَاتِ . فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ أَمْرُهَا حَتَّى بَوَّأَهَا اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)خَلِيلَهُ ، وَأَسْكَنَ بِهَا أَهْلَهُ هَاجَرَ وَوَلَدَهُ إِسْمَاعِيلَ (نبي). فَسَأَلَ حِينَئِذٍ إِبْرَاهِيمُ (نبي)رَبَّهُ إِيجَابَ فَرْضِ تَحْرِيمِهَا عَلَى عِبَادِهِ عَلَى لِسَانِهِ ، لِيَكُونَ ذَلِكَ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ خَلْقِهِ ، يَسْتَنُّونَ بِهِ فِيهَا ، إِذْ كَانَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ جَاعِلُهُ ، لِلنَّاسِ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ ، فَأَجَابَهُ رَبُّهُ إِلَى مَا سَأَلَهُ ، وَأَلْزَمَ عِبَادَهُ حِينَئِذٍ فَرْضَ تَحْرِيمِهِ عَلَى لِسَانِهِ ،
فَصَارَتْ مَكَّةُ (مكان)- بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَمْنُوعَةً بِمَنْعِ اللَّهِ إِيَّاهَا ، بِغَيْرِ إِيجَابِ اللَّهِ فَرْضَ الِامْتِنَاعِ مِنْهَا عَلَى عِبَادِهِ ، وَمُحَرَّمَةً بِدَفْعِ اللَّهِ عَنْهَا ، بِغَيْرِ تَحْرِيمِهِ إِيَّاهَا عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ - فَرْضٌ تَحْرِيمُهَا عَلَى خَلْقِهِ عَلَى لِسَانِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَوَاجِبٌ عَلَى عِبَادِهِ الِامْتِنَاعُ مِنَ اسْتِحْلَالِهَا ، وَاسْتِحْلَالِ صَيْدِهَا وَعِضَاهِهَا لَهَا بِإِيجَابِهِ الِامْتِنَاعَ مِنْ ذَلِكَ بِبَلَاغِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)رِسَالَةَ اللَّهِ إِلَيْهِ بِذَلِكَ إِلَيْهِمْ . [3/51]
فَلِذَلِكَ أُضِيفَ تَحْرِيمُهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ (نبي)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ (مكان)" . لِأَنَّ فَرْضَ تَحْرِيمِهَا الَّذِي أَلْزَمَ اللَّهُ عِبَادَهُ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُ بِهِ - دُونَ التَّحْرِيمِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ مُتَعَبَّدًا لَهَا بِهِ عَلَى وَجْهِ الْكِلَاءَةِ وَالْحِفْظِ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ - كَانَ عَنْ مَسْأَلَةِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)رَبَّهُ إِيجَابَ فَرْضِ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ ، [ وَهُوَ الَّذِي ] لَزِمَ الْعِبَادَ فَرْضُهُ دُونَ غَيْرِهِ .
فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذًا بِمَا قُلْنَا صِحَّةُ مَعْنَى الْخَبَرَيْنِ - أَعْنِي خَبَرَ أَبِي شُرَيْحٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " وَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ (مكان)يَوْمَ خَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ " - وَخَبَرَ جَابِرٍ وَأَبَى هُرَيْرَةَ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَغَيْرِهِمْ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)حَرَّمَ مَكَّةَ (مكان)" ؛ وَأَنْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا دَافِعًا صِحَّةَ مَعْنَى الْآخَرِ ، كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ .
وَغَيْرُ جَائِزٍ فِي أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا دَافِعًا بَعْضًا ، إِذَا ثَبَتَ صِحَّتُهَا . وَقَدْ جَاءَ الْخَبَرَانِ اللَّذَانِ رُوِيَا فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَجِيئًا ظَاهِرًا مُسْتَفِيضًا يَقْطَعُ عُذْرَ مَنْ بَلَغَهُ .
وَأَمَّا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 37 ] فَإِنَّهُ ، إِنْ يَكُنْ قَالَهُ قَبْلَ إِيجَابِ اللَّهِ فَرْضَ تَحْرِيمِهِ عَلَى لِسَانِهِ عَلَى خَلْقِهِ ، فَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ تَحْرِيمَ اللَّهِ إِيَّاهُ الَّذِي حَرَّمَهُ بِحِيَاطَتِهِ إِيَّاهُ وَكِلَاءَتِهِ ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمِهِ إِيَّاهُ عَلَى خَلْقِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعَبُّدِ لَهُمْ بِذَلِكَ - وَإِنْ يَكُنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ تَحْرِيمِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَى خَلْقِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعَبُّدِ فَلَا مَسْأَلَةَ لِأَحَدٍ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ .
[3/52]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ (نبي)رَبَّهُ : أَنْ يَرْزُقَ مُؤْمِنِي أَهْلِ مَكَّةَ مِنَ الثَّمَرَاتِ ، دُونَ كَافِرِيهِمْ . وَخَصَّ بِمَسْأَلَةِ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْكَافِرِينَ ، لِمَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ - عِنْدَ مَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ - أَنَّ مِنْهُمُ الْكَافِرَ الَّذِي لَا يَنَالُ عَهْدُهُ ، وَالظَّالِمَ الَّذِي لَا يُدْرِكُ وِلَايَتَهُ . فَلَمَّا أَنْ عَلِمَ أَنَّ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ الظَّالِمَ وَالْكَافِرَ ، خَصَّ بِمَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَ مِنَ الثَّمَرَاتِ مِنْ سُكَّانِ مَكَّةَ ، (مكان)الْمُؤْمِنَ مِنْهُمْ دُونَ الْكَافِرِ . وَقَالَ اللَّهُ لَهُ : إِنِّي قَدْ أَجَبْتُ دُعَاءَكَ ، وَسَأَرْزُقُ مَعَ مُؤْمِنِي أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ كَافِرَهُمْ ، فَأُمَتِّعُهُ بِهِ قَلِيلًا .
وَأَمَّا " مَنْ " مِنْ قَوْلِهِ : " مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ " ، فَإِنَّهُ نَصْبٌ عَلَى التَّرْجَمَةِ وَالْبَيَانِ عَنِ " الْأَهْلِ " ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 217 ] ، بِمَعْنَى : يَسْأَلُونَكَ عَنْ قِتَالٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 97 ] : بِمَعْنَى : وَلِلَّهِ حَجُّ الْبَيْتِ عَلَى مَنِ سْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا .
وَإِنَّمَا سَأَلَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)رَبَّهُ مَا سَأَلَ مِنْ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ حَلَّ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ وَلَا مَاءٍ وَلَا أَهْلٍ ، فَسَأَلَ أَنْ يَرْزُقَ أَهْلَهُ ثَمَرًا ، وَأَنْ يَجْعَلَ أَفْئِدَةَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ . فَذُكِرَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)لَمَّا سَأَلَ ذَلِكَ رَبَّهُ ، نَقَلَ اللَّهُ الطَّائِفَ مِنْ فِلَسْطِينَ .
2032 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)لَمَّا دَعَا لِلْحَرَمِ : " وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ " ، نَقْلَ اللَّهُ الطَّائِفَ مِنْ فِلَسْطِينَ (مكان).
[3/53]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ ، وَفِي وَجْهِ قِرَاءَتِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ رَبُّنَا تَعَالَى ذِكْرُهُ ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى قَوْلِهِمْ : قَالَ : وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا بِرِزْقِي مِنَ الثَّمَرَاتِ فِي الدُّنْيَا ، إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ . وَقَرَأَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ذَلِكَ : " فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا " ، بِتَشْدِيدِ " التَّاءِ " وَرَفْعِ " الْعَيْنِ " .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2033 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ : " وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ " ، قَالَ هُوَ قَوْلُ الرَّبِّ تَعَالَى ذِكْرُهُ .
2034 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : لَمَّا قَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي): " رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ " ، وَعَدَلَ الدَّعْوَةَ عَمَّنْ أَبَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ الْوِلَايَةَ ، انْقِطَاعًا إِلَى اللَّهِ ، وَمَحَبَّةً وَفِرَاقًا لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ، حِينَ عَرَفَ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْهُمْ ظَالِمٌ لَا يَنَالُ عَهْدَهُ ، بِخَبَرِهِ عَنْ ذَلِكَ حِينَ أَخْبَرَهُ فَقَالَ اللَّهُ : وَمَنْ كَفَرَ - فَإِنِّي أَرْزُقُ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ - فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قَالَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ ، (نبي)عَلَى وَجْهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْهُ رَبَّهُ أَنْ [3/54]يَرْزُقَ الْكَافِرَ أَيْضًا مِنَ الثَّمَرَاتِ بِالْبَلَدِ الْحَرَامِ (مكان)، مِثْلَ الَّذِي يَرْزُقُ بِهِ الْمُؤْمِنَ وَيُمَتِّعَهُ بِذَلِكَ قَلِيلًا " ثُمَّ اضْطَرَّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ " - بِتَخْفِيفِ " التَّاءِ " وَجَزْمِ " الْعَيْنِ " ، وَفَتْحِ " الرَّاءِ " مِنِ اضْطَرَّهُ ، وَفَصْلِ " ثُمَّ اضْطَرَّهُ " بِغَيْرِ قَطْعِ أَلِفِهَا - عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ (نبي)رَبَّهُ لَهُمْ وَالْمَسْأَلَةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2035 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : ذَلِكَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ، (نبي)يَسْأَلُ رَبَّهُ أَنَّ مَنْ كَفَرَ فَأَمْتِعْهُ قَلِيلًا .
2036 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا " ، يَقُولُ : وَمَنْ كَفَرَ فَأَرْزُقُهُ أَيْضًا ، ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا وَالتَّأْوِيلِ ، مَا قَالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَقِرَاءَتُهُ ، لِقِيَامِ الْحُجَّةِ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ دِرَايَةً بِتَصْوِيبِ ذَلِكَ ، وَشُذُوذِ مَا خَالَفَهُ مِنَ الْقِرَاءَةِ . وَغَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ بِمَنْ كَانَ جَائِزًا عَلَيْهِ فِي نَقْلِهِ الْخَطَأُ وَالسَّهْوُ ، عَلَى مَنْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ عَلَيْهِ فِي نَقْلِهِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ : قَالَ اللَّهُ : يَا إِبْرَاهِيمُ ، (نبي)قَدْ أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ ، وَرَزَقْتُ مُؤْمِنِي أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ مِنَ الثَّمَرَاتِ وَكُفَّارَهُمْ ، مَتَاعًا لَهُمْ إِلَى بُلُوغِ آجَالِهِمْ ، ثُمَّ أَضْطَرُّ كُفَّارَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى النَّارِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا " يَعْنِي : فَأَجْعَلُ مَا أَرْزُقُهُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ [3/55]مَتَاعًا يَتَمَتَّعُ بِهِ إِلَى وَقْتِ مَمَاتِهِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ ، جَوَابًا لِمَسْأَلَتِهِ مَا سَأَلَ مِنْ رِزْقِ الثَّمَرَاتِ لِمُؤْمِنِي أَهْلِ مَكَّةَ (مكان). فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ الْجَوَابَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا سَأَلَهُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)لَا فِي غَيْرِهِ . وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ عَنْهُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُهُ : فَأُمَتِّعُهُ بِالْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا .
وَقَالَ غَيْرُهُ : فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا فِي كُفْرِهِ مَا أَقَامَ بِمَكَّةَ (مكان)، حَتَّى أَبْعَثَ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقْتُلَهُ ، إِنْ أَقَامَ عَلَى كُفْرِهِ ، أَوْ يُجْلِيَهُ عَنْهَا . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَجْهًا يَحْتَمِلُهُ الْكَلَامُ ، فَإِنَّ دَلِيلَ ظَاهِرِ الْكَلَامِ عَلَى خِلَافِهِ ، لِمَا وَصَفْنَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ " ، ثُمَّ أَدْفَعُهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَأَسُوقُهُ إِلَيْهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ( [3/56]يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [ سُورَةُ الطُّورِ : 13 ] .
وَمَعْنَى " الِاضْطِرَارِ " ، الْإِكْرَاهُ . يُقَالُ : " اضْطَرَرْتُ فَلَانَا إِلَى هَذَا الْأَمْرِ " ، إِذَا أَلْجَأْتَهُ إِلَيْهِ وَحَمَلْتَهُ عَلَيْهِ .
فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ " ، أَدْفَعُهُ إِلَيْهَا وَأَسُوقُهُ ، سَحْبًا وَجَرًّا عَلَى وَجْهِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ " بِئْسَ " أَصْلُهُ " بِئِسَ " مِنَ " الْبُؤْسِ " سُكِّنَ ثَانِيهِ ، وَنُقِلَتْ حَرَكَةُ ثَانِيهِ إِلَى أَوَّلِهِ ، كَمَا قِيلَ لِلْكَبِدِ كِبْدٌ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَسَاءَ الْمَصِيرُ عَذَابُ النَّارِ ، بَعْدَ الَّذِي كَانُوا فِيهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا الَّذِي مَتَّعْتُهُمْ فِيهَا .
وَأَمَّا " الْمَصِيرُ " ، فَإِنَّهُ " مَفعِلٌ " مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " صِرْتُ مَصِيرًا صَالِحًا " ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَصِيرُ إِلَيْهِ الْكَافِرُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ . [3/57]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا " ، وَاذْكُرُوا إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي): رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ بَلَدًا آمِنًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " آمِنًا " : آمِنًا مِنَ الْجَبَابِرَةِ وَغَيْرِهِمْ ، أَنْ يُسَلَّطُوا [3/45]عَلَيْهِ ، وَمِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ أَنْ تَنَالَهُ ، كَمَا تَنَالُ سَائِرَ الْبُلْدَانِ ، مَنْ خَسْفٍ ، وَائْتِفَاكٍ ، وَغَرَقٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ وَمَثُلَاتِهِ الَّتِي تُصِيبُ سَائِرَ الْبِلَادِ غَيْرَهُ ، كَمَا :
2026 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَرَمَ حُرِّمَ بِحِيَالِهِ إِلَى الْعَرْشِ . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْبَيْتَ هَبَطَ مَعَ آدَمَ (نبي)حِينَ هَبَطَ . قَالَ اللَّهُ لَهُ : أَهْبِطُ مَعَكَ بَيْتِي يُطَافُ حَوْلَهُ كَمَا يُطَافُ حَوْلَ عَرْشِي . فَطَافَ حَوْلَهُ آدَمُ (نبي)وَمَنْ كَانَ بَعْدَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ الطُّوفَانِ - حِينَ أَغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ (نبي)- رَفَعَهُ وَطَهَّرَهُ ، وَلَمْ تُصِبْهُ عُقُوبَةُ أَهْلِ الْأَرْضِ . فَتَتَبَّعَ مِنْهُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)أَثَرًا ، فَبَنَاهُ عَلَى أَسَاسٍ قَدِيمٍ كَانَ قَبْلَهُ .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : أَوَمَا كَانَ الْحَرَمُ آمِنًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ سَأَلَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)رَبَّهُ لَهُ الْأَمَانَ ؟
قِيلَ لَهُ : لَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَمْ يَزَلِ الْحَرَمُ آمِنًا مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ وَعُقُوبَةِ جَبَابِرَةِ خَلْقِهِ ، مُنْذُ خُلِقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ . وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا : -
2027 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيَّ يَقُولُ : لَمَّا افْتُتِحَتْ مَكَّةُ (مكان)قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَقَالَ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ (مكان)يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَضَ ، فَهِيَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا ، أَوْ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا . أَلَا وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، [3/46]وَلَمْ تُحَلَّ لِي إِلَّا هَذِهِ السَّاعَةَ ، غَضَبًا عَلَى أَهْلِهَا . أَلَا فَهِيَ قَدْ رَجَعَتْ عَلَى حَالِهَا بِالْأَمْسِ . أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ، فَمَنْ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَتَلَ بِهَا! فَقُولُوا : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّهَا لِرَسُولِهِ وَلَمْ يُحِلَّهَا لَكَ " .
2028 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - جَمِيعًا ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِمَكَّةَ (مكان)حِينَ افْتَتَحَهَا : " هَذِهِ حَرَمٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَخَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ، وَوَضَعَ هَذَيْنِ الْأَخْشَبَيْنِ ، لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، أُحِلَتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ . [3/47]
قَالُوا : فَمَكَّةُ (مكان)مُنْذُ خُلِقَتْ حَرَمٌ آمِنٌ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ وَعُقُوبَةِ الْجَبَابِرَةِ . قَالُوا : وَقَدْ أَخْبَرَتْ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا . قَالُوا : وَلَمْ يَسْأَلْ إِبْرَاهِيمُ (نبي)رَبَّهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُ مِنْ عُقُوبَتِهِ وَعُقُوبَةِ الْجَبَابِرَةِ ، وَلَكِنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يُؤْمِّنَ أَهْلَهُ مِنَ الْجَدُوبِ والْقُحُوطِ ، وَأَنْ يَرْزُقَ سَاكِنَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ، كَمَا أَخْبَرَ رَبُّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَهُ بِقَوْلِهِ : " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالُوا : وَإِنَّمَا سَأَلَ رَبَّهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَسْكَنَ فِيهِ ذُرِّيَّتَهُ ، وَهُوَ غَيْرُ ذِي زَرْعٍ وَلَا ضَرْعٍ ، فَاسْتَعَاذَ رَبَّهُ مِنْ أَنْ يُهْلِكَهُمْ بِهَا جُوعًا وَعَطَشًا ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ مِمَّا حَذِرَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ .
قَالُوا : وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)سَأَلَ رَبَّهُ تَحْرِيمَ الْحَرَمِ ، وَأَنْ يُؤَمِّنَهُ مِنْ عُقُوبَتِهِ وَعُقُوبَةِ جَبَابِرَةِ خَلْقِهِ ، وَهُوَ الْقَائِلُ - حِينَ حَلَّهُ ، وَنَزَلَهُ بِأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ : رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 37 ] ؟ قَالُوا : فَلَوْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)هُوَ الَّذِي حَرَّمَ الْحَرَمَ أَوْ سَأَلَ رَبَّهُ [3/48]تَحْرِيمَهُ لَمَا قَالَ : " عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ " عِنْدَ نُزُولِهِ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ حُرِّمَ قَبْلَهُ ، وَحُرِّمَ بَعْدَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ الْحَرَمُ حَلَالًا قَبْلَ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)كَسَائِرِ الْبِلَادِ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا صَارَ حَرَامًا بِتَحْرِيمِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)إِيَّاهُ ، كَمَا كَانَتْ مَدِينَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَالًا قَبْلَ تَحْرِيمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهَا . قَالُوا : وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ ، مَا : -
2029 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عبدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ بَيْتَ اللَّهِ وَأَمَّنَهُ ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ، لَا يُصَادُ صَيْدُهَا ، وَلَا تُقْطَعُ عِضَاهُهَا .
2030 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو السَّائِبِ قَالَا [ حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ] ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الرَّازِي ، [ قَالَا جَمِيعًا ] : سَمِعْنَا أَشْعَثَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)كَانَ عبدَ اللَّهِ وَخَلِيلَهُ ، وَإِنِّي عبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)حَرَّمَ مَكَّةَ ، (مكان)وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ (مكان)مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا ، عِضَاهَهَا وَصَيْدَهَا ، وَلَا يُحْمَلُ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ ، وَلَا يُقْطَعُ مِنْهَا شَجَرٌ إِلَّا لِعَلَفِ بَعِيرٍ . [3/49]
2031 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)حَرَّمَ مَكَّةَ (مكان)، وَإِنِّي أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ (مكان)مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا . [3/50]
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَطُولُ بِاسْتِيعَابِهَا الْكِتَابُ .
قَالُوا : " وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)قَالَ : " رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا " ، وَلَمْ يُخْبِرْ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ أَنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا مِنْ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ دُونَ بَعْضٍ ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ الَّذِي سَأَلَهُ مِنْ ذَلِكَ ، الْأَمَانُ لَهُ مِنْ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ دُونَ بَعْضٍ ، إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا . قَالُوا : وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي شُرَيْحٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، فَخَبَرَانِ لَا تَثْبُتُ بِهِمَا حُجَّةٌ ، لِمَا فِي أَسَانِيدِهِمَا مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ فِيهَا مِنْ أَجْلِهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ جَعَلَ مَكَّةَ (مكان)حَرَمًا حِينَ خَلَقَهَا وَأَنْشَأَهَا ، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّهُ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ " ، بِغَيْرِ تَحْرِيمٍ مِنْهُ لَهَا عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ ، وَلَكِنْ بِمَنْعِهِ مَنْ أَرَادَهَا بِسُوءٍ ، وَبِدَفْعِهِ عَنْهَا مِنَ الْآفَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ ، وَعَنْ سَاكِنِيهَا ، مَا أَحَلَّ بِغَيْرِهَا وَغَيْرِ سَاكِنِيهَا مِنَ النَّقَمَاتِ . فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ أَمْرُهَا حَتَّى بَوَّأَهَا اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)خَلِيلَهُ ، وَأَسْكَنَ بِهَا أَهْلَهُ هَاجَرَ وَوَلَدَهُ إِسْمَاعِيلَ (نبي). فَسَأَلَ حِينَئِذٍ إِبْرَاهِيمُ (نبي)رَبَّهُ إِيجَابَ فَرْضِ تَحْرِيمِهَا عَلَى عِبَادِهِ عَلَى لِسَانِهِ ، لِيَكُونَ ذَلِكَ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ خَلْقِهِ ، يَسْتَنُّونَ بِهِ فِيهَا ، إِذْ كَانَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ جَاعِلُهُ ، لِلنَّاسِ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ ، فَأَجَابَهُ رَبُّهُ إِلَى مَا سَأَلَهُ ، وَأَلْزَمَ عِبَادَهُ حِينَئِذٍ فَرْضَ تَحْرِيمِهِ عَلَى لِسَانِهِ ،
فَصَارَتْ مَكَّةُ (مكان)- بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَمْنُوعَةً بِمَنْعِ اللَّهِ إِيَّاهَا ، بِغَيْرِ إِيجَابِ اللَّهِ فَرْضَ الِامْتِنَاعِ مِنْهَا عَلَى عِبَادِهِ ، وَمُحَرَّمَةً بِدَفْعِ اللَّهِ عَنْهَا ، بِغَيْرِ تَحْرِيمِهِ إِيَّاهَا عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ - فَرْضٌ تَحْرِيمُهَا عَلَى خَلْقِهِ عَلَى لِسَانِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَوَاجِبٌ عَلَى عِبَادِهِ الِامْتِنَاعُ مِنَ اسْتِحْلَالِهَا ، وَاسْتِحْلَالِ صَيْدِهَا وَعِضَاهِهَا لَهَا بِإِيجَابِهِ الِامْتِنَاعَ مِنْ ذَلِكَ بِبَلَاغِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)رِسَالَةَ اللَّهِ إِلَيْهِ بِذَلِكَ إِلَيْهِمْ . [3/51]
فَلِذَلِكَ أُضِيفَ تَحْرِيمُهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ (نبي)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ (مكان)" . لِأَنَّ فَرْضَ تَحْرِيمِهَا الَّذِي أَلْزَمَ اللَّهُ عِبَادَهُ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَهُ بِهِ - دُونَ التَّحْرِيمِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ مُتَعَبَّدًا لَهَا بِهِ عَلَى وَجْهِ الْكِلَاءَةِ وَالْحِفْظِ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ - كَانَ عَنْ مَسْأَلَةِ إِبْرَاهِيمَ (نبي)رَبَّهُ إِيجَابَ فَرْضِ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ ، [ وَهُوَ الَّذِي ] لَزِمَ الْعِبَادَ فَرْضُهُ دُونَ غَيْرِهِ .
فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذًا بِمَا قُلْنَا صِحَّةُ مَعْنَى الْخَبَرَيْنِ - أَعْنِي خَبَرَ أَبِي شُرَيْحٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " وَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ (مكان)يَوْمَ خَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ " - وَخَبَرَ جَابِرٍ وَأَبَى هُرَيْرَةَ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَغَيْرِهِمْ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)حَرَّمَ مَكَّةَ (مكان)" ؛ وَأَنْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا دَافِعًا صِحَّةَ مَعْنَى الْآخَرِ ، كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ .
وَغَيْرُ جَائِزٍ فِي أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا دَافِعًا بَعْضًا ، إِذَا ثَبَتَ صِحَّتُهَا . وَقَدْ جَاءَ الْخَبَرَانِ اللَّذَانِ رُوِيَا فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَجِيئًا ظَاهِرًا مُسْتَفِيضًا يَقْطَعُ عُذْرَ مَنْ بَلَغَهُ .
وَأَمَّا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 37 ] فَإِنَّهُ ، إِنْ يَكُنْ قَالَهُ قَبْلَ إِيجَابِ اللَّهِ فَرْضَ تَحْرِيمِهِ عَلَى لِسَانِهِ عَلَى خَلْقِهِ ، فَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ تَحْرِيمَ اللَّهِ إِيَّاهُ الَّذِي حَرَّمَهُ بِحِيَاطَتِهِ إِيَّاهُ وَكِلَاءَتِهِ ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمِهِ إِيَّاهُ عَلَى خَلْقِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعَبُّدِ لَهُمْ بِذَلِكَ - وَإِنْ يَكُنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ تَحْرِيمِ اللَّهِ إِيَّاهُ عَلَى خَلْقِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعَبُّدِ فَلَا مَسْأَلَةَ لِأَحَدٍ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ .
[3/52]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ (نبي)رَبَّهُ : أَنْ يَرْزُقَ مُؤْمِنِي أَهْلِ مَكَّةَ مِنَ الثَّمَرَاتِ ، دُونَ كَافِرِيهِمْ . وَخَصَّ بِمَسْأَلَةِ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الْكَافِرِينَ ، لِمَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ - عِنْدَ مَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ - أَنَّ مِنْهُمُ الْكَافِرَ الَّذِي لَا يَنَالُ عَهْدُهُ ، وَالظَّالِمَ الَّذِي لَا يُدْرِكُ وِلَايَتَهُ . فَلَمَّا أَنْ عَلِمَ أَنَّ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ الظَّالِمَ وَالْكَافِرَ ، خَصَّ بِمَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَ مِنَ الثَّمَرَاتِ مِنْ سُكَّانِ مَكَّةَ ، (مكان)الْمُؤْمِنَ مِنْهُمْ دُونَ الْكَافِرِ . وَقَالَ اللَّهُ لَهُ : إِنِّي قَدْ أَجَبْتُ دُعَاءَكَ ، وَسَأَرْزُقُ مَعَ مُؤْمِنِي أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ كَافِرَهُمْ ، فَأُمَتِّعُهُ بِهِ قَلِيلًا .
وَأَمَّا " مَنْ " مِنْ قَوْلِهِ : " مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ " ، فَإِنَّهُ نَصْبٌ عَلَى التَّرْجَمَةِ وَالْبَيَانِ عَنِ " الْأَهْلِ " ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 217 ] ، بِمَعْنَى : يَسْأَلُونَكَ عَنْ قِتَالٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 97 ] : بِمَعْنَى : وَلِلَّهِ حَجُّ الْبَيْتِ عَلَى مَنِ سْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا .
وَإِنَّمَا سَأَلَ إِبْرَاهِيمُ (نبي)رَبَّهُ مَا سَأَلَ مِنْ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ حَلَّ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ وَلَا مَاءٍ وَلَا أَهْلٍ ، فَسَأَلَ أَنْ يَرْزُقَ أَهْلَهُ ثَمَرًا ، وَأَنْ يَجْعَلَ أَفْئِدَةَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ . فَذُكِرَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)لَمَّا سَأَلَ ذَلِكَ رَبَّهُ ، نَقَلَ اللَّهُ الطَّائِفَ مِنْ فِلَسْطِينَ .
2032 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (نبي)لَمَّا دَعَا لِلْحَرَمِ : " وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ " ، نَقْلَ اللَّهُ الطَّائِفَ مِنْ فِلَسْطِينَ (مكان).
[3/53]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ ، وَفِي وَجْهِ قِرَاءَتِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ رَبُّنَا تَعَالَى ذِكْرُهُ ، وَتَأْوِيلُهُ عَلَى قَوْلِهِمْ : قَالَ : وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا بِرِزْقِي مِنَ الثَّمَرَاتِ فِي الدُّنْيَا ، إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ أَجَلُهُ . وَقَرَأَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ذَلِكَ : " فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا " ، بِتَشْدِيدِ " التَّاءِ " وَرَفْعِ " الْعَيْنِ " .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2033 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ : " وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ " ، قَالَ هُوَ قَوْلُ الرَّبِّ تَعَالَى ذِكْرُهُ .
2034 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : لَمَّا قَالَ إِبْرَاهِيمُ (نبي): " رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ " ، وَعَدَلَ الدَّعْوَةَ عَمَّنْ أَبَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ الْوِلَايَةَ ، انْقِطَاعًا إِلَى اللَّهِ ، وَمَحَبَّةً وَفِرَاقًا لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ، حِينَ عَرَفَ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْهُمْ ظَالِمٌ لَا يَنَالُ عَهْدَهُ ، بِخَبَرِهِ عَنْ ذَلِكَ حِينَ أَخْبَرَهُ فَقَالَ اللَّهُ : وَمَنْ كَفَرَ - فَإِنِّي أَرْزُقُ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ - فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ قَالَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ ، (نبي)عَلَى وَجْهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْهُ رَبَّهُ أَنْ [3/54]يَرْزُقَ الْكَافِرَ أَيْضًا مِنَ الثَّمَرَاتِ بِالْبَلَدِ الْحَرَامِ (مكان)، مِثْلَ الَّذِي يَرْزُقُ بِهِ الْمُؤْمِنَ وَيُمَتِّعَهُ بِذَلِكَ قَلِيلًا " ثُمَّ اضْطَرَّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ " - بِتَخْفِيفِ " التَّاءِ " وَجَزْمِ " الْعَيْنِ " ، وَفَتْحِ " الرَّاءِ " مِنِ اضْطَرَّهُ ، وَفَصْلِ " ثُمَّ اضْطَرَّهُ " بِغَيْرِ قَطْعِ أَلِفِهَا - عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ (نبي)رَبَّهُ لَهُمْ وَالْمَسْأَلَةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
2035 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : ذَلِكَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ، (نبي)يَسْأَلُ رَبَّهُ أَنَّ مَنْ كَفَرَ فَأَمْتِعْهُ قَلِيلًا .
2036 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا " ، يَقُولُ : وَمَنْ كَفَرَ فَأَرْزُقُهُ أَيْضًا ، ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا وَالتَّأْوِيلِ ، مَا قَالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَقِرَاءَتُهُ ، لِقِيَامِ الْحُجَّةِ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ دِرَايَةً بِتَصْوِيبِ ذَلِكَ ، وَشُذُوذِ مَا خَالَفَهُ مِنَ الْقِرَاءَةِ . وَغَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ بِمَنْ كَانَ جَائِزًا عَلَيْهِ فِي نَقْلِهِ الْخَطَأُ وَالسَّهْوُ ، عَلَى مَنْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ عَلَيْهِ فِي نَقْلِهِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ : قَالَ اللَّهُ : يَا إِبْرَاهِيمُ ، (نبي)قَدْ أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ ، وَرَزَقْتُ مُؤْمِنِي أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ مِنَ الثَّمَرَاتِ وَكُفَّارَهُمْ ، مَتَاعًا لَهُمْ إِلَى بُلُوغِ آجَالِهِمْ ، ثُمَّ أَضْطَرُّ كُفَّارَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى النَّارِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا " يَعْنِي : فَأَجْعَلُ مَا أَرْزُقُهُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ [3/55]مَتَاعًا يَتَمَتَّعُ بِهِ إِلَى وَقْتِ مَمَاتِهِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ ، جَوَابًا لِمَسْأَلَتِهِ مَا سَأَلَ مِنْ رِزْقِ الثَّمَرَاتِ لِمُؤْمِنِي أَهْلِ مَكَّةَ (مكان). فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ الْجَوَابَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا سَأَلَهُ إِبْرَاهِيمُ (نبي)لَا فِي غَيْرِهِ . وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ عَنْهُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُهُ : فَأُمَتِّعُهُ بِالْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا .
وَقَالَ غَيْرُهُ : فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا فِي كُفْرِهِ مَا أَقَامَ بِمَكَّةَ (مكان)، حَتَّى أَبْعَثَ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقْتُلَهُ ، إِنْ أَقَامَ عَلَى كُفْرِهِ ، أَوْ يُجْلِيَهُ عَنْهَا . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَجْهًا يَحْتَمِلُهُ الْكَلَامُ ، فَإِنَّ دَلِيلَ ظَاهِرِ الْكَلَامِ عَلَى خِلَافِهِ ، لِمَا وَصَفْنَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : " ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ " ، ثُمَّ أَدْفَعُهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَأَسُوقُهُ إِلَيْهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ( [3/56]يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [ سُورَةُ الطُّورِ : 13 ] .
وَمَعْنَى " الِاضْطِرَارِ " ، الْإِكْرَاهُ . يُقَالُ : " اضْطَرَرْتُ فَلَانَا إِلَى هَذَا الْأَمْرِ " ، إِذَا أَلْجَأْتَهُ إِلَيْهِ وَحَمَلْتَهُ عَلَيْهِ .
فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : " ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ " ، أَدْفَعُهُ إِلَيْهَا وَأَسُوقُهُ ، سَحْبًا وَجَرًّا عَلَى وَجْهِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ " بِئْسَ " أَصْلُهُ " بِئِسَ " مِنَ " الْبُؤْسِ " سُكِّنَ ثَانِيهِ ، وَنُقِلَتْ حَرَكَةُ ثَانِيهِ إِلَى أَوَّلِهِ ، كَمَا قِيلَ لِلْكَبِدِ كِبْدٌ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَسَاءَ الْمَصِيرُ عَذَابُ النَّارِ ، بَعْدَ الَّذِي كَانُوا فِيهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا الَّذِي مَتَّعْتُهُمْ فِيهَا .
وَأَمَّا " الْمَصِيرُ " ، فَإِنَّهُ " مَفعِلٌ " مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " صِرْتُ مَصِيرًا صَالِحًا " ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَصِيرُ إِلَيْهِ الْكَافِرُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ . [3/57]