تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ "

ج 2
ص 558

الآية المفسَّرة

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 2 · ص 558

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ( 119 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَرَأَتْ عَامَّةٌ الْقَرَأَةِ : وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ، بِضَمِّ " التَّاءِ " مِنْ " تُسْأَلُ " ، وَرَفْعِ " اللَّامِ " مِنْهَا عَلَى الْخَبَرِ ، بِمَعْنَى : يَا مُحَمَّدُ (نبي)إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، فَبَلَّغْتَ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ ، وَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَالْإِنْذَارُ ، وَلَسْتَ مَسْئُولًا عَمَّنْ كَفَرَ بِمَا أَتَيْتَهُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : ( وَلَا تَسْأَلْ ) جَزْمًا . بِمَعْنَى النَّهْيِ ، مَفْتُوحَ " التَّاءِ " مِنْ " تَسْأَلْ " ، وَجَزْمِ " اللَّامِ " مِنْهَا . وَمَعْنَى ذَلِكَ عَلَى قِرَاءَةِ هَؤُلَاءِ : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا لِتُبَلِّغَ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ ، لَا لِتَسْأَلَ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حَالِهِمْ . وَتَأَوَّلَ الَّذِينَ قَرَءُوا هَذِهِ الْقِرَاءَةَ مَا : -
1875 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أَبَوَايَ؟ فَنَزَلَتْ : وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ .
1876 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أَبَوَايَ؟ لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أَبَوَايَ؟ لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أَبَوَايَ؟ " ثَلَاثًا ، فَنَزَلَتْ : ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ) ، فَمَا ذَكَرَهُمَا حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ . [2/559]
1877 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ : " لَيْتَ شِعْرِي أَيْنَ أَبَوَايَ؟ " فَنَزَلَتْ : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ عِنْدِي مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِالرَّفْعِ ، عَلَى الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - قَصَّ قَصَصَ أَقْوَامٍ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَذَكَرَ ضَلَالَتَهُمْ ، وَكُفْرَهُمْ بِاللَّهِ ، وَجَرَاءَتَهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِ ، ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ ) يَا مُحَمَّدُ (نبي)( بِالْحَقِّ بَشِيرًا ) ، مَنْ آمَنَ بِكَ وَاتَّبَعَكَ مِمَّنْ قَصَصْتُ عَلَيْكَ أَنْبَاءَهُ وَمَنْ لَمْ أَقْصُصْ عَلَيْكَ أَنْبَاءَهُ ، ( وَنَذِيرًا ) مَنْ كَفَرَ بِكَ وَخَالَفَكَ ، فَبَلِّغْ رِسَالَتِي ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِنْ أَعْمَالِ مَنْ كَفَرَ بِكَ - بَعْدَ إِبْلَاغِكَ إِيَّاهُ رِسَالَتِي تَبِعَةٌ ، وَلَا أَنْتَ مَسْئُولٌ عَمَّا فَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ . وَلَمْ يَجْرِ - لِمَسْأَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ذِكْرٌ ، فَيَكُونَ لِقَوْلِهِ : ( وَلَا تَسْأَلْ عَنْ [2/560]أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ) وَجْهٌ يُوَجَّهُ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مُوَجَّهٌ مَعْنَاهُ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُهُ الْمَفْهُومُ ، حَتَّى تَأْتِيَ دِلَالَةٌ بَيِّنَةٌ تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ ، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُهُ ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مُسَلَّمًا لِلْحُجَّةِ الثَّابِتَةِ بِذَلِكَ! وَلَا خَبَرَ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُهِيَ عَنْ أَنْ يَسْأَلَ - فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ، وَلَا دِلَالَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ . وَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ الْخَبَرِ عَلَى مَا مَضَى ذِكْرُهُ قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَعَمَّنْ ذُكِرَ بَعْدَهَا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ ، دُونَ النَّهْيِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ عَنْهُمْ .
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ صَحِيحٌ ، فَإِنَّ فِي اسْتِحَالَةِ الشَّكِّ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي أَنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ مِنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ ، وَأَنَّ أَبَوَيْهِ كَانَا مِنْهُمْ ، مَا يَدْفَعُ صِحَّةَ مَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، إِنْ كَانَ الْخَبَرُ عَنْهُ صَحِيحًا ، مَعَ أَنَّ ابْتِدَاءَ اللَّهِ الْخَبَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، بِ " الْوَاوِ " - بِقَوْلِهِ : وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ، وَتَرْكَهُ وَصْلَ ذَلِكَ بِأَوَّلِهِ بِ " الْفَاءِ " ، وَأَنْ يَكُونَ : " إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ " - أَوْضَحُ الدِّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ بِقَوْلِهِ : " وَلَا تُسْأَلُ " ، أَوْلَى مِنَ النَّهْيِ ، وَالرَّفْعُ بِهِ أَوْلَى مِنَ الْجَزْمِ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ : ( وَمَا تُسْأَلُ ) ، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : ( وَلَنْ تُسْأَلَ ) ، وَكِلْتَا هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ تَشْهَدُ بِالرَّفْعِ وَالْخَبَرِ فِيهِ ، دُونَ النَّهْيِ . [2/561]
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان)يُوَجِّهُ قَوْلَهُ : وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ إِلَى الْحَالِ ، كَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ مَعْنَاهُ : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا غَيْرَ مَسْئُولٍ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ . وَذَلِكَ إِذَا ضَمَّ " التَّاءِ " ، وَقَرَأَهُ عَلَى مَعْنَى الْخَبَرَ ، وَكَانَ يُجِيزُ عَلَى ذَلِكَ قِرَاءَتَهُ : " وَلَا تَسْأَلُ " ، بِفَتْحِ " التَّاءِ " وَضَمِّ " اللَّامِ " عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ بِمَعْنَى : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، غَيْرَ سَائِلٍ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ . وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّوَابَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ .
وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْتُهُمَا عَنِ الْبَصَرِيِّ فِي ذَلِكَ ، يَدْفَعُهُمَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ [2/562]مَسْعُودٍ وَأُبَيٍّ مِنَ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ إِدْخَالَهُمَا مَا أَدْخَلَا مِنْ ذَلِكَ مِنْ " مَا " وَ " لَنْ " يَدُلَّ عَلَى انْقِطَاعِ الْكَلَامِ عَنْ أَوَّلِهِ وَابْتِدَاءِ قَوْلِهِ : ( وَلَا تُسْأَلُ ) ، وَإِذَا كَانَ ابْتِدَاءً لَمْ يَكُنْ حَالًا .
وَأَمَّا ( أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ) ، فَ " الْجَحِيمُ " ، هِيَ النَّارُ بِعَيْنِهَا إِذَا شَبَّتْ وَقُودُهَا ، وَمِنْهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ :
إِذَا شَبَّتْ جَهَنَّمُ ثُمَّ دَارَتْ وَأَعْرَضَ عَنْ قَوَابِسِهَا الْجَحِيمُ