النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ( 117 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، مُبْدِعُهَا .
وَإِنَّمَا هُوَ " مُفْعِلٌ " صُرِفَ إِلَى " فَعِيلٍ " كَمَا صُرِفَ " الْمُؤْلِمُ " إِلَى " أَلِيمٍ " ، وَ " الْمُسْمِعُ " إِلَى " سَمِيعٍ " . وَمَعْنَى " الْمُبْدِعِ " : الْمُنْشِئُ وَالْمُحْدِثُ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَى إِنْشَاءِ مِثْلِهِ وَإِحْدَاثِهِ أَحَدٌ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْمُبْتَدِعُ فِي الدِّينِ " مُبْتَدِعًا " ، لِإِحْدَاثِهِ فِيهِ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ . وَكَذَلِكَ كَلُّ مُحْدِثٍ فِعْلًا أَوْ قَوْلًا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ فِيهِ مُتَقَدِّمٌ ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّيهِ مُبْتَدِعًا ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ ، فِي مَدْحِ هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ :
يُرْعِي إِلَى قَوْلِ سَادَاتِ الرِّجَالِ إِذَا أَبْدَوْا لَهُ الْحَزْمَ ، أَوْ مَا شَاءَهُ ابْتَدَعَا
أَيْ يُحْدِثُ مَا شَاءَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ :
فَأَيُّهَا الْغَاشِي الْقِذَافَ الْأَتْيَعَا إِنْ كُنْتَ لِلَّهِ التَّقِيَّ الْأَطْوَعَا فَلَيْسَ وَجْهُ الْحَقِّ أَنْ تَبَدَّعَا
يَعْنِي : أَنْ تُحْدِثَ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ . [2/541]
فَمَعْنَى الْكَلَامِ : سُبْحَانَ اللَّهِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَهُوَ مَالِكُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، تَشْهَدُ لَهُ جَمِيعًا بِدِلَالَتِهَا عَلَيْهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ ، وَتُقِرُّ لَهُ بِالطَّاعَةِ ، وَهُوَ بَارِئُهَا وَخَالِقُهَا ، وَمُوجِدُهَا مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ ، وَلَا مِثَالٍ احْتَذَاهَا عَلَيْهِ؟
وَهَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عِبَادَهُ ، أَنَّ مِمَّا يَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ : الْمَسِيحُ ، (نبي)الَّذِي أَضَافُوا إِلَى اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بُنُوَّتَهُ ، وَإِخْبَارٌ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ وَعَلَى غَيْرِ مِثَالٍ ، هُوَ الَّذِي ابْتَدَعَ الْمَسِيحَ (نبي)مِنْ غَيْرِ وَالِدٍ بِقُدْرَتِهِ ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1858 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، يَقُولُ : ابْتَدَعَ خَلْقَهَا ، وَلَمْ يُشْرِكْهُ فِي خَلْقِهَا أَحَدٌ .
1859 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، يَقُولُ : ابْتَدَعَهَا فَخَلَقَهَا ، وَلَمْ يُخْلَقْ قَبْلَهَا شَيْءٌ فَيَتَمَثَّلَ بِهِ .
[2/542]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 117 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : ( وَإِذَا قَضَى أَمْرًا ) ، وَإِذَا أَحْكَمَ أَمْرًا وَحَتَّمَهُ .
وَأَصْلُ كُلِّ " قَضَاءِ أَمْرٍ " الْإِحْكَامُ ، وَالْفَرَاغُ مِنْهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْحَاكِمِ بَيْنَ النَّاسِ : " الْقَاضِي " بَيْنَهُمْ ، لِفَصْلِهِ الْقَضَاءَ بَيْنَ الْخُصُومِ ، وَقَطْعِهِ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ وَفَرَاغِهِ مِنْهُ بِهِ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمَيِّتِ : " قَدْ قَضَى " ، يُرَادُ بِهِ قَدْ فَرَغَ مِنَ الدُّنْيَا ، وَفَصَلَ مِنْهَا . وَمِنْهُ قِيلَ : " مَا يَنْقَضِي عَجَبِي مِنْ فُلَانٍ " ، يُرَادُ : مَا يَنْقَطِعُ . وَمِنْهُ قِيلَ : " تَقَضَّى النَّهَارُ " ، إِذَا انْصَرَمَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 23 ] أَيْ : فَصَلَ الْحُكْمَ فِيهِ بَيْنَ عِبَادِهِ ، بِأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 4 ] ، أَيْ أَعْلَمْنَاهُمْ بِذَلِكَ وَأَخْبَرَنَاهُمْ بِهِ ، فَفَرَغْنَا إِلَيْهِمْ مِنْهُ . وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ :
وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ ، قَضَاهُمَا دَاوُدُ أَوْ صَنَعَ السَّوَابِغَ تُبَّعُ [2/543]
وَيُرْوَى :
وَتَعَاوَرَا مَسْرُودَتَيْنِ قَضَاهُمَا
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " قَضَاهُمَا " ، أَحْكَمَهُمَا . وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ فِي مَدْحِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :
قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غَادَرْتَ بَعْدَهَا بَوَائِقَ فِي أَكْمَامِهَا لَمْ تَفَتَّقِ
وَيُرْوَى : " بَوَائِجَ " . [2/544]
وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ : وَإِذَا أَحْكَمَ أَمْرًا فَحَتَّمَهُ ، فَإِنَّمَا يَقُولُ لِذَلِكَ الْأَمْرِ " كُنْ " ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْأَمْرُ عَلَى مَا أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ وَأَرَادَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ؟ وَفِي أَيِّ حَالٍ يَقُولُ لِلْأَمْرِ الَّذِي يَقْضِيهِ : " كُنْ " ؟ أَفِي حَالِ عَدَمِهِ ، وَتِلْكَ حَالٌ لَا يَجُوزُ فِيهَا أَمْرُهُ ، إِذْ كَانَ مُحَالًا أَنْ يَأْمُرَ إِلَّا الْمَأْمُورَ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَأْمُورُ اسْتَحَالَ الْأَمْرُ ، ; وَكَمَا مُحَالٌ الْأَمْرُ مِنْ غَيْرِ آمِرٍ ، فَكَذَلِكَ مُحَالٌ الْأَمْرُ مَنْ آمِرٍ إِلَّا لِمَأْمُورٍ ، أَمْ يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ فِي حَالِ وُجُودِهِ ؟ وَتِلْكَ حَالٌ لَا يَجُوزُ أَمْرُهُ فِيهَا بِالْحُدُوثِ ، لِأَنَّهُ حَادِثٌ مَوْجُودٌ ، وَلَا يُقَالُ لِلْمَوْجُودِ : " كُنْ مَوْجُودًا " إِلَّا بِغَيْرِ مَعْنَى الْأَمْرِ بِحُدُوثِ عَيْنِهِ؟
قِيلَ : قَدْ تَنَازَعَ الْمُتَأَوِّلُونَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، وَنَحْنُ مُخْبِرُونَ بِمَا قَالُوا فِيهِ ، وَالْعِلَلِ الَّتِي اعْتَلَّ بِهَا كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ :
قَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَنْ أَمْرِهِ الْمَحْتُومِ - عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ لِمَنْ قَضَى عَلَيْهِ قَضَاءً مَنْ خَلْقِهِ الْمَوْجُودِينَ أَنَّهُ إِذَا أَمَرَهُ بِأَمْرٍ نَفَذَ فِيهِ [2/545]قَضَاؤُهُ ، وَمَضَى فِيهِ أَمْرُهُ ، نَظِيرُ أَمْرِهِ مَنْ أُمِرَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يَكُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ، وَهُمْ مَوْجُودُونَ فِي حَالِ أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ ، وَحَتْمِ قَضَائِهِ عَلَيْهِمْ بِمَا قَضَى فِيهِمْ ، وَكَالَّذِي خَسَفَ بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ وَقَضَائِهِ فِيمَنْ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ خَلْقِهِ فِي حَالِ أَمْرِهِ الْمَحْتُومِ عَلَيْهِ .
فَوَجَّهَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ قَوْلَهُ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، إِلَى الْخُصُوصِ دُونَ الْعُمُومِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْآيَةُ عَامٌّ ظَاهِرُهَا ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحِيلَهَا إِلَى بَاطِنٍ بِغَيْرِ حُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا . وَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا هُوَ كَائِنٌ قَبْلَ كَوْنِهِ ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، كَانَتِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ وَهِيَ كَائِنَةٌ لِعِلْمِهِ بِهَا قَبْلَ كَوْنِهَا ، نَظَائِرَ الَّتِي هِيَ مَوْجُودَةٌ ، فَجَازَ أَنْ يَقُولَ لَهَا : " كَوْنِي " ، وَيَأْمُرَهَا بِالْخُرُوجِ مِنْ حَالِ الْعَدَمِ إِلَى حَالِ الْوُجُودِ ، لِتَصَوُّرِ جَمِيعِهَا لَهُ ، وَلِعِلْمِهِ بِهَا فِي حَالِ الْعَدَمِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا ظَاهِرَ عُمُومٍ ، فَتَأْوِيلُهَا الْخُصُوصُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ غَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا لِمَأْمُورٍ ، عَلَى مَا وَصَفْتُ قَبْلُ . قَالُوا : وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالْآيَةُ تَأْوِيلُهَا : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا مِنْ إِحْيَاءِ مَيِّتٍ ، أَوْ إِمَاتَةِ حَيٍّ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنَّمَا يَقُولُ لِحَيٍّ : " كُنْ مَيِّتًا ، أَوْ لِمَيِّتٍ : كُنْ حَيًّا " ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَبَرٌ عَنْ جَمِيعِ مَا يُنْشِئُهُ وَيُكَوِّنُهُ ، أَنَّهُ إِذَا قَضَاهُ وَخَلَقَهُ وَأَنْشَأَهُ ، كَانَ وَوُجِدَ - وَلَا قَوْلَ هُنَالِكَ عِنْدَ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ ، إِلَّا وُجُودُ الْمَخْلُوقِ وَحُدُوثُ الْمَقْضِيِّ - . وَقَالُوا : إِنَّمَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( [2/546]وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قَالَ فُلَانٌ بِرَأْسِهِ " وَ " قَالَ بِيَدِهِ " ، إِذَا حَرَّكَ رَأَسَهُ ، أَوْ أَوْمَأَ بِيَدِهِ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، وَكَمَا قَالَ أَبُو النَّجْمِ :
وَقَالَتِ الْأَنْسَاعُ لِلْبَطْنِ الْحَقِ الْحَقِ قِدْمًا فَآضَتْ كَالْفَنِيقِ الْمُحْنِقِ
وَلَا قَوْلَ هُنَالِكَ ، وَإِنَّمَا عَنَى أَنَّ الظَّهْرَ قَدْ لَحِقَ بِالْبَطْنِ . وَكَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ حُمَمَةَ الدَّوْسِيُّ :
فَأَصْبَحْتُ مِثْلَ النَّسْرِ طَارَتْ فِرَاخُهُ إِذَا رَامَ تَطْيَارًا يُقَالُ لَهُ : قَعِ
وَلَا قَوْلَ هُنَاكَ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : إِذَا رَامَ طَيَرَانًا وَقَعَ ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ :
امْتَلَأَ الْحَوْضُ وَقَالَ : قَطْنِي سَلًّا رُوَيْدًا ، قَدْ مَلَأْتُ بَطْنِي
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [2/547]، أَنْ يُقَالَ : هُوَ عَامٌ فِي كُلِّ مَا قَضَاهُ اللَّهُ وَبَرَأَهُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ ذَلِكَ ظَاهِرُ عُمُومٍ ، وَغَيْرُ جَائِزَةٍ إِحَالَةُ الظَّاهِرِ إِلَى الْبَاطِنِ مِنَ التَّأْوِيلِ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ لَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا : " كِتَابِ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ " . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَأَمْرُ اللَّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - لِشَيْءٍ إِذَا أَرَادَ تَكْوِينَهُ مَوْجُودًا بِقَوْلِهِ : ( كُنْ ) فِي حَالِ إِرَادَتِهِ إِيَّاهُ مُكَوَّنًا ، لَا يَتَقَدَّمُ وُجُودُ الَّذِي أَرَادَ إِيجَادَهُ وَتَكْوِينَهُ ، إِرَادَتَهُ إِيَّاهُ ، وَلَا أَمْرَهُ بِالْكَوْنِ وَالْوُجُودِ ، وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَأْمُورًا بِالْوُجُودِ مُرَادًا كَذَلِكَ إِلَّا وَهُوَ مَوْجُودٌ ، وَلَا أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا إِلَّا وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْوُجُودِ مُرَادٌ كَذَلِكَ! وَنَظِيرُ قَوْلِهِ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ [ سُورَةُ الرُّومِ : 25 ] بِأَنَّ خُرُوجَ الْقَوْمِ مِنْ قُبُورِهِمْ لَا يَتَقَدَّمُ دُعَاءَ اللَّهِ ، وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ .
وَيُسْأَلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ خَاصٌّ فِي التَّأْوِيلِ اعْتِلَالًا بِأَنَّ أَمْرَ غَيْرِ الْمَوْجُودِ غَيْرُ جَائِزٍ ، عَنْ دَعْوَةِ أَهْلِ الْقُبُورِ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ ، أَمْ بَعْدَهُ؟ أَمْ هِيَ فِي خَاصٍّ مِنَ الْخَلْقِ؟ فَلَنْ يَقُولَ فِي ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمُ فِي الْآخَرِ مِثْلُهُ .
وَيَسْأَلُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قَالَ فُلَانٌ بِرَأْسِهِ أَوْ بِيَدِهِ " ، إِذَا حَرَّكَهُ وَأَوْمَأَ ، وَنَظِيرُ قَوْلِ الشَّاعِرِ : [2/548]
تَقُولُ إِذَا دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي : : أَهَذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِينِي
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ - : فَإِنَّهُمْ لَا صَوَابَ اللُّغَةِ أَصَابُوا ، وَلَا كِتَابَ اللَّهِ ، وَمَا دَلَّتْ عَلَى صِحَّتِهِ الْأَدِلَّةُ اتَّبَعُوا - فَيُقَالُ لِقَائِلِي ذَلِكَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا قَالَ لَهُ : " كُنْ " ، أَفَتُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ قَائِلًا ذَلِكَ؟ فَإِنْ أَنْكَرُوهُ كَذَّبُوا بِالْقُرْآنِ ، وَخَرَجُوا مِنَ الْمِلَّةِ .
وَإِنْ قَالُوا : بَلْ نُقِرُّ بِهِ ، وَلَكِنَّا نَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قَالَ الْحَائِطُ فَمَالَ " وَلَا قَوْلَ هُنَالِكَ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ خَبَرٌ عَنْ مَيْلِ الْحَائِطِ .
قِيلَ لَهُمْ : أَفَتُجِيزُونَ لِلْمُخْبِرِ عَنِ الْحَائِطِ بِالْمَيْلِ أَنْ يَقُولَ : إِنَّمَا قَوْلُ الْحَائِطِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَمِيلَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا فَيَمِيلُ؟
فَإِنْ أَجَازُوا ذَلِكَ خَرَجُوا مِنْ مَعْرُوفِ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَخَالَفُوا مَنْطِقَهَا وَمَا يُعْرَفُ فِي لِسَانِهَا .
وَإِنْ قَالُوا : ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ .
قِيلَ لَهُمْ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَهُمْ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّ قَوْلَهُ لِلشَّيْءِ إِذَا أَرَادَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، فَأَعْلَمَ عِبَادَهُ قَوْلَهُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الشَّيْءُ وَوَصَفَهُ وَوَكَّدَهُ . وَذَلِكَ عِنْدَكُمْ غَيْرُ جَائِزٍ فِي الْعِبَارَةِ عَمَّا لَا كَلَامَ لَهُ وَلَا بَيَانَ فِي مِثْلِ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قَالَ الْحَائِطُ فَمَالَ " ، فَكَيْفَ لَمْ يَعْلَمُوا بِذَلِكَ فَرْقَ مَا بَيْنَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، وَقَوْلِ الْقَائِلِ : " قَالَ الْحَائِطُ فَمَالَ " ؟ [2/549]وَلِلْبَيَانِ عَنْ فَسَادِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا نَأْتِي فِيهِ عَلَى الْقَوْلِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، هُوَ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ حَالَ أَمْرِهِ الشَّيْءَ بِالْوُجُودِ حَالُ وُجُودِ الْمَأْمُورِ بِالْوُجُودِ ، فَبَيِّنٌ بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِقَوْلِهِ : ( فَيَكُونُ ) الرَّفْعُ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ ( يَقُولُ ) لِأَنَّ " الْقَوْلَ " وَ " الْكَوْنَ " حَالُهُمَا وَاحِدٌ ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ : " تَابَ فُلَانٌ فَاهْتَدَى " ، وَ " اهْتَدَى فُلَانٌ فَتَابَ " ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ تَائِبًا إِلَّا وَهُوَ مُهْتَدٍ ، وَلَا مُهْتَدِيًا إِلَّا وَهُوَ تَائِبٌ؛ فَكَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ آمِرًا شَيْئًا بِالْوُجُودِ إِلَّا وَهُوَ مَوْجُودٌ ، وَلَا مَوْجُودًا إِلَّا وَهُوَ آمِرُهُ بِالْوُجُودِ .
وَلِذَلِكَ اسْتَجَازَ مَنِ اسْتَجَازَ نَصْبَ " فَيَكُونَ " مَنْ قَرَأَ : ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ ) [ النَّحْلِ : 40 ] ، بِالْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْنَا عَلَى مَعْنَى : أَنْ نَقُولَ فَيَكُونَ .
وَأَمَّا رَفَعُ مَنْ رَفَعَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ رَأَى أَنَّ الْخَبَرَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ : إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ . إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ اللَّهَ إِذَا حَتَّمَ قَضَاءَهُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ الْمَحْتُومُ عَلَيْهِ مَوْجُودًا ، ثُمَّ ابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ : فَيَكُونُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ ، [ سُورَةُ الْحَجِّ : 5 ] وَكَمَا قَالَ ابْنُ أَحْمَرَ :
يُعَالِجُ عَاقِرًا أَعْيَتْ عَلَيْهِ لِيُلْقِحَهَا فَيُنْتِجُهَا حُوَارَا [2/550]
يُرِيدُ : فَإِذَا هُوَ يُنْتِجُهَا حُوَارًا .
فَمَعْنَى الْآيَةِ إِذًا : وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ، سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ! بَلْ هُوَ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا ، كُلُّ ذَلِكَ مُقِرٌّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ بِدِلَالَتِهِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ ، وَأَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ، وَهُوَ الَّذِي ابْتَدَعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ ، كَالَّذِي ابْتَدَعَ الْمَسِيحَ (نبي)مِنْ غَيْرِ وَالِدٍ بِمَقْدِرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ ، الَّذِي لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ بِهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ! بَلْ إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ إِذَا قَضَاهُ فَأَرَادَ تَكْوِينَهُ : " كُنْ " ، فَيَكُونُ مَوْجُودًا كَمَا أَرَادَهُ وَشَاءَهُ . فَكَذَلِكَ كَانَ ابْتِدَاعُهُ الْمَسِيحَ وَإِنْشَاؤُهُ ، إِذْ أَرَادَ خَلْقَهُ مِنْ غَيْرِ وَالِدٍ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، مُبْدِعُهَا .
وَإِنَّمَا هُوَ " مُفْعِلٌ " صُرِفَ إِلَى " فَعِيلٍ " كَمَا صُرِفَ " الْمُؤْلِمُ " إِلَى " أَلِيمٍ " ، وَ " الْمُسْمِعُ " إِلَى " سَمِيعٍ " . وَمَعْنَى " الْمُبْدِعِ " : الْمُنْشِئُ وَالْمُحْدِثُ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَى إِنْشَاءِ مِثْلِهِ وَإِحْدَاثِهِ أَحَدٌ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْمُبْتَدِعُ فِي الدِّينِ " مُبْتَدِعًا " ، لِإِحْدَاثِهِ فِيهِ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ غَيْرُهُ . وَكَذَلِكَ كَلُّ مُحْدِثٍ فِعْلًا أَوْ قَوْلًا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ فِيهِ مُتَقَدِّمٌ ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّيهِ مُبْتَدِعًا ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ ، فِي مَدْحِ هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ :
يُرْعِي إِلَى قَوْلِ سَادَاتِ الرِّجَالِ إِذَا أَبْدَوْا لَهُ الْحَزْمَ ، أَوْ مَا شَاءَهُ ابْتَدَعَا
أَيْ يُحْدِثُ مَا شَاءَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ :
فَأَيُّهَا الْغَاشِي الْقِذَافَ الْأَتْيَعَا إِنْ كُنْتَ لِلَّهِ التَّقِيَّ الْأَطْوَعَا فَلَيْسَ وَجْهُ الْحَقِّ أَنْ تَبَدَّعَا
يَعْنِي : أَنْ تُحْدِثَ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ . [2/541]
فَمَعْنَى الْكَلَامِ : سُبْحَانَ اللَّهِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَهُوَ مَالِكُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، تَشْهَدُ لَهُ جَمِيعًا بِدِلَالَتِهَا عَلَيْهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ ، وَتُقِرُّ لَهُ بِالطَّاعَةِ ، وَهُوَ بَارِئُهَا وَخَالِقُهَا ، وَمُوجِدُهَا مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ ، وَلَا مِثَالٍ احْتَذَاهَا عَلَيْهِ؟
وَهَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عِبَادَهُ ، أَنَّ مِمَّا يَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ : الْمَسِيحُ ، (نبي)الَّذِي أَضَافُوا إِلَى اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بُنُوَّتَهُ ، وَإِخْبَارٌ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ وَعَلَى غَيْرِ مِثَالٍ ، هُوَ الَّذِي ابْتَدَعَ الْمَسِيحَ (نبي)مِنْ غَيْرِ وَالِدٍ بِقُدْرَتِهِ ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1858 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، يَقُولُ : ابْتَدَعَ خَلْقَهَا ، وَلَمْ يُشْرِكْهُ فِي خَلْقِهَا أَحَدٌ .
1859 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، يَقُولُ : ابْتَدَعَهَا فَخَلَقَهَا ، وَلَمْ يُخْلَقْ قَبْلَهَا شَيْءٌ فَيَتَمَثَّلَ بِهِ .
[2/542]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 117 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : ( وَإِذَا قَضَى أَمْرًا ) ، وَإِذَا أَحْكَمَ أَمْرًا وَحَتَّمَهُ .
وَأَصْلُ كُلِّ " قَضَاءِ أَمْرٍ " الْإِحْكَامُ ، وَالْفَرَاغُ مِنْهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْحَاكِمِ بَيْنَ النَّاسِ : " الْقَاضِي " بَيْنَهُمْ ، لِفَصْلِهِ الْقَضَاءَ بَيْنَ الْخُصُومِ ، وَقَطْعِهِ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ وَفَرَاغِهِ مِنْهُ بِهِ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمَيِّتِ : " قَدْ قَضَى " ، يُرَادُ بِهِ قَدْ فَرَغَ مِنَ الدُّنْيَا ، وَفَصَلَ مِنْهَا . وَمِنْهُ قِيلَ : " مَا يَنْقَضِي عَجَبِي مِنْ فُلَانٍ " ، يُرَادُ : مَا يَنْقَطِعُ . وَمِنْهُ قِيلَ : " تَقَضَّى النَّهَارُ " ، إِذَا انْصَرَمَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 23 ] أَيْ : فَصَلَ الْحُكْمَ فِيهِ بَيْنَ عِبَادِهِ ، بِأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 4 ] ، أَيْ أَعْلَمْنَاهُمْ بِذَلِكَ وَأَخْبَرَنَاهُمْ بِهِ ، فَفَرَغْنَا إِلَيْهِمْ مِنْهُ . وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ :
وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ ، قَضَاهُمَا دَاوُدُ أَوْ صَنَعَ السَّوَابِغَ تُبَّعُ [2/543]
وَيُرْوَى :
وَتَعَاوَرَا مَسْرُودَتَيْنِ قَضَاهُمَا
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " قَضَاهُمَا " ، أَحْكَمَهُمَا . وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ فِي مَدْحِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ :
قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غَادَرْتَ بَعْدَهَا بَوَائِقَ فِي أَكْمَامِهَا لَمْ تَفَتَّقِ
وَيُرْوَى : " بَوَائِجَ " . [2/544]
وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ : وَإِذَا أَحْكَمَ أَمْرًا فَحَتَّمَهُ ، فَإِنَّمَا يَقُولُ لِذَلِكَ الْأَمْرِ " كُنْ " ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْأَمْرُ عَلَى مَا أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ وَأَرَادَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ؟ وَفِي أَيِّ حَالٍ يَقُولُ لِلْأَمْرِ الَّذِي يَقْضِيهِ : " كُنْ " ؟ أَفِي حَالِ عَدَمِهِ ، وَتِلْكَ حَالٌ لَا يَجُوزُ فِيهَا أَمْرُهُ ، إِذْ كَانَ مُحَالًا أَنْ يَأْمُرَ إِلَّا الْمَأْمُورَ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَأْمُورُ اسْتَحَالَ الْأَمْرُ ، ; وَكَمَا مُحَالٌ الْأَمْرُ مِنْ غَيْرِ آمِرٍ ، فَكَذَلِكَ مُحَالٌ الْأَمْرُ مَنْ آمِرٍ إِلَّا لِمَأْمُورٍ ، أَمْ يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ فِي حَالِ وُجُودِهِ ؟ وَتِلْكَ حَالٌ لَا يَجُوزُ أَمْرُهُ فِيهَا بِالْحُدُوثِ ، لِأَنَّهُ حَادِثٌ مَوْجُودٌ ، وَلَا يُقَالُ لِلْمَوْجُودِ : " كُنْ مَوْجُودًا " إِلَّا بِغَيْرِ مَعْنَى الْأَمْرِ بِحُدُوثِ عَيْنِهِ؟
قِيلَ : قَدْ تَنَازَعَ الْمُتَأَوِّلُونَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ ، وَنَحْنُ مُخْبِرُونَ بِمَا قَالُوا فِيهِ ، وَالْعِلَلِ الَّتِي اعْتَلَّ بِهَا كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ :
قَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَنْ أَمْرِهِ الْمَحْتُومِ - عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ لِمَنْ قَضَى عَلَيْهِ قَضَاءً مَنْ خَلْقِهِ الْمَوْجُودِينَ أَنَّهُ إِذَا أَمَرَهُ بِأَمْرٍ نَفَذَ فِيهِ [2/545]قَضَاؤُهُ ، وَمَضَى فِيهِ أَمْرُهُ ، نَظِيرُ أَمْرِهِ مَنْ أُمِرَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يَكُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ، وَهُمْ مَوْجُودُونَ فِي حَالِ أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ ، وَحَتْمِ قَضَائِهِ عَلَيْهِمْ بِمَا قَضَى فِيهِمْ ، وَكَالَّذِي خَسَفَ بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ وَقَضَائِهِ فِيمَنْ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ خَلْقِهِ فِي حَالِ أَمْرِهِ الْمَحْتُومِ عَلَيْهِ .
فَوَجَّهَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ قَوْلَهُ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، إِلَى الْخُصُوصِ دُونَ الْعُمُومِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْآيَةُ عَامٌّ ظَاهِرُهَا ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحِيلَهَا إِلَى بَاطِنٍ بِغَيْرِ حُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا . وَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا هُوَ كَائِنٌ قَبْلَ كَوْنِهِ ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، كَانَتِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ وَهِيَ كَائِنَةٌ لِعِلْمِهِ بِهَا قَبْلَ كَوْنِهَا ، نَظَائِرَ الَّتِي هِيَ مَوْجُودَةٌ ، فَجَازَ أَنْ يَقُولَ لَهَا : " كَوْنِي " ، وَيَأْمُرَهَا بِالْخُرُوجِ مِنْ حَالِ الْعَدَمِ إِلَى حَالِ الْوُجُودِ ، لِتَصَوُّرِ جَمِيعِهَا لَهُ ، وَلِعِلْمِهِ بِهَا فِي حَالِ الْعَدَمِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا ظَاهِرَ عُمُومٍ ، فَتَأْوِيلُهَا الْخُصُوصُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ غَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا لِمَأْمُورٍ ، عَلَى مَا وَصَفْتُ قَبْلُ . قَالُوا : وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَالْآيَةُ تَأْوِيلُهَا : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا مِنْ إِحْيَاءِ مَيِّتٍ ، أَوْ إِمَاتَةِ حَيٍّ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنَّمَا يَقُولُ لِحَيٍّ : " كُنْ مَيِّتًا ، أَوْ لِمَيِّتٍ : كُنْ حَيًّا " ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَبَرٌ عَنْ جَمِيعِ مَا يُنْشِئُهُ وَيُكَوِّنُهُ ، أَنَّهُ إِذَا قَضَاهُ وَخَلَقَهُ وَأَنْشَأَهُ ، كَانَ وَوُجِدَ - وَلَا قَوْلَ هُنَالِكَ عِنْدَ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ ، إِلَّا وُجُودُ الْمَخْلُوقِ وَحُدُوثُ الْمَقْضِيِّ - . وَقَالُوا : إِنَّمَا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( [2/546]وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قَالَ فُلَانٌ بِرَأْسِهِ " وَ " قَالَ بِيَدِهِ " ، إِذَا حَرَّكَ رَأَسَهُ ، أَوْ أَوْمَأَ بِيَدِهِ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، وَكَمَا قَالَ أَبُو النَّجْمِ :
وَقَالَتِ الْأَنْسَاعُ لِلْبَطْنِ الْحَقِ الْحَقِ قِدْمًا فَآضَتْ كَالْفَنِيقِ الْمُحْنِقِ
وَلَا قَوْلَ هُنَالِكَ ، وَإِنَّمَا عَنَى أَنَّ الظَّهْرَ قَدْ لَحِقَ بِالْبَطْنِ . وَكَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ حُمَمَةَ الدَّوْسِيُّ :
فَأَصْبَحْتُ مِثْلَ النَّسْرِ طَارَتْ فِرَاخُهُ إِذَا رَامَ تَطْيَارًا يُقَالُ لَهُ : قَعِ
وَلَا قَوْلَ هُنَاكَ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : إِذَا رَامَ طَيَرَانًا وَقَعَ ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ :
امْتَلَأَ الْحَوْضُ وَقَالَ : قَطْنِي سَلًّا رُوَيْدًا ، قَدْ مَلَأْتُ بَطْنِي
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [2/547]، أَنْ يُقَالَ : هُوَ عَامٌ فِي كُلِّ مَا قَضَاهُ اللَّهُ وَبَرَأَهُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ ذَلِكَ ظَاهِرُ عُمُومٍ ، وَغَيْرُ جَائِزَةٍ إِحَالَةُ الظَّاهِرِ إِلَى الْبَاطِنِ مِنَ التَّأْوِيلِ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ لَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا : " كِتَابِ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ " . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَأَمْرُ اللَّهِ - جَلَّ وَعَزَّ - لِشَيْءٍ إِذَا أَرَادَ تَكْوِينَهُ مَوْجُودًا بِقَوْلِهِ : ( كُنْ ) فِي حَالِ إِرَادَتِهِ إِيَّاهُ مُكَوَّنًا ، لَا يَتَقَدَّمُ وُجُودُ الَّذِي أَرَادَ إِيجَادَهُ وَتَكْوِينَهُ ، إِرَادَتَهُ إِيَّاهُ ، وَلَا أَمْرَهُ بِالْكَوْنِ وَالْوُجُودِ ، وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَأْمُورًا بِالْوُجُودِ مُرَادًا كَذَلِكَ إِلَّا وَهُوَ مَوْجُودٌ ، وَلَا أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا إِلَّا وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْوُجُودِ مُرَادٌ كَذَلِكَ! وَنَظِيرُ قَوْلِهِ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ [ سُورَةُ الرُّومِ : 25 ] بِأَنَّ خُرُوجَ الْقَوْمِ مِنْ قُبُورِهِمْ لَا يَتَقَدَّمُ دُعَاءَ اللَّهِ ، وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ .
وَيُسْأَلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ خَاصٌّ فِي التَّأْوِيلِ اعْتِلَالًا بِأَنَّ أَمْرَ غَيْرِ الْمَوْجُودِ غَيْرُ جَائِزٍ ، عَنْ دَعْوَةِ أَهْلِ الْقُبُورِ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ ، أَمْ بَعْدَهُ؟ أَمْ هِيَ فِي خَاصٍّ مِنَ الْخَلْقِ؟ فَلَنْ يَقُولَ فِي ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمُ فِي الْآخَرِ مِثْلُهُ .
وَيَسْأَلُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قَالَ فُلَانٌ بِرَأْسِهِ أَوْ بِيَدِهِ " ، إِذَا حَرَّكَهُ وَأَوْمَأَ ، وَنَظِيرُ قَوْلِ الشَّاعِرِ : [2/548]
تَقُولُ إِذَا دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي : : أَهَذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِينِي
وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ - : فَإِنَّهُمْ لَا صَوَابَ اللُّغَةِ أَصَابُوا ، وَلَا كِتَابَ اللَّهِ ، وَمَا دَلَّتْ عَلَى صِحَّتِهِ الْأَدِلَّةُ اتَّبَعُوا - فَيُقَالُ لِقَائِلِي ذَلِكَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا قَالَ لَهُ : " كُنْ " ، أَفَتُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ قَائِلًا ذَلِكَ؟ فَإِنْ أَنْكَرُوهُ كَذَّبُوا بِالْقُرْآنِ ، وَخَرَجُوا مِنَ الْمِلَّةِ .
وَإِنْ قَالُوا : بَلْ نُقِرُّ بِهِ ، وَلَكِنَّا نَزْعُمُ أَنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قَالَ الْحَائِطُ فَمَالَ " وَلَا قَوْلَ هُنَالِكَ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ خَبَرٌ عَنْ مَيْلِ الْحَائِطِ .
قِيلَ لَهُمْ : أَفَتُجِيزُونَ لِلْمُخْبِرِ عَنِ الْحَائِطِ بِالْمَيْلِ أَنْ يَقُولَ : إِنَّمَا قَوْلُ الْحَائِطِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَمِيلَ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا فَيَمِيلُ؟
فَإِنْ أَجَازُوا ذَلِكَ خَرَجُوا مِنْ مَعْرُوفِ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَخَالَفُوا مَنْطِقَهَا وَمَا يُعْرَفُ فِي لِسَانِهَا .
وَإِنْ قَالُوا : ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ .
قِيلَ لَهُمْ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَهُمْ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّ قَوْلَهُ لِلشَّيْءِ إِذَا أَرَادَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، فَأَعْلَمَ عِبَادَهُ قَوْلَهُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الشَّيْءُ وَوَصَفَهُ وَوَكَّدَهُ . وَذَلِكَ عِنْدَكُمْ غَيْرُ جَائِزٍ فِي الْعِبَارَةِ عَمَّا لَا كَلَامَ لَهُ وَلَا بَيَانَ فِي مِثْلِ قَوْلِ الْقَائِلِ : " قَالَ الْحَائِطُ فَمَالَ " ، فَكَيْفَ لَمْ يَعْلَمُوا بِذَلِكَ فَرْقَ مَا بَيْنَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، وَقَوْلِ الْقَائِلِ : " قَالَ الْحَائِطُ فَمَالَ " ؟ [2/549]وَلِلْبَيَانِ عَنْ فَسَادِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا نَأْتِي فِيهِ عَلَى الْقَوْلِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، هُوَ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ حَالَ أَمْرِهِ الشَّيْءَ بِالْوُجُودِ حَالُ وُجُودِ الْمَأْمُورِ بِالْوُجُودِ ، فَبَيِّنٌ بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِقَوْلِهِ : ( فَيَكُونُ ) الرَّفْعُ عَلَى الْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ ( يَقُولُ ) لِأَنَّ " الْقَوْلَ " وَ " الْكَوْنَ " حَالُهُمَا وَاحِدٌ ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ : " تَابَ فُلَانٌ فَاهْتَدَى " ، وَ " اهْتَدَى فُلَانٌ فَتَابَ " ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ تَائِبًا إِلَّا وَهُوَ مُهْتَدٍ ، وَلَا مُهْتَدِيًا إِلَّا وَهُوَ تَائِبٌ؛ فَكَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ آمِرًا شَيْئًا بِالْوُجُودِ إِلَّا وَهُوَ مَوْجُودٌ ، وَلَا مَوْجُودًا إِلَّا وَهُوَ آمِرُهُ بِالْوُجُودِ .
وَلِذَلِكَ اسْتَجَازَ مَنِ اسْتَجَازَ نَصْبَ " فَيَكُونَ " مَنْ قَرَأَ : ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ ) [ النَّحْلِ : 40 ] ، بِالْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْنَا عَلَى مَعْنَى : أَنْ نَقُولَ فَيَكُونَ .
وَأَمَّا رَفَعُ مَنْ رَفَعَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ رَأَى أَنَّ الْخَبَرَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ : إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ . إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ اللَّهَ إِذَا حَتَّمَ قَضَاءَهُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ الْمَحْتُومُ عَلَيْهِ مَوْجُودًا ، ثُمَّ ابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ : فَيَكُونُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ ، [ سُورَةُ الْحَجِّ : 5 ] وَكَمَا قَالَ ابْنُ أَحْمَرَ :
يُعَالِجُ عَاقِرًا أَعْيَتْ عَلَيْهِ لِيُلْقِحَهَا فَيُنْتِجُهَا حُوَارَا [2/550]
يُرِيدُ : فَإِذَا هُوَ يُنْتِجُهَا حُوَارًا .
فَمَعْنَى الْآيَةِ إِذًا : وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ، سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ! بَلْ هُوَ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا ، كُلُّ ذَلِكَ مُقِرٌّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ بِدِلَالَتِهِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ ، وَأَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ، وَهُوَ الَّذِي ابْتَدَعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ ، كَالَّذِي ابْتَدَعَ الْمَسِيحَ (نبي)مِنْ غَيْرِ وَالِدٍ بِمَقْدِرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ ، الَّذِي لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ بِهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ! بَلْ إِنَّمَا يَقُولُ لَهُ إِذَا قَضَاهُ فَأَرَادَ تَكْوِينَهُ : " كُنْ " ، فَيَكُونُ مَوْجُودًا كَمَا أَرَادَهُ وَشَاءَهُ . فَكَذَلِكَ كَانَ ابْتِدَاعُهُ الْمَسِيحَ وَإِنْشَاؤُهُ ، إِذْ أَرَادَ خَلْقَهُ مِنْ غَيْرِ وَالِدٍ .