تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ "

ج 2
ص 489

الآية المفسَّرة

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 2 · ص 489

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ( 108 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا :
1777 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ - وَحَدَّثَنَا [2/490]ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ - قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، أَوْ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ وَوَهْبُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ائْتِنَا بِكِتَابٍ تُنَزِّلُهُ عَلَيْنَا مِنَ السَّمَاءِ نَقْرَأُهُ ، وَفَجِّرْ لَنَا أَنْهَارًا نَتَّبِعْكَ وَنُصَدِّقْكَ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ، الْآيَةَ .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : -
1778 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ، وَكَانَ مُوسَى (نبي)يُسْأَلُ ، فَقِيلَ لَهُ : ( أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ) .
1889 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ، أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً ، فَسَأَلَتِ الْعَرَبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِاللَّهِ فَيَرَوْهُ جَهْرَةً .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : -
1780 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ، أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً! فَسَأَلَتْ قُرَيْشٌ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الصَّفَا (مكان)ذَهَبًا ، قَالَ : نَعَمْ! وَهُوَ لَكُمْ كَمَائِدَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنْ كَفَرْتُمْ! فَأَبَوْا وَرَجَعُوا .
1781 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ [2/491]ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : سَأَلَتْ قُرَيْشٌ مُحَمَّدًا (نبي)أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا (مكان)ذَهَبًا ، فَقَالَ : " نَعَمْ! وَهُوَ لَكُمْ كَالْمَائِدَةِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنْ كَفَرْتُمْ! فَأَبَوْا وَرَجَعُوا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ ، أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهُ جَهْرَةً .
1782 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : -
1783 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ كَانَتْ كَفَّارَاتُنَا كَفَّارَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ لَا نَبْغِيهَا! مَا أَعْطَاكُمُ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا أَعْطَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا فَعَلَ أَحَدُهُمُ الْخَطِيئَةَ وَجَدَهَا مَكْتُوبَةً عَلَى بَابِهِ وَكَفَّارَتَهَا ، فَإِنْ كَفَّرَهَا كَانَتْ لَهُ خِزْيًا فِي الدُّنْيَا ، وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْهَا كَانَتْ لَهُ خِزْيًا فِي الْآخِرَةِ ، وَقَدْ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِمَّا أَعْطَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، قَالَ : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [ النِّسَاءِ : 110 ] . قَالَ : وَقَالَ : " الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ ، كَفَّارَاتٌ لَمَّا بَيْنَهُنَّ " .
وَقَالَ : " مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ، وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا هَالَكٌ " .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ
. [2/492]
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى ( أَمِ ) الَّتِي فِي قَوْلِهِ : ( أَمْ تُرِيدُونَ ) . فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ : هِيَ بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ . وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : أَتُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ؟
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : هِيَ بِمَعْنَى اسْتِفْهَامٍ مُسْتَقْبَلٍ مُنْقَطِعٍ مِنَ الْكَلَامِ ، كَأَنَّكَ تَمِيلُ بِهَا إِلَى أَوَّلِهِ ، كَقَوْلِ الْعَرَبِ : إِنَّهَا لَإِبِلٌ يَا قَوْمُ أَمْ شَاءُ " وَ " لَقَدْ كَانَ كَذَا وَكَذَا أَمْ حَدْسُ نَفْسِي؟ " قَالَ : وَلَيْسَ قَوْلُهُ : ( أَمْ تُرِيدُونَ ) عَلَى الشَّكِّ ، وَلَكِنَّهُ قَالَهُ لِيُقَبِّحَ لَهُ صَنِيعَهُمْ . وَاسْتَشْهَدَ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِبَيْتِ الْأَخْطَلِ :
كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ غَلَسَ الظَّلَامِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالَا
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ قَوْلَهُ : ( أَمْ تُرِيدُونَ ) اسْتِفْهَامًا عَلَى كَلَامٍ قَدْ سَبَقَهُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : الم تَنْـزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [ السَّجْدَةِ : 1 - 3 ] ، فَجَاءَتْ " أَمْ " وَلَيْسَ قَبْلَهَا اسْتِفْهَامٌ ، فَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ مُبْتَدَأٌ عَلَى كَلَامٍ سَبَقَهُ . وَقَالَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ : " أَمْ " فِي الْمَعْنَى تَكُونُ رَدًّا عَلَى الِاسْتِفْهَامِ عَلَى جِهَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا أَنْ تُفَرِّقَ مَعْنَى " أَيْ " ، وَالْأُخْرَى : أَنْ يُسْتَفْهَمَ بِهَا فَتَكُونَ عَلَى جِهَةِ النَّسَقِ ، وَالَّذِي يُنْوَى بِهَا الِابْتِدَاءُ ، إِلَّا أَنَّهُ ابْتِدَاءٌ مُتَّصِلٌ بِكَلَامٍ ، فَلَوِ ابْتَدَأْتَ كَلَامًا لَيْسَ قَبْلَهُ كَلَامٌ ثُمَّ اسْتَفْهَمْتَ ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِ " الْأَلْفِ " أَوْ بِ " هَلْ " . [2/493]
قَالَ : وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ فِي قَوْلِهِ : ( أَمْ تُرِيدُونَ ) ، قَبْلَهُ اسْتِفْهَامٌ ، فَرُدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي قَوْلِهِ : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ، عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ : أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ مُبْتَدَأٌ ، بِمَعْنَى : أَتُرِيدُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ؟ وَإِنَّمَا جَازَ ، أَنْ يَسْتَفْهِمَ الْقَوْمُ بِ " أَمْ " ، وَإِنْ كَانَتْ " أَمْ " أَحَدُ شُرُوطِهَا أَنْ تَكُونَ نَسَقًا فِي الِاسْتِفْهَامِ لِتَقَدُّمِ مَا تَقَدَّمَهَا مِنَ الْكَلَامِ ، لِأَنَّهَا تَكُونُ اسْتِفْهَامًا مُبْتَدَأً إِذَا تَقَدَّمَهَا سَابِقٌ مِنَ الْكَلَامِ . وَلَمْ يُسْمَعْ مِنَ الْعَرَبِ اسْتِفْهَامٌ بِهَا وَلَمْ يَتَقَدَّمْهَا كَلَامٌ . وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : الم تَنْـزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [ السَّجْدَةِ : 1 - 3 ] وَقَدْ تَكُونُ " أَمْ " بِمَعْنَى " بَلْ " ، إِذَا سَبَقَهَا اسْتِفْهَامٌ لَا يَصْلُحُ فِيهِ " أَيْ " ، فَيَقُولُونَ : " هَلْ لَكَ قِبَلَنَا حَقٌّ ، أَمْ أَنْتَ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ بِالظُّلْمِ؟ " وَقَالَ الشَّاعِرُ :
فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَسَلْمَى تَغَوَّلَتْ أَمِ النَّوْمُ أَمْ كُلٌّ إِلَّيَّ حَبِيبُ
يَعْنِي : بَلْ كُلٌّ إِلَيَّ حَبِيبٌ .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ - مُنْكِرًا قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ " أَمْ " فِي قَوْلِهِ : ( أَمْ تُرِيدُونَ ) [2/494]اسْتِفْهَامٌ مُسْتَقْبَلٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ الْكَلَامِ ، يَمِيلُ بِهَا إِلَى أَوَّلِهِ - : إِنَّ الْأَوَّلَ خَبَرٌ ، وَالثَّانِي اسْتِفْهَامٌ ، وَالِاسْتِفْهَامُ لَا يَكُونُ فِي الْخَبَرِ ، وَالْخَبَرُ لَا يَكُونُ فِي الِاسْتِفْهَامِ ، وَلَكِنْ أَدْرَكَهُ الشَّكُّ - بِزَعْمِهِ - بَعْدَ مُضِيِّ الْخَبَرِ ، فَاسْتَفْهَمَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِذَا كَانَ مَعْنَى " أَمْ " مَا وَصَفْنَا ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : أَتُرِيدُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ مِنَ الْأَشْيَاءِ نَظِيرَ مَا سَأَلَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ قَبْلِكُمْ ، فَتَكْفُرُوا - إِنَّ مُنِعْتُمُوهُ - فِي مَسْأَلَتِكُمْ مَا لَا يَجُوزُ فِي حِكْمَةِ اللَّهِ إِعْطَاؤُكُمُوهُ ، أَوْ أَنْ تَهْلِكُوا إِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ فِي حِكْمَتِهِ عَطَاؤُكُمُوهُ ، فَأَعْطَاكُمُوهُ ، ثُمَّ كَفَرْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ، كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي سَأَلَتْ أَنْبِيَاءَهَا مَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَسْأَلَتُهَا إِيَّاهُمْ ، فَلَمَّا أُعْطِيَتْ كَفَرَتْ ، فَعُوجِلَتْ بِالْعُقُوبَاتِ لِكُفْرِهَا ، بَعْدَ إِعْطَاءِ اللَّهِ إِيَّاهَا سُؤْلَهَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : ( وَمَنْ يَتَبَدَّلْ ) ، وَمَنْ يَسْتَبْدِلِ " الْكُفْرَ " ، وَيَعْنِي بِ " الْكُفْرِ " ، الْجُحُودَ بِاللَّهِ وَبِآيَاتِهِ ، ( بِالْإِيمَانِ ) ، يَعْنِي بِالتَّصْدِيقِ بِاللَّهِ وَبِآيَاتِهِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ .
وَقَدْ قِيلَ : عَنَى بِ " الْكُفْرِ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الشِّدَّةَ ، وَبِ " الْإِيمَانِ " الرَّخَاءَ . وَلَا أَعْرِفُ الشِّدَّةَ فِي مَعَانِي " الْكُفْرِ " ، وَلَا الرَّخَاءَ فِي مَعْنَى " الْإِيمَانِ " ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِلُ ذَلِكَ أَرَادَ بِتَأْوِيلِهِ " الْكُفْرَ " بِمَعْنَى الشِّدَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَبِتَأْوِيلِهِ " الْإِيمَانَ " فِي مَعْنَى الرَّخَاءِ - : مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْكُفَّارِ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الشَّدَائِدِ ، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِ [2/495]الْإِيمَانِ فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وَجْهًا ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنَ الْمَفْهُومِ بِظَاهِرِ الْخِطَابِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1784 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ ، يَقُولُ : يَتَبَدَّلِ الشِّدَّةَ بِالرَّخَاءِ .
1785 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ بِمَثَلِهِ .
وَفِي قَوْلِهِ : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ، دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى مَا قُلْنَا : مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا ) ، خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعِتَابٌ مِنْهُ لَهُمْ عَلَى أَمْرٍ سَلَفَ مِنْهُمْ ، مِمَّا سُرَّ بِهِ الْيَهُودُ ، وَكَرِهَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ ، فَكَرِهَهُ اللَّهُ لَهُمْ ، فَعَاتَبَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْيَهُودَ أَهْلُ غِشٍّ لَهُمْ وَحَسَدٍ وَبَغْيٍ ، وَأَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ لَهُمُ الْمَكَارِهَ ، وَيَبْغُونَهُمُ الْغَوَائِلَ ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْتَصِحُوهُمْ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ فَاسْتَبْدَلَ بِإِيمَانِهِ كُفْرًا ، فَقَدْ أَخْطَأَ قَصْدَ السَّبِيلِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ( 108 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَمَّا قَوْلُهُ : ( فَقَدْ ضَلَّ ) ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ ذَهَبَ وَحَادَ . وَأَصْلُ " الضَّلَالِ عَنِ الشَّيْءِ " ، الذَّهَابُ عَنْهُ وَالْحَيْدُ ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّيْءِ الْهَالِكِ ، [2/496]وَالشَّيْءِ الَّذِي لَا يَؤْبَهُ لَهُ ، كَقَوْلِهِمْ لِلرَّجُلِ الْخَامِلِ الَّذِي لَا ذِكْرَ لَهُ وَلَا نَبَاهَةَ : " ضُلُّ بْنُ ضُلٍّ " ، وَ " قُلُّ بُنْ قُلٍّ " ، وَكَقَوْلِ الْأَخْطَلِ ، فِي الشَّيْءِ الْهَالِكِ :
كُنْتَ الْقَذَى فِي مَوْجِ أَكْدَرَ مُزْبِدٍ قَذَفَ الْأَتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلَالَا
يَعْنِي : هَلَكَ فَذَهَبَ .
وَالَّذِي عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ، فَقَدْ ذَهَبَ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ وَحَادَ عَنْهُ .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( سَوَاءَ السَّبِيلِ ) ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِ " السَّوَاءِ " ، الْقَصْدَ وَالْمَنْهَجَ .
وَأَصْلُ " السَّوَاءِ " الْوَسَطُ . ذُكِرَ عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ النَّحْوِيِّ أَنَّهُ قَالَ : " مَا زِلْتُ أَكْتُبُ حَتَّى انْقَطَعَ سَوَائِي " ، يَعْنِي : وَسَطِي . وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ :
يَا وَيْحَ أَنْصَارِ النَّبِيِّ وَنَسْلِهِ بَعْدَ الْمُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ الْمُلْحَدِ [2/497]
يَعْنِي بِالسَّوَاءِ : الْوَسَطُ . وَالْعَرَبُ تَقُولُ : " هُوَ فِي سَوَاءِ السَّبِيلِ " ، يَعْنِي فِي مُسْتَوى السَّبِيلِ ، " وَسَوَاءُ الْأَرْضِ " : مُسْتَوَاهَا ، عِنْدَهُمْ .
وَأَمَّا " السَّبِيلُ " ، فَإِنَّهَا الطَّرِيقُ الْمَسْبُولُ ، صُرِفَ مِنْ " مَسْبُولٍ " إِلَى " سَبِيلٍ " .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا : وَمَنْ يَسْتَبْدِلْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ الْكُفْرَ ، فَيَرْتَدَّ عَنْ دِينِهِ ، فَقَدْ حَادَ عَنْ مَنْهَجِ الطَّرِيقِ وَوَسَطِهِ الْوَاضِحِ الْمَسْبُولِ .
وَهَذَا الْقَوْلُ ظَاهِرُهُ الْخَبَرُ عَنْ زَوَالِ الْمُسْتَبْدَلِ بِالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالْمَعْنِيُّ بِهِ الْخَبَرُ عَنْهُ أَنَّهُ تَرَكَ دِينَ اللَّهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ ، وَجَعَلَهُ لَهُمْ طَرِيقًا يَسْلُكُونَهُ إِلَى رِضَاهُ ، وَسَبِيلًا يَرْكَبُونَهَا إِلَى مَحَبَّتِهِ وَالْفَوْزِ بِجَنَّاتِهِ . فَجَعَلَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - الطَّرِيقَ - الَّذِي إِذَا رَكِبَ مَحَجَّتَهُ السَّائِرُ فِيهِ ، وَلَزِمَ وَسَطَهُ الْمُجْتَازُ فِيهِ ، نَجَا وَبَلَغَ حَاجَتَهُ ، وَأَدْرَكَ طُلْبَتَهُ - لِدِينِهِ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ عِبَادَهُ ، مَثَلًا لِإِدْرَاكِهِمْ بِلُزُومِهِ وَاتِّبَاعِهِ ، طَلَبَاتِهِمْ فِي آخِرَتِهِمْ ، كَالَّذِي يُدْرِكُ اللَّازِمُ مَحَجَّةَ السَّبِيلِ بِلُزُومِهِ إِيَّاهَا طُلْبَتَهُ مِنَ النَّجَاةِ مِنْهَا ، وَالْوُصُولِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَمَّهُ وَقَصَدَهُ . وَجَعَلَ مَثَلَ الْحَائِدِ عَنْ دِينِهِ ، الْجَائِرِ عَنِ اتِّبَاعِ مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ - فِي إِخْطَائِهِ مَا رَجَا أَنْ يُدْرِكَهُ بِعَمَلِهِ فِي آخِرَتِهِ وَيَنَالَ بِهِ فِي مَعَادِهِ ، وَذَهَابِهِ عَمَّا أَمَّلَ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِهِ ، وَبُعْدِهِ بِهِ مِنْ رَبِّهِ - مَثَلَ الْحَائِدِ عَنْ مَنْهَجِ الطَّرِيقِ وَقَصْدِ السَّبِيلِ ، الَّذِي لَا يَزْدَادُ وُغُولًا فِي الْوَجْهِ الَّذِي سَلَكَهُ ، إِلَّا ازْدَادَ مِنْ مَوْضِعِ حَاجَتِهِ بُعْدًا ، [2/498]وَعَنِ الْمَكَانِ الَّذِي أَمَّهُ وَأَرَادَهُ نَأْيًا .
وَهَذِهِ السَّبِيلُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّ مَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَهَا ، هِيَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ " ، الَّذِي أُمِرْنَا بِمَسْأَلَتِهِ الْهِدَايَةَ لَهُ بِقَوْلِهِ : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ .