تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ "

ج 2
ص 457

الآية المفسَّرة

وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 2 · ص 457

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( 103 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ، لَوْ أَنَّ الَّذِينَ يَتَعَلَّمُونَ مِنَ الْمَلَكَيْنِ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ، " آمَنُوا " فَصَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ ، وَ " اتَّقَوْا " رَبَّهُمْ فَخَافُوهُ فَخَافُوا عِقَابَهُ ، فَأَطَاعُوهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَتَجَنَّبُوا مَعَاصِيَهُ - لَكَانَ جَزَاءُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ ، وَثَوَابُهُ لَهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ بِهِ وَتَقْوَاهُمْ إِيَّاهُ ، خَيْرًا لَهُمْ مِنَ السِّحْرِ وَمَا اكْتَسَبُوا بِهِ ، " لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ " أَنَّ ثَوَابَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى ذَلِكَ [2/458]خَيْرٌ لَهُمْ مِنَ السِّحْرِ وَمِمَّا اكْتَسَبُوا بِهِ . وَإِنَّمَا نَفَى بِقَوْلِهِ : ( لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) الْعِلْمَ عَنْهُمْ : أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِمَبْلَغِ ثَوَابِ اللَّهِ ، وَقَدْرِ جَزَائِهِ عَلَى طَاعَتِهِ .
وَ " الْمَثُوبَةُ " فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : أَثَبْتُكَ إِثَابَةً وَثَوَابًا وَمَثُوبَةً " ، فَأَصِلُ ذَلِكَ مِنْ : " ثَابَ إِلَيْكَ الشَّيْءُ " بِمَعْنَى : رَجَعَ . ثُمَّ يُقَالُ : " أَثَبْتُهُ إِلَيْكَ " أَيْ ، رَجَعْتُهُ إِلَيْكَ وَرَدَدْتُهُ ، فَكَانَ مَعْنَى " إِثَابَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ عَلَى الْهَدِيَّةِ وَغَيْرِهَا " : إِرْجَاعُهُ إِلَيْهِ مِنْهَا بَدَلًا وَرَدُّهُ عَلَيْهِ مِنْهَا عِوَضًا ، ثُمَّ جُعِلَ كُلُّ مُعَوِّضٍ غَيْرَهُ مِنْ عَمَلِهِ أَوْ هَدِيَّتِهِ أَوْ يَدٍ لَهُ سَلَفَتْ مِنْهُ إِلَيْهِ : مُثِيبًا لَهُ . وَمِنْهُ " ثَوَابُ " اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَهُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ ، بِمَعْنَى إِعْطَائِهِ إِيَّاهُمُ الْعِوَضَ وَالْجَزَاءَ عَلَيْهِ ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ بَدَلٌ مِنْ عَمَلِهِمُ الَّذِي عَمِلُوا لَهُ .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان)أَنَّ قَوْلَهُ : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا اكْتُفِيَ - بِدِلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَاهُ - عَنْ ذِكْرِ جَوَابِهِ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَأُثِيبُوا ، وَلَكِنَّهُ اسْتَغْنَى - بِدِلَالَةِ الْخَبَرِ عَنِ الْمَثُوبَةِ - عَنْ قَوْلِهِ : لَأُثِيبُوا .
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ يُنْكِرُ ذَلِكَ ، وَيَرَى أَنَّ جَوَابَ قَوْلِهِ : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ، ( لَمُثَوَّبَةٌ ) ، وَأَنَّ " لَوْ " إِنَّمَا أُجِيبَتْ " بِالْمَثُوبَةِ " ، وَإِنْ كَانَتْ أُخْبِرَ عَنْهَا بِالْمَاضِي مِنَ الْفِعْلِ لِتَقَارُبِ مَعْنَاهُ مِنْ مَعْنَى " لَإِنْ " فِي أَنَّهُمَا جَزَاءَانِ ، فَإِنَّهُمَا جَوَابَانِ لِلْإِيمَانِ ، فَأَدْخَلَ جَوَابَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبَتِهَا - فَأُجِيبَتْ " لَوْ " بِجَوَابِ " لَإِنْ " ، وَ " لَإِنْ " بِجَوَابِ " لَوْ " ، لِذَلِكَ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَجْوِبَتُهُمَا ، فَكَانَتْ " لَوْ " مِنَ حُكْمِهَا وَحَظِّهَا أَنْ تُجَابَ بِالْمَاضِي مِنَ الْفِعْلِ ، وَكَانَتْ " لَإِنْ " مِنَ حُكْمِهَا وَحَظِّهَا أَنْ تُجَابَ بِالْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الْفِعْلِ - لِمَا وَصَفْنَا مَنْ تُقَارِبُهُمَا؛ فَكَانَ يَتَأَوَّلُ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا : وَلَإِنْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ . [2/459]
وَبِمَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ " الْمَثُوبَةِ " قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1717 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، يَقُولُ : ثَوَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
1718 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، أَمَّا " الْمَثُوبَةُ " فَهُوَ الثَّوَابُ .
1719 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ ، يَقُولُ : لَثَوَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .