تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ "

ج 2
ص 394

الآية المفسَّرة

مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 2 · ص 394

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ( 98 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ، مَنْ عَادَاهُ ، وَعَادَى جَمِيعَ مَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ; وَإِعْلَامٌ مِنْهُ أَنَّ مَنْ عَادَى جِبْرِيلَ فَقَدْ عَادَاهُ وَعَادَى مِيكَائِيلَ ، وَعَادَى جَمِيعَ مَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ وَأَهْلُ طَاعَتِهِ ، وَمَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلَّيًّا فَقَدْ عَادَى اللَّهَ وَبَارَزَهُ بِالْمُحَارَبَةِ ، وَمَنْ عَادَى اللَّهَ فَقَدْ عَادَى جَمِيعَ أَهْلِ طَاعَتِهِ وَوِلَايَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَدُوَّ لِلَّهِ عَدُوٌّ لِأَوْلِيَائِهِ ، وَالْعَدُوَّ لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ عَدُوٌّ لَهُ ، فَكَذَلِكَ قَالَ لِلْيَهُودِ - الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ جِبْرِيلَ عَدُوُّنَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، وَمِيكَائِيلَ وَلِيُّنَا مِنْهُمْ - : مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ عَدُوَّ جِبْرِيلَ عَدُوُّ كُلِّ وَلِيٍّ لِلَّهِ ، فَأَخْبَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ، فَهُوَ لِكُلِّ مَنْ ذَكَرَهُ - مِنْ مَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَمِيكَالَ - عَدُوٌّ ، وَكَذَلِكَ عَدُوُّ بَعْضِ رُسُلِ اللَّهِ ، عَدُوٌّ لِلَّهِ وَلِكُلِّ وَلِيٍّ . وَقَدْ : -
1634 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ - يَعْنِي الْعَتَكِيَّ - ، عَنْ رَجُلٍ مَنْ قُرَيْشٍ قَالَ : سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ [2/395]فَقَالَ : أَسَأَلُكُمْ بِكِتَابِكُمُ الَّذِي تَقْرَأُونَ ، هَلْ تَجِدُونَ بِهِ قَدْ بَشَّرَ بِي عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (نبي)أَنْ يَأْتِيَكُمْ رَسُولٌ اسْمُهُ أَحْمَدُ؟ فَقَالُوا : اللَّهُمَّ وَجَدْنَاكَ فِي كِتَابِنَا ، وَلَكِنَّا كَرِهْنَاكَ؛ لِأَنَّكَ تَسْتَحِلُّ الْأَمْوَالَ وَتُهَرِيقُ الدِّمَاءَ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ الْآيَةَ .
1635 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ : إِنَّ يَهُودِيًّا لَقِيَ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ : إِنَّ جِبْرِيلَ الَّذِي يَذْكُرُهُ صَاحِبُكَ ، هُوَ عَدُوٌّ لَنَا . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ . قَالَ : فَنَزَلَتْ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ .
وَهَذَا الْخَبَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ تَوْبِيخًا لِلْيَهُودِ فِي كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِخْبَارًا مِنْهُ لَهُمْ أَنَّ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِمُحَمَّدٍ (نبي)فَاللَّهُ لَهُ عَدُوٌّ ، وَأَنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ (نبي)مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ ، لَمِنَ الْكَافِرِينَ بِاللَّهِ ، الْجَاحِدِينَ آيَاتِهِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَوَلَيْسَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ؟
قِيلَ : بَلَى .
فَإِنْ قَالَ : فَمَا مَعْنَى تَكْرِيرُ ذِكْرِهِمَا بِأَسْمَائِهِمَا ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُمَا فِي الْآيَةِ فِي جُمْلَةِ أَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ؟
قِيلَ : مَعْنَى إِفْرَادِ ذِكْرِهِمَا بِأَسْمَائِهِمَا ، أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا قَالَتْ : " جِبْرِيلُ عَدُوُّنَا ، وَمِيكَائِيلُ وَلِيُّنَا " - وَزَعَمَتْ أَنَّهَا كَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ [2/396]جِبْرِيلَ صَاحِبُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْلَمَهُمُ اللَّهُ أَنَّ مَنْ كَانَ لِجِبْرِيلَ عَدُوًّا ، فَإِنَّ اللَّهَ لَهُ عَدُوٌّ ، وَأَنَّهُ مِنَ الْكَافِرِينَ ، فَنَصَّ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ وَعَلَى مِيكَائِيلَ بِاسْمِهِ ، لِئَلَّا يَقُولَ مِنْهُمْ قَائِلٌ : إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ : مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ ، وَلَسْنَا لِلَّهِ وَلَا لِمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ أَعْدَاءً؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ اسْمٌ عَامٌّ مُحْتَمِلٌ خَاصًّا ، وَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ غَيْرُ دَاخِلَيْنِ فِيهِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( وَرُسُلِهِ ) ، فَلَسْتَ يَا مُحَمَّدُ (نبي)دَاخِلًا فِيهِمْ ، فَنَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَسْمَاءِ مَنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَعْدَاؤُهُ بِأَعْيَانِهِمْ ، لِيَقْطَعَ بِذَلِكَ تَلْبِيسَهُمْ عَلَى أَهْلِ الضَّعْفِ مِنْهُمْ ، وَيَحْسِمَ تَمْوِيهَهُمْ أُمُورَهُمْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ .
وَأَمَّا إِظْهَارُ اسْمِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ : فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ، وَتَكْرِيرُهُ فِيهِ - وَقَدِ ابْتَدَأَ أَوَّلَ الْخَبَرِ بِذِكْرِهِ فَقَالَ : مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ - فَلِئَلَّا يَلْتَبِسَ لَوْ ظَهَرَ ذَلِكَ بِكِنَايَةٍ ، فَقِيلَ : " فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ " ، عَلَى سَامِعِهِ ، مَنِ الْمَعْنِيُّ بِ " الْهَاءِ " الَّتِي فِي " فَإِنَّهُ " : آللَّهُ ، أَمْ رُسُلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، أَمْ جِبْرِيلُ ، أَمْ مِيكَائِيلُ؟ إِذْ لَوْ جَاءَ ذَلِكَ بِكِنَايَةٍ عَلَى مَا وَصَفْتُ ، فَإِنَّهُ يَلْتَبِسُ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يُوقَفْ عَلَى الْمَعْنِيِّ بِذَلِكَ؛ لِاحْتِمَالِ الْكَلَامِ مَا وَصَفْتُ ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يُوَجِّهُ ذَلِكَ إِلَى نَحْوِ قَوْلِ الشَّاعِرِ :
لَيْتَ الْغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعَبُ دَائِمًا كَانَ الْغُرَابُ مُقَطَّعَ الْأَوْدَاجِ
وَأَنَّهُ إِظْهَارُ الِاسْمِ الَّذِي حَظُّهُ الْكِنَايَةُ عَنْهُ . وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا قَالَ . وَذَلِكَ أَنَّ " الْغُرَابَ " الثَّانِي لَوْ كَانَ مُكَنًّى عَنْهُ ، لَمَا الْتَبَسَ عَلَى أَحَدٍ يَعْقِلُ كَلَامَ الْعَرَبِ أَنَّهُ كِنَايَةُ اسْمِ " الْغُرَابِ " الْأَوَّلِ ، إِذْ كَانَ لَا شَيْءَ قَبْلَهُ يَحْتَمِلُ الْكَلَامُ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَيْهِ [2/397]غَيْرَ كِنَايَةِ اسْمِ " الْغُرَابِ " الْأَوَّلِ - وَأَنَّ قَبْلَ قَوْلِهِ : فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ أَسْمَاءً ، لَوْ جَاءَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُكَنَّيًا عَنْهُ ، لَمْ يُعْلَمْ مَنِ الْمَقْصُودُ إِلَيْهِ بِكِنَايَةِ الِاسْمِ ، إِلَّا بِتَوْقِيفٍ مِنْ حُجَّةٍ . فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ أَمْرَاهُمَا .