النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ( 93 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ) ، وَاذْكُرُوا إِذْ أَخَذْنَا عُهُودَكُمْ ، بِأَنْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ - الَّتِي أَنْزَلْتُهَا إِلَيْكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا مِنْ أَمْرِي ، وَتَنْتَهُوا عَمَّا نَهَيْتُكُمْ فِيهَا - بِجِدٍّ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ وَنَشَاطٍ ، فَأَعْطَيْتُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ مِيثَاقَكُمْ ، إِذْ رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْجَبَلَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَاسْمَعُوا ) ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَاسْمَعُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَتَقَبَّلُوهُ بِالطَّاعَةِ ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ يَأْمُرُهُ بِالْأَمْرِ : " سَمِعْتُ وَأَطَعْتُ " ، يَعْنِي بِذَلِكَ : سَمِعْتُ قَوْلَكَ ، وَأَطَعْتُ أَمْرَكَ ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ :
السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ وَالتَّسْلِيمْ خَيْرٌ وَأَعْفَى لِبَنِي تَمِيمْ [2/357]
يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " السَّمْعُ " ، قَبُولَ مَا يَسْمَعُ ، وَ " الطَّاعَةُ " لِمَا يُؤْمَرُ . فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( وَاسْمَعُوا ) ، اقْبَلُوا مَا سَمِعْتُمْ وَاعْمَلُوا بِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَمَعْنَى الْآيَةِ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ أَنْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ، وَاعْمَلُوا بِمَا سَمِعْتُمْ ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ ، وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( قَالُوا سَمِعْنَا ) ، فَإِنَّ الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الِابْتِدَاءُ بِالْخِطَابِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَمَا وَصَفْنَا ، مِنْ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْكَلَامِ ، إِذَا كَانَ حِكَايَةً ، فَالْعَرَبُ تُخَاطِبُ فِيهِ ثُمَّ تَعُودُ فِيهِ إِلَى الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، وَتُخْبِرُ عَنِ الْغَائِبِ ثُمَّ تُخَاطِبُ ، كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ، بِمَعْنَى : قُلْنَا لَكُمْ ، فَأَجَبْتُمُونَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( قَالُوا سَمِعْنَا ) ، فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ - عَنِ الْيَهُودِ الَّذِينَ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ ، وَأَنْ يُطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا يَسْمَعُونَ مِنْهَا - أَنَّهُمْ قَالُوا حِينَ قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ : سَمِعْنَا قَوْلَكَ ، وَعَصَيْنَا أَمْرَكَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ حُبَّ الْعِجْلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1561 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ، قَالَ : أُشْرِبُوا حُبَّهُ ، حَتَّى خَلُصَ ذَلِكَ إِلَى قُلُوبِهِمْ .
[2/358]1562 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ، قَالَ : أُشْرِبُوا حُبَّ الْعِجْلِ بِكُفْرِهِمْ .
1563 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ، قَالَ : أُشْرِبُوا حُبَّ الْعِجْلِ فِي قُلُوبِهِمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ سُقُوا الْمَاءَ الَّذِي ذُرِّيَ فِيهِ سُحَالَةُ الْعِجْلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1564 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : لَمَّا رَجَعَ مُوسَى (نبي)إِلَى قَوْمِهِ ، أَخَذَ الْعِجْلَ الَّذِي وَجَدَهُمْ عَاكِفِينَ عَلَيْهِ ، فَذَبَحَهُ ، ثُمَّ حَرَقَهُ بِالْمِبْرَدِ ، ثُمَّ ذَرَّاهُ فِي الْيَمِّ ، فَلَمْ يَبْقَ بَحْرٌ يَوْمَئِذٍ يَجْرِي إِلَّا وَقَعَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُ . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مُوسَى : اشْرَبُوا مِنْهُ ، فَشَرِبُوا مِنْهُ ، فَمَنْ كَانَ يُحِبُّهُ خَرَجَ عَلَى شَارِبِهِ الذَّهَبُ . فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ .
1565 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : لَمَّا سُحِلَ فَأُلْقِيَ فِي الْيَمِّ ، اسْتَقْبَلُوا جِرْيَةَ الْمَاءِ ، فَشَرِبُوا حَتَّى مَلَئُوا بُطُونَهُمْ ، فَأَوْرَثَ ذَلِكَ مَنْ فَعَلَهُ مِنْهُمْ جُبْنًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُ بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( وَأُشْرِبُوا [2/159]فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) تَأْوِيلُ مِنْ قَالَ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ حُبَّ الْعِجْلِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُقَالُ مِنْهُ : أُشْرِبَ فُلَانٌ فِي قَلْبِهِ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي حُبِّ الشَّيْءِ ، فَيُقَالُ مِنْهُ : " أُشْرِبَ قَلْبُ فُلَانٍ حُبَّ كَذَا " ، بِمَعْنَى سُقِيَ ذَلِكَ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهِ وَخَالَطَ قَلْبَهُ ، كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ :
فَصَحَوْتُ عَنْهَا بَعْدَ حُبٍّ دَاخِلٍ وَالْحُبُّ يُشْرَبُهُ فُؤَادُكُ دَاءُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَكِنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَ " الْحُبِّ " اكْتِفَاءً بِفَهْمِ السَّامِعِ لِمَعْنَى الْكَلَامِ . إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْعِجْلَ لَا يُشْرِبُ الْقَلْبَ ، وَأَنَّ الَّذِي يُشْرِبُ الْقَلْبَ مِنْهُ حُبُّهُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 163 ] ، وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا [ يُوسُفَ : 82 ] ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
أَلَا إِنَّنِي سُقِّيتُ أَسْوَدَ حَالِكًا أَلَا بَجَلِي مِنَ الشَّرَابِ أَلَا بَجَلْ
[2/360]يَعْنِي بِذَلِكَ سُمًّا أَسْوَدَ ، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ " أَسْوَدَ " عَنْ ذِكْرِ " السُّمِّ " لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِ مَعْنَى مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ : " سُقِّيتُ أَسْوَدَ " . وَيُرْوَى :
أَلَا إِنَّنِي سُقِّيتُ أَسْوَدَ سَالِخًا
وَقَدْ تَقُولُ الْعَرَبُ : " إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى السَّخَاءِ فَانْظُرْ إِلَى هَرِمٍ ، أَوْ إِلَى حَاتِمٍ " ،
فَتَجْتَزِئُ بِذِكْرِ الِاسْمِ مِنْ ذِكْرِ فِعْلِهِ ، إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِشَجَاعَةٍ أَوْ سَخَاءٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
يَقُولُونَ جَاهِدْ يَا جَمِيلُ بِغَزْوَةٍ وَإِنَّ جِهَادًا طَيِّئٌ وَقِتَالُهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 93 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ (نبي)لِيَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ : بِئْسَ الشَّيْءُ يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ; إِنْ كَانَ يَأْمُرُكُمْ بِقَتْلِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ [2/361]وَالتَّكْذِيبِ بِكُتُبِهِ ، وَجَحُودِ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ . وَمَعْنَى " إِيمَانِهِمْ " : تَصْدِيقُهُمُ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُمْ بِهِ مُصَدِّقُونَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، إِذْ قِيلَ لَهُمْ : آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، فَقَالُوا : نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا . وَقَوْلُهُ : ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ، أَيْ : إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ كَمَا زَعَمْتُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، وَإِنَّمَا كَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ - لِأَنَّ التَّوْرَاةَ تَنْهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَتَأْمُرُ بِخِلَافِهِ ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ تَصْدِيقَهُمْ بِالتَّوْرَاةِ ، إِنْ كَانَ يَأْمُرُهُمْ بِذَلِكَ ، فَبِئْسَ الْأَمْرُ تَأْمُرُ بِهِ . وَإِنَّمَا ذَلِكَ نَفْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ التَّوْرَاةِ ، أَنْ تَكُونَ تَأْمُرُ بِشَيْءٍ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ ، وَأَنْ يَكُونَ التَّصْدِيقُ بِهَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ ، وَإِعْلَامٌ مِنْهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنَّ الَّذِي يَأْمُرُهُمْ بِذَلِكَ أَهْوَاؤُهُمْ ، وَالَّذِي يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ الْبَغْيُ وَالْعُدْوَانُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ) ، وَاذْكُرُوا إِذْ أَخَذْنَا عُهُودَكُمْ ، بِأَنْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ - الَّتِي أَنْزَلْتُهَا إِلَيْكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا مِنْ أَمْرِي ، وَتَنْتَهُوا عَمَّا نَهَيْتُكُمْ فِيهَا - بِجِدٍّ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ وَنَشَاطٍ ، فَأَعْطَيْتُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ مِيثَاقَكُمْ ، إِذْ رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْجَبَلَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَاسْمَعُوا ) ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَاسْمَعُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَتَقَبَّلُوهُ بِالطَّاعَةِ ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ يَأْمُرُهُ بِالْأَمْرِ : " سَمِعْتُ وَأَطَعْتُ " ، يَعْنِي بِذَلِكَ : سَمِعْتُ قَوْلَكَ ، وَأَطَعْتُ أَمْرَكَ ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ :
السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ وَالتَّسْلِيمْ خَيْرٌ وَأَعْفَى لِبَنِي تَمِيمْ [2/357]
يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " السَّمْعُ " ، قَبُولَ مَا يَسْمَعُ ، وَ " الطَّاعَةُ " لِمَا يُؤْمَرُ . فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( وَاسْمَعُوا ) ، اقْبَلُوا مَا سَمِعْتُمْ وَاعْمَلُوا بِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَمَعْنَى الْآيَةِ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ أَنْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ، وَاعْمَلُوا بِمَا سَمِعْتُمْ ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ ، وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( قَالُوا سَمِعْنَا ) ، فَإِنَّ الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الِابْتِدَاءُ بِالْخِطَابِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَمَا وَصَفْنَا ، مِنْ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْكَلَامِ ، إِذَا كَانَ حِكَايَةً ، فَالْعَرَبُ تُخَاطِبُ فِيهِ ثُمَّ تَعُودُ فِيهِ إِلَى الْخَبَرِ عَنِ الْغَائِبِ ، وَتُخْبِرُ عَنِ الْغَائِبِ ثُمَّ تُخَاطِبُ ، كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ، بِمَعْنَى : قُلْنَا لَكُمْ ، فَأَجَبْتُمُونَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( قَالُوا سَمِعْنَا ) ، فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ - عَنِ الْيَهُودِ الَّذِينَ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ ، وَأَنْ يُطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا يَسْمَعُونَ مِنْهَا - أَنَّهُمْ قَالُوا حِينَ قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ : سَمِعْنَا قَوْلَكَ ، وَعَصَيْنَا أَمْرَكَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ حُبَّ الْعِجْلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1561 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ، قَالَ : أُشْرِبُوا حُبَّهُ ، حَتَّى خَلُصَ ذَلِكَ إِلَى قُلُوبِهِمْ .
[2/358]1562 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ، قَالَ : أُشْرِبُوا حُبَّ الْعِجْلِ بِكُفْرِهِمْ .
1563 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ، قَالَ : أُشْرِبُوا حُبَّ الْعِجْلِ فِي قُلُوبِهِمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ سُقُوا الْمَاءَ الَّذِي ذُرِّيَ فِيهِ سُحَالَةُ الْعِجْلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1564 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : لَمَّا رَجَعَ مُوسَى (نبي)إِلَى قَوْمِهِ ، أَخَذَ الْعِجْلَ الَّذِي وَجَدَهُمْ عَاكِفِينَ عَلَيْهِ ، فَذَبَحَهُ ، ثُمَّ حَرَقَهُ بِالْمِبْرَدِ ، ثُمَّ ذَرَّاهُ فِي الْيَمِّ ، فَلَمْ يَبْقَ بَحْرٌ يَوْمَئِذٍ يَجْرِي إِلَّا وَقَعَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُ . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مُوسَى : اشْرَبُوا مِنْهُ ، فَشَرِبُوا مِنْهُ ، فَمَنْ كَانَ يُحِبُّهُ خَرَجَ عَلَى شَارِبِهِ الذَّهَبُ . فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ .
1565 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : لَمَّا سُحِلَ فَأُلْقِيَ فِي الْيَمِّ ، اسْتَقْبَلُوا جِرْيَةَ الْمَاءِ ، فَشَرِبُوا حَتَّى مَلَئُوا بُطُونَهُمْ ، فَأَوْرَثَ ذَلِكَ مَنْ فَعَلَهُ مِنْهُمْ جُبْنًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْتُ بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( وَأُشْرِبُوا [2/159]فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) تَأْوِيلُ مِنْ قَالَ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ حُبَّ الْعِجْلِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُقَالُ مِنْهُ : أُشْرِبَ فُلَانٌ فِي قَلْبِهِ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي حُبِّ الشَّيْءِ ، فَيُقَالُ مِنْهُ : " أُشْرِبَ قَلْبُ فُلَانٍ حُبَّ كَذَا " ، بِمَعْنَى سُقِيَ ذَلِكَ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهِ وَخَالَطَ قَلْبَهُ ، كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ :
فَصَحَوْتُ عَنْهَا بَعْدَ حُبٍّ دَاخِلٍ وَالْحُبُّ يُشْرَبُهُ فُؤَادُكُ دَاءُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَكِنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَ " الْحُبِّ " اكْتِفَاءً بِفَهْمِ السَّامِعِ لِمَعْنَى الْكَلَامِ . إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْعِجْلَ لَا يُشْرِبُ الْقَلْبَ ، وَأَنَّ الَّذِي يُشْرِبُ الْقَلْبَ مِنْهُ حُبُّهُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 163 ] ، وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا [ يُوسُفَ : 82 ] ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
أَلَا إِنَّنِي سُقِّيتُ أَسْوَدَ حَالِكًا أَلَا بَجَلِي مِنَ الشَّرَابِ أَلَا بَجَلْ
[2/360]يَعْنِي بِذَلِكَ سُمًّا أَسْوَدَ ، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ " أَسْوَدَ " عَنْ ذِكْرِ " السُّمِّ " لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِ مَعْنَى مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ : " سُقِّيتُ أَسْوَدَ " . وَيُرْوَى :
أَلَا إِنَّنِي سُقِّيتُ أَسْوَدَ سَالِخًا
وَقَدْ تَقُولُ الْعَرَبُ : " إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى السَّخَاءِ فَانْظُرْ إِلَى هَرِمٍ ، أَوْ إِلَى حَاتِمٍ " ،
فَتَجْتَزِئُ بِذِكْرِ الِاسْمِ مِنْ ذِكْرِ فِعْلِهِ ، إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِشَجَاعَةٍ أَوْ سَخَاءٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
يَقُولُونَ جَاهِدْ يَا جَمِيلُ بِغَزْوَةٍ وَإِنَّ جِهَادًا طَيِّئٌ وَقِتَالُهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 93 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّدُ (نبي)لِيَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ : بِئْسَ الشَّيْءُ يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ; إِنْ كَانَ يَأْمُرُكُمْ بِقَتْلِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ [2/361]وَالتَّكْذِيبِ بِكُتُبِهِ ، وَجَحُودِ مَا جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ . وَمَعْنَى " إِيمَانِهِمْ " : تَصْدِيقُهُمُ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُمْ بِهِ مُصَدِّقُونَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، إِذْ قِيلَ لَهُمْ : آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ، فَقَالُوا : نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا . وَقَوْلُهُ : ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ، أَيْ : إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ كَمَا زَعَمْتُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، وَإِنَّمَا كَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ - لِأَنَّ التَّوْرَاةَ تَنْهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَتَأْمُرُ بِخِلَافِهِ ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ تَصْدِيقَهُمْ بِالتَّوْرَاةِ ، إِنْ كَانَ يَأْمُرُهُمْ بِذَلِكَ ، فَبِئْسَ الْأَمْرُ تَأْمُرُ بِهِ . وَإِنَّمَا ذَلِكَ نَفْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ التَّوْرَاةِ ، أَنْ تَكُونَ تَأْمُرُ بِشَيْءٍ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ ، وَأَنْ يَكُونَ التَّصْدِيقُ بِهَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ ، وَإِعْلَامٌ مِنْهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَنَّ الَّذِي يَأْمُرُهُمْ بِذَلِكَ أَهْوَاؤُهُمْ ، وَالَّذِي يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ الْبَغْيُ وَالْعُدْوَانُ .