النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا ( 91 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ) ، وَإِذَا قِيلَ لِلْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ - لِلَّذِينِ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( آمِنُوا ) ، أَيْ صَدِّقُوا ، ( بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ) ، يَعْنِي بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( قَالُوا : نُؤْمِنُ ) ، أَيْ نُصَدِّقُ ، ( بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) ، يَعْنِي بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ، وَيَجْحَدُونَ ، " بِمَا وَرَاءَهُ " ، يَعْنِي : بِمَا وَرَاءَ التَّوْرَاةِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ " وَرَاءَهُ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : " سِوَى " ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْحُسْنِ : " مَا وَرَاءَ هَذَا الْكَلَامِ شَيْءٌ " يُرَادُ بِهِ : لَيْسَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ شَيْءٌ سِوَى ذَلِكَ الْكَلَامِ . فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ، أَيْ [2/349]بِمَا سِوَى التَّوْرَاةِ ، وَبِمَا بَعْدَهَا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا إِلَى رُسُلِهِ ، كَمَا : -
1556 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ، يَقُولُ : بِمَا بَعْدَهُ .
1557 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ، أَيْ بِمَا بَعْدَهُ - يَعْنِي : بِمَا بَعْدَ التَّوْرَاةِ .
1558 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ، يَقُولُ : بِمَا بَعْدَهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا ، أَيْ : مَا وَرَاءَ الْكِتَابِ - الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْكُتُبِ [2/350]الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ إِلَى أَنْبِيَائِهِ - الْحَقُّ : وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا : -
1559 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ، وَهُوَ الْقُرْآنُ . يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ . وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ) ؛ لِأَنَّ كُتُبَ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا . فَفِي الْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ مِنَ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْإِيمَانِ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ ، مِثْلُ الَّذِي مِنْ ذَلِكَ فِي تَوْرَاةِ مُوسَى (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ . فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْيَهُودِ - إِذْ أَخْبَرَهُمْ عَمَّا وَرَاءَ كِتَابِهِمُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى (نبي)صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا إِلَى أَنْبِيَائِهِ - : إِنَّهُ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِلْكِتَابِ الَّذِي مَعَهُمْ ، يَعْنِي : أَنَّهُ لَهُ مُوَافِقٌ فِيمَا الْيَهُودُ بِهِ مُكَذِّبُونَ .
قَالَ : وَذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ أَنَّهُمْ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالتَّوْرَاةِ ، عَلَى مِثْلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ ، عِنَادًا لِلَّهِ ، وَخِلَافًا لِأَمْرِهِ ، وَبَغْيًا عَلَى رُسُلِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 91 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ ، قُلْ يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)لِيَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ - الَّذِينَ إِذَا قُلْتَ لَهُمْ : آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا : نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا - : لِمَ تَقْتُلُونَ - إِنْ كُنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ مُؤْمِنِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ - أَنْبِيَاءَهُ ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ قَتْلَهُمْ ، بَلْ أَمَرَكُمْ فِيهِ بِاتِّبَاعِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ؟ وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ تَكْذِيبٌ لَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ : نُؤْمِنُ بِمَا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا وَتَعْيِيرٌ لَهُمْ ، كَمَا : -
1560 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ - وَهُوَ يُعَيِّرُهُمْ - يَعْنِي الْيَهُودَ : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ؟
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ لَهُمْ : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ ، فَابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَلَى لَفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ مَضَى؟
قِيلَ : إِنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ مُخْتَلِفُونَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ : مَعْنَى [2/351]ذَلِكَ : فَلِمَ قَتَلْتُمْ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 102 ] ، أَيْ : مَا تَلَتْ ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ عَنْهُ وَقُلْتُ لَا يَعْنِينِي
يُرِيدُ بِقَوْلِهِ : " وَلَقَدْ أَمُرُّ " وَلَقَدْ مَرَرْتُ . وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، بِقَوْلِهِ : " فَمَضَيْتُ عَنْهُ " ، وَلَمْ يَقُلْ : فَأَمْضِي عَنْهُ . وَزَعَمَ أَنَّ " فَعَلَ " وَ " يَفْعِلُ " قَدْ تَشْتَرِكُ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ :
وَإِنِّي لَآتِيكُمْ تَشَكُّرَ مَا مَضَى مِنَ الْأَمْرِ ، وَاسْتِيجَابَ مَا كَانَ فِي غَدِ
يَعْنِي بِذَلِكَ : مَا يَكُونُ فِي غَدٍ ، وَبِقَوْلِ الْحُطَيْئَةِ :
شَهِدَ الْحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ أَنَّ الْوَلِيدَ أَحَقُّ بِالْعُذْرِ [2/352]
يَعْنِي : يَشْهَدُ . وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ :
فَمَا أُضْحِي وَلَا أَمْسَيْتُ إِلَّا أَرَانِي مِنْكُمُ فِي كَوَّفَانِ
فَقَالَ : أُضْحِي ، ثُمَّ قَالَ : " وَلَا أَمْسَيْتُ " .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : إِنَّمَا قِيلَ : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ ، فَخَاطَبَهُمْ بِالْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الْفِعْلِ ، وَمَعْنَاهُ الْمَاضِي ، كَمَا يُعَنِّفُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ فِعْلٍ فَيَقُولُ لَهُ : وَيْحَكَ ، لِم تَكْذِبُ؟ وَلِمَ تُبَغِّضُ نَفْسَكَ إِلَى النَّاسِ؟ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
[2/353]إِذَا مَا انْتَسَبْنَا ، لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ وَلَمْ تَجِدِي مِنْ أَنْ تُقِّرِي بِهِ بُدَّا
فَالْجَزَاءُ لِلْمُسْتَقْبَلِ ، وَالْوِلَادَةُ كُلُّهَا قَدْ مَضَتْ . وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْنَى مَعْرُوفٌ ، فَجَازَ ذَلِكَ . قَالَ : وَمِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ : " إِذَا نَظَرْتَ فِي سِيرَةِ عُمَرَ ، لَمْ تَجِدْهُ يُسِيءُ " . الْمَعْنَى : لَمْ تَجِدْهُ أَسَاءَ . فَلَمَّا كَانَ أَمْرُ عُمَرَ لَا يَشُكُّ فِي مُضِيِّهِ ، لَمْ يَقَعْ فِي الْوَهْمِ أَنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ ؛ فَلِذَلِكَ صَلَحَتْ " مِنْ قَبْلُ " مَعَ قَوْلِهِ : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ . قَالَ : وَلَيْسَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِالْقَتْلِ هُمُ الْقَتَلَةُ ، إِنَّمَا قَتَلَ الْأَنْبِيَاءَ أَسْلَافُهُمُ الَّذِينَ مَضَوْا ، فَتَوَلَّوْهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَضُوا بِهِ ، فَنُسِبَ الْقَتْلُ إِلَيْهِمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا ، أَنَّ اللَّهَ خَاطَبَ الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ - بِمَا خَاطَبَهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ - بِمَا سَلَفَ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَى أَسْلَافِهِمْ ، وَبِمَا سَلَفَ مِنْ كُفْرَانِ أَسْلَافِهِمْ نِعَمَهُ ، وَارْتِكَابِهِمْ مَعَاصِيَهُ ، وَاجْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ ، وَأَضَافَ ذَلِكَ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ بِهِ ، نَظِيرُ قَوْلِ الْعَرَبِ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ : فَعَلْنَا بِكُمْ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا ، وَفَعَلْتُمْ بِنَا يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا - عَلَى نَحْوِ مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا - ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّ أَسْلَافَنَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِأَسْلَافِكُمْ ، وَأَنَّ أَوَائِلَنَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِأَوَائِلِكُمْ . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ ، إِذْ كَانَ قَدْ خَرَجَ عَلَى لَفْظِ الْخَبَرِ عَنِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ [2/354]فِعْلِ السَّالِفِينَ مِنْهُمْ - عَلَى نَحْوِ الَّذِي بَيَّنَّا - جَازَ أَنْ يُقَالَ : " مِنْ قَبْلُ " ؛ إِذْ كَانَ مَعْنَاهُ : قُلْ : فَلِمَ يَقْتُلُ أَسْلَافُكُمْ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ " ؟ وَكَانَ مَعْلُومًا بِأَنَّ قَوْلَهُ : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ ، إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ فِعْلِ سَلَفِهِمْ .
وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( مِنْ قَبْلُ ) ، أَيْ : مِنْ قَبْلِ الْيَوْمِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِمَا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ كَمَا زَعَمْتُمْ . وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ الْيَهُودَ الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْلَافَهُمْ - إِنْ كَانُوا وَكُنْتُمْ ، كَمَا تَزْعُمُونَ أَيُّهَا الْيَهُودُ ، مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّمَا عَيَّرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَتْلِ أَوَائِلِهِمْ أَنْبِيَاءَهُ ، عِنْدَ قَوْلِهِمْ حِينَ قِيلَ لَهُمْ : آمِنُوا بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لِأَوَائِلِهِمُ - الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَتْلَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ ، مَعَ قِيْلِهِمْ : نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا - مُتَوَلِّينَ ، وَبِفِعْلِهِمْ رَاضِينَ . فَقَالَ لَهُمْ : إِنْ كُنْتُمْ كَمَا تَزْعُمُونَ مُؤْمِنِينَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ ، فَلِمَ تَتَوَلَّوْنَ قَتَلَةَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ؟ أَيْ : تَرْضَوْنَ أَفْعَالَهُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ) ، وَإِذَا قِيلَ لِلْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ - لِلَّذِينِ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( آمِنُوا ) ، أَيْ صَدِّقُوا ، ( بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ) ، يَعْنِي بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( قَالُوا : نُؤْمِنُ ) ، أَيْ نُصَدِّقُ ، ( بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ) ، يَعْنِي بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى مُوسَى .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ، وَيَجْحَدُونَ ، " بِمَا وَرَاءَهُ " ، يَعْنِي : بِمَا وَرَاءَ التَّوْرَاةِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ " وَرَاءَهُ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : " سِوَى " ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْحُسْنِ : " مَا وَرَاءَ هَذَا الْكَلَامِ شَيْءٌ " يُرَادُ بِهِ : لَيْسَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ شَيْءٌ سِوَى ذَلِكَ الْكَلَامِ . فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ، أَيْ [2/349]بِمَا سِوَى التَّوْرَاةِ ، وَبِمَا بَعْدَهَا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا إِلَى رُسُلِهِ ، كَمَا : -
1556 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ، يَقُولُ : بِمَا بَعْدَهُ .
1557 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ، أَيْ بِمَا بَعْدَهُ - يَعْنِي : بِمَا بَعْدَ التَّوْرَاةِ .
1558 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ، يَقُولُ : بِمَا بَعْدَهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا ، أَيْ : مَا وَرَاءَ الْكِتَابِ - الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْكُتُبِ [2/350]الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ إِلَى أَنْبِيَائِهِ - الْحَقُّ : وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا : -
1559 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ، وَهُوَ الْقُرْآنُ . يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ . وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ) ؛ لِأَنَّ كُتُبَ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا . فَفِي الْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ مِنَ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْإِيمَانِ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ ، مِثْلُ الَّذِي مِنْ ذَلِكَ فِي تَوْرَاةِ مُوسَى (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ . فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْيَهُودِ - إِذْ أَخْبَرَهُمْ عَمَّا وَرَاءَ كِتَابِهِمُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى (نبي)صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا إِلَى أَنْبِيَائِهِ - : إِنَّهُ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِلْكِتَابِ الَّذِي مَعَهُمْ ، يَعْنِي : أَنَّهُ لَهُ مُوَافِقٌ فِيمَا الْيَهُودُ بِهِ مُكَذِّبُونَ .
قَالَ : وَذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ أَنَّهُمْ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالتَّوْرَاةِ ، عَلَى مِثْلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ ، عِنَادًا لِلَّهِ ، وَخِلَافًا لِأَمْرِهِ ، وَبَغْيًا عَلَى رُسُلِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 91 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ ، قُلْ يَا مُحَمَّدُ ، (نبي)لِيَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ - الَّذِينَ إِذَا قُلْتَ لَهُمْ : آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا : نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا - : لِمَ تَقْتُلُونَ - إِنْ كُنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ مُؤْمِنِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ - أَنْبِيَاءَهُ ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ قَتْلَهُمْ ، بَلْ أَمَرَكُمْ فِيهِ بِاتِّبَاعِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ؟ وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ تَكْذِيبٌ لَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ : نُؤْمِنُ بِمَا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا وَتَعْيِيرٌ لَهُمْ ، كَمَا : -
1560 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ - وَهُوَ يُعَيِّرُهُمْ - يَعْنِي الْيَهُودَ : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ؟
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ لَهُمْ : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ ، فَابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَلَى لَفْظِ الْمُسْتَقْبَلِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ مَضَى؟
قِيلَ : إِنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ مُخْتَلِفُونَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ : مَعْنَى [2/351]ذَلِكَ : فَلِمَ قَتَلْتُمْ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 102 ] ، أَيْ : مَا تَلَتْ ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ عَنْهُ وَقُلْتُ لَا يَعْنِينِي
يُرِيدُ بِقَوْلِهِ : " وَلَقَدْ أَمُرُّ " وَلَقَدْ مَرَرْتُ . وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، بِقَوْلِهِ : " فَمَضَيْتُ عَنْهُ " ، وَلَمْ يَقُلْ : فَأَمْضِي عَنْهُ . وَزَعَمَ أَنَّ " فَعَلَ " وَ " يَفْعِلُ " قَدْ تَشْتَرِكُ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ :
وَإِنِّي لَآتِيكُمْ تَشَكُّرَ مَا مَضَى مِنَ الْأَمْرِ ، وَاسْتِيجَابَ مَا كَانَ فِي غَدِ
يَعْنِي بِذَلِكَ : مَا يَكُونُ فِي غَدٍ ، وَبِقَوْلِ الْحُطَيْئَةِ :
شَهِدَ الْحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ أَنَّ الْوَلِيدَ أَحَقُّ بِالْعُذْرِ [2/352]
يَعْنِي : يَشْهَدُ . وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ :
فَمَا أُضْحِي وَلَا أَمْسَيْتُ إِلَّا أَرَانِي مِنْكُمُ فِي كَوَّفَانِ
فَقَالَ : أُضْحِي ، ثُمَّ قَالَ : " وَلَا أَمْسَيْتُ " .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : إِنَّمَا قِيلَ : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ ، فَخَاطَبَهُمْ بِالْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الْفِعْلِ ، وَمَعْنَاهُ الْمَاضِي ، كَمَا يُعَنِّفُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ فِعْلٍ فَيَقُولُ لَهُ : وَيْحَكَ ، لِم تَكْذِبُ؟ وَلِمَ تُبَغِّضُ نَفْسَكَ إِلَى النَّاسِ؟ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
[2/353]إِذَا مَا انْتَسَبْنَا ، لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ وَلَمْ تَجِدِي مِنْ أَنْ تُقِّرِي بِهِ بُدَّا
فَالْجَزَاءُ لِلْمُسْتَقْبَلِ ، وَالْوِلَادَةُ كُلُّهَا قَدْ مَضَتْ . وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْنَى مَعْرُوفٌ ، فَجَازَ ذَلِكَ . قَالَ : وَمِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ : " إِذَا نَظَرْتَ فِي سِيرَةِ عُمَرَ ، لَمْ تَجِدْهُ يُسِيءُ " . الْمَعْنَى : لَمْ تَجِدْهُ أَسَاءَ . فَلَمَّا كَانَ أَمْرُ عُمَرَ لَا يَشُكُّ فِي مُضِيِّهِ ، لَمْ يَقَعْ فِي الْوَهْمِ أَنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ ؛ فَلِذَلِكَ صَلَحَتْ " مِنْ قَبْلُ " مَعَ قَوْلِهِ : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ . قَالَ : وَلَيْسَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِالْقَتْلِ هُمُ الْقَتَلَةُ ، إِنَّمَا قَتَلَ الْأَنْبِيَاءَ أَسْلَافُهُمُ الَّذِينَ مَضَوْا ، فَتَوَلَّوْهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَرَضُوا بِهِ ، فَنُسِبَ الْقَتْلُ إِلَيْهِمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا ، أَنَّ اللَّهَ خَاطَبَ الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ - بِمَا خَاطَبَهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ - بِمَا سَلَفَ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَى أَسْلَافِهِمْ ، وَبِمَا سَلَفَ مِنْ كُفْرَانِ أَسْلَافِهِمْ نِعَمَهُ ، وَارْتِكَابِهِمْ مَعَاصِيَهُ ، وَاجْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ ، وَأَضَافَ ذَلِكَ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ بِهِ ، نَظِيرُ قَوْلِ الْعَرَبِ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ : فَعَلْنَا بِكُمْ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا ، وَفَعَلْتُمْ بِنَا يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا - عَلَى نَحْوِ مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا - ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّ أَسْلَافَنَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِأَسْلَافِكُمْ ، وَأَنَّ أَوَائِلَنَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِأَوَائِلِكُمْ . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ ، إِذْ كَانَ قَدْ خَرَجَ عَلَى لَفْظِ الْخَبَرِ عَنِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ [2/354]فِعْلِ السَّالِفِينَ مِنْهُمْ - عَلَى نَحْوِ الَّذِي بَيَّنَّا - جَازَ أَنْ يُقَالَ : " مِنْ قَبْلُ " ؛ إِذْ كَانَ مَعْنَاهُ : قُلْ : فَلِمَ يَقْتُلُ أَسْلَافُكُمْ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ " ؟ وَكَانَ مَعْلُومًا بِأَنَّ قَوْلَهُ : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ ، إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ فِعْلِ سَلَفِهِمْ .
وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( مِنْ قَبْلُ ) ، أَيْ : مِنْ قَبْلِ الْيَوْمِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِمَا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ كَمَا زَعَمْتُمْ . وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ الْيَهُودَ الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْلَافَهُمْ - إِنْ كَانُوا وَكُنْتُمْ ، كَمَا تَزْعُمُونَ أَيُّهَا الْيَهُودُ ، مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّمَا عَيَّرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَتْلِ أَوَائِلِهِمْ أَنْبِيَاءَهُ ، عِنْدَ قَوْلِهِمْ حِينَ قِيلَ لَهُمْ : آمِنُوا بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْـزِلَ عَلَيْنَا ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لِأَوَائِلِهِمُ - الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَتْلَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ ، مَعَ قِيْلِهِمْ : نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا - مُتَوَلِّينَ ، وَبِفِعْلِهِمْ رَاضِينَ . فَقَالَ لَهُمْ : إِنْ كُنْتُمْ كَمَا تَزْعُمُونَ مُؤْمِنِينَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ ، فَلِمَ تَتَوَلَّوْنَ قَتَلَةَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ؟ أَيْ : تَرْضَوْنَ أَفْعَالَهُمْ .