تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزلَ اللَّهُ بَغْيًا "

ج 2
ص 338

الآية المفسَّرة

بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَـزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 2 · ص 338

النص

[2/338]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ بَغْيًا ( 90 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَمَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ : سَاءَ مَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ .
وَأَصْلُ " بِئْسَ " " بَئِسَ " مِنْ " الْبُؤْسِ " ، سُكِّنَتْ هَمْزَتُهَا ، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى " الْبَاءِ " ، كَمَا قِيلَ فِي " ظَلِلْتَ " " ظِلْتَ " ، وَكَمَا قِيلَ " لِلْكَبِدِ " ، " كِبْدٌ " - فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ " الْبَاءِ " إِلَى " الْكَافِ " لِمَا سُكِّنَتِ " الْبَاءُ " .
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ " بِئْسَ " ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهَا " بَئِسَ " ، مِنْ لُغَةِ الَّذِينَ يَنْقُلُونَ حَرَكَةَ الْعَيْنِ مِنْ " فَعِلَ " إِلَى الْفَاءِ ، إِذَا كَانْتْ عَيْنُ الْفِعْلِ أَحَدَ حُرُوفِ الْحَلْقِ السِّتَّةِ ، كَمَا قَالُوا مِنْ " لَعِبَ " " لِعْبَ " ، و مِنْ " سَئِمَ " " سِئْمَ " ، وَذَلِكَ - فِيمَا يُقَالُ - لُغَةٌ فَاشِيَّةٌ فِي تَمِيمٍ .
ثُمَّ جُعِلَتْ دَالَّةً عَلَى الذَّمِّ وَالتَّوْبِيخِ ، وَوُصِلَتْ بِ " مَا " .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى " مَا " الَّتِي مَعَ " بِئْسَمَا " . فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان): هِيَ وَحْدَهَا اسْمٌ ، وَ " أَنْ يَكْفُرُوا " تَفْسِيرٌ لَهُ ، نَحْوَ : نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ ، وَ " أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ " بَدَلٌ مِنْ " أَنْزَلَ اللَّهُ " .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ (مكان): مَعْنَى ذَلِكَ : بِئْسَ الشَّيْءُ اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا ، فَ " مَا " اسْمُ " بِئْسَ " ، وَ " أَنْ يَكْفُرُوا " الِاسْمُ الثَّانِي ، وَزَعَمَ أَنَّ : " أَنْ يَكْفُرُوا " إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ " أَنْ " فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ ، وَإِنْ شِئْتَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ ، أَمَّا الرَّفْعُ : فَبِئْسَ الشَّيْءُ هَذَا أَنْ يَفْعَلُوهُ ، وَأَمَّا الْخَفْضُ : فَبِئْسَ [2/339]الشَّيْءُ اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا . قَالَ : وَقَوْلُهُ : لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 80 ] كَمَثَلِ ذَلِكَ ، وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ " مَا " وَحْدَهَا فِي هَذَا الْبَابِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْمِ التَّامِّ ، كَقَوْلِهِ : ( فَنِعِمَّا هِيَ ) [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 271 ] ، وَ " بِئْسَمَا أَنْتَ " ، وَاسْتَشْهَدَ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِرِجَزِ بَعْضِ الرُّجَّازِ :
لَا تَعْجَلَا فِي السَّيْرِ وَادْلُوهَا لَبِئْسَمَا بُطْءٌ وَلَا نَرْعَاهَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْعَرَبُ تَقُولُ : لَبِئْسَمَا تَزْوِيجٌ وَلَا مَهْرٌ " ، فَيَجْعَلُونَ " مَا " وَحْدَهَا اسْمًا بِغَيْرِ صِلَةٍ ، وَقَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ لَا يُجِيزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَلِي " بِئْسَ " مَعْرِفَةً مُوَقَّتَةً ، وَخَبَرُهُ مَعْرِفَةٌ مُوَقَّتَةٌ ، وَقَدْ زَعَمَ أَنَّ " بِئْسَمَا " بِمَنْزِلَةِ : بِئْسَ الشَّيْءُ اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ؛ فَقَدْ صَارَتْ " مَا " بِصِلَتِهَا اسْمًا مُوَقَّتًا؛ لِأَنَّ " اشْتَرَوْا " فِعْلٌ مَاضٍ مِنْ صِلَةِ " مَا " ، فِي قَوْلِ قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ . وَإِذَا وُصِلَتْ بِمَاضٍ مِنَ الْفِعْلِ ، كَانَتْ مَعْرِفَةً مُوَقَّتَةً مَعْلُومَةً ، فَيَصِيرُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : " بِئْسَ شِرَاؤُهُمْ كُفْرُهُمْ " . وَذَلِكَ عِنْدَهُ غَيْرُ جَائِزٍ : فَقَدْ تَبَيَّنَ فَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ .
وَكَانَ آخَرُ مِنْهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ " أَنْ " فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ إِنْ شِئْتَ ، وَرَفْعٍ إِنْ شِئْتَ! فَأَمَّا الْخَفْضُ : فَأَنْ تَرُدَّهُ عَلَى " الْهَاءِ " الَّتِي فِي " بِهِ " عَلَى التَّكْرِيرِ عَلَى كَلَامَيْنِ : كَأَنَّكَ قُلْتَ : اشْتَرَوْا أَنْفُسَهُمْ بِالْكُفْرِ ، وَأَمَّا الرَّفْعُ : فَأَنْ يَكُونَ مَكْرُورًا عَلَى مَوْضِعِ " مَا " الَّتِي تَلِي " بِئْسَ " . قَالَ : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَى قَوْلِكِ : " بِئْسَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : " بِئْسَمَا " شَيْءٌ وَاحِدٌ يُرَافِعُ مَا بَعْدَهُ كَمَا حُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ : [2/340]" بِئْسَمَا تَزْوِيجٌ وَلَا مَهْرٌ " فَرَافِعُ " تَزْوِيجٍ " " بِئْسَمَا " ، كَمَا يُقَالُ : " بِئْسَمَا زَيْدٌ ، وَبِئْسَ مَا عَمْرٌو " ، فَيَكُونُ " بِئْسَمَا " رَفَعًا بِمَا عَادَ عَلَيْهَا مِنْ " الْهَاءِ " . كَأَنَّكَ قُلْتَ : بِئْسَ شَيْءٌ الشَّيْءُ اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ، وَتَكُونُ " أَنْ " مُتَرْجَمَةً عَنْ " بِئْسَمَا " .
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ ، قَوْلُ مَنْ جَعَلَ " بِئْسَمَا " مَرْفُوعًا بِالرَّاجِعِ مِنْ " الْهَاءِ " فِي قَوْلِهِ : ( اشْتَرَوْا بِهِ ) ، كَمَا رَفَعُوا ذَلِكَ بِ " عَبْدُ اللَّهِ " إِذْ قَالُوا : " بِئْسَمَا عَبْدُ اللَّهِ " ، وَجَعَلَ " أَنْ يَكْفُرُوا " مُتَرْجَمَةً عَنْ " بِئْسَمَا " . فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : بِئْسَ الشَّيْءُ بَاعَ الْيَهُودُ بِهِ أَنْفُسَهُمْ ، كُفْرُهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا وَحَسَدًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وَتَكُونُ " أَنْ " الَّتِي فِي قَوْلِهِ : " أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ " ، فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْنِي بِهِ " أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ " مِنْ أَجْلِ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ . مَوْضِعُ " أَنْ " جَزَاءٌ . وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَزْعُمُ أَنَّ " أَنْ " فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بِنِيَّةِ " الْبَاءِ " ، وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا فِيهَا النَّصْبَ لِتَمَامِ الْخَبَرِ قَبْلَهَا ، وَلَا خَافِضَ مَعَهَا يَخْفِضُهَا . وَالْحَرْفُ الْخَافِضُ لَا يِخْفِضُ مُضْمَرًا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ) ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ كَمَا : -
1534 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ، يَقُولُ : بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ " أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا " .
1535 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ مُجَاهِدٌ : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ، يَهُودُ ، شَرَوْا الْحَقَّ [2/341]بِالْبَاطِلِ ، وَكِتْمَانِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُبَيِّنُوهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْعَرَبُ تَقُولُ : " شَرَيْتُهُ " ، بِمَعْنَى بِعْتُهُ ، وَ " اشْتَرَوْا " ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، " افْتَعَلُوا " مَنْ " شَرَيْتُ " . وَكَلَامُ الْعَرَبِ - فِيمَا بَلَغَنَا - أَنْ يَقُولُوا : " شَرَيْتُ " بِمَعْنَى : بِعْتُ ، وَ " اشْتَرَيْتُ " بِمَعْنَى : ابْتَعْتُ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا سُمِّي " الشَّارِي " ، " شَارِيًا " ، لِأَنَّهُ بَاعُ نَفْسَهُ وَدُنْيَاهُ بِآخِرَتِهِ .
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ مُفَرِّغِ الْحِمْيَرِيِّ :
وَشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِنْ قَبْلِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ
وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُسَيَّبِ بْنِ عَلَسٍ :
يُعْطَى بِهَا ثَمَنًا فَيَمْنَعُهَا وَيَقُولُ صَاحِبُهَا أَلَا تَشْرِي؟ [2/342]
يَعْنِي بِهِ : بِعْتُ بُرْدًا . وَرُبَّمَا اسْتُعْمِلَ " اشْتَرَيْتُ " بِمَعْنَى : بِعْتُ ، وَ " شَرَيْتُ " فِي مَعْنَى : " ابْتَعْتُ " . وَالْكَلَامُ الْمُسْتَفِيضُ فِيهِمْ هُوَ مَا وَصَفْتُ .
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : ( بَغْيًا ) ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : تَعَدِّيًا وَحَسَدًا ، كَمَا : -
1536 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : ( بَغْيًا ) ، قَالَ : أَيْ حَسَدًا ، وَهُمُ الْيَهُودُ .
1537 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : ( بَغْيًا ) ، قَالَ : بَغَوْا عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَسَدُوهُ ، وَقَالُوا : إِنَّمَا كَانَتِ الرُّسُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَمَا بَالُ هَذَا مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ؟‍! (نبي)فَحَسَدُوهُ أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ .
1538 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : ( بَغْيًا ) ، يَعْنِي : حَسَدًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مَنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَهُمُ الْيَهُودُ كَفَرُوا بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
1539 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَمَعْنَى الْآيَةِ : بِئْسَ الشَّيْءُ بَاعُوا بِهِ أَنْفُسَهُمُ ، الْكُفْرُ بِالَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى مُوسَى (نبي)- مِنْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْأَمْرُ بِتَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ - مِنْ أَجْلِ أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَفَضْلُهُ : حِكْمَتُهُ وَآيَاتُهُ وَنَبُّوتُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ - يَعْنِي بِهِ : عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَغْيًا وَحَسَدًا لِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ (نبي)، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ بَاعَتِ الْيَهُودُ أَنْفُسَهَا بِالْكُفْرِ ، فَقِيلَ : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ ؟ وَهَلْ يُشْتَرَى بِالْكُفْرِ شَيْءٌ؟
قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى : " الشِّرَاءِ " وَ " الْبَيْعِ " عِنْدَ الْعَرَبِ ، هُوَ إِزَالَةُ مَالِكٍ مِلْكَهُ [2/343]إِلَى غَيْرِهِ ، بِعِوْضٍ يَعْتَاضُهُ مِنْهُ . ثُمَّ تَسْتَعْمِلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مُعْتَاضٍ مِنْ عَمَلِهِ عِوَضًا ، شَرًّا أَوْ خَيْرًا ، فَتَقُولُ : " نَعِمَ مَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ نَفْسَهُ " وَ " بِئْسَ مَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ نَفْسَهُ " ، بِمَعْنَى : نِعْمَ الْكَسْبُ أَكْسَبَهَا ، وَبِئْسَ الْكَسْبُ أَكْسَبَهَا - إِذَا أَوْرَثَهَا بِسَعْيِهِ عَلَيْهَا خَيْرًا أَوْ شَرًّا . فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَمَّا أَوْبَقُوا أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهْلَكُوهَا ، خَاطَبَهُمُ اللَّهُ وَالْعَرَبَ بِالَّذِي يَعْرِفُونَهُ فِي كَلَامِهِمْ ، فَقَالَ : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ، يَعْنِي بِذَلِكَ : بِئْسَ مَا أَكْسَبُوا أَنْفُسَهُمْ بِسَعْيِهِمْ ، وَبِئْسَ الْعِوَضُ اعْتَاضُوا ، مِنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ فِي تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا (نبي)، إِذْ كَانُوا قَدْ رَضُوا عِوَضًا مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ - لَوْ كَانُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ - بِالنَّارِ وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ بِكُفْرِهِمْ بِذَلِكَ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ - وَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ فِيهَا عَنْ حَسَدِ الْيَهُودِ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْمَهُ مِنَ الْعَرَبِ ، مِنْ أَجْلِ أَنِ اللَّهَ جَعَلَ النُّبُوَّةَ وَالْحِكْمَةَ فِيهِمْ دُونَ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، حَتَّى دَعَاهُمْ ذَلِكَ إِلَى الْكُفْرِ بِهِ ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ ، وَأَنَّهُ نَبِيٌّ لِلَّهِ مَبْعُوثٌ وَرَسُولٌ مُرْسَلٌ - نَظِيرُهُ الْآيَةُ الْأُخْرَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 51 - 54 ] .
[2/344]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ أَنْ يُنَـزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ ذَكَرْنَا تَأْوِيلَ ذَلِكَ وَبَيَّنَّا مَعْنَاهُ ، وَلَكِنَّا نَذْكُرُ الرِّوَايَةَ بِتَصْحِيحِ مَا قُلْنَا فِيهِ : -
1540 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْهُمْ ، قَوْلُهُ : بَغْيًا أَنْ يُنَـزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، أَيْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعْلَهُ فِي غَيْرِهِمْ . .
1541 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : هُمُ الْيَهُودُ . لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَوْا أَنَّهُ بُعِثَ مِنْ غَيْرِهِمْ ، كَفَرُوا بِهِ - حَسَدًا لِلْعَرَبِ - وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ .
1542 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ مِثْلَهُ .
1543 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ .
1544 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : قَالُوا : إِنَّمَا كَانَتِ الرُّسُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَمَا بَالُ هَذَا مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ؟ (نبي)
1545 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ . قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ .
[2/345]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ، فَرَجَعَتِ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ - بَعْدَ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِنْصَارِ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاسْتِفْتَاحِ بِهِ ، وَبَعْدَ الَّذِي كَانُوا يُخْبِرُونَ بِهِ النَّاسَ مِنْ قَبْلِ مَبْعَثِهِ أَنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ - مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ حِينَ بَعْثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا مُرْسَلًا فَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ اسْتَحَقُّوهُ مِنْهُ بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ (نبي)حِينَ بُعِثَ ، وَجُحُودِهِمْ نُبُوَّتَهُ ، وَإِنْكَارِهِمْ إِيَّاهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَجِدُونَ صِفَتَهُ فِي كِتَابِهِمْ ؛ عِنَادًا مِنْهُمْ لَهُ وَبَغْيًا وَحَسَدًا لَهُ وَلِلْعَرَبِ عَلَى غَضَبٍ سَالِفٍ ، كَانَ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ ، سَابِقٍ غَضَبَهُ الثَّانِيَ ؛ لِكُفْرِهِمُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (نبي)، أَوْ لِعِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ذُنُوبٍ كَانَتْ لَهُمْ سَلَفَتْ ، يَسْتَحِقُّونَ بِهَا الْغَضَبَ مِنَ اللَّهِ ، كَمَا : -
1546 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، فِيمَا رَوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَوْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ، فَالْغَضَبُ عَلَى الْغَضَبِ ، غَضَبُهُ عَلَيْهِمْ فِيمَا كَانُوا ضَيَّعُوا مِنَ التَّوْرَاةِ وَهِيَ مَعَهُمْ ، وَغَضَبٌ بِكُفْرِهِمْ بِهَذَا النَّبِيِّ الَّذِي أَحْدَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ .
1547 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي بُكَيْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ قَالَ : كُفْرٌ بِعِيسَى ، (نبي)وَكُفْرٌ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
1548 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، [2/346]عَنْ أَبِي بُكَيْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ، قَالَ : كُفْرُهُمْ بِعِيسَى (نبي)وَمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
1549 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي بُكَيْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ .
1550 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَنَازِلَ : رَجُلٌ كَانَ مُؤْمِنًا بِعِيسَى (نبي)وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا ، فَلَهُ أَجْرَانِ . وَرَجُلٌ كَانَ كَافِرًا بِعِيسَى (نبي)فَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَهُ أَجْرٌ ، وَرَجُلٌ كَانَ كَافِرًا بِعِيسَى (نبي)فَكَفْرَ بِمُحَمَّدٍ (نبي)، فَبَاءَ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ، وَرَجُلٌ كَانَ كَافِرًا بِعِيسَى (نبي)مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ ، فَمَاتَ بِكُفْرِهِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَاءَ بِغَضَبٍ .
1551 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ، غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِالْإِنْجِيلِ وَبِعِيسَى (نبي)، وَغَضِبَ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِالْقُرْآنِ وَبِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
1552 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( فَبَاءُوا بِغَضَبٍ ) ، الْيَهُودُ بِمَا كَانَ مِنْ تَبْدِيلِهِمُ التَّوْرَاةَ قَبْلَ خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( عَلَى غَضَبٍ ) : جُحُودُهُمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُفْرُهُمْ بِمَا جَاءَ بِهِ .
1553 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ، يَقُولُ : غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِكَفْرِهِمْ بِالْإِنْجِيلِ وَعِيسَى (نبي)، ثُمَّ غَضَبُهُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالْقُرْآنِ .
1554 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ : أَمَّا الْغَضَبُ الْأَوَّلُ ؛ فَهُوَ حِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الْعِجْلِ ; وَأَمَّا الْغَضَبُ الثَّانِي فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ حِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
[2/347]1555 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَعَطَاءٍ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَوْلُهُ : فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ، قَالَ : غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ قَبْلِ خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ تَبْدِيلِهِمْ وَكُفْرِهِمْ - ، ثُمَّ غَضِبَ عَلَيْهِمْ فِي مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ خَرَجَ ، فَكَفَرُوا بِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى " الْغَضَبِ " مِنَ اللَّهِ عَلَى مَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ - وَاخْتِلَافُ الْمُخْتَلِفِينَ فِي صِفَتِهِ - فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ( 90 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ، وَلِلْجَاحِدِينَ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ ، عَذَابٌ مِنَ اللَّهِ ، إِمَّا فِي الْآخِرَةِ ، وَإِمَّا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، ( مُهِينٌ ) هُوَ الْمُذِلُّ صَاحِبَهُ ، الْمُخْزِي ، الْمُلْبِسُهُ هَوَانًا وَذِلَّةً .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَيُّ عَذَابٍ هُوَ غَيْرُ مُهِينٍ صَاحِبَهُ ، فَيَكُونُ لِلْكَافِرِينَ الْمُهِينُ مِنْهُ؟!
قِيلَ : إِنَّ الْمُهِينَ هُوَ الَّذِي قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ الْمُورِثُ صَاحِبَهُ ذِلَّةً وَهَوَانًا ، الَّذِي يُخَلَّدُ فِيهِ صَاحِبُهُ ، لَا يَنْتَقِلُ مِنْ هَوَانِهِ إِلَى عِزٍّ وَكَرَامَةٍ أَبَدًا ، وَهُوَ الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ أَهْلَ الْكُفْرِ بِهِ وَبِرُسُلِهِ . وَأَمَّا الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُهِينٍ صَاحِبَهُ ، فَهُوَ مَا كَانَ تَمْحِيصًا لِصَاحِبِهِ . وَذَلِكَ هُوَ كَالسَّارِقِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، يَسْرِقُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِهِ الْقَطْعُ فَتُقْطَعُ يَدُهُ ، وَالزَّانِي مِنْهُمْ يَزْنِي فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ كَفَّارَاتٍ لِلذُّنُوبِ الَّتِي عُذِّبَ بِهَا أَهْلُهَا ، وَكَأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أَهْلِ [2/348]الْإِسْلَامِ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَةِ بِمَقَادِيرِ جَرَائِمِهِمُ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا ، لِيُمَحَّصُوا مِنْ ذُنُوبِهِمْ ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ! فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ عَذَابًا ، فَغَيْرُ مُهِينٍ مَنْ عُذِّبَ بِهِ ؛ إِذْ كَانَ تَعْذِيبُ اللَّهِ إِيَّاهُ بِهِ لِيُمَحِّصَهُ مِنْ آثَامِهِ ، ثُمَّ يُورِدَهُ مَعْدِنَ الْعِزِّ وَالْكَرَامَةِ ، وَيُخَلِّدَهُ فِي نَعِيمِ الْجِنَانِ .