تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ "

ج 2
ص 324

الآية المفسَّرة

وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 2 · ص 324

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ( 88 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ : ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) مُخَفَّفَةَ اللَّامِ سَاكِنَةً . وَهِيَ قِرَاءَةٌ عَامَّةِ الْأَمْصَارِ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ . وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ : " وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلُفٌ " مُثَقَّلَةَ اللَّامِ مَضْمُومَةً .
فَأَمَّا الَّذِينَ قَرَأُوهَا بِسُكُونِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِهَا ، فَإِنَّهُمْ تَأَوَّلُوهَا ، أَنَّهُمْ قَالُوا : قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ وَأَغْطِيَةٍ وَغُلُفٍ . وَ " الْغُلْفُ " - عَلَى قِرَاءَةِ هَؤُلَاءِ - جَمْعُ " أَغْلَفَ " ، وَهُوَ الَّذِي فِي غِلَافٍ وَغِطَاءٍ ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَخْتَتِنُ " أَغْلَفُ " ، وَالْمَرْأَةُ " غَلْفَاءُ " . وَكَمَا يُقَالُ لِلسَّيْفِ إِذَا كَانَ فِي غِلَافِهِ : " سَيْفٌ أَغْلَفُ " ، وَقَوْسٌ غَلْفَاءُ " وَجَمْعُهُمَا " غُلْفٌ " ، وَكَذَلِكَ جَمْعُ مَا كَانَ مِنَ النُّعُوتِ ذَكَرُهُ عَلَى " أَفْعَلَ " وَأُنْثَاهُ عَلَى " فَعَلَاءَ " ، يُجْمَعُ عَلَى " فُعْلٍ " مَضْمُومَةَ الْأَوَّلِ سَاكِنَةَ الثَّانِي ، مِثْلَ : " أَحْمَرَ وَحُمْرٍ ، وَأَصْفَرَ وَصُفْرٍ " ، فَيَكُونُ ذَلِكَ جُمَاعًا لِلتَّأْنِيثِ وَالتَّذْكِيرِ . وَلَا يَجُوزُ تَثْقِيلُ عَيْنِ " فُعْلٍ " مِنْهُ ، إِلَّا فِي ضَرُورَةِ شِعْرٍ ، كَمَا قَالَ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ :
أَيُّهَا الْفِتْيَانُ فِي مَجْلِسِنَا جَرِّدُوا مِنْهَا وِرَادًا وَشُقُرْ [2/325]
يُرِيدُ : شُقْرًا ، إِلَّا أَنَّ الشِّعْرَ اضْطَرَّهُ إِلَى تَحَرِيكِ ثَانِيهِ فَحَرَّكَهُ . وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي : -
1497 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُكْمُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجَمَلِيِّ ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : الْقُلُوبُ أَرْبَعَةٌ - ثُمَّ ذَكَرَهَا - فَقَالَ فِيمَا ذَكَرَ : وَقَلْبٌ أَغْلَفُ مَعْصُوبٌ عَلَيْهِ ، فَذَلِكَ قَلْبُ الْكَافِرِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ، يَعْنِي أَنَّهَا فِي أَغْطِيَةٍ .
1498 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ [2/326]قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَوْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) ، أَيْ فِي أَكِنَّةٍ .
1499 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) ، أَيْ فِي غِطَاءٍ .
1500 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، : ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) ، فَهِيَ الْقُلُوبُ الْمَطْبُوعُ عَلَيْهَا .
1501 - حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) ، عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ .
1502 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ قَالَ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) ، عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ .
1503 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ عَنِ الْأَعْمَشِ قَوْلُهُ : ( قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) ، قَالَ : هِيَ فِي غُلُفٍ .
1504 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) ، أَيْ لَا تَفْقَهُ .
1505 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ، قَالَ : هُوَ كَقَوْلِهِ : قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ [ فُصِّلَتْ : 5 ] .
1506 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) قَالَ : عَلَيْهَا طَابَعٌ ، قَالَ : هُوَ كَقَوْلِهِ : ( قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ ) .
1507 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : ( قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) ، أَيْ لَا تَفْقَهُ .
[2/327]1508 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) ، قَالَ : يَقُولُونَ : عَلَيْهَا غِلَافٌ ، وَهُوَ الْغِطَاءُ .
1509 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ( قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) ، قَالَ : يَقُولُ : قَلْبِي فِي غِلَافٍ ، فَلَا يَخْلُصُ إِلَيْهِ مِمَّا تَقُولُ شَيْءٌ ، وَقَرَأَ : وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [ فُصِّلَتْ : 5 ] .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَأُوهَا " غُلُفٌ " بِتَحْرِيكِ اللَّامِ وَضَمِّهَا ، فَإِنَّهُمْ تَأَوَّلُوهَا أَنَّهُمْ قَالُوا : قُلُوبُنَا غُلُّفٌ لِلْعِلْمِ ، بِمَعْنَى أَنَّهَا أَوْعِيَةٌ .
قَالَ : وَ " الْغُلُفُ " عَلَى تَأْوِيلِ هَؤُلَاءِ جَمْعُ " غِلَافٍ " . كَمَا يُجْمَعُ " الْكِتَابُ : كُتُبٌ ، وَالْحِجَابُ : حُجُبٌ ، وَالشِّهَابُ : شُهُبٌ . فَمَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى تَأْوِيلِ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ " غُلُفٌ " بِتَحْرِيكِ اللَّامِ وَضَمِّهَا ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ : قُلُوبُنَا غُلُفٌ لِلْعِلْمِ ، وَأَوْعِيَةٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1510 - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ أَسْبَاطِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ : ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) ، قَالَ : أَوْعِيَةٌ لِلذِّكْرِ .
1511 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِمَارَةَ الْأَسَدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا فُضَيْلٌ ، عَنْ عَطِيَّةَ فِي قَوْلِهِ : قُلُوبُنَا غُلْفٌ قَالَ : أَوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ .
1512 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ ، عَنْ عَطِيَّةَ مِثْلَهُ .
1513 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عِمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) ، قَالَ : مَمْلُوءَةٌ عِلْمًا ، لَا تَحْتَاجُ إِلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا غَيْرِهِ .
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهَا فِي قَوْلِهِ : ( قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) ، هِيَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ( غُلْفٌ ) [2/328]بِتَسْكِينِ اللَّامِ - بِمَعْنَى أَنَّهَا فِي أَغْشِيَةٍ وَأَغْطِيَةٍ ؛ لِاجْتِمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقَرَأَةِ وَأَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى صِحَّتِهَا ، وَشُذُوذِ مَنْ شَذَّ عَنْهُمْ بِمَا خَالَفَهُ ، مِنْ قِرَاءَةِ ذَلِكَ بِضَمِّ " اللَّامِ " .
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ الْحُجَّةُ مُتَّفِقَةً عَلَيْهِ ، حُجَّةٌ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ . وَمَا جَاءَ بِهِ الْمُنْفَرِدُ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ بِهِ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْجَمَاعَةُ الَّتِي تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ نَقْلًا وَقَوْلًا وَعَمَلًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَكَانِ . .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : ( بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ ) ، بَلْ أَقْصَاهُمُ اللَّهُ وَأَبْعَدَهُمْ وَطَرَدَهُمْ وَأَخْزَاهُمْ وَأَهْلَكَهُمْ بِكُفْرِهِمْ ، وَجُحُودِهِمْ آيَاتِ اللَّهِ وَبَيِّنَاتِهِ ، وَمَا ابْتَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ ، وَتَكْذِيبِهِمْ أَنْبِيَاءَهُ . فَأَخْبَرَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنَّهُ أَبْعَدَهُمْ مِنْهُ وَمَنْ رَحْمَتِهِ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ .
وَأَصْلُ " اللَّعْنِ " الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ وَالْإِقْصَاءُ يُقَالُ : " لَعَنَ اللَّهُ فُلَانًا يَلْعَنُهُ لَعْنًا ، وَهُوَ مَلْعُونٌ " . ثُمَّ يُصْرَفُ " مَفْعُولٌ " : فَيُقَالُ : هُوَ " لَعِينٌ " . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّمَّاخِ بْنِ ضِرَارٍ :
ذَعَرْتُ بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ مَكَانَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ تَكْذِيبٌ مِنْهُ لِلْقَائِلِينَ مِنَ الْيَهُودِ : ( قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : ( بَلْ ) دِلَالَةٌ عَلَى جَحْدِهِ جَلَّ [2/329]ذِكْرُهُ وَإِنْكَارِهِ مَا ادَّعَوْا مِنْ ذَلِكَ ؛ إِذْ كَانَتْ " بَلْ " لَا تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ إِلَّا نَقْضًا لِمَجْحُودٍ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَبَيِّنٌ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ : وَقَالَتِ الْيَهُودُ : قُلُوبُنَا فِي أَكْنَةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : مَا ذَلِكَ كَمَا زَعَمُوا ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَقْصَى الْيَهُودَ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ، وَطَرَدَهُمْ عَنْهَا ، وَأَخْزَاهُمْ بِجُحُودِهِمْ لَهُ وَلِرُسُلِهِ ، فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ ( 88 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ( فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ) . فَقَالَ بَعْضُهُمْ ، مَعْنَاهُ فَقَلِيلٌ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ ، أَيْ لَا يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1514 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ ، فَلَعَمْرِي لِمَنْ رَجَعَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ أَكْثَرُ مِمَّنْ رَجَعَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، إِنَّمَا آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ رَهْطٌ يَسِيرٌ .
1515 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ) ، قَالَ : لَا يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا بِقَلِيلٍ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1516 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ) ، قَالَ : لَا يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ . قَالَ مَعْمَرٌ : وَقَالَ غَيْرُهُ : لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا بِقَلِيلٍ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ فِي قَوْلِهِ : ( فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ) بِالصَّوَابِ ، [2/330]مَا نَحْنُ مُتْقِنُوهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَخْبَرَ أَنَّهُ لَعَنَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَلِيلُو الْإِيمَانِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلِذَلِكَ نَصَبَ قَوْلَهُ : ( فَقَلِيلًا ) ، لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَصْدَرِ الْمَتْرُوكِ ذِكْرُهُ . وَمَعْنَاهُ : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ، فَإِيمَانًا قَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ، فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذًا بِمَا بَيَّنَّا فَسَادُ الْقَوْلِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ ، لَوْ كَانَ عَلَى مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ : فَلَا يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ، أَوْ فَقَلِيلٌ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ ، لَكَانَ " الْقَلِيلُ " مَرْفُوعًا لَا مَنْصُوبًا . لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيلَهُ ، كَانَ " الْقَلِيلُ " حِينَئِذٍ مُرَافِعًا " مَا " . فَإِذْ نُصِبَ " الْقَلِيلُ " - وَ " مَا " فِي مَعْنَى " مَنْ " أَوْ " الَّذِي " - [ فَقَدْ ] بَقِيَتْ " مَا " لَا مُرَافِعَ لَهَا . وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فِي لُغَةِ أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ .
فَأَمَّا أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى " مَا " الَّتِي فِي قَوْلِهِ : ( فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ) . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ زَائِدَةٌ لَا مَعْنَى لَهَا ، وَإِنَّمَا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ : فَقَلِيلًا يُؤْمِنُونَ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [ آلِ عِمْرَانَ : 159 ] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَزَعَمَ أَنَّ " مَا " فِي ذَلِكَ زَائِدَةٌ ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ، وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ مُحْتَجًّا لِقَوْلِهِ ذَلِكَ - بَيْتَ مُهَلْهَلَ :
لَوْ بَأَبَانَيْنِ جَاءَ يَخْطُبُهَا خُضِّبَ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمِ
وَزَعَمَ أَنَّهُ يَعْنِي : خُضِبَ أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمِ ، وَأَنْ " مَا " زَائِدَةٌ .
وَأَنْكَرَ آخَرُونَ مَا قَالَهُ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي " مَا " ، فِي الْآيَةِ وَفِي الْبَيْتِ الَّذِي [2/331]أَنْشَدَهُ ، وَقَالُوا : إِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ بِالْخَبَرِ عَنْ عُمُومِ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ ، إِذْ كَانَتْ " مَا " كَلِمَةً تَجْمَعُ كُلَّ الْأَشْيَاءِ ، ثُمَّ تَخُصُّ وَتَعُمُّ مَا عَمَّتْهُ بِمَا تَذَكْرُهُ بَعْدَهَا .
وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدَنَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ مَا لَا يُفِيدُ مِنَ الْكَلَامِ مَعْنًى فِي الْكَلَامِ غَيْرُ جَائِزٍ إِضَافَتُهُ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ .
وَلَعَلَّ قَائِلًا أَنْ يَقُولَ : هَلْ كَانَ لِلَّذِينِ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ - مِنَ الْإِيمَانِ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ ، فَيُقَالُ فِيهِمْ : " فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ " ؟
قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى " الْإِيمَانِ " هُوَ التَّصْدِيقُ ، وَقَدْ كَانَتِ الْيَهُودُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهَا هَذَا الْخَبَرَ تُصَدِّقُ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ ، وَبِالْبَعْثِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، وَتَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتِهِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِمُ الْإِيمَانُ بِهِ ، لِأَنَّهُ فِي كُتُبِهِمْ ، وَمِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى ، (نبي)فَصَدَّقُوا بِبَعْضٍ - وَذَلِكَ هُوَ الْقَلِيلُ مِنْ إِيمَانِهِمْ - وَكَذَّبُوا بِبَعْضٍ ، فَذَلِكَ هُوَ الْكَثِيرُ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ بِهِ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّهُمْ كَانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِشَيْءٍ ، وَإِنَّمَا قِيلَ : ( فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ) ، وَهُمْ بِالْجَمِيعِ كَافِرُونَ ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ : " قَلَّمَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا قَطُّ " . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا سَمَاعًا مِنْهَا : مَرَرْتُ بِبِلَادٍ قَلَّمَا تُنْبِتُ إِلَّا الْكُرَّاثَ وَالْبَصَلَ " يَعْنِي : مَا تُنْبِتُ غَيْرَ الْكُرَّاثِ وَالْبَصَلِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يُنْطَقُ بِهِ بِوَصْفِ الشَّيْءِ بِ " الْقِلَّةِ " ، وَالْمَعْنَى فِيهِ نَفْيُ جَمِيعِهِ .