تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ "

ج 2
ص 317

الآية المفسَّرة

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 2 · ص 317

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ( 87 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ) : أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى " الْإِيتَاءِ " الْإِعْطَاءُ ، فِيمَا مَضَى قَبْلُ .
[2/318]وَ " الْكِتَابُ " الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ مُوسَى (نبي)عَلَيْهِ السَّلَامُ ، هُوَ التَّوْرَاةُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَقْفَيْنَا ) ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَأَرْدَفْنَا وَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ ، كَمَا يَقْفُو الرَّجُلُ الرَّجُلَ : إِذَا سَارَ فِي أَثَرِهِ مِنْ وَرَائِهِ . وَأَصْلُهُ مِنْ " الْقَفَا " ، يُقَالُ مِنْهُ : " قَفَوْتُ فُلَانًا : إِذَا صِرْتُ خَلْفَ قَفَاهُ ، كَمَا يُقَالُ : " دَبَرْتُهُ " : إِذَا صِرْتُ فِي دُبُرِهِ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( مِنْ بَعْدِهِ ) ، مِنْ بَعْدِ مُوسَى (نبي).
وَيَعْنِي بِ ( الرُّسُلِ ) : الْأَنْبِيَاءَ ، وَهُمْ جَمْعُ " رَسُولٍ " . يُقَالُ : " هُوَ رَسُولٌ وَهُمْ رُسُلٌ " ، كَمَا يُقَالُ : " هُوَ صَبُورٌ وَهُمْ قَوْمٌ صُبُرٌ ، وَهُوَ رَجُلٌ شَكُورٌ وَهُمْ قَوْمٌ شُكُرٌ .
وَإِنَّمَا يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : ( وَقْفَيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ) ، أَيْ أَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا عَلَى مِنْهَاجٍ وَاحِدٍ وَشَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ بَعْثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَ مُوسَى (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى زَمَانِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (نبي)، فَإِنَّمَا بَعَثَهُ يَأْمُرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِإِقَامَةِ التَّوْرَاةِ ، وَالْعَمَلِ بِمَا فِيهَا ، وَالدُّعَاءِ إِلَى مَا فِيهَا ؛ فَلِذَلِكَ قِيلَ : ( وَقْفَيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ) ، يَعْنِي عَلَى مِنْهَاجِهِ وَشَرِيعَتِهِ ، وَالْعَمَلِ بِمَا كَانَ يَعْمَلُ بِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ ، أَعْطَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ (نبي).
وَيَعْنِي بِ " الْبَيِّنَاتِ " الَّتِي آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا : مَا أَظْهَرَ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْحُجَجِ وَالدِّلَالَةِ عَلَى نُبُوَّتِهِ : مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى ، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ ، الَّتِي أَبَانَتْ مَنْزِلَتَهُ مِنَ اللَّهِ ، وَدَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِ وَصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ، كَمَا : -
1483 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَوْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ [2/319]عَبَّاسٍ : وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ : أَيِ الْآيَاتِ الَّتِي وَضَعَ عَلَى يَدَيْهِ : مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى ، وَخَلْقِهِ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ ، وَالْخَبَرِ بِكَثِيرٍ مِنَ الْغُيُوبِ مِمَّا يَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِهِمْ ، وَمَا رَدَّ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْرَاةِ ، مَعَ الْإِنْجِيلِ الَّذِي أَحْدَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : ( وَأَيَّدْنَاهُ ) ، فَإِنَّهُ قَوَّيْنَاهُ فَأَعَنَّاهُ ، كَمَا : -
1484 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : ( وَأَيَّدْنَاهُ ) ، يَقُولُ : نَصَرْنَاهُ . يُقَالُ مِنْهُ : " أَيَّدَكَ اللَّهُ " ، أَيْ قَوَّاكَ ، " وَهُوَ رَجُلٌ ذُو أَيْدٍ ، وَذُو آدٍ " ، يُرَادُ : ذُو قُوَّةٍ . وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَجَّاجِ :
مِنْ أَنْ تَبَدَّلْتُ بِآدِي آدَا
يَعْنِي : بِشَبَابِي قُوَّةَ الْمَشِيبِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرُ :
إِنَّ الْقِدَاحَ إِذَا اجْتَمَعْنَ فَرَامَهَا بِالْكَسْرِ ذُو جَلَدٍ وَبَطْشٍ أَيِّدِ
[2/320]يَعْنِي بِالْأَيِّدِ : الْقَوِيَّ .
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ( بِرُوحِ الْقُدُسِ ) . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : " رُوحُ الْقُدُسِ " الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ أَيَّدَ عِيسَى (نبي)بِهِ ، هُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1485 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) قَالَ : هُوَ جِبْرِيلُ .
1486 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلُهُ : ( وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) ، قَالَ : هُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
1487 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، قَالَ : رُوحُ الْقُدُسِ ، جِبْرِيلُ .
1488 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، قَالَ : أُيِّدَ عِيسَى (نبي)بِجِبْرِيلَ ، وَهُوَ رُوحُ الْقُدُسِ .
1489 - وَقَالَ ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْمَكِّيِّ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيِّ : أَنَّ نَفَرًا مَنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا : أَخْبِرْنَا عَنِ الرُّوحِ . قَالَ : أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ جِبْرِيلُ؟ وَهُوَ [ الَّذِي ] [2/321]يَأْتِينِي؟ قَالُوا : نَعَمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الرَّوْحُ الَّذِي أَيَّدَ اللَّهُ بِهِ عِيسَى ، (نبي)هُوَ الْإِنْجِيلُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1490 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) ، قَالَ : أَيَّدَ اللَّهُ عِيسَى (نبي)بِالْإِنْجِيلِ رُوحًا ، كَمَا جَعَلَ الْقُرْآنَ رُوحًا كِلَاهُمَا رُوحُ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [ الشُّورَى : 52 ] .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الِاسْمُ الَّذِي كَانَ عِيسَى (نبي)يُحْيِي بِهِ الْمَوْتَى .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1491 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عِمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) ، قَالَ : هُوَ الِاسْمُ الَّذِي كَانَ يُحْيِي عِيسَى (نبي)بِهِ الْمَوْتَى .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : " الرُّوحُ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ جِبْرِيلُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَخْبَرَ أَنَّهُ أَيَّدَ عِيسَى (نبي)بِهِ ، كَمَا أَخْبَرَ فِي قَوْلِهِ : إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ [ الْمَائِدَةِ : 110 ] [2/322]، فَلَوْ كَانَ الرُّوحُ الَّذِي أَيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ هُوَ الْإِنْجِيلَ ، لَكَانَ قَوْلُهُ : " إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ " ، وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ تَكْرِيرُ قَوْلٍ لَا مَعْنَى لَهُ . وَذَلِكَ أَنَّهُ عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ( إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) ، إِنَّمَا هُوَ : إِذْ أَيَّدْتُكَ بِالْإِنْجِيلِ - وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْإِنْجِيلَ ، وَهُوَ لَا يَكُونُ بِهِ مُؤَيِّدًا إِلَّا وَهُوَ مُعَلِّمُهُ ، فَذَلِكَ تَكْرِيرُ كَلَامٍ وَاحِدٍ ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ مَعْنًى فِي أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ . وَذَلِكَ خَلْفٌ مِنَ الْكَلَامِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُخَاطِبَ عِبَادَهُ بِمَا لَا يُفِيدُهُمْ بِهِ فَائِدَةً . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَبَيِّنٌ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ " الرُّوحَ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، الْإِنْجِيلُ ، وَإِنْ كَانَ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أَوْحَاهَا إِلَى رُسُلِهِ رُوحًا مِنْهُ لِأَنَّهَا تَحْيَا بِهَا الْقُلُوبُ الْمَيِّتَةُ ، وَتَنْتَعِشُ بِهَا النُّفُوسُ الْمُوَلِّيَةُ ، وَتَهْتَدِي بِهَا الْأَحْلَامُ الضَّالَّةُ .
وَإِنَّمَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ " رُوحًا " وَأَضَافَهُ إِلَى " الْقُدُسِ " ، لِأَنَّهُ كَانَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ لَهُ رَوْحًا مِنْ عِنْدِهِ ، مِنْ غَيْرِ وِلَادَةِ وَالِدٍ وَلَدَهُ ، فَسَمَّاهُ بِذَلِكَ " رُوحًا " ، وَأَضَافَهُ إِلَى " الْقُدُسِ " - وَ " الْقُدُسُ " ، هُوَ الطُّهْرُ - كَمَا سُمِّيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (نبي)" رُوحًا " لِلَّهِ مِنْ أَجْلِ تَكْوِينِهِ لَهُ رُوحًا مِنْ عِنْدِهِ مِنْ غَيْرِ وِلَادَةِ وَالِدٍ وَلَدَهُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، أَنَّ مَعْنَى " التَّقْدِيسِ " : التَّطْهِيرُ ، وَ " الْقُدُسُ " - الطُّهْرُ ، مِنْ ذَلِكَ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَحْوَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ .
1492 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : الْقُدُسُ ، الْبَرَكَةُ .
1493 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : الْقُدُسُ ، وَهُوَ الرَّبُّ تَعَالَى ذِكْرُهُ .
[2/323]1494 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : ( وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) ، قَالَ : اللَّهُ ، الْقُدُسُ ، وَأَيَّدَ عِيسَى (نبي)بِرُوحِهِ ، قَالَ : نَعْتُ اللَّهِ الْقُدُسُ ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ [ الْحَشْرِ : 23 ] ، قَالَ : الْقُدُسُ وَالْقُدُّوسُ ، وَاحِدٌ .
1495 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، [ عَنْ هِلَالٍ ] بْنِ أُسَامَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : قَالَ كَعْبٌ : اللَّهُ ، الْقُدُسُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ( 87 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ ، الْيَهُودَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ .
1496 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - لَهُمْ : يَا مَعْشَرَ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، لَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى (نبي)التَّوْرَاةَ ، وَتَابَعْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ إِلَيْكُمْ ، وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ (نبي)[2/324]الْبَيِّنَاتِ وَالْحُجَجَ ، إِذْ بَعَثْنَاهُ إِلَيْكُمْ ، وَقَوَّيْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، وَأَنْتُمْ كُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ رُسُلِي بِغَيْرِ الَّذِي تَهْوَاهُ نُفُوسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ عَلَيْهِمْ - تَجَبُّرًا وَبَغْيًا - اسْتِكْبَارَ إِمَامِكُمْ إِبْلِيسَ ، فَكَذَّبْتُمْ بَعْضًا مِنْهُمْ ، وَقَتَلْتُمْ بَعْضًا! فَهَذَا فِعْلُكُمْ أَبَدًا بِرُسُلِي .
وَقَوْلِهِ : ( أَفَكُلَّمَا ) ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّقْرِيرِ فِي الْخِطَابِ ، فَهُوَ بِمَعْنَى الْخَبَرِ .