النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ( 85 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَيَتَّجِهُ فِي قَوْلِهِ : ( ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ ) وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ : ثُمَّ أَنْتُمْ يَا هَؤُلَاءِ ، فَتَرَكَ " يَا " اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا [ يُوسُفَ : 29 ] ، وَتَأْوِيلُهُ : يَا يُوسُفُ (نبي)أَعْرَضْ عَنْ هَذَا . فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : ثُمَّ أَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ - بَعْدَ إِقْرَارِكُمْ بِالْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذْتُهُ عَلَيْكُمْ : لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ، وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ [2/304]مِنْ دِيَارِكُمْ ، ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بَعْدَ شَهَادَتِكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِي عَلَيْكُمْ ، لَازِمٌ لَكُمُ الْوَفَاءُ لِي بِهِ - تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ، مُتَعَاوِنِينَ عَلَيْهِمْ ، فِي إِخْرَاجِكُمْ إِيَّاهُمْ ، بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ! .
وَالتَّعَاوُنُ هُوَ " التَّظَاهُرُ " . وَإِنَّمَا قِيلَ لِلتَّعَاوُنِ " التَّظَاهُرُ " ، لِتَقْوِيَةِ بَعْضِهِمْ ظَهَرَ بَعْضٍ ؛ فَهُوَ " تَفَاعُلٌ " مِنَ " الظَّهْرِ " ، وَهُوَ مُسَانَدَةُ بَعْضِهِمْ ظَهْرَهُ إِلَى ظَهْرِ بَعْضٍ .
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : ثُمَّ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ؛ فَيَرْجِعُ إِلَى الْخَبَرِ عَنْ " أَنْتُمْ " . وَقَدْ اعْتَرَضَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْخَبَرِ عَنْهُمْ " بِهَؤُلَاءِ " ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ : " أَنَا ذَا أَقُومُ ، وَأَنَا هَذَا أَجْلِسُ " ، وَإِذَا قِيلَ : " أَنَا هَذَا أَجْلِسُ " كَانَ صَحِيحًا جَائِزًا كَذَلِكَ : أَنْتَ ذَاكَ تَقُومُ " .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ قَوْلَهُ : " هَؤُلَاءِ " فِي قَوْلِهِ : ( ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ ) ، تَنْبِيهٌ وَتَوْكِيدٌ لِ " أَنْتُمْ " . وَزَعَمَ أَنَّ " أَنْتُمْ " وَإِنْ كَانَتْ كِنَايَةَ أَسْمَاءِ جُمَّاعِ الْمُخَاطَبِينَ ، فَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُؤَكَّدُوا بِ " هَؤُلَاءِ " وَ " أُولَاءِ " ؛ لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنِ الْمُخَاطَبِينَ ، كَمَا قَالَ خِفَافُ بْنُ نُدْبَةَ :
أَقُولُ لَهُ وَالرُّمْحُ يَأْطُرُ مَتْنُهُ : تَبَيَّنْ خُفَافًا إِنَّنِي أَنَا ذَلِكَا
يُرِيدُ : أَنَا هَذَا ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [ يُونُسَ : 22 ]
[2/305]ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَيَمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، نَحْوَ اخْتِلَافِهِمْ فَيَمَنْ عُنِيَ بِقَوْلِهِ : ( وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) ذِكْرُ اخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ :
1471 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ إِلَى أَهْلِ الشِّرْكِ ، حَتَّى تَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ مَعَهُمْ ، وَتُخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ مَعَهُمْ . قَالَ : أَنَّبَهُمُ اللَّهُ [ عَلَى ذَلِكَ ] مِنْ فِعْلِهِمْ ، وَقَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ سَفْكَ دِمَائِهِمْ ، وَافْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِيهَا فِدَاءَ أَسْرَاهُمْ ، فَكَانُوا فَرِيقَيْنِ : طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ حُلَفَاءِ الْخَزْرَجِ ، وَالنَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ حُلَفَاءُ الْأَوْسِ . فَكَانُوا إِذَا كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حَرْبٌ خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقَاعَ مَعَ الْخَزْرَجِ ، وَخَرَجَتِ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَعَ الْأَوْسِ ، يُظَاهِرُ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ حُلَفَاءَهُ عَلَى إِخْوَانِهِ ، حَتَّى يَتَسَافَكُوا دِمَاءَهُمْ بَيْنَهُمْ ، وَبِأَيْدِيهِمُ التَّوْرَاةُ ، يَعْرِفُونَ مِنْهَا مَا عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ . وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَهْلُ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ ، لَا يَعْرِفُونَ جَنَّةً وَلَا نَارًا ، وَلَا بَعْثًا وَلَا قِيَامَةً ، وَلَا كِتَابًا ، وَلَا حَرَامًا وَلَا حَلَالًا فَإِذَا وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ، افْتَدَوْا أَسْرَاهُمْ ؛ تَصْدِيقًا لِمَا فِي التَّوْرَاةِ ، وَأَخْذًا بِهِ ، بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ . يَفْتَدِي بَنُو قَيْنُقَاعَ مَا كَانَ مِنْ أَسْرَاهُمْ فِي أَيْدِي الْأَوْسِ ، [2/306]وَتَفْتَدِي النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَا كَانَ فِي أَيْدِي الْخَزْرَجِ مِنْهُمْ ، وَيُطِلُّونَ مَا أَصَابُوا مِنَ الدِّمَاءِ ، وَقَتْلَى مَنْ قُتِلُوا مِنْهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ ؛ مُظَاهَرَةً لِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ . يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، حِينَ أَنَّبَهُمْ بِذَلِكَ : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، أَيْ تُفَادُونَهُ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَتَقْتُلُونَهُ - وَفِي حُكْمِ التَّوْرَاةِ أَنْ لَا يُقْتَلَ ، وَلَا يُخْرَجَ مِنْ دَارِهِ ، وَلَا يُظَاهَرُ عَلَيْهِ مَنْ يُشْرِكُ بِاللَّهِ وَيَعْبُدُ الْأَوْثَانَ مَنْ دُونِهِ ؛ ابْتِغَاءَ عَرَضٍ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا .
فَفِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ - فِيمَا بَلَغَنِي - نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ .
1472 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ : أَنْ لَا يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ أَوْ أُمَةٍ وَجَدْتُمُوهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاشْتَرُوهُ بِمَا قَامَ ثَمَنُهُ ، فَأَعْتِقُوهُ ، فَكَانَتْ قُرَيْظَةُ حُلَفَاءَ الْأَوْسِ ، وَالنَّضِيرُ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ ، فَكَانُوا يَقْتَتِلُونَ فِي حَرْبِ سُمَيْرٍ . فَيُقَاتِلُ بَنُو قُرَيْظَةَ مَعَ حُلَفَائِهَا ، النَّضِيرَ وَحُلَفَاءَهَا . وَكَانَتِ النَّضِيرُ تَقَاتِلُ قُرَيْظَةَ وَحُلَفَاءَهَا ، فَيَغْلِبُونَهُمْ ، فَيُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُمْ ، وَيُخْرِجُونَهُمْ مِنْهَا ، فَإِذَا أُسِرَ الرَّجُلُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا ، جَمَعُوا لَهُ حَتَّى [2/307]يَفْدُوهُ ، فَتُعَيِّرُهُمُ الْعَرَبُ بِذَلِكَ ، وَيَقُولُونَ : كَيْفَ تُقَاتِلُونَهُمْ وَتَفْدُونَهُمْ؟ قَالُوا : إِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَفْدِيَهُمْ ، وَحُرِّمَ عَلَيْنَا قِتَالُهُمْ . قَالُوا : فَلِمَ تُقَاتِلُونَهُمْ؟ قَالُوا : إِنَّا نَسْتَحْيِي أَنْ تُسْتَذَلَّ حُلَفَاؤُنَا . فَذَلِكَ حِينَ عَيَّرَهُمْ - جَلَّ وَعَزَّ - فَقَالَ : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ .
1473 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : كَانَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ أَخَوَيْنِ ، وَكَانُوا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ ، وَكَانَ الْكِتَابُ بِأَيْدِيهِمْ ، وَكَانَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَخَوَيْنِ فَافْتَرَقَا ، وَافْتَرَقَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ ، فَكَانَتِ النَّضِيرُ مَعَ الْخَزْرَجِ ، وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ مَعَ الْأَوْسِ ، فَاقْتَتَلُوا ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا ، فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ الْآيَةَ .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : -
1474 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ : إِذَا اسْتَضْعَفُوا قَوْمًا أَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ . وَقَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقُ أَنْ لَا يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ ، وَلَا يُخْرِجُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا " الْعُدْوَانُ " فَهُوَ " الْفُعْلَانُ " مِنْ " التَّعَدِّي " ، يُقَالُ مِنْهُ : " عَدَا فُلَانٌ فِي كَذَا عَدْوًا وَعُدْوَانًا ، وَاعْتَدَى يَعْتَدِي اعْتِدَاءً " ، وَذَلِكَ إِذَا جَاوَزَ حَدَّهُ ظُلْمًا وَبَغْيًا .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ : ( تَظَاهَرُونَ ) . فَقَرَأَهَا بَعْضُهُمْ : " تَظَاهَرُونَ " عَلَى مِثَالِ " تَفَاعَلُونَ " فَحَذَفَ التَّاءَ الزَّائِدَةَ وَهِيَ التَّاءُ الْآخِرَةُ . وَقَرَأَهَا آخَرُونَ : [2/308]( تَظَّاهَرُونَ ) ، فَشَدَّدَ ، بِتَأْوِيلِ : ( تَتَظَاهَرُونَ ) ، غَيْرَ أَنَّهُمْ أَدْغَمُوا التَّاءَ الثَّانِيَةَ فِي الظَّاءِ ، لِتَقَارُبِ مُخْرَجَيْهِمَا ، فَصَيَّرُوهُمَا ظَاءً مُشَدَّدَةً . وَهَاتَانِ الْقِرَاءَتَانِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُمَا ، فَإِنَّهُمَا مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى ؛ فَسَوَاءٌ بِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ ، وَقِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، لَيْسَ فِي إِحْدَاهُمَا مَعْنًى تَسْتَحِقُّ بِهِ اخْتِيَارَهَا عَلَى الْأُخْرَى ، إِلَّا أَنْ يَخْتَارَ مُخْتَارٌ " تَظَّاهَرُونَ " الْمُشَدَّدَةَ طَلَبًا مِنْهُ تَتِمَّةَ الْكَلِمَةِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ الْيَهُودَ . يُوَبِّخُهُمْ بِذَلِكَ ، وَيُعَرِّفُهُمْ بِهِ قَبِيحَ أَفْعَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَفْعَلُونَهَا ، فَقَالَ لَهُمْ : ثُمَّ أَنْتُمْ - بَعْدَ إِقْرَارِكُمْ بِالْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذْتُهُ عَلَيْكُمْ : أَنْ لَا تَسْفِكُوا دِمَاءَكُمْ ، وَلَا تُخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ - تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ يَعْنِي بِهِ : يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَأَنْتُمْ - مَعَ قَتْلِكُمْ مَنْ تَقْتُلُونَ مِنْكُمْ - إِذَا وَجَدْتُمُ الْأَسِيرَ مِنْكُمْ فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ مِنْ أَعْدَائِكُمْ ، تَفْدُونَهُ ، وَيُخْرِجُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ دِيَارِهِ! وَقَتْلُكُمْ إِيَّاهُمْ وَإِخْرَاجُكُمُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ ، وَتَرْكُهُمْ أَسْرَى فِي أَيْدِي عَدُوِّكُمْ [ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ ] ، فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ قَتْلَهُمْ ، وَلَا تَسْتَجِيزُونَ تَرْكَ فِدَائِهِمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ؟ أَمْ كَيْفَ لَا تَسْتَجِيزُونَ تَرْكَ فِدَائِهِمْ ، وَتَسْتَجِيزُونَ قَتْلَهُمْ؟! وَهُمَا جَمِيعًا فِي اللَّازِمِ لَكُمْ مِنَ الْحُكْمِ فِيهِمْ - سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ الَّذِي حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ [2/309]مِنْ قَتْلِهِمْ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ دُورِهِمْ ، نَظِيرُ الَّذِي حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ مَنْ تَرْكِهِمْ أَسْرَى فِي أَيْدِي عَدُوِّهِمْ ، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ - الَّذِي فَرَضْتُ عَلَيْكُمْ فِيهِ فَرَائِضِي ، وَبَيَّنْتُ لَكُمْ فِيهِ حُدُودِي ، وَأَخَذْتُ عَلَيْكُمْ بِالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ مِيثَاقِي - فَتُصَدِّقُونَ بِهِ ، فَتُفَادُوْنَ أَسْرَاكُمْ مِنْ أَيْدِي عَدُوِّكِمْ; وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِهِ ، فَتَجْحَدُونَهُ ، فَتَقْتُلُونَ مَنْ حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ قَتْلَهُ مَنْ أَهْلِ دِينِكُمْ وَمِنْ قَوْمِكُمْ ، وَتُخْرِجُونَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ؟ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الْكُفْرَ مِنْكُمْ بِبَعْضِهِ نَقْضٌ مِنْكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي؟ كَمَا : -
1475 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، [ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ فَادِينَ ، وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ قَاتِلِينَ وَمُخْرِجِينَ ] ؟ وَاللَّهِ إِنَّ فَدَاءَهُمْ لَإِيمَانٌ ، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُمْ لَكُفْرٌ . فَكَانُوا يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ، وَإِذَا رَأَوْهُمْ أُسَارَى فِي أَيْدِي عَدُوِّهِمْ افْتَكُّوهُمْ .
1476 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَوْ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تَفْدُوهُمْ ) ، قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ ذَلِكُمْ عَلَيْكُمْ فِي دِينِكُمْ ، ( وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ ) فِي كِتَابِكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، أَتُفَادُونَهُمْ مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ ، وَتُخْرِجُونَهُمْ كُفْرًا بِذَلِكَ .
1477 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تَفْدُوهُمْ ) يَقُولُ : إِنْ وَجَدْتَهُ فِي يَدِ غَيْرِكَ فَدَيْتَهُ ، وَأَنْتَ تَقْتُلُهُ بِيَدِكِ!
[2/310]1478 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ : قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : كَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، فَكَانَ إِخْرَاجُهُمْ كُفْرًا ، وَفِدَاؤُهُمْ إِيمَانًا .
1479 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ الْآيَةَ ، قَالَ : كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ : إِذَا اسْتَضْعَفُوا قَوْمًا أَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ، وَقَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقُ : أَنْ لَا يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ وَلَا يُخْرِجُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ، وَأُخِذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقُ : إِنْ أُسِرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُفَادُوهُمْ ، فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ، ثُمَّ فَادُوهُمْ ، فَآمَنُوا بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ . آمَنُوا بِالْفِدَاءِ فَفَدَوْا ، وَكَفَرُوا بِالْإِخْرَاجِ مِنَ الدِّيَارِ فَأَخْرَجُوا .
1480 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ ، أَخْبَرَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ مَرَّ عَلَى رَأْسِ الْجَالُوتِ بِالْكُوفَةِ (مكان)وَهُوَ يُفَادِي مِنَ النِّسَاءِ مَنْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ ، وَلَا يُفَادِي مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَرَبُ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : أَمَّا إِنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَكَ فِي كِتَابِكَ : أَنْ فَادُوهُنَّ كُلَّهُنَّ .
1481 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، قَالَ : كُفْرُهُمُ الْقَتْلُ وَالْإِخْرَاجُ ، وَإِيمَانُهُمُ الْفِدَاءُ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : يَقُولُ : إِذَا كَانُوا عِنْدَكُمْ تَقْتُلُونَهُمْ وَتُخْرِجُونَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ، وَأَمَّا إِذَا أُسِرُوا تَفْدُونَهُمْ؟ وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي قِصَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ مَضَوْا ، وَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ تُعْنَوْنَ بِهَذَا الْحَدِيثِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ [2/311]فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ : ( أَسْرَى تَفْدُوهُمْ ) ، وَبَعْضُهُمْ : ( أَسَارَى تُفَادُوهُمْ ) ، وَبَعْضُهُمْ ( أُسَارَى تَفْدُوهُمْ ) ، وَبَعْضُهُمْ : ( أَسْرَى تُفَادُوْهُمْ ) .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : ( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أَسْرَى ) ، فَإِنَّهُ أَرَادَ جَمْعَ " الْأَسِيرِ " ، إِذْ كَانَ عَلَى " فَعِيلٍ " ، عَلَى مِثَالِ جَمْعِ أَسْمَاءِ ذَوِي الْعَاهَاتِ الَّتِي يَأْتِي وَاحِدُهَا عَلَى تَقْدِيرِ " فَعِيلٍ " ، إِذْ كَانَ " الْأَسْرُ " شَبِيهَ الْمَعْنَى - فِي الْأَذَى وَالْمَكْرُوهِ الدَّاخِلِ عَلَى الْأَسِيرِ - بِبَعْضِ مَعَانِي الْعَاهَاتِ ، وَأُلْحِقَ جَمْعُ الْمُسْتَلْحَقِ بِهِ بِجَمْعِ مَا وَصَفْنَا ، فَقِيلَ : أَسِيرٌ وَأَسْرَى " ، كَمَا قِيلَ : " مَرِيضٌ وَمَرْضَى ، وَكَسِيرٌ وَكَسْرَى ، وَجَرِيحٌ وَجَرْحَى " .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ : ( أُسَارَى ) ، فَإِنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ عَلَى مَخْرَجِ جَمْعِ " فَعْلَانَ " ، إِذْ كَانَ جَمْعُ " فَعْلَانَ " الَّذِي لَهُ " فَعْلَى " قَدْ يُشَارِكُ جَمْعَ " فَعِيلٍ " كَمَا قَالُوا : " سُكَارَى وَسَكْرَى ، وَكُسَالَى وَكَسْلَى " ، فَشَبَّهُوا " أَسِيرًا " - وَجَمَعُوهُ مَرَّةً " أُسَارَى " ، وَأُخْرَى " أَسْرَى " - بِذَلِكَ .
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَى " الْأَسْرَى " مُخَالِفٌ مَعْنَى " الْأُسَارَى " ، وَيَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَى " الْأَسْرَى " اسْتِئْسَارُ الْقَوْمِ بِغَيْرِ أَسْرٍ مِنَ الْمُسْتَأْسِرِ لَهُمْ ، وَأَنَّ مَعْنَى " الْأُسَارَى " مَعْنَى مَصِيرِ الْقَوْمِ الْمَأْسُورِينَ فِي أَيْدِي الْآسِرِينَ بِأَسْرِهِمْ وَأَخْذِهِمْ قَهْرًا وَغَلَبَةً .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَذَلِكَ مَا لَا وَجْهَ لَهُ يُفْهَمُ فِي لُغَةِ أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ . وَلَكِنَّ ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنْ جَمْعِ " الْأَسِيرِ " مَرَّةً عَلَى " فَعْلَى " لِمَا بَيَّنْتُ مِنَ الْعِلَّةِ ، وَمَرَّةً عَلَى " فُعَالَى " ، لِمَا ذَكَرْتُ : مِنْ تَشْبِيهِهِمْ جَمْعَهُ بِجَمْعِ " سَكْرَانَ وَكَسْلَانَ " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
وَأَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أَسْرَى ) ، لِأَنَّ " فُعَالَى " فِي جَمْعِ " فَعِيلٍ " غَيْرُ مُسْتَفِيضٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَإِذِا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُسْتَفِيضٍ فِي كَلَامِهِمْ ، وَكَانَ مُسْتَفِيضًا فَاشِيًّا فِيهِمْ جَمْعُ مَا كَانَ مِنَ الصِّفَاتِ - الَّتِي بِمَعْنَى [2/312]الْآلَامِ وَالزَّمَانَةِ - وَوَاحِدُهُ عَلَى تَقْدِيرِ " فَعِيلٍ " ، عَلَى " فَعْلَى " ، كَالَّذِي وَصَفْنَا قَبْلُ ، وَكَانَ أَحَدُ ذَلِكَ " الْأَسِيرَ " ، كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُلْحَقَ بِنَظَائِرِهِ وَأَشْكَالِهِ ، فَيُجْمَعُ جَمْعَهَا دُونَ غَيْرِهَا مِمَّنْ خَالَفَهَا .
وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ : ( تُفَادُوْهُمْ ) ، فَإِنَّهُ أَرَادَ : أَنَّكُمْ تُفْدُونَهُمْ مِنْ أَسْرِهِمْ ، وَيَفْدِي مِنْكُمْ - الَّذِينَ أَسَرُوهُمْ فَفَادُوكُمْ بِهِمْ - أَسْرَاكُمْ مِنْهُمْ .
وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ ( تَفْدُوهُمْ ) ، فَإِنَّهُ أَرَادَ : إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، إِنْ أَتَاكُمُ الَّذِينَ أَخْرَجْتُمُوهُمْ مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ أَسْرَى فَدَيْتُمُوهُمْ فَاسْتَنْقَذْتُمُوهُمْ .
وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنَ الْأُولَى - أَعْنِي : ( أَسْرَى تُفَادُوْهُمْ ) - لِأَنَّ الَّذِي عَلَى الْيَهُودِ فِي دِينِهِمْ فِدَاءُ أَسْرَاهُمْ بِكُلِّ حَالٍ ، فَدَى الْآسِرُونَ أَسْرَاهُمْ مِنْهُمْ أَمْ لَمْ يَفْدُوهُمْ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ، فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ : ( وَهُوَ ) وَجْهَيْنِ مِنَ التَّأْوِيلِ . أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنِ الْإِخْرَاجِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . كَأَنَّهُ قَالَ : وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ، وَإِخْرَاجُهُمْ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ ، ثُمَّ كَرَّرَ " الْإِخْرَاجَ " الَّذِي بَعْدَ " وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ " تَكْرِيرًا عَلَى " هُوَ " ؛ لَمَّا حَالَ بَيْنَ " الْإِخْرَاجِ " وَ " هُوَ " كَلَامٌ .
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ عِمَادًا ، لَمَّا كَانَتْ " الْوَاوُ " الَّتِي مَعَ " هُوَ " تَقْتَضِي اسْمًا يَلِيهَا دُونَ الْفِعْلِ ؛ فَلَمَّا قَدَّمَ الْفِعْلَ قَبْلَ الِاسْمِ - الَّذِي تَقْتَضِيهِ " الْوَاوُ " أَنْ يَلِيَهَا - أُولِيَتْ " هُوَ " ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ ، كَمَا تَقُولُ : " أَتَيْتُكَ وَهُوَ قَائِمٌ أَبُوكَ " ، بِمَعْنَى : " وَأَبُوكَ قَائِمٌ " ؛ إِذْ كَانَتِ " الْوَاوُ " تَقْتَضِي اسْمًا ، فَعُمِدَتْ بِ " هُوَ " ، إِذْ سَبَقَ الْفِعْلُ الِاسْمَ لِيَصْلُحَ الْكَلَامُ . كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
[2/313]فَأَبْلِغْ أَبَا يَحْيَى إِذَا مَا لَقِيتَهُ عَلَى الْعِيسِ فِي آبَاطِهَا عَرَقٌ يَبْسُ بِأَنَّ السُّلَامِيَّ الَّذِي بِضَرِيَّةٍ أَمِيرَ الْحِمَى ، قَدْ بَاعَ حَقِّي ، بَنِي عَبْسِ بِثَوْبٍ وَدِينَارٍ وَشَاةٍ وَدِرْهَمٍ فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ بِمَا هَهُنَا رَأْسُ
فَأَوْلَيْتُ " هَلْ " " هُوَ " لِطَلَبِهَا الِاسْمَ الْعِمَادَ .
[2/314]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ : فَلَيْسَ لِمَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ قَتِيلًا ؛ فَكَفَرَ بِقَتْلِهِ إِيَّاهُ ، بِنَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ فِي التَّوْرَاةِ - وَأَخْرَجَ مِنْكُمْ فَرِيقًا مِنْ دِيَارِهِمْ مُظَاهِرًا عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا وَخِلَافًا لِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى مُوسَى (نبي)جَزَاءً - يَعْنِي " بِالْجَزَاءِ " : الثَّوَابَ ، وَهُوَ الْعِوَضُ مِمَّا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ وَالْأَجْرُ عَلَيْهِ - إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . وَ " الْخِزْيُ " : الذُّلُّ وَالصَّغَارُ ، يُقَالُ مِنْهُ : " خَزِيَ الرَّجُلُ يَخْزَى خِزْيًا " ، ( فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ، يَعْنِي : فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ .
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي الْخِزْيِ الَّذِي أَخْزَاهُمُ اللَّهُ بِمَا سَلَفَ مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ أَخْذِ الْقَاتِلِ بِمَنْ قَتَلَ ، وَالْقَوَدِ بِهِ قِصَاصًا ، وَالِانْتِقَامِ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ ، هُوَ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ مَا أَقَامُوا عَلَى دِينِهِمْ ، ذِلَّةً لَهُمْ وَصِغَارًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ الْخِزْيُ الَّذِي جُوزُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا : إِخْرَاجُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّضِيرَ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ، وَقَتْلُ مُقَاتِلَةِ قُرَيْظَةَ وَسَبْيُ ذَرَارِيهِمْ ، فَكَانَ ذَلِكَ خِزْيًا فِي الدُّنْيَا ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ .
[2/315]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُرَدُّ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ - بَعْدَ الْخِزْيِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ فِي الدُّنْيَا جَزَاءً عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ - إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ الَّذِي أَعَدَّ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدَّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا .
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ قَائِلٍ ذَلِكَ . ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - إِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ مَعَانِي الْعَذَابِ ، وَلِذَلِكَ أَدْخَلَ فِيهِ " الْأَلِفَ وَاللَّامَ " ؛ لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ جِنْسَ الْعَذَابِ كُلِّهِ ، دُونَ نَوْعٍ مِنْهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 85 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ : ( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) بِ " الْيَاءِ " ، عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ ، فَكَأَنَّهُمْ نَحَّوْا بِقِرَاءَتِهِمْ مَعْنَى : فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ، يَعْنِي : عَمَّا يَعْمَلُهُ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ جَزَاءٌ عَلَى فِعْلِهِمْ إِلَّا الْخِزْيُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَمَرْجِعُهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ .
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بِ " التَّاءِ " عَلَى وَجْهِ الْمُخَاطَبَةِ . [2/316]قَالَ : فَكَأَنَّهُمْ نَحَّوْا بِقِرَاءَتِهِمْ : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ . وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ ، يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، عَمَّا تَعْمَلُونَ أَنْتُمْ .
وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِ " الْيَاءِ " ، اتِّبَاعًا لِقَوْلِهِ : فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ ، وَلِقَوْلِهِ : ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ إِلَى ذَلِكَ ، أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى قَوْلِهِ : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، فَاتِّبَاعُهُ الْأَقْرَبَ إِلَيْهِ ، أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهِ بِالْأَبْعَدِ مِنْهُ ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ .
وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ " ، وَمَا اللَّهُ بِسَاهٍ عَنْ أَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ ، بَلْ هُوَ مُحْصٍ لَهَا وَحَافِظُهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُجَازِيَهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ ، وَيُخْزِيَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، فَيُذِلَّهُمْ وَيَفْضَحَهُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَيَتَّجِهُ فِي قَوْلِهِ : ( ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ ) وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ : ثُمَّ أَنْتُمْ يَا هَؤُلَاءِ ، فَتَرَكَ " يَا " اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا [ يُوسُفَ : 29 ] ، وَتَأْوِيلُهُ : يَا يُوسُفُ (نبي)أَعْرَضْ عَنْ هَذَا . فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : ثُمَّ أَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ - بَعْدَ إِقْرَارِكُمْ بِالْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذْتُهُ عَلَيْكُمْ : لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ، وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ [2/304]مِنْ دِيَارِكُمْ ، ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بَعْدَ شَهَادَتِكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِي عَلَيْكُمْ ، لَازِمٌ لَكُمُ الْوَفَاءُ لِي بِهِ - تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ، مُتَعَاوِنِينَ عَلَيْهِمْ ، فِي إِخْرَاجِكُمْ إِيَّاهُمْ ، بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ! .
وَالتَّعَاوُنُ هُوَ " التَّظَاهُرُ " . وَإِنَّمَا قِيلَ لِلتَّعَاوُنِ " التَّظَاهُرُ " ، لِتَقْوِيَةِ بَعْضِهِمْ ظَهَرَ بَعْضٍ ؛ فَهُوَ " تَفَاعُلٌ " مِنَ " الظَّهْرِ " ، وَهُوَ مُسَانَدَةُ بَعْضِهِمْ ظَهْرَهُ إِلَى ظَهْرِ بَعْضٍ .
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : ثُمَّ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ؛ فَيَرْجِعُ إِلَى الْخَبَرِ عَنْ " أَنْتُمْ " . وَقَدْ اعْتَرَضَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْخَبَرِ عَنْهُمْ " بِهَؤُلَاءِ " ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ : " أَنَا ذَا أَقُومُ ، وَأَنَا هَذَا أَجْلِسُ " ، وَإِذَا قِيلَ : " أَنَا هَذَا أَجْلِسُ " كَانَ صَحِيحًا جَائِزًا كَذَلِكَ : أَنْتَ ذَاكَ تَقُومُ " .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ قَوْلَهُ : " هَؤُلَاءِ " فِي قَوْلِهِ : ( ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ ) ، تَنْبِيهٌ وَتَوْكِيدٌ لِ " أَنْتُمْ " . وَزَعَمَ أَنَّ " أَنْتُمْ " وَإِنْ كَانَتْ كِنَايَةَ أَسْمَاءِ جُمَّاعِ الْمُخَاطَبِينَ ، فَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُؤَكَّدُوا بِ " هَؤُلَاءِ " وَ " أُولَاءِ " ؛ لِأَنَّهَا كِنَايَةٌ عَنِ الْمُخَاطَبِينَ ، كَمَا قَالَ خِفَافُ بْنُ نُدْبَةَ :
أَقُولُ لَهُ وَالرُّمْحُ يَأْطُرُ مَتْنُهُ : تَبَيَّنْ خُفَافًا إِنَّنِي أَنَا ذَلِكَا
يُرِيدُ : أَنَا هَذَا ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [ يُونُسَ : 22 ]
[2/305]ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَيَمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، نَحْوَ اخْتِلَافِهِمْ فَيَمَنْ عُنِيَ بِقَوْلِهِ : ( وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) ذِكْرُ اخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ :
1471 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ إِلَى أَهْلِ الشِّرْكِ ، حَتَّى تَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ مَعَهُمْ ، وَتُخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ مَعَهُمْ . قَالَ : أَنَّبَهُمُ اللَّهُ [ عَلَى ذَلِكَ ] مِنْ فِعْلِهِمْ ، وَقَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ سَفْكَ دِمَائِهِمْ ، وَافْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِيهَا فِدَاءَ أَسْرَاهُمْ ، فَكَانُوا فَرِيقَيْنِ : طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ حُلَفَاءِ الْخَزْرَجِ ، وَالنَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ حُلَفَاءُ الْأَوْسِ . فَكَانُوا إِذَا كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حَرْبٌ خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقَاعَ مَعَ الْخَزْرَجِ ، وَخَرَجَتِ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَعَ الْأَوْسِ ، يُظَاهِرُ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ حُلَفَاءَهُ عَلَى إِخْوَانِهِ ، حَتَّى يَتَسَافَكُوا دِمَاءَهُمْ بَيْنَهُمْ ، وَبِأَيْدِيهِمُ التَّوْرَاةُ ، يَعْرِفُونَ مِنْهَا مَا عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ . وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَهْلُ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ ، لَا يَعْرِفُونَ جَنَّةً وَلَا نَارًا ، وَلَا بَعْثًا وَلَا قِيَامَةً ، وَلَا كِتَابًا ، وَلَا حَرَامًا وَلَا حَلَالًا فَإِذَا وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ، افْتَدَوْا أَسْرَاهُمْ ؛ تَصْدِيقًا لِمَا فِي التَّوْرَاةِ ، وَأَخْذًا بِهِ ، بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ . يَفْتَدِي بَنُو قَيْنُقَاعَ مَا كَانَ مِنْ أَسْرَاهُمْ فِي أَيْدِي الْأَوْسِ ، [2/306]وَتَفْتَدِي النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَا كَانَ فِي أَيْدِي الْخَزْرَجِ مِنْهُمْ ، وَيُطِلُّونَ مَا أَصَابُوا مِنَ الدِّمَاءِ ، وَقَتْلَى مَنْ قُتِلُوا مِنْهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ ؛ مُظَاهَرَةً لِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ . يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، حِينَ أَنَّبَهُمْ بِذَلِكَ : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، أَيْ تُفَادُونَهُ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَتَقْتُلُونَهُ - وَفِي حُكْمِ التَّوْرَاةِ أَنْ لَا يُقْتَلَ ، وَلَا يُخْرَجَ مِنْ دَارِهِ ، وَلَا يُظَاهَرُ عَلَيْهِ مَنْ يُشْرِكُ بِاللَّهِ وَيَعْبُدُ الْأَوْثَانَ مَنْ دُونِهِ ؛ ابْتِغَاءَ عَرَضٍ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا .
فَفِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ - فِيمَا بَلَغَنِي - نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ .
1472 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ : أَنْ لَا يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ أَوْ أُمَةٍ وَجَدْتُمُوهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاشْتَرُوهُ بِمَا قَامَ ثَمَنُهُ ، فَأَعْتِقُوهُ ، فَكَانَتْ قُرَيْظَةُ حُلَفَاءَ الْأَوْسِ ، وَالنَّضِيرُ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ ، فَكَانُوا يَقْتَتِلُونَ فِي حَرْبِ سُمَيْرٍ . فَيُقَاتِلُ بَنُو قُرَيْظَةَ مَعَ حُلَفَائِهَا ، النَّضِيرَ وَحُلَفَاءَهَا . وَكَانَتِ النَّضِيرُ تَقَاتِلُ قُرَيْظَةَ وَحُلَفَاءَهَا ، فَيَغْلِبُونَهُمْ ، فَيُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُمْ ، وَيُخْرِجُونَهُمْ مِنْهَا ، فَإِذَا أُسِرَ الرَّجُلُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا ، جَمَعُوا لَهُ حَتَّى [2/307]يَفْدُوهُ ، فَتُعَيِّرُهُمُ الْعَرَبُ بِذَلِكَ ، وَيَقُولُونَ : كَيْفَ تُقَاتِلُونَهُمْ وَتَفْدُونَهُمْ؟ قَالُوا : إِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَفْدِيَهُمْ ، وَحُرِّمَ عَلَيْنَا قِتَالُهُمْ . قَالُوا : فَلِمَ تُقَاتِلُونَهُمْ؟ قَالُوا : إِنَّا نَسْتَحْيِي أَنْ تُسْتَذَلَّ حُلَفَاؤُنَا . فَذَلِكَ حِينَ عَيَّرَهُمْ - جَلَّ وَعَزَّ - فَقَالَ : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ .
1473 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : كَانَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ أَخَوَيْنِ ، وَكَانُوا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ ، وَكَانَ الْكِتَابُ بِأَيْدِيهِمْ ، وَكَانَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَخَوَيْنِ فَافْتَرَقَا ، وَافْتَرَقَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ ، فَكَانَتِ النَّضِيرُ مَعَ الْخَزْرَجِ ، وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ مَعَ الْأَوْسِ ، فَاقْتَتَلُوا ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا ، فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ الْآيَةَ .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : -
1474 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ : كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ : إِذَا اسْتَضْعَفُوا قَوْمًا أَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ . وَقَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقُ أَنْ لَا يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ ، وَلَا يُخْرِجُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا " الْعُدْوَانُ " فَهُوَ " الْفُعْلَانُ " مِنْ " التَّعَدِّي " ، يُقَالُ مِنْهُ : " عَدَا فُلَانٌ فِي كَذَا عَدْوًا وَعُدْوَانًا ، وَاعْتَدَى يَعْتَدِي اعْتِدَاءً " ، وَذَلِكَ إِذَا جَاوَزَ حَدَّهُ ظُلْمًا وَبَغْيًا .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ : ( تَظَاهَرُونَ ) . فَقَرَأَهَا بَعْضُهُمْ : " تَظَاهَرُونَ " عَلَى مِثَالِ " تَفَاعَلُونَ " فَحَذَفَ التَّاءَ الزَّائِدَةَ وَهِيَ التَّاءُ الْآخِرَةُ . وَقَرَأَهَا آخَرُونَ : [2/308]( تَظَّاهَرُونَ ) ، فَشَدَّدَ ، بِتَأْوِيلِ : ( تَتَظَاهَرُونَ ) ، غَيْرَ أَنَّهُمْ أَدْغَمُوا التَّاءَ الثَّانِيَةَ فِي الظَّاءِ ، لِتَقَارُبِ مُخْرَجَيْهِمَا ، فَصَيَّرُوهُمَا ظَاءً مُشَدَّدَةً . وَهَاتَانِ الْقِرَاءَتَانِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُمَا ، فَإِنَّهُمَا مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى ؛ فَسَوَاءٌ بِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ ؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ ، وَقِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، لَيْسَ فِي إِحْدَاهُمَا مَعْنًى تَسْتَحِقُّ بِهِ اخْتِيَارَهَا عَلَى الْأُخْرَى ، إِلَّا أَنْ يَخْتَارَ مُخْتَارٌ " تَظَّاهَرُونَ " الْمُشَدَّدَةَ طَلَبًا مِنْهُ تَتِمَّةَ الْكَلِمَةِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ الْيَهُودَ . يُوَبِّخُهُمْ بِذَلِكَ ، وَيُعَرِّفُهُمْ بِهِ قَبِيحَ أَفْعَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَفْعَلُونَهَا ، فَقَالَ لَهُمْ : ثُمَّ أَنْتُمْ - بَعْدَ إِقْرَارِكُمْ بِالْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذْتُهُ عَلَيْكُمْ : أَنْ لَا تَسْفِكُوا دِمَاءَكُمْ ، وَلَا تُخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ - تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ يَعْنِي بِهِ : يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَأَنْتُمْ - مَعَ قَتْلِكُمْ مَنْ تَقْتُلُونَ مِنْكُمْ - إِذَا وَجَدْتُمُ الْأَسِيرَ مِنْكُمْ فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ مِنْ أَعْدَائِكُمْ ، تَفْدُونَهُ ، وَيُخْرِجُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ دِيَارِهِ! وَقَتْلُكُمْ إِيَّاهُمْ وَإِخْرَاجُكُمُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ ، وَتَرْكُهُمْ أَسْرَى فِي أَيْدِي عَدُوِّكُمْ [ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ ] ، فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ قَتْلَهُمْ ، وَلَا تَسْتَجِيزُونَ تَرْكَ فِدَائِهِمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ؟ أَمْ كَيْفَ لَا تَسْتَجِيزُونَ تَرْكَ فِدَائِهِمْ ، وَتَسْتَجِيزُونَ قَتْلَهُمْ؟! وَهُمَا جَمِيعًا فِي اللَّازِمِ لَكُمْ مِنَ الْحُكْمِ فِيهِمْ - سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ الَّذِي حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ [2/309]مِنْ قَتْلِهِمْ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ دُورِهِمْ ، نَظِيرُ الَّذِي حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ مَنْ تَرْكِهِمْ أَسْرَى فِي أَيْدِي عَدُوِّهِمْ ، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ - الَّذِي فَرَضْتُ عَلَيْكُمْ فِيهِ فَرَائِضِي ، وَبَيَّنْتُ لَكُمْ فِيهِ حُدُودِي ، وَأَخَذْتُ عَلَيْكُمْ بِالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ مِيثَاقِي - فَتُصَدِّقُونَ بِهِ ، فَتُفَادُوْنَ أَسْرَاكُمْ مِنْ أَيْدِي عَدُوِّكِمْ; وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِهِ ، فَتَجْحَدُونَهُ ، فَتَقْتُلُونَ مَنْ حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ قَتْلَهُ مَنْ أَهْلِ دِينِكُمْ وَمِنْ قَوْمِكُمْ ، وَتُخْرِجُونَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ؟ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الْكُفْرَ مِنْكُمْ بِبَعْضِهِ نَقْضٌ مِنْكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي؟ كَمَا : -
1475 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، [ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ فَادِينَ ، وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ قَاتِلِينَ وَمُخْرِجِينَ ] ؟ وَاللَّهِ إِنَّ فَدَاءَهُمْ لَإِيمَانٌ ، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُمْ لَكُفْرٌ . فَكَانُوا يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ، وَإِذَا رَأَوْهُمْ أُسَارَى فِي أَيْدِي عَدُوِّهِمْ افْتَكُّوهُمْ .
1476 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَوْ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تَفْدُوهُمْ ) ، قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ ذَلِكُمْ عَلَيْكُمْ فِي دِينِكُمْ ، ( وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ ) فِي كِتَابِكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، أَتُفَادُونَهُمْ مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ ، وَتُخْرِجُونَهُمْ كُفْرًا بِذَلِكَ .
1477 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تَفْدُوهُمْ ) يَقُولُ : إِنْ وَجَدْتَهُ فِي يَدِ غَيْرِكَ فَدَيْتَهُ ، وَأَنْتَ تَقْتُلُهُ بِيَدِكِ!
[2/310]1478 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ : قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : كَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، فَكَانَ إِخْرَاجُهُمْ كُفْرًا ، وَفِدَاؤُهُمْ إِيمَانًا .
1479 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ الْآيَةَ ، قَالَ : كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ : إِذَا اسْتَضْعَفُوا قَوْمًا أَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ، وَقَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقُ : أَنْ لَا يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ وَلَا يُخْرِجُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ، وَأُخِذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقُ : إِنْ أُسِرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُفَادُوهُمْ ، فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ، ثُمَّ فَادُوهُمْ ، فَآمَنُوا بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ . آمَنُوا بِالْفِدَاءِ فَفَدَوْا ، وَكَفَرُوا بِالْإِخْرَاجِ مِنَ الدِّيَارِ فَأَخْرَجُوا .
1480 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ ، أَخْبَرَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ مَرَّ عَلَى رَأْسِ الْجَالُوتِ بِالْكُوفَةِ (مكان)وَهُوَ يُفَادِي مِنَ النِّسَاءِ مَنْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الْعَرَبُ ، وَلَا يُفَادِي مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَرَبُ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : أَمَّا إِنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَكَ فِي كِتَابِكَ : أَنْ فَادُوهُنَّ كُلَّهُنَّ .
1481 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، قَالَ : كُفْرُهُمُ الْقَتْلُ وَالْإِخْرَاجُ ، وَإِيمَانُهُمُ الْفِدَاءُ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : يَقُولُ : إِذَا كَانُوا عِنْدَكُمْ تَقْتُلُونَهُمْ وَتُخْرِجُونَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ، وَأَمَّا إِذَا أُسِرُوا تَفْدُونَهُمْ؟ وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ فِي قِصَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ مَضَوْا ، وَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ تُعْنَوْنَ بِهَذَا الْحَدِيثِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ [2/311]فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ : ( أَسْرَى تَفْدُوهُمْ ) ، وَبَعْضُهُمْ : ( أَسَارَى تُفَادُوهُمْ ) ، وَبَعْضُهُمْ ( أُسَارَى تَفْدُوهُمْ ) ، وَبَعْضُهُمْ : ( أَسْرَى تُفَادُوْهُمْ ) .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : ( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أَسْرَى ) ، فَإِنَّهُ أَرَادَ جَمْعَ " الْأَسِيرِ " ، إِذْ كَانَ عَلَى " فَعِيلٍ " ، عَلَى مِثَالِ جَمْعِ أَسْمَاءِ ذَوِي الْعَاهَاتِ الَّتِي يَأْتِي وَاحِدُهَا عَلَى تَقْدِيرِ " فَعِيلٍ " ، إِذْ كَانَ " الْأَسْرُ " شَبِيهَ الْمَعْنَى - فِي الْأَذَى وَالْمَكْرُوهِ الدَّاخِلِ عَلَى الْأَسِيرِ - بِبَعْضِ مَعَانِي الْعَاهَاتِ ، وَأُلْحِقَ جَمْعُ الْمُسْتَلْحَقِ بِهِ بِجَمْعِ مَا وَصَفْنَا ، فَقِيلَ : أَسِيرٌ وَأَسْرَى " ، كَمَا قِيلَ : " مَرِيضٌ وَمَرْضَى ، وَكَسِيرٌ وَكَسْرَى ، وَجَرِيحٌ وَجَرْحَى " .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ : ( أُسَارَى ) ، فَإِنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ عَلَى مَخْرَجِ جَمْعِ " فَعْلَانَ " ، إِذْ كَانَ جَمْعُ " فَعْلَانَ " الَّذِي لَهُ " فَعْلَى " قَدْ يُشَارِكُ جَمْعَ " فَعِيلٍ " كَمَا قَالُوا : " سُكَارَى وَسَكْرَى ، وَكُسَالَى وَكَسْلَى " ، فَشَبَّهُوا " أَسِيرًا " - وَجَمَعُوهُ مَرَّةً " أُسَارَى " ، وَأُخْرَى " أَسْرَى " - بِذَلِكَ .
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَى " الْأَسْرَى " مُخَالِفٌ مَعْنَى " الْأُسَارَى " ، وَيَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَى " الْأَسْرَى " اسْتِئْسَارُ الْقَوْمِ بِغَيْرِ أَسْرٍ مِنَ الْمُسْتَأْسِرِ لَهُمْ ، وَأَنَّ مَعْنَى " الْأُسَارَى " مَعْنَى مَصِيرِ الْقَوْمِ الْمَأْسُورِينَ فِي أَيْدِي الْآسِرِينَ بِأَسْرِهِمْ وَأَخْذِهِمْ قَهْرًا وَغَلَبَةً .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَذَلِكَ مَا لَا وَجْهَ لَهُ يُفْهَمُ فِي لُغَةِ أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ . وَلَكِنَّ ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنْ جَمْعِ " الْأَسِيرِ " مَرَّةً عَلَى " فَعْلَى " لِمَا بَيَّنْتُ مِنَ الْعِلَّةِ ، وَمَرَّةً عَلَى " فُعَالَى " ، لِمَا ذَكَرْتُ : مِنْ تَشْبِيهِهِمْ جَمْعَهُ بِجَمْعِ " سَكْرَانَ وَكَسْلَانَ " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ .
وَأَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ( وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أَسْرَى ) ، لِأَنَّ " فُعَالَى " فِي جَمْعِ " فَعِيلٍ " غَيْرُ مُسْتَفِيضٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَإِذِا كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مُسْتَفِيضٍ فِي كَلَامِهِمْ ، وَكَانَ مُسْتَفِيضًا فَاشِيًّا فِيهِمْ جَمْعُ مَا كَانَ مِنَ الصِّفَاتِ - الَّتِي بِمَعْنَى [2/312]الْآلَامِ وَالزَّمَانَةِ - وَوَاحِدُهُ عَلَى تَقْدِيرِ " فَعِيلٍ " ، عَلَى " فَعْلَى " ، كَالَّذِي وَصَفْنَا قَبْلُ ، وَكَانَ أَحَدُ ذَلِكَ " الْأَسِيرَ " ، كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُلْحَقَ بِنَظَائِرِهِ وَأَشْكَالِهِ ، فَيُجْمَعُ جَمْعَهَا دُونَ غَيْرِهَا مِمَّنْ خَالَفَهَا .
وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ : ( تُفَادُوْهُمْ ) ، فَإِنَّهُ أَرَادَ : أَنَّكُمْ تُفْدُونَهُمْ مِنْ أَسْرِهِمْ ، وَيَفْدِي مِنْكُمْ - الَّذِينَ أَسَرُوهُمْ فَفَادُوكُمْ بِهِمْ - أَسْرَاكُمْ مِنْهُمْ .
وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ ( تَفْدُوهُمْ ) ، فَإِنَّهُ أَرَادَ : إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، إِنْ أَتَاكُمُ الَّذِينَ أَخْرَجْتُمُوهُمْ مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ أَسْرَى فَدَيْتُمُوهُمْ فَاسْتَنْقَذْتُمُوهُمْ .
وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنَ الْأُولَى - أَعْنِي : ( أَسْرَى تُفَادُوْهُمْ ) - لِأَنَّ الَّذِي عَلَى الْيَهُودِ فِي دِينِهِمْ فِدَاءُ أَسْرَاهُمْ بِكُلِّ حَالٍ ، فَدَى الْآسِرُونَ أَسْرَاهُمْ مِنْهُمْ أَمْ لَمْ يَفْدُوهُمْ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ، فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ : ( وَهُوَ ) وَجْهَيْنِ مِنَ التَّأْوِيلِ . أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنِ الْإِخْرَاجِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . كَأَنَّهُ قَالَ : وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ، وَإِخْرَاجُهُمْ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ ، ثُمَّ كَرَّرَ " الْإِخْرَاجَ " الَّذِي بَعْدَ " وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ " تَكْرِيرًا عَلَى " هُوَ " ؛ لَمَّا حَالَ بَيْنَ " الْإِخْرَاجِ " وَ " هُوَ " كَلَامٌ .
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ عِمَادًا ، لَمَّا كَانَتْ " الْوَاوُ " الَّتِي مَعَ " هُوَ " تَقْتَضِي اسْمًا يَلِيهَا دُونَ الْفِعْلِ ؛ فَلَمَّا قَدَّمَ الْفِعْلَ قَبْلَ الِاسْمِ - الَّذِي تَقْتَضِيهِ " الْوَاوُ " أَنْ يَلِيَهَا - أُولِيَتْ " هُوَ " ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ ، كَمَا تَقُولُ : " أَتَيْتُكَ وَهُوَ قَائِمٌ أَبُوكَ " ، بِمَعْنَى : " وَأَبُوكَ قَائِمٌ " ؛ إِذْ كَانَتِ " الْوَاوُ " تَقْتَضِي اسْمًا ، فَعُمِدَتْ بِ " هُوَ " ، إِذْ سَبَقَ الْفِعْلُ الِاسْمَ لِيَصْلُحَ الْكَلَامُ . كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
[2/313]فَأَبْلِغْ أَبَا يَحْيَى إِذَا مَا لَقِيتَهُ عَلَى الْعِيسِ فِي آبَاطِهَا عَرَقٌ يَبْسُ بِأَنَّ السُّلَامِيَّ الَّذِي بِضَرِيَّةٍ أَمِيرَ الْحِمَى ، قَدْ بَاعَ حَقِّي ، بَنِي عَبْسِ بِثَوْبٍ وَدِينَارٍ وَشَاةٍ وَدِرْهَمٍ فَهَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ بِمَا هَهُنَا رَأْسُ
فَأَوْلَيْتُ " هَلْ " " هُوَ " لِطَلَبِهَا الِاسْمَ الْعِمَادَ .
[2/314]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ : فَلَيْسَ لِمَنْ قَتَلَ مِنْكُمْ قَتِيلًا ؛ فَكَفَرَ بِقَتْلِهِ إِيَّاهُ ، بِنَقْضِ عَهْدِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ فِي التَّوْرَاةِ - وَأَخْرَجَ مِنْكُمْ فَرِيقًا مِنْ دِيَارِهِمْ مُظَاهِرًا عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا وَخِلَافًا لِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى مُوسَى (نبي)جَزَاءً - يَعْنِي " بِالْجَزَاءِ " : الثَّوَابَ ، وَهُوَ الْعِوَضُ مِمَّا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ وَالْأَجْرُ عَلَيْهِ - إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . وَ " الْخِزْيُ " : الذُّلُّ وَالصَّغَارُ ، يُقَالُ مِنْهُ : " خَزِيَ الرَّجُلُ يَخْزَى خِزْيًا " ، ( فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ، يَعْنِي : فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ .
ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي الْخِزْيِ الَّذِي أَخْزَاهُمُ اللَّهُ بِمَا سَلَفَ مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : ذَلِكَ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ أَخْذِ الْقَاتِلِ بِمَنْ قَتَلَ ، وَالْقَوَدِ بِهِ قِصَاصًا ، وَالِانْتِقَامِ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ ، هُوَ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ مَا أَقَامُوا عَلَى دِينِهِمْ ، ذِلَّةً لَهُمْ وَصِغَارًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ الْخِزْيُ الَّذِي جُوزُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا : إِخْرَاجُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّضِيرَ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ، وَقَتْلُ مُقَاتِلَةِ قُرَيْظَةَ وَسَبْيُ ذَرَارِيهِمْ ، فَكَانَ ذَلِكَ خِزْيًا فِي الدُّنْيَا ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ .
[2/315]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُرَدُّ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ - بَعْدَ الْخِزْيِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ فِي الدُّنْيَا جَزَاءً عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ - إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ الَّذِي أَعَدَّ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدَّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا .
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ قَائِلٍ ذَلِكَ . ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - إِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ مَعَانِي الْعَذَابِ ، وَلِذَلِكَ أَدْخَلَ فِيهِ " الْأَلِفَ وَاللَّامَ " ؛ لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ جِنْسَ الْعَذَابِ كُلِّهِ ، دُونَ نَوْعٍ مِنْهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 85 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ : ( وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) بِ " الْيَاءِ " ، عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ ، فَكَأَنَّهُمْ نَحَّوْا بِقِرَاءَتِهِمْ مَعْنَى : فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ، يَعْنِي : عَمَّا يَعْمَلُهُ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ جَزَاءٌ عَلَى فِعْلِهِمْ إِلَّا الْخِزْيُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَمَرْجِعُهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ .
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بِ " التَّاءِ " عَلَى وَجْهِ الْمُخَاطَبَةِ . [2/316]قَالَ : فَكَأَنَّهُمْ نَحَّوْا بِقِرَاءَتِهِمْ : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ . وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ ، يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، عَمَّا تَعْمَلُونَ أَنْتُمْ .
وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِ " الْيَاءِ " ، اتِّبَاعًا لِقَوْلِهِ : فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ ، وَلِقَوْلِهِ : ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ إِلَى ذَلِكَ ، أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى قَوْلِهِ : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ، فَاتِّبَاعُهُ الْأَقْرَبَ إِلَيْهِ ، أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهِ بِالْأَبْعَدِ مِنْهُ ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ .
وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ " ، وَمَا اللَّهُ بِسَاهٍ عَنْ أَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ ، بَلْ هُوَ مُحْصٍ لَهَا وَحَافِظُهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُجَازِيَهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ ، وَيُخْزِيَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، فَيُذِلَّهُمْ وَيَفْضَحَهُمْ .