تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَجَعَلْنَاهَا "

ج 2
ص 176

الآية المفسَّرة

فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 2 · ص 176

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَجَعَلْنَاهَا ( 66 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ " الْهَاءِ وَالْأَلِفِ " فِي قَوْلِهِ : ( فَجَعَلْنَاهَا ) ، وَعَلَامَ هِيَ عَائِدَةٌ ؟ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا مَا : -
1151 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَجَعَلْنَاهَا ) فَجَعَلْنَا تِلْكَ الْعُقُوبَةَ - وَهِيَ الْمَسْخَةُ - " نَكَالًا " .
فَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ مِنْ قَوْلِهِ : ( فَجَعَلْنَاهَا ) - عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا - كِنَايَةٌ [2/176]عَنِ " الْمَسْخَةِ " ، وَهِيَ " فَعْلَةٌ " مَسَخَهُمُ اللَّهُ مَسْخَةً .
فَمَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ : فَقُلْنَا لَهُمْ : كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ، فَصَارُوا قِرَدَةً مَمْسُوخِينَ ، ( فَجَعَلْنَاهَا ) ، فَجَعَلْنَا عُقُوبَتَنَا وَمَسْخَنَا إِيَّاهُمْ ، نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ .
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ مِنْ قَوْلَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مَا : -
1151 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَجَعَلْنَاهَا ) ، يَعْنِي الْحِيتَانَ .
وَ " الْهَاءُ وَالْأَلِفُ " - عَلَى هَذَا الْقَوْلِ - مِنْ ذِكْرِ الْحِيتَانِ ، وَلَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ . وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي الْخَبَرِ دَلَالَةٌ ، كُنِّيَ عَنْ ذِكْرِهَا . وَالدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : فَجَعَلْنَا الْقَرْيَةَ الَّتِي اعْتَدَى أَهْلُهَا فِي السَّبْتِ . فَ " الْهَاءُ " وَ " الْأَلِفُ " - فِي قَوْلِ هَؤُلَاءِ - كِنَايَةٌ عَنْ قَرْيَةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ مُسِخُوا .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ فَجَعَلْنَا الْقِرَدَةَ الَّذِينَ مُسِخُوا " نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا " ، فَجَعَلُوا " الْهَاءَ وَالْأَلِفَ " كِنَايَةً عَنِ الْقِرَدَةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : ( فَجَعَلْنَاهَا ) ، يَعْنِي بِهِ : فَجَعَلْنَا الْأُمَّةَ الَّتِي اعْتَدَتْ فِي السَّبْتِ " نَكَالًا " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى نَكَالا
وَ " النَّكَالُ " مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " نَكَّلَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ تَنْكِيلًا وَنَكَالًا " . وَأَصِلُ " النَّكَالِ " ، الْعُقُوبَةُ ، كَمَا قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ الْعِبَادِيُّ :
[2/177]لَا يَسْخَطُ الضِّلِّيلُ مَا يَسَعُ الْعَبْ دَ وَلَا فِي نَكَالِهِ تَنْكِيرُ
وَبِمَثَلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ رُوِيَ الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :
1152 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( نَكَالًا ) يَقُولُ : عُقُوبَةً .
1153 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : ( فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا ) ، أَيْ عُقُوبَةً .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : -
1154 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ) يَقُولُ : لِيَحْذَرَ مَنْ بَعْدَهُمْ عُقُوبَتِي . ( وَمَا خَلْفَهَا ) ، يَقُولُ : الَّذِينَ كَانُوا بَقُوا مَعَهُمْ .
1155 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ، لِمَا خَلَا لَهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ ، ( وَمَا خَلْفَهَا ) ، أَيْ عِبْرَةً لِمَنْ بَقِيَ مِنَ النَّاسِ .
[2/178]وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا :
1156 - حَدَّثَنِي ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ ، حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ، أَيْ مِنَ الْقُرَى .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : -
1157 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ اللَّهُ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا - مِنَ ذُنُوبِ الْقَوْمِ - ( وَمَا خَلْفَهَا ) ، أَيْ لِلْحِيتَانِ الَّتِي أَصَابُوا .
1158 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ) ، مِنْ ذُنُوبِهَا ، ( وَمَا خَلْفَهَا ) ، مِنَ الْحِيتَانِ .
1159 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ) ، مَا مَضَى مِنْ خَطَايَاهُمْ إِلَى أَنْ هَلَكُوا بِهِ .
1160 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ، يَقُولُ : " بَيْنَ يَدَيْهَا " ، مَا مَضَى مِنْ خَطَايَاهُمْ ، ( وَمَا خَلْفَهَا ) خَطَايَاهُمُ الَّتِي هَلَكُوا بِهَا .
1161 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ - إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : ( وَمَا خَلْفَهَا ) ، خَطِيئَتُهُمُ الَّتِي هَلَكُوا بِهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : -
1162 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا قَالَ : أَمَّا " مَا بَيْنَ يَدَيْهَا " فَمَا سَلَفَ مِنْ عَمَلِهِمْ ، ( وَمَا خَلْفَهَا ) ، فَمَنْ كَانَ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ ، أَنْ يَعْصُوا فَيَصْنَعُ اللَّهُ بِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ .
[2/179]وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : -
1163 - حَدَّثَنِي بِهِ ابْنُ سَعْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ ، فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ، يَعْنِي الْحِيتَانَ ، جَعَلَهَا نَكَالًا " لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا " ، مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي عَمِلُوا قَبْلَ الْحِيتَانِ ، وَمَا عَمِلُوا بَعْدَ الْحِيتَانِ . فَذَلِكَ قَوْلُهُ : لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، مَا رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَذَلِكَ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ " الْهَاءَ وَالْأَلِفَ " - فِي قَوْلِهِ : ( فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا ) - بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْعُقُوبَةِ وَالْمَسْخَةِ الَّتِي مَسَخَهَا الْقَوْمَ ، أَوْلَى مِنْهَا بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِهَا . مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا يُحَذِّرُ خَلْقَهُ بَأْسَهُ وَسَطْوَتَهُ ، بِذَلِكَ يُخَوِّفُهُمْ . وَفِي إِبَانَتِهِ عَزَّ ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : ( نَكَالًا ) : أَنَّهُ عَنَى بِهِ الْعُقُوبَةَ الَّتِي أَحَلَّهَا بِالْقَوْمِ - مَا يُعْلِمُ أَنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ : ( فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا ) ، فَجَعَلْنَا عُقُوبَتَنَا الَّتِي أَحْلَلْنَاهَا بِهِمْ عُقُوبَةً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا - دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَعَانِي . وَإِذْ كَانَتِ " الْهَاءُ وَالْأَلِفُ " - بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْمَسْخَةِ وَالْعُقُوبَةِ ، أَوْلَى مِنْهَا بِأَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِهَا ; فَكَذَلِكَ الْعَائِدُ فِي قَوْلِهِ : لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا مِنَ " الْهَاءِ وَالْأَلِفِ " : أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِكْرِ " الْهَاءِ وَالْأَلِفِ " اللَّتَيْنِ فِي قَوْلِهِ : ( فَجَعَلْنَاهَا ) ، أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِهِ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ - إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا - : فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ، فَجَعَلْنَا عُقُوبَتَنَا لَهُمْ عُقُوبَةً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ ذُنُوبِهِمُ السَّالِفَةِ مِنْهُمْ ، بِمَسْخِنَا إِيَّاهُمْ وَعُقُوبَتِنَا لَهُمْ - وَلِمَا خَلْفَ عُقُوبَتِنَا لَهُمْ مِنْ أَمْثَالِ ذُنُوبِهِمْ : أَنْ يَعْمَلَ بِهَا عَامِلٌ ، [2/180]فَيُمْسَخُوا مِثْلَ مَا مُسِخُوا ، وَأَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ ، تَحْذِيرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ : أَنْ يَأْتُوا مِنْ مَعَاصِيهِ مِثْلَ الَّذِي أَتَى الْمَمْسُوخُونَ ، فَيُعَاقَبُوا عُقُوبَتَهُمْ .
وَأَمَّا الَّذِي قَالَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ : ( فَجَعَلْنَاهَا ) ، يَعْنِي الْحِيتَانَ ، عُقُوبَةً لِمَا بَيْنَ يَدَيِ الْحِيتَانِ مِنْ ذُنُوبِ الْقَوْمِ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ - فَإِنَّهُ أَبْعَدُ فِي الِانْتِزَاعِ . وَذَلِكَ أَنَّ الْحِيتَانَ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ فَيُقَالُ : ( فَجَعَلْنَاهَا ) . فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَرَى لِلْحِيتَانِ ذِكْرٌ - لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُكَنِّي عَنِ الِاسْمِ وَلَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُتْرَكَ الْمَفْهُومُ مِنْ ظَاهِرِ الْكِتَابِ - وَالْمَعْقُولُ بِهِ ظَاهِرٌ فِي الْخِطَابِ وَالتَّنْزِيلِ - إِلَى بَاطِنٍ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ مِنْ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ ، وَلَا خَبَرَ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْقُولٌ ، وَلَا فِيهِ مِنَ الْحُجَّةِ إِجْمَاعٌ مُسْتَفِيضٌ .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ : لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنَ الْقُرَى وَمَا خَلْفَهَا ، فَيُنْظَرُ إِلَى تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ : بِمَا بَيْنَ يَدَيِ الْحِيتَانِ وَمَا خَلْفَهَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَمَوْعِظَةً )
وَ " الْمَوْعِظَةُ " ، مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " وَعَظْتُ الرَّجُلَ أَعِظُهُ وَعْظًا وَمَوْعِظَةً " ، إِذَا ذَكَرْتُهُ .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ : فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَتَذْكِرَةً لِلْمُتَّقِينَ ، لِيَتَّعِظُوا بِهَا ، وَيَعْتَبِرُوا ، وَيَتَذَكَّرُوا بِهَا ، كَمَا : -
1164 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا [2/181]بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَمَوْعِظَةً ) يَقُولُ : وَتَذْكِرَةً وَعِبْرَةً لِلْمُتَّقِينَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( لِلْمُتَّقِينَ ( 66 )
وَأَمَّا " الْمُتَّقُونَ " ، فَهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا ، بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ ، كَمَا : -
1165 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ، يَقُولُ : لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ وَيَعْمَلُونَ بِطَاعَتِي .
فَجَعَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَا أَحَلَّ بِالَّذِينِ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ مِنْ عُقُوبَتِهِ ، مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ خَاصَّةً ، وَعِبْرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ، دُونَ الْكَافِرِينَ بِهِ - إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ - ، كَالَّذِي : -
1166 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ ، حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
1167 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) ، أَيْ : بَعْدَهُمْ .
1168 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ .
1169 - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَمَّا " مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ " ، فَهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
1170 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : ( وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) ، قَالَ : فَكَانَتْ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ خَاصَّةً . [2/182]1171 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) ، أَيْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ .