تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ "

ج 2
ص 162

الآية المفسَّرة

ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 2 · ص 162

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ( 64 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ) : ثُمَّ أَعْرَضْتُمْ . وَإِنَّمَا هُوَ " تَفَعَّلْتُمْ " مِنْ قَوْلِهِمْ : " وَلَّانِي فُلَانٌ دُبَرَهُ " إِذَا اسْتَدْبَرَ عَنْهُ وَخَلَّفَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ . ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ تَارِكِ طَاعَةِ أَمْرٍ بِهَا ، وَمُعْرِضٍ بِوَجْهِهِ . يُقَالُ : " قَدْ تَوَلَّى فُلَانٌ عَنْ طَاعَةِ فُلَانٍ ، وَتَوَلَّى عَنْ مُوَاصَلَتِهِ " ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [ التَّوْبَةِ : 76 ] ، يَعْنِي بِذَلِكَ : خَالَفُوا مَا كَانُوا وَعَدُوا اللَّهَ مِنْ قَوْلِهِمْ : لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [2/163][ التَّوْبَةِ : 75 ] ، وَنَبَذُوا ذَلِكَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ .
وَمِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ اسْتِعَارَةُ الْكَلِمَةِ وَوَضْعُهَا مَكَانَ نَظِيرِهَا ، كَمَا قَالَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيُّ :
فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدَّارِ يَا أُمَّ مَالِكٍ وَلَكِنْ أَحَاطَتْ بِالرِّقَابِ السَّلَاسِلُ وَعَادَ الْفَتَى كَالْكَهْلِ لَيْسَ بِقَائِلٍ سِوَى الْحَقِّ شَيْئًا وَاسْتَرَاحَ الْعَوَاذِلُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " أَحَاطَتْ بِالرِّقَابِ السَّلَاسِلُ " ، أَنَّ الْإِسْلَامَ صَارَ - فِي مَنْعِهِ إِيَّانَا مَا كُنَّا نَأْتِيهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا فِي الْإِسْلَامِ - بِمَنْزِلَةِ السَّلَاسِلِ الْمُحِيطَةِ بِرِقَابِنَا ، الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ مَنْ كَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ مَعَ الْغِلِّ الَّذِي فِي يَدِهِ ، وَبَيْنَ مَا حَاوَلَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ .
وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ، [2/164]يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّكُمْ تَرَكْتُمُ الْعَمَلَ بِمَا أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَعُهُودَكُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ ، بَعْدَ إِعْطَائِكُمْ رَبَّكُمُ الْمَوَاثِيقَ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ ، وَالْقِيَامِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ فِي كِتَابِكُمْ ، فَنَبَذْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ .
وَكَنَّى بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : " ذَلِكَ " ، عَنْ جَمِيعِ مَا قَبْلَهُ فِي الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، أَعْنِي قَوْلَهُ : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ نَكْثِكُمُ الْمِيثَاقَ الَّذِي وَاثَقْتُمُوهُ - إِذْ رَفَعَ فَوْقَكُمُ الطُّورَ - بِأَنَّكُمْ تَجْتَهِدُونَ فِي طَاعَتِهِ ، وَأَدَاءِ فَرَائِضِهِ ، وَالْقِيَامِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ ، وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ فِي الْكُتَّابِ الَّذِي آتَاكُمْ ، فَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِالْإِسْلَامِ وَرَحْمَتِهِ الَّتِي رَحِمَكُمْ بِهَا - وَتَجَاوَزَ عَنْكُمْ خَطِيئَتَكُمُ الَّتِي رَكِبْتُمُوهَا - بِمُرَاجَعَتِكُمْ طَاعَةَ رَبِّكُمْ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ .
وَهَذَا ، وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِمَنْ كَانَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَيَّامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ أَسْلَافِهِمْ ، فَأَخْرَجَ الْخَبَرَ مَخْرَجَ الْمُخْبَرِ عَنْهُمْ - عَلَى نَحْوِ مَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى ، مِنْ أَنَّ الْقَبِيلَةَ مِنَ الْعَرَبِ تُخَاطِبُ الْقَبِيلَةَ عِنْدَ الْفَخَّارِ أَوْ غَيْرِهِ ، بِمَا مَضَى مِنْ فِعْلِ أَسْلَافِ الْمُخَاطِبِ بِأَسْلَافِ الْمُخَاطَبِ ، فَتُضِيفُ فِعْلَ أَسْلَافِ الْمُخَاطِبِ إِلَى نَفْسِهَا ، فَتَقُولُ : فَعَلْنَا بِكُمْ ، وَفَعَلْنَا بِكُمْ . وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ الشَّوَاهِدِ فِي ذَلِكَ مِنْ شِعْرِهِمْ فِيمَا مَضَى .
[2/165]وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْخِطَابَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ ، إِنَّمَا أُخْرِجَ بِإِضَافَةِ الْفِعْلِ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ بِهِ ، وَالْفِعْلُ لِغَيْرِهِمْ ، لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ مَنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَوَائِلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَصَيَّرَهُمُ اللَّهُ مِنْهُمْ مَنْ أَجْلِ وِلَايَتِهِمْ لَهُمْ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ سَامِعِيهِ كَانُوا عَالِمِينَ - وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ خَرَجَ خِطَابًا لِلْأَحْيَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ - أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَمَّا قَصَّ اللَّهُ مِنْ أَنْبَاءِ أَسْلَافِهِمْ . فَاسْتَغْنَى بِعِلْمِ السَّامِعِينَ بِذَلِكَ ، عَنْ ذِكْرِ أَسْلَافِهِمْ بِأَعْيَانِهِمْ . وَمِثْلُ ذَلِكَ يَقُولُ الشَّاعِرُ :
إِذْ مَا انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ ، وَلَمْ تَجِدِي مِنْ أَنْ تُقِرِّي بِهِ بُدًّا فَقَالَ : " إِذَا مَا انْتَسَبْنَا " ، وَ " إِذَا " تَقْتَضِي مِنَ الْفِعْلِ مُسْتَقْبَلًا ثُمَّ قَالَ : " لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ " ، فَأَخْبَرَ عَنْ مَاضٍ مِنَ الْفِعْلِ . وَذَلِكَ أَنَّ الْوِلَادَةَ قَدْ مَضَتْ وَتَقَدَّمَتْ . وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ - عِنْدَ الْمُحْتَجِّ بِهِ - لِأَنَّ السَّامِعَ قَدْ فَهِمَ مَعْنَاهُ . فَجَعَلَ مَا ذَكَرْنَا - مِنْ خِطَابِ اللَّهِ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِإِضَافَةِ أَفْعَالِ أَسْلَافِهِمْ إِلَيْهِمْ - نَظِيرَ ذَلِكَ .
وَالْأَوَّلُ الَّذِي قُلْنَا ، هُوَ الْمُسْتَفِيضُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ وَخِطَابِهَا .
[2/166]وَكَانَ أَبُو الْعَالِيَةِ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ - فِيمَا ذُكِرَ لَنَا - نَحْوَ الْقَوْلِ الَّذِي قُلْنَاهُ .
1136 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضِرِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ، قَالَ : " فَضْلُ اللَّهِ " ، الْإِسْلَامُ ، " وَرَحْمَتُهُ " ، الْقُرْآنُ .
1137 - وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ ، قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ [ عَنْ أَبِيهِ ] ، عَنِ الرَّبِيعِ بِمِثْلِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 64 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ إِيَّاكُمْ - بِإِنْقَاذِهِ إِيَّاكُمْ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْكُمْ مِنْ خَطِيئَتِكُمْ وَجُرْمِكُمْ - لَكُنْتُمُ الْبَاخِسِينَ أَنْفُسَكُمْ حُظُوظَهَا دَائِمًا ، الْهَالِكِينَ بِمَا اجْتَرَمْتُمْ مِنْ نَقْضِ مِيثَاقِكُمْ ، وَخِلَافِكُمْ أَمْرَهُ وَطَاعَتَهُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُنَا قَبْلُ بِالشَّوَاهِدِ ، عَنْ مَعْنَى " الْخَسَارِ " بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .