تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ . . "

ج 2
ص 124

الآية المفسَّرة

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 2 · ص 124

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ( 61 ) )
قَدْ دَلَّلْنَا - فِيمَا مَضَى قَبْلُ - عَلَى مَعْنَى " الصَّبْرِ " وَأَنَّهُ كَفُّ النَّفْسِ وَحَبْسُهَا عَنِ الشَّيْءِ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَعْنَى الْآيَةِ إِذًا : وَاذْكُرُوا إِذْ قُلْتُمْ - يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ - : لَنْ نُطِيقَ حَبْسَ أَنْفُسِنَا عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ - وَذَلِكَ " الطَّعَامُ الْوَاحِدُ " ، هُوَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ أَطْعَمَهُمُوهُ فِي تِيهِهِمْ ، وَهُوَ " السَّلْوَى " [2/125]فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ، وَفِي قَوْلِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ هُوَ " الْخُبْزُ النَّقِيُّ مَعَ اللَّحْمِ " - فَاسْأَلْ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنَ الْبَقْلِ وَالْقِثَّاءِ ، وَمَا سَمَّى اللَّهُ مَعَ ذَلِكَ ، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ مُوسَى (نبي).
وَكَانَ سَبَبُ مَسْأَلَتِهِمْ مُوسَى (نبي)ذَلِكَ فِيمَا بَلَغَنَا ، مَا : -
1054 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ قَالَ : كَانَ الْقَوْمُ فِي الْبَرِّيَّةِ قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامُ ، وَأُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى ، فَمَلُّوا ذَلِكَ ، وَذَكَرُوا عَيْشًا كَانَ لَهُمْ بِمِصْرَ (مكان)، فَسَأَلُوهُ مُوسَى (نبي). فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ .
1055 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ ، قَالَ : مَلُّوا طَعَامَهُمْ ، وَذَكَرُوا عَيْشَهُمُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ ، قَالُوا : فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا الْآيَةُ .
1056 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ ، قَالَ : كَانَ طَعَامُهُمُ السَّلْوَى ، وَشَرَابُهُمُ الْمَنُّ ، فَسَأَلُوا مَا ذُكِرَ ، فَقِيلَ لَهُمُ : اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَالَ قَتَادَةُ : إِنَّهُمْ لَمَّا قَدِمُوا الشَّامَ فَقَدُوا أَطْعِمَتَهُمُ الَّتِي كَانُوا يَأْكُلُونَهَا ، فَقَالُوا : فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ، وَكَانُوا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامُ ، وَأُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى ، فَمَلُّوا ذَلِكَ ، وَذَكَرُوا عَيْشًا كَانُوا فِيهِ بِمِصْرَ (مكان).
1057 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى [2/126]قَالَ ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نَجِيحٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ ، الْمَنُّ وَالسَّلْوَى ، فَاسْتَبْدَلُوا بِهِ الْبَقْلَ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ .
1058 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِمِثْلِهِ سَوَاءً .
1059 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِمِثْلِهِ .
1060 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أُعْطُوا فِي التِّيهِ مَا أُعْطُوا ، فَمَلُّوا ذَلِكَ وَقَالُوا : يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا .
1061 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ زَيْدٍ قَالَ : كَانَ طَعَامُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التِّيهِ وَاحِدًا ، وَشَرَابُهُمْ وَاحِدًا . كَانَ شَرَابُهُمْ عَسَلًا يَنْزِلُ لَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ الْمَنُّ ، وَطَعَامُهُمْ طَيْرٌ يُقَالُ لَهُ السَّلْوَى ، يَأْكُلُونَ الطَّيْرَ وَيَشْرَبُونَ الْعَسَلَ ، لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ خُبْزًا وَلَا غَيْرَهُ . فَقَالُوا : يَا مُوسَى (نبي)لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا " ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ .
وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ - وَلَمْ يَذْكُرِ الَّذِي سَأَلُوهُ أَنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ لِيَخْرُجَ لَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ ، فَيَقُولُ : قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجُ لَنَا كَذَا وَكَذَا مِمَّا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا - لِأَنَّ " مِنْ " تَأْتِي بِمَعْنَى التَّبْعِيضِ لِمَا بَعْدَهَا ، فَاكْتُفِيَ بِهَا عَنْ ذِكْرِ التَّبْعِيضِ ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا بِدُخُولِهَا مَعْنَى مَا أُرِيدَ بِالْكَلَامِ الَّذِي هِيَ فِيهِ . كَقَوْلِ الْقَائِلِ : أَصْبَحَ الْيَوْمَ عِنْدَ فُلَانٍ مِنَ الطَّعَامِ " يُرِيدُ شَيْئًا مِنْهُ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : " مِنْ " هَاهُنَا بِمَعْنَى الْإِلْغَاءِ وَالْإِسْقَاطِ . كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ [2/127]عِنْدَهُ : يُخْرِجُ لَنَا مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا . وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الْعَرَبِ : " مَا رَأَيْتُ مِنْ أَحَدٍ " بِمَعْنَى : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا ، وَبِقَوْلِ اللَّهِ : وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [ الْبَقَرَةِ : 271 ] ، وَبِقَوْلِهِمْ : " قَدْ كَانَ مِنْ حَدِيثٍ ، فَخَلِّ عَنِّي حَتَّى أَذْهَبَ " ، يُرِيدُونَ : قَدْ كَانَ حَدِيثٌ .
وَقَدْ أَنْكَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ جَمَاعَةٌ أَنْ تَكُونَ " مِنْ " بِمَعْنَى الْإِلْغَاءِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ ، وَادَّعَوْا أَنَّ دُخُولَهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ دَخَلَتْ فِيهِ ، مُؤْذِنٌ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مُرِيدٌ لِبَعْضِ مَا أُدْخِلَتْ فِيهِ لَا جَمِيعِهِ ، وَأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي مَوْضِعٍ إِلَّا لِمَعْنًى مَفْهُومٍ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا - عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ أَمْرِ " مِنْ " - : فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجُ لَنَا بَعْضَ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا .
وَ " الْبَقْلُ " وَ " الْقِثَّاءُ " وَ " الْعَدَسُ " وَ " الْبَصَلُ " ، هُوَ مَا قَدْ عَرَفَهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ وَحَبِّهَا .
وَأَمَّا " الْفُومُ " ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِيهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الْحِنْطَةُ وَالْخُبْزُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1062 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ وَمُؤَمَّلٌ قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : الْفُومُ : ، الْخُبْزُ .
1063 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : ( وَفُومِهَا ) قَالَا خُبْزَهَا .
1064 - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( وَفُومِهَا ) ، قَالَ : الْخُبْزُ . [2/128]1065 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ : الْفُومُ ، هُوَ الْحَبُّ الَّذِي يَخْتَبِزُهُ النَّاسُ .
1066 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ بِمِثْلِهِ .
1067 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَفُومِهَا ) قَالَ : الْحِنْطَةُ .
1068 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ عَنِ السُّدِّيِّ : ( وَفُومِهَا ) ، الْحِنْطَةُ .
1069 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ يُونُسِ ، عَنِ الْحَسَنِ وَحُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَفُومِهَا ) ، الْحِنْطَةُ .
1070 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : الْفُومُ ، الْحَبُّ الَّذِي يَخْتَبِزُ النَّاسُ مِنْهُ .
1071 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ لِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ قَوْلُهُ : ( وَفُومِهَا ) ، قَالَ : خُبْزُهَا ، قَالَهَا مُجَاهِدٌ .
1072 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ لِي ابْنُ زَيْدٍ : الْفُومُ ، الْخُبْزُ .
1073 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ السَّهْمِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَفُومِهَا ) يَقُولُ : الْحِنْطَةُ وَالْخُبْزُ .
1074 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَفُومِهَا ) قَالَ : هُوَ الْبُرُّ بِعَيْنِهِ ، الْحِنْطَةُ .
1075 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ الْجَرْمِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ رِشْدِينَ بْنِ كُرَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ [2/129]وَجَلَّ : ( وَفُومِهَا ) قَالَ : الْفُومُ ، الْحِنْطَةُ بِلِسَانِ بَنِي هَاشِمٍ .
1076 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ أَبِي نَعِيمٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ( وَفُومِهَا ) ، قَالَ : الْحِنْطَةُ ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ وَهُوَ يَقُولُ :
قَدْ كُنْتُ أَغْنَى النَّاسِ شَخْصًا وَاحِدًا وَرَدَ الْمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومِ
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الثُّومُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1077 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : هُوَ هَذَا الثُّومُ .
1078 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : الْفُومُ ، الثُّومُ .
وَهُوَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ " وَثُومِهَا " .
[2/130]وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْحِنْطَةِ وَالْخُبْزِ جَمِيعًا " فُومًا " مِنَ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ . حُكِيَ سَمَاعًا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ اللُّغَةِ : " فَوِّمُوا لَنَا " ، بِمَعْنَى اخْتَبِزُوا لَنَا .
وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : " وَثُومِهَا " بِالثَّاءِ . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا ، فَإِنَّهُ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُبْدَلَةِ كَقَوْلِهِمْ : " وَقَعُوا فِي عَاثُورِ شَرٍّ : وَعَافُورِ شَرٍّ " وَكَقَوْلِهِمْ " " لِلْأَثَافِيِّ ، أَثَاثِيُّ ; وَلِلْمَغَافِيرِ ، مَغَاثِيرُ " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا تُقْلَبُ الثَّاءُ فَاءً وَالْفَاءُ ثَاءً ، لِتَقَارُبِ مَخْرَجِ الْفَاءِ مِنْ مَخْرَجِ الثَّاءِ . وَ " الْمَغَافِيرُ " شَبِيهٌ بِالشَّيْءِ الْحُلْوِ ، يُشَبَّهُ بِالْعَسَلِ ، يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ حُلْوًا ، يَقَعُ عَلَى الشَّجَرِ وَنَحْوِهَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ : قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، قَالَ : لَهُمْ مُوسَى (نبي): أَتَأْخُذُونَ الَّذِي هُوَ أَخَسُّ خَطَرًا وَقِيمَةً وَقَدْرًا مِنَ الْعَيْشِ ، بَدَلًا بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ خَطَرًا وَقَيِمَةً وَقَدْرًا ؟ وَذَلِكَ كَانَ اسْتِبْدَالَهُمْ .
وَأَصْلُ " الِاسْتِبْدَالِ " : هُوَ تَرْكُ شَيْءٍ لِآخَرٍ غَيْرِهِ مَكَانَ الْمَتْرُوكِ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ( أَدْنَى ) أَخَسُّ وَأَوْضَعُ وَأَصْغَرُ قَدْرًا وَخَطَرًا . وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ : " هَذَا رَجُلٌ دَنِيٌّ بَيِّنُ الدَّنَاءَةِ " وَ " إِنَّهُ لَيُدَنِّي فِي الْأُمُورِ " بِغَيْرِ هَمْزٍ ، إِذَا كَانَ يَتَتَبَّعُ خَسِيسَهَا . وَقَدْ ذُكِرَ الْهَمْزُ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ ، سَمَاعًا مِنْهُمْ . يَقُولُونَ : " مَا كُنْتَ دَانِئًا ، وَلَقَدْ دَنَأَتْ ، وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ غَيْرِهِ ، أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ بَنِي كِلَابٍ يُنْشِدُ بَيْتَ الْأَعْشَى [2/131]بَاسِلَةُ الْوَقْعِ سَرَابِيلُهَا بَيْضٌ إِلَى دَانِئِهَا الظَّاهِرِ بِهَمْزِ الدَّانِئِ ، وَأَنَّهُ سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ : " إِنَّهُ لَدَانِئٌ خَبِيثٌ " بِالْهَمْزِ . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنْهُمْ صَحِيحًا ، فَالْهَمْزُ فِيهِ لُغَةٌ ، وَتَرْكُهُ أُخْرَى .
وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنِ اسْتَبْدَلَ بِالْمَنِّ وَالسَّلْوَى الْبَقْلَ وَالْقِثَّاءَ وَالْعَدَسَ وَالْبَصَلَ وَالثُّومَ ، فَقَدِ اسْتَبْدَلَ الْوَضِيعَ مِنَ الْعَيْشِ بِالرَّفِيعِ مِنْهُ .
وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ : ( الَّذِي هُوَ أَدْنَى ) بِمَعْنَى : الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ ، وَوَجْهُ قَوْلِهِ : ( أَدْنَى ) ، إِلَى أَنَّهُ أَفْعَلُ مِنَ " الدُّنُوِّ " الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْقُرْبِ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : الَّذِي هُوَ أَدْنَى قَالَهُ عَدَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1079 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، يَقُولُ : أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ شَرٌّ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ .
1080 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ [2/132]عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : الَّذِي هُوَ أَدْنَى قَالَ : أَرْدَأُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ
وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ : فَدَعَا مُوسَى ، (نبي)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ، فَقُلْنَا لَهُمُ : " اهْبِطُوا مِصْرًا " ، وَهُوَ مِنَ الْمَحْذُوفِ الَّذِي اجْتُزِئَ بِدَلَالَةِ ظَاهِرِهِ عَلَى ذِكْرِ مَا حُذِفَ وَتُرِكَ مِنْهُ .
وَقَدْ دَلَّلْنَا - فِيمَا مَضَى - عَلَى أَنَّ مَعْنَى " الْهُبُوطِ " إِلَى الْمَكَانِ ، إِنَّمَا هُوَ النُّزُولُ إِلَيْهِ وَالْحُلُولُ بِهِ .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى (نبي)لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ ، فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا . قَالَ لَهُمْ مُوسَى (نبي): أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَخَسُّ وَأَرْدَأُ مِنَ الْعَيْشِ ، بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ . فَدَعَا لَهُمْ مُوسَى (نبي)رَبَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مَا سَأَلُوهُ ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ دُعَاءَهُ ، فَأَعْطَاهُمْ مَا طَلَبُوا ، وَقَالَ اللَّهُ لَهُمُ : اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ( مِصْرًا ) فَقَرَأَهُ عَامَّةُ الْقَرَأَةِ : " مِصْرًا " بِتَنْوِينِ " الْمِصْرِ " وَإِجْرَائِهِ . وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ بِتَرْكِ التَّنْوِينِ وَحَذْفِ الْأَلِفِ مِنْهُ . فَأَمَّا الَّذِينَ نَوَّنُوهُ وَأَجْرَوْهُ ، فَإِنَّهُمْ عَنَوْا بِهِ مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ ، لَا مِصْرًا بِعَيْنِهِ . فَتَأْوِيلُهُ - عَلَى قِرَاءَتِهِمُ - : اهْبِطُوا مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ ، لِأَنَّكُمْ فِي الْبَدْوِ ، وَالَّذِي طَلَبْتُمْ لَا يَكُونُ فِي الْبَوَادِي وَالْفَيَافِي ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ ، فَإِنَّ لَكُمْ - إِذَا هَبَطْتُمُوهُ - مَا سَأَلْتُمْ مِنَ الْعَيْشِ . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ [2/133]بِالْإِجْرَاءِ وَالتَّنْوِينِ ، كَانَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ عِنْدَهُ : " اهْبِطُوا مِصْرًا " الْبَلْدَةَ الَّتِي تُعْرَفُ بِهَذَا الِاسْمِ ، وَهِيَ " مِصْرُ " الَّتِي خَرَجُوا عَنْهَا . غَيْرَ أَنَّهُ أَجْرَاهَا وَنَوَّنَهَا اتِّبَاعًا مِنْهُ خَطَّ الْمُصْحَفِ ، لِأَنَّ فِي الْمُصْحَفِ أَلِفًا ثَابِتَةً فِي " مِصْرَ (مكان)" ، فَيَكُونُ سَبِيلُ قِرَاءَتِهِ ذَلِكَ بِالْإِجْرَاءِ وَالتَّنْوِينِ ، سَبِيلَ مَنْ قَرَأَ : ( قَوَارِيرَا قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ ) [ الْإِنْسَانِ : 15 - 16 ] مُنَوَّنَةً اتِّبَاعًا مِنْهُ خَطَّ الْمُصْحَفِ . وَأَمَّا الَّذِي لَمْ يُنَوِّنْ " مِصْرَ " فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ عَنَى " مِصْرَ (مكان)" الَّتِي تُعْرَفُ بِهَذَا الِاسْمِ بِعَيْنِهَا دُونَ سَائِرِ الْبُلْدَانِ غَيْرِهَا .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ ، نَظِيرَ اخْتِلَافِ الْقَرَأَةِ فِي قِرَاءَتِهِ .
1081 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : اهْبِطُوا مِصْرًا ، أَيْ مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ ، فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ .
1082 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : اهْبِطُوا مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ ، فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ . فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ التِّيهِ ، رُفِعَ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى وَأَكَلُوا الْبُقُولَ .
1083 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنِي آدَمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : اهْبِطُوا مِصْرًا قَالَ : يَعْنِي مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ .
1084 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : اهْبِطُوا مِصْرًا قَالَ : مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ . زَعَمُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَرْجِعُوا إِلَى مِصْرَ (مكان).
1085 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : اهْبِطُوا مِصْرًا ، قَالَ : مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ . وَ " مِصْرُ " لَا تُجْرَى فِي الْكَلَامِ . فَقِيلَ : أَيُّ مِصْرٍ . فَقَالَ : الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [ الْمَائِدَةِ : 21 ] .
[2/134]وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ مِصْرُ (مكان)الَّتِي كَانَ فِيهَا فِرْعَوْنُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1086 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : اهْبِطُوا مِصْرًا قَالَ : يَعْنِي بِهِ مِصْرَ (مكان)فِرْعَوْنَ .
1087 - حَدَّثَنَا عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلِهِ .
وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : اهْبِطُوا مِصْرًا ، مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ دُونَ " مِصْرَ (مكان)" فِرْعَوْنَ بِعَيْنِهَا - : أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ أَرْضَ الشَّامِ (مكان)لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مَسَاكِنَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُمْ مِنْ مِصْرَ (مكان). وَإِنَّمَا ابْتَلَاهُمْ بِالتِّيهِ بِامْتِنَاعِهِمْ عَلَى مُوسَى (نبي)فِي حَرْبِ الْجَبَابِرَةِ ، إِذْ قَالَ لَهُمْ : يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ [ الْمَائِدَةِ : 21 - 24 ] ، فَحَرَّمَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَلَى قَائِلِي ذَلِكَ - فِيمَا ذَكَرَ لَنَا - دُخُولَهَا حَتَّى هَلَكُوا فِي التِّيهِ . وَابْتَلَاهُمْ بِالتَّيَهَانِ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، ثُمَّ أَهْبَطَ ذُرِّيَّتَهُمُ الشَّأْمَ ، فَأَسْكَنَهُمُ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ، وَجَعَلَ هَلَاكَ الْجَبَابِرَةِ عَلَى أَيْدِيهِمْ مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ - بَعْدَ وَفَاةِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (نبي). فَرَأَيْنَا اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُ كَتَبَ لَهُمُ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ، وَلَمْ يُخْبِرْنَا عَنْهُمْ أَنَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى مِصْرَ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ إِيَّاهُمْ مِنْهَا ، فَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْرَأَ : " اهْبِطُوا مِصْرَ " ، وَنَتَأَوَّلُهُ أَنَّهُ رَدَّهُمْ إِلَيْهَا . [2/135]قَالُوا : فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [ الشُّعَرَاءِ : 57 - 59 ] قِيلَ لَهُمْ : فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَوْرَثَهُمْ ذَلِكَ ، فَمَلَّكَهُمْ إِيَّاهَا وَلَمْ يَرُدَّهُمْ إِلَيْهَا ، وَجَعَلَ مَسَاكِنَهُمُ الشَّأْمَ (مكان).
وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ : اهْبِطُوا مِصْرًا مِصْرَ (مكان); فَإِنَّ مِنْ حُجَّتِهِمُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا الْآيَةَ الَّتِي قَالَ فِيهَا : فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [ الشُّعَرَاءِ : 57 - 59 ] وَقَوْلُهُ : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ [ الدُّخَانِ : 25 - 28 ] ، قَالُوا : فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ قَدْ وَرَّثَهُمْ ذَلِكَ وَجَعَلَهَا لَهُمْ ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرِثُونَهَا ثُمَّ لَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا . قَالُوا : وَلَا يَكُونُونَ مُنْتَفِعِينَ بِهَا إِلَّا بِمَصِيرِ بَعْضِهِمْ إِلَيْهَا ، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا ، إِنْ لَمْ يَصِيرُوا ، أَوْ يَصِرْ بَعْضُهُمْ إِلَيْهَا . قَالُوا : وَأُخْرَى ، أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : " اهْبِطُوا مِصْرَ " بِغَيْرِ أَلِفٍ . قَالُوا : فَفِي ذَلِكَ الدَّلَالَةُ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا " مِصْرُ (مكان)" بِعَيْنِهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي نَقُولُ بِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى الصَّوَابِ مِنْ هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ ، وَلَا خَبَرَ بِهِ عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْطَعُ مَجِيئُهُ الْعُذْرَ . وَأَهْلُ التَّأْوِيلِ مُتَنَازِعُونَ تَأْوِيلَهُ ، فَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ مُوسَى (نبي)سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُعْطِيَ قَوْمَهُ مَا سَأَلُوهُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ - عَلَى مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ فِي كِتَابِهِ - وَهُمْ فِي الْأَرْضِ تَائِهُونَ ، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لِمُوسَى (نبي)دُعَاءَهُ ، وَأَمْرَهُ أَنْ يَهْبِطَ بِمَنْ مَعَهُ مَنْ قَوْمِهِ [2/136]قَرَارًا مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي تُنْبِتُ لَهُمْ مَا سَأَلَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ ، إِذْ كَانَ الَّذِي سَأَلُوهُ لَا تُنْبِتُهُ إِلَّا الْقُرَى وَالْأَمْصَارُ ، وَأَنَّهُ قَدْ أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ إِذْ صَارُوا إِلَيْهِ . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَرَارُ " مِصْرَ (مكان)" ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ " الشَّأْمَ (مكان)" .
فَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فَإِنَّهَا بِالْأَلْفِ وَالتَّنْوِينِ : اهْبِطُوا مِصْرًا وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا يَجُوزُ عِنْدِي غَيْرُهَا ، لِاجْتِمَاعِ خُطُوطِ مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ ، وَاتِّفَاقِ قِرَاءَةِ الْقَرَأَةِ عَلَى ذَلِكَ . وَلَمْ يَقْرَأْ بِتَرْكِ التَّنْوِينِ فِيهِ وَإِسْقَاطِ الْأَلِفِ مِنْهُ ، إِلَّا مَنْ لَا يَجُوزُ الِاعْتِرَاضُ بِهِ عَلَى الْحُجَّةِ ، فِيمَا جَاءَتْ بِهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ مُسْتَفِيضًا بَيْنَهُمَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( وَضُرِبَتْ ) أَيْ فُرِضَتْ . وَوُضِعَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَأُلْزِمُوهَا . مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " ضَرَبَ الْإِمَامُ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ " وَ " ضَرَبَ الرَّجُلُ عَلَى عَبْدِهِ الْخَرَاجَ " يَعْنِي بِذَلِكَ وَضَعَهُ فَأَلْزَمَهُ إِيَّاهُ ، وَمِنْ قَوْلِهِمْ : " ضَرَبَ الْأَمِيرُ عَلَى الْجَيْشِ الْبَعْثَ " ، يُرَادُ بِهِ : أُلْزِمُهُمُوهُ .
وَأَمَّا " الذِّلَّةُ " فَهِيَ " الْفِعْلَةُ " مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : ذَلَّ فُلَانٌ يَذِلُّ ذُلًّا وَذِلَّةً " ، كَ " الصِّغْرَةِ " مِنْ " صَغُرَ الْأَمْرُ " ، وَ " الْقِعْدَةُ " مِنْ " قَعَدَ " .
وَ " الذِّلَّةُ " هِيَ الصَّغَارُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَا يُعْطُوهُمْ أَمَانًا عَلَى الْقَرَارِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ بِهِ وَبِرَسُولِهِ - إِلَّا أَنْ يَبْذُلُوا الْجِزْيَةَ عَلَيْهِ لَهُمْ ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [2/137][ التَّوْبَةِ : 29 ] كَمَا : -
1088 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ ، قَالَا يُعْطُونَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ .
وَأَمَّا " الْمَسْكَنَةُ " فَإِنَّهَا مَصْدَرُ " الْمِسْكِينِ " . يُقَالُ : " مَا فِيهِمْ أَسْكَنُ مِنْ فُلَانٍ " وَ " مَا كَانَ مِسْكِينًا " وَ " لَقَدْ تَمَسْكَنَ مَسْكَنَةً " . وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ : " تَمَسْكَنَ تَمَسْكُنًا " . وَ " الْمَسْكَنَةُ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَسْكَنَةُ الْفَاقَةِ وَالْحَاجَةِ ، وَهِيَ خُشُوعُهَا وَذُلُّهَا ، كَمَا : -
1089 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : ( وَالْمَسْكَنَةُ ) قَالَ : الْفَاقَةُ .
1090 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلُهُ : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ، قَالَ : الْفَقْرُ .
1091 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ، قَالَ : هَؤُلَاءِ يَهُودُ بَنِي إِسْرَائِيلَ . قُلْتُ لَهُ : هُمْ قِبْطُ مِصْرَ (مكان)؟ قَالَ : وَمَا لِقِبْطِ مِصْرَ (مكان)وَهَذَا ، لَا وَاللَّهِ مَا هُمْ هُمْ ، وَلَكِنَّهُمُ الْيَهُودُ ، يَهُودُ بَنِي إِسْرَائِيلَ .
فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ يُبَدِّلُهُمْ بِالْعِزِّ ذُلًّا وَبِالنِّعْمَةِ بُؤْسًا ، وَبِالرِّضَا عَنْهُمْ غَضَبًا ، جَزَاءً مِنْهُ لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِآيَاتِهِ ، وَقَتْلِهِمْ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ ، اعْتِدَاءً وَظُلْمًا مِنْهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَعِصْيَانِهِمْ لَهُ ، وَخِلَافًا عَلَيْهِ .
[2/138]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ، انْصَرَفُوا وَرَجَعُوا . وَلَا يُقَالُ " بَاؤُوا " إِلَّا مَوْصُولًا إِمَّا بِخَيْرٍ ، وَإِمَّا بِشَرٍّ . يُقَالُ مِنْهُ : " بَاءَ فُلَانٌ بِذَنْبِهِ يَبُوءُ بِهِ بَوْءًا وَبَوَاءً " . وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [ الْمَائِدَةِ : 29 ] يَعْنِي : تَنْصَرِفُ مُتَحَمِّلَهُمَا وَتَرْجِعُ بِهِمَا ، قَدْ صَارَا عَلَيْكَ دُونِي .
فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا : وَرَجَعُوا مُنْصَرِفِينَ مُتَحَمِّلِينَ غَضَبَ اللَّهِ ، قَدْ صَارَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ غَضَبٌ ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ سُخْطٌ . كَمَا : -
1092 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ فَحَدَثَ عَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ .
1093 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ قَالَ : اسْتَحَقُّوا الْغَضَبَ مِنَ اللَّهِ .
وَقَدَّمْنَا مَعْنَى غَضَبِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
[2/139]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " ذَلِكَ " ضَرْبَ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ عَلَيْهِمْ ، وَإِحْلَالَهُ غَضَبَهُ بِهِمْ . فَدَلَّ بِقَوْلِهِ : " ذَلِكَ " - وَهِيَ يَعْنِي بِهِ مَا وَصَفْنَا - عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ : " ذَلِكَ يَشْمَلُ الْمَعَانِيَ الْكَثِيرَةَ إِذَا أُشِيرَ بِهِ إِلَيْهَا .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ . يَقُولُ : فَعَلْنَا بِهِمْ - مِنْ إِحْلَالِ الذُّلِّ وَالْمَسْكَنَةِ وَالسُّخْطِ بِهِمْ - مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، كَمَا قَالَ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ :
مَلِيكِيَّةٌ جَاوَرَتْ بِالْحِجَا زِ قَوْمًا عُدَاةً وَأَرْضًا شَطِيرَا بِمَا قَدْ تَرَبَّعَ رَوْضَ الْقَطَا وَرَوْضَ التَّنَاضِبِ حَتَّى تَصِيرَا يَعْنِي بِذَلِكَ : جَاوَرَتْ بِهَذَا الْمَكَانِ ، هَذِهِ الْمَرْأَةُ ، قَوْمًا عُدَاةً وَأَرْضًا بَعِيدَةً مِنْ أَهْلِهِ - لِمَكَانِ قُرْبِهَا كَانَ مِنْهُ وَمِنْ قَوْمِهِ وَبَلَدِهِ - مِنْ تَرَبُّعِهَا رَوْضَ الْقَطَا وَرَوْضَ التَّنَاضِبِ . [2/140]فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ، يَقُولُ : كَانَ ذَلِكَ مِنَّا بِكُفْرِهِمْ بِآيَاتِنَا ، وَجَزَاءً لَهُمْ بِقَتْلِهِمْ أَنْبِيَاءَنَا .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا أَنَّ مَعْنَى " الْكُفْرِ " : تَغْطِيَةُ الشَّيْءِ وَسَتْرُهُ ، وَأَنَّ " آيَاتِ اللَّهِ " حُجَجُهُ وَأَعْلَامُهُ وَأَدِلَّتُهُ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَصِدْقِ رُسُلِهِ .
فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا : فَعَلْنَا بِهِمْ ذَلِكَ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْحَدُونَ حُجَجَ اللَّهِ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ ، وَيَدْفَعُونَ حَقِّيَّتَهَا ، وَيُكَذِّبُونَ بِهَا .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ : وَيَقْتُلُونَ رُسُلَ اللَّهِ الَّذِينَ ابْتَعَثَهُمْ - لِإِنْبَاءِ مَا أَرْسَلَهُمْ بِهِ عَنْهُ - لِمَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِ .
وَهُمْ جِمَاعٌ ، وَاحَدُهُمْ " نَبِيٌّ " ، غَيْرُ مَهْمُوزٍ ، وَأَصْلُهُ الْهَمْزُ ، لِأَنَّهُ مِنْ " أَنْبَأَ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ يُنْبِئُ عَنْهُ إِنْبَاءً " ، وَإِنَّمَا الِاسْمُ مِنْهُ ، " مُنْبِئٌ " وَلَكِنَّهُ صُرِفَ وَهُوَ " مُفْعِلٌ " إِلَى " فَعِيلٍ " ، كَمَا صُرِفَ " سَمِيعٌ " إِلَى " فَعِيلٍ " مِنْ " مُسْمِعٍ " ، وَ " بَصِيرٍ " مِنْ " مُبْصِرٍ " ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ ، وَأُبْدِلَ مَكَانَ الْهَمْزَةِ مِنَ " النَّبِيءِ " الْيَاءُ ، فَقِيلَ : " نَبِيٌّ " . هَذَا وَيُجْمَعُ " النَّبِيُّ " أَيْضًا عَلَى " أَنْبِيَاءَ " ، وَإِنَّمَا جَمَعُوهُ كَذَلِكَ ، لِإِلْحَاقِهِمُ " النَّبِيءَ " ، بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ مِنْهُ يَاءً ، بِالنُّعُوتِ الَّتِي تَأْتِي عَلَى تَقْدِيرِ " فَعِيلٍ " مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا جَمَعُوا مَا كَانَ مِنَ النُّعُوتِ عَلَى تَقْدِيرِ " فَعِيلٍ " مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ ، جَمَعُوهُ عَلَى " أَفْعِلَاءَ " كَقَوْلِهِمْ : " وَلِيٌّ وَأَوْلِيَاءُ " ، وَ " وَصِيٌّ وَأَوْصِيَاءُ " [2/141]، وَ " دَعِيٌّ وَأَدْعِيَاءُ " . وَلَوْ جَمَعُوهُ عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي هُوَ أَصْلُهُ ، وَعَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ " نَبِيءٌ " مَهْمُوزٌ ، لَجَمَعُوهُ عَلَى " فُعَلَاءَ " ، فَقِيلَ لَهُمُ " النُّبَآءُ " ، عَلَى مِثَالِ " النُّبَهَاءِ " ، لِأَنَّ ذَلِكَ جَمْعُ مَا كَانَ عَلَى فَعِيلٍ مِنْ غَيْرِ ذَوَاتِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ مِنَ النُّعُوتِ ، كَجَمْعِهِمُ الشَّرِيكَ شُرَكَاءَ ، وَالْعَلِيمَ عُلَمَاءَ ، وَالْحَكِيمَ حُكَمَاءَ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَقَدْ حُكِيَ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ فِي جَمْعِ " النَّبِيِّ " " النُّبَآءُ " ، وَذَلِكَ مِنْ لُغَةِ الَّذِينَ يَهْمِزُونَ " النَّبِيءَ " ، ثُمَّ يَجْمَعُونَهُ عَلَى " النُّبَآءِ " - عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْتُ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ فِي مَدْحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
يَا خَاتَمَ النُّبَآءِ إِنَّكَ مُرْسَلٌ بِالْخَيْرِ كُلُّ هُدَى السَّبِيلِ هُدَاكَا فَقَالَ : " يَا خَاتَمَ النُّبَآءِ " ، عَلَى أَنَّ وَاحِدَهُمْ " نَبِيءٌ " مَهْمُوزٌ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمُ : " النَّبِيُّ " وَ " النُّبُوَّةُ " غَيْرُ مَهْمُوزٍ ، لِأَنَّهُمَا مَأْخُوذَانِ مِنَ " النَّبْوَةِ " ، وَهِيَ مِثْلُ " النَّجْوَةِ " ، وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ ، وَكَانَ يَقُولُ : إِنَّ أَصْلَ " النَّبِيِّ " الطَّرِيقُ ، وَيُسْتَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ بِبَيْتِ الْقَطَّامِيِّ :
لَمَّا وَرَدْنَ نَبِيًّا وَاسْتَتَبَّ بِهَا مُسْحَنْفِرٌ كَخُطُوطِ السَّيْحِ مُنْسَحِلُ [2/142]يَقُولُ : إِنَّمَا سَمَّى الطَّرِيقَ " نَبِيًّا " ، لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ مُسْتَبِينٌ ، مِنَ " النُّبُوَّةِ " . وَيَقُولُ : لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَهْمِزُ " النَّبِيَّ " . قَالَ . وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي ذَلِكَ ، وَبَيَّنَّا مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتُلُونَ رُسُلَ اللَّهِ ، بِغَيْرِ إِذْنِ اللَّهِ لَهُمْ بِقَتْلِهِمْ ، مُنْكِرِينَ رِسَالَتَهُمْ ، جَاحِدِينَ نُبُوَّتَهُمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ( 61 )
وَقَوْلُهُ : ( ذَلِكَ ) ، رَدٌّ عَلَى " ذَلِكَ " الْأَوْلَى . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ كُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ ، وَقَتْلِهِمُ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، مِنْ أَجْلِ عِصْيَانِهِمْ رَبَّهُمْ ، وَاعْتِدَائِهِمْ حُدُودَهُ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ . ( ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا ) ، وَالْمَعْنَى : ذَلِكَ بِعِصْيَانِهِمْ وَكُفْرِهِمْ مُعْتَدِينَ .
وَ " الِاعْتِدَاءُ " ، تَجَاوُزُ الْحَدِّ الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ إِلَى غَيْرِهِ . وَكُلُّ مُتَجَاوِزٍ حَدَّ شَيْءٍ إِلَى غَيْرِهِ فَقَدْ تَعَدَّاهُ إِلَى مَا جَاوَزَ إِلَيْهِ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : فَعَلْتُ بِهِمْ مَا فَعَلْتُ مِنْ ذَلِكَ ، بِمَا عَصَوْا أَمْرِي ، وَتَجَاوَزُوا حَدِّي إِلَى مَا نَهَيْتُهُمْ عَنْهُ .