النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ( 58 )
وَ " الْقَرْيَةُ " - الَّتِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَدْخُلُوهَا ، فَيَأْكُلُوا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شَاءُوا - فِيمَا ذُكِرَ لَنَا : بَيْتُ الْمَقْدِسِ (مكان)ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ :
999 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ، قَالَ : بَيْتُ الْمَقْدِسِ (مكان).
1000 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا [2/103]أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ أَمَّا الْقَرْيَةُ ، فَقَرْيَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان).
1001 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ، يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ (مكان).
1002 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : سَأَلْتُهُ - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ قَوْلِهِ : ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ قَالَ : هِيَ أَرِيحَا ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان).
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا
يَعْنِي بِذَلِكَ : فَكُلُوا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ حَيْثُ شِئْتُمْ عَيْشًا هَنِيًّا وَاسِعًا بِغَيْرِ حِسَابٍ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى " الرَّغَدِ " فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا ، وَذَكَرْنَا أَقْوَالَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا
أَمَّا " الْبَابُ " الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوهُ ، فَإِنَّهُ قِيلَ : هُوَ بَابُ الْحِطَّةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان).
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1003 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا قَالَ : بَابُ الْحِطَّةِ ، مِنْ بَابِ إِيلِيَاءَ ، (مكان)مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان).
1004 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . [2/104]1005 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، أَمَّا الْبَابُ فَبَابٌ مِنْ أَبْوَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان).
1006 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا أَنَّهُ أَحَدُ أَبْوَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)، وَهُوَ يُدْعَى بَابُ حِطَّةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( سُجَّدًا ) فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَتَأَوَّلُهُ بِمَعْنَى الرُّكَّعِ .
1007 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ) ، قَالَ : رُكَّعًا مِنْ بَابٍ صَغِيرٍ .
1008 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الزِّبْرِقَانَ النَّخَعِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، قَالَ : أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا رُكَّعًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَصْلُ " السُّجُودِ " الِانْحِنَاءُ لِمَنْ سُجِدَ لَهُ مُعَظَّمًا بِذَلِكَ . فَكُلُّ مُنْحَنٍ لِشَيْءٍ تَعْظِيمًا لَهُ فَهُوَ " سَاجِدٌ " . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ تَرَى الْأُكْمَ مِنْهُ سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ [2/105]يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " سُجَّدًا " خَاشِعَةً خَاضِعَةً . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ :
يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الْمَلِيكِ طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا فَذَلِكَ تَأْوِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ( سُجَّدًا ) رُكَّعًا ، لِأَنَّ الرَّاكِعَ مُنْحَنٍ ، وَإِنْ كَانَ السَّاجِدُ أَشَدَّ انْحِنَاءً مِنْهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَقُولُوا حِطَّةٌ
وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( حِطَّةٌ ) ، فِعْلَةٌ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " حَطَّ اللَّهُ عَنْكَ خَطَايَاكَ فَهُوَ يَحُطُّهَا حِطَّةً " ، بِمَنْزِلَةِ الرِّدَّةِ وَالْحِدَّةِ وَالْمِدَّةِ مِنْ حَدَدْتَ وَمَدَدْتَ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1009 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، قَالَ قَالَ : الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ : أَيِ احْطُطْ عَنَّا خَطَايَانَا .
1010 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَقُولُوا حِطَّةٌ ، [2/106]يَحُطُّ اللَّهُ بِهَا عَنْكُمْ ذَنْبَكُمْ وَخَطِيئَتَكُمْ .
1011 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( قُولُوا حِطَّةٌ ) قَالَ : يَحُطُّ عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ .
1012 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( حِطَّةٌ ) ، مَغْفِرَةٌ .
10113 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلُهُ : ( حِطَّةٌ ) ، قَالَ : يَحُطُّ عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ .
1014 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، أَخْبَرَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ لِي عَطَاءٌ فِي قَوْلِهِ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، قَالَ : سَمِعْنَا أَنَّهُ : يَحُطُّ عَنْهُمْ خَطَايَاهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : قُولُوا " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَهُ : قُولُوا الَّذِي يَحُطُّ عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1015 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمِصْرِيُّ قَالَا أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، قَالَ : قُولُوا ، " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمِثْلِ مَعْنَى قَوْلِ عِكْرِمَةَ ، إِلَّا أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْقَوْلَ الَّذِي أُمِرُوا بِقِيلِهِ : الِاسْتِغْفَارَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1016 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ النَّخَعِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) قَالَ : أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا .
[2/107]وَقَالَ آخَرُونَ نَظِيرَ قَوْلِ عِكْرِمَةَ ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : الْقَوْلُ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوهُ ، هُوَ أَنْ يَقُولُوا : هَذَا الْأَمْرُ حَقٌّ كَمَا قِيلَ لَكُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1017 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، قَالَ : قُولُوا هَذَا الْأَمْرُ حَقٌّ كَمَا قِيلَ لَكُمْ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ رُفِعَتِ " الْحِطَّةُ " .
فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان): رُفِعَتِ " الْحِطَّةُ " بِمَعْنَى " قُولُوا " لِيَكُنْ مِنْكَ حِطَّةٌ لِذُنُوبِنَا ، كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ : سَمْعُكَ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : هِيَ كَلِمَةٌ أَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَقُولُوهَا مَرْفُوعَةً ، وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ قِيلَهَا كَذَلِكَ .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : رُفِعَتِ " الْحِطَّةُ " بِضَمِيرِ " هَذِهِ " ، كَأَنَّهُ قَالَ : وَقُولُوا : " هَذِهِ " حِطَّةٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : هِيَ مَرْفُوعَةٌ بِضَمِيرٍ مَعْنَاهُ الْخَبَرُ ، كَأَنَّهُ قَالَ : قُولُوا مَا هُوَ حِطَّةٌ ، فَتَكُونُ " حِطَّةٌ " حِينَئِذٍ خَبَرًا لِ " مَا " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي هُوَ أَقْرَبُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ ، وَأَشَبَهُ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ : أَنْ يَكُونَ رَفْعُ حِطَّةٍ بِنِيَّةِ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ ، وَهُوَ دُخُولُنَا الْبَابَ سُجَّدًا حِطَّةٌ ، فَكَفَى مِنْ تَكْرِيرِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ مِنَ التَّنْزِيلِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : [2/108] وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ [ الْأَعْرَافِ : 164 ] ، يَعْنِي : مَوْعِظَتُنَا إِيَّاهُمْ مَعْذِرَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ . فَكَذَلِكَ عِنْدِي تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، يَعْنِي بِذَلِكَ : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ، وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، وَقُولُوا : دُخُولُنَا ذَلِكَ سُجَّدًا حِطَّةٌ لِذُنُوبِنَا . وَهَذَا الْقَوْلُ عَلَى نَحْوِ تَأْوِيلِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَابْنِ زَيْدٍ ، الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا .
قَالَ أَبُوجَعْفَرٍ : وَأَمَّا عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِ عِكْرِمَةَ ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ بِالنَّصْبِ فِي " حِطَّةٍ " ، لِأَنَّ الْقَوْمَ إِنْ كَانُوا أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، أَوْ أَنْ يَقُولُوا : " نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ " ، فَقَدْ قِيلَ لَهُمْ : قُولُوا هَذَا الْقَوْلَ ، فَ " قُولُوا " وَاقِعٌ حِينَئِذٍ عَلَى " الْحِطَّةِ " ، لِأَنَّ " الْحِطَّةَ " عَلَى قَوْلِ عِكْرِمَةَ - هِيَ قَوْلُ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، وَإِذَا كَانَتْ هِيَ قَوْلُ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، فَالْقَوْلُ عَلَيْهَا وَاقِعٌ ، كَمَا لَوْ أَمَرَ رَجُلٌ رَجُلًا بِقَوْلِ الْخَيْرِ فَقَالَ لَهُ : " قُلْ خَيْرًا " نَصْبًا ، وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا أَنْ يَقُولَ لَهُ : " قُلْ خَيْرٌ " ، إِلَّا عَلَى اسْتِكْرَاهٍ شَدِيدٍ .
وَفِي إِجْمَاعِ الْقَرَأَةِ عَلَى رَفْعِ " الْحِطَّةِ " بَيَانٌ وَاضِحٌ عَلَى خِلَافِ الَّذِي قَالَهُ عِكْرِمَةُ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) . وَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ فِي " حِطَّةٌ " نَصْبًا . لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ - إِذَا وَضَعُوا الْمَصَادِرَ مَوَاضِعَ الْأَفْعَالِ ، وَحَذَفُوا الْأَفْعَالَ - أَنْ يَنْصِبُوا الْمَصَادِرَ . كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
[2/109]أُبِيدُوا بِأَيْدِي عُصْبَةٍ وَسُيُوفُهُمْ عَلَى أُمَّهَاتِ الْهَامِ ضَرْبًا شَآمِيَا وَكَقَوْلِ الْقَائِلِ لِلرَّجُلِ : " سَمْعًا وَطَاعَةً " بِمَعْنَى : أَسْمَعُ سَمْعًا وَأُطِيعُ طَاعَةً ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( مَعَاذَ اللَّهِ ) [ يُوسُفَ : 23 ] بِمَعْنَى : نَعُوذُ بِاللَّهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى نَغْفِرْ لَكُمْ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( نَغْفِرْ لَكُمْ ) نَتَغَمَّدْ لَكُمْ بِالرَّحْمَةِ خَطَايَاكُمْ ، وَنَسْتُرْهَا عَلَيْكُمْ ، فَلَا نَفْضَحُكُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا .
وَأَصْلُ " الْغَفْرِ " التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ ، فَكُلُّ سَاتِرٍ شَيْئًا فَهُوَ غَافِرُهُ . وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْبَيْضَةِ مِنَ الْحَدِيدِ الَّتِي تُتَّخَذُ جُنَّةً لِلرَّأْسِ " مِغْفَرٌ " ، لِأَنَّهَا تُغَطِّي الرَّأْسَ وَتُجِنُّهُ . وَمِثْلُهُ " غِمْدُ السَّيْفِ " ، وَهُوَ مَا تَغَمَّدَهُ فَوَارَاهُ . وَلِذَلِكَ قِيلَ لِزِئْبِرِ الثَّوْبِ : " غَفْرَةٌ " ، لِتَغْطِيَتِهِ الثَّوْبَ ، وَحَوْلِهِ بَيْنَ النَّاظِرِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهِ . وَمِنْهُ قَوْلُ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ :
[2/110]فَلَا أَعْتِبُ ابْنَ الْعَمِّ إِنْ كَانَ جَاهِلًا وَأَغْفِرُ عَنْهُ الْجَهْلَ إِنْ كَانَ أَجْهَلَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَأَغْفِرُ عَنْهُ الْجَهْلَ : أَسْتُرُ عَلَيْهِ جَهْلَهُ بِحِلْمِي عَنْهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى خَطَايَاكُمْ
وَ " الْخَطَايَا " جَمْعُ " خَطِيَّةٍ " بِغَيْرِ هَمْزٍ ، كَمَا " الْمَطَايَا " جَمْعُ " مَطِيَّةٍ " ، وَالْحَشَايَا جَمْعُ حَشِيَّةٍ . وَإِنَّمَا تُرِكَ جَمْعُ " الْخَطَايَا " بِالْهَمْزِ ، لِأَنَّ تَرْكَ الْهَمْزِ فِي " خَطِيئَةٍ " أَكْثَرُ مِنَ الْهَمْزِ ، فَجُمِعَ عَلَى " خَطَايَا " ، عَلَى أَنَّ وَاحِدَتَهَا غَيْرُ مَهْمُوزَةٍ . وَلَوْ كَانَتِ " الْخَطَايَا " مَجْمُوعَةً عَلَى " خَطِيئَةٍ " بِالْهَمْزِ : لَقِيلَ خَطَائِي عَلَى مِثْلِ قَبِيلَةٍ وَقَبَائِلَ ، وَصَحِيفَةٍ وَصَحَائِفَ . وَقَدْ تُجْمَعُ " خَطِيئَةٌ " بِالتَّاءِ ، فَيُهْمَزُ فَيُقَالُ " خَطِيئَاتُ " . وَ " الْخَطِيئَةُ " فَعِيلَةٌ ، مِنْ " خَطِئَ الرَّجُلُ يَخْطَأُ خَطَأً " ، وَذَلِكَ إِذَا عَدَلَ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
وَإِنَّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ لَعَمْرُ اللَّهِ قَدْ خَطِئَا وَخَابَا يَعْنِي : أَضَلَّا الْحَقَّ وَأَثِمَا .
[2/111]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَسَنَـزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 58 )
وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ لَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ مَا : -
1018 - حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَسَنَـزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ، مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُحْسِنًا زِيدَ فِي إِحْسَانِهِ ، وَمَنْ كَانَ مُخْطِئًا نَغْفِرُ لَهُ خَطِيئَتَهُ .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ مُبَاحًا لَكُمْ كُلُّ مَا فِيهَا مِنَ الطَّيِّبَاتِ ، مُوَسَّعًا عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ; وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، وَقُولُوا : سُجُودُنَا هَذَا لِلَّهِ حِطَّةٌ مِنْ رَبِّنَا لِذُنُوبِنَا يَحُطُّ بِهِ آثَامَنَا ، نَتَغَمَّدُ لَكُمْ ذُنُوبَ الْمُذْنِبِ مِنْكُمْ فَنَسْتُرُهَا عَلَيْهِ ، وَنَحُطُّ أَوْزَارَهُ عَنْهُ ، وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنَ مِنْكُمْ - إِلَى إِحْسَانِنَا السَّالِفِ عِنْدَهُ - إِحْسَانًا . ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ عَظِيمِ جَهَالَتِهِمْ ، وَسُوءِ طَاعَتِهِمْ رَبَّهُمْ وَعِصْيَانِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمْ ، وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِرُسُلِهِ ، مَعَ عَظِيمِ آلَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُمْ ، وَعَجَائِبِ مَا أَرَاهُمْ مِنْ آيَاتِهِ وَعِبَرِهِ ، مُوَبِّخًا بِذَلِكَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذِهِ الْآيَاتِ ، وَمُعَلِّمَهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ تَعَدَّوْا فِي تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَجُحُودِهِمْ نُبُوَّتَهُ ، مَعَ عَظِيمِ إِحْسَانِ اللَّهِ بِمَبْعَثِهِ فِيهِمْ إِلَيْهِمْ ، وَعَجَائِبِ مَا أَظْهَرَ عَلَى يَدِهِ مِنَ الْحُجَجِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ - أَنْ يَكُونُوا كَأَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ ، وَقَصَّ عَلَيْنَا أَنْبَاءَهُمْ فِي [2/112]هَذِهِ الْآيَاتِ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْـزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ الْآيَةَ .
وَ " الْقَرْيَةُ " - الَّتِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَدْخُلُوهَا ، فَيَأْكُلُوا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شَاءُوا - فِيمَا ذُكِرَ لَنَا : بَيْتُ الْمَقْدِسِ (مكان)ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ :
999 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ، قَالَ : بَيْتُ الْمَقْدِسِ (مكان).
1000 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا [2/103]أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ أَمَّا الْقَرْيَةُ ، فَقَرْيَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان).
1001 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ، يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ (مكان).
1002 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : سَأَلْتُهُ - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ قَوْلِهِ : ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ قَالَ : هِيَ أَرِيحَا ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان).
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا
يَعْنِي بِذَلِكَ : فَكُلُوا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ حَيْثُ شِئْتُمْ عَيْشًا هَنِيًّا وَاسِعًا بِغَيْرِ حِسَابٍ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى " الرَّغَدِ " فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا ، وَذَكَرْنَا أَقْوَالَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا
أَمَّا " الْبَابُ " الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوهُ ، فَإِنَّهُ قِيلَ : هُوَ بَابُ الْحِطَّةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان).
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1003 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا قَالَ : بَابُ الْحِطَّةِ ، مِنْ بَابِ إِيلِيَاءَ ، (مكان)مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان).
1004 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . [2/104]1005 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، أَمَّا الْبَابُ فَبَابٌ مِنْ أَبْوَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان).
1006 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا أَنَّهُ أَحَدُ أَبْوَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان)، وَهُوَ يُدْعَى بَابُ حِطَّةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( سُجَّدًا ) فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَتَأَوَّلُهُ بِمَعْنَى الرُّكَّعِ .
1007 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ) ، قَالَ : رُكَّعًا مِنْ بَابٍ صَغِيرٍ .
1008 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الزِّبْرِقَانَ النَّخَعِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، قَالَ : أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا رُكَّعًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَصْلُ " السُّجُودِ " الِانْحِنَاءُ لِمَنْ سُجِدَ لَهُ مُعَظَّمًا بِذَلِكَ . فَكُلُّ مُنْحَنٍ لِشَيْءٍ تَعْظِيمًا لَهُ فَهُوَ " سَاجِدٌ " . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ تَرَى الْأُكْمَ مِنْهُ سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ [2/105]يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " سُجَّدًا " خَاشِعَةً خَاضِعَةً . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ :
يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الْمَلِيكِ طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا فَذَلِكَ تَأْوِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ( سُجَّدًا ) رُكَّعًا ، لِأَنَّ الرَّاكِعَ مُنْحَنٍ ، وَإِنْ كَانَ السَّاجِدُ أَشَدَّ انْحِنَاءً مِنْهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَقُولُوا حِطَّةٌ
وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( حِطَّةٌ ) ، فِعْلَةٌ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : " حَطَّ اللَّهُ عَنْكَ خَطَايَاكَ فَهُوَ يَحُطُّهَا حِطَّةً " ، بِمَنْزِلَةِ الرِّدَّةِ وَالْحِدَّةِ وَالْمِدَّةِ مِنْ حَدَدْتَ وَمَدَدْتَ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1009 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، قَالَ قَالَ : الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ : أَيِ احْطُطْ عَنَّا خَطَايَانَا .
1010 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَقُولُوا حِطَّةٌ ، [2/106]يَحُطُّ اللَّهُ بِهَا عَنْكُمْ ذَنْبَكُمْ وَخَطِيئَتَكُمْ .
1011 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ( قُولُوا حِطَّةٌ ) قَالَ : يَحُطُّ عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ .
1012 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( حِطَّةٌ ) ، مَغْفِرَةٌ .
10113 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلُهُ : ( حِطَّةٌ ) ، قَالَ : يَحُطُّ عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ .
1014 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، أَخْبَرَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ لِي عَطَاءٌ فِي قَوْلِهِ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، قَالَ : سَمِعْنَا أَنَّهُ : يَحُطُّ عَنْهُمْ خَطَايَاهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : قُولُوا " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَهُ : قُولُوا الَّذِي يَحُطُّ عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ ، وَهُوَ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1015 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمِصْرِيُّ قَالَا أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، قَالَ : قُولُوا ، " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمِثْلِ مَعْنَى قَوْلِ عِكْرِمَةَ ، إِلَّا أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْقَوْلَ الَّذِي أُمِرُوا بِقِيلِهِ : الِاسْتِغْفَارَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1016 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ النَّخَعِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) قَالَ : أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا .
[2/107]وَقَالَ آخَرُونَ نَظِيرَ قَوْلِ عِكْرِمَةَ ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : الْقَوْلُ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوهُ ، هُوَ أَنْ يَقُولُوا : هَذَا الْأَمْرُ حَقٌّ كَمَا قِيلَ لَكُمْ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
1017 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، قَالَ : قُولُوا هَذَا الْأَمْرُ حَقٌّ كَمَا قِيلَ لَكُمْ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ رُفِعَتِ " الْحِطَّةُ " .
فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان): رُفِعَتِ " الْحِطَّةُ " بِمَعْنَى " قُولُوا " لِيَكُنْ مِنْكَ حِطَّةٌ لِذُنُوبِنَا ، كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ : سَمْعُكَ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : هِيَ كَلِمَةٌ أَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَقُولُوهَا مَرْفُوعَةً ، وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ قِيلَهَا كَذَلِكَ .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : رُفِعَتِ " الْحِطَّةُ " بِضَمِيرِ " هَذِهِ " ، كَأَنَّهُ قَالَ : وَقُولُوا : " هَذِهِ " حِطَّةٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : هِيَ مَرْفُوعَةٌ بِضَمِيرٍ مَعْنَاهُ الْخَبَرُ ، كَأَنَّهُ قَالَ : قُولُوا مَا هُوَ حِطَّةٌ ، فَتَكُونُ " حِطَّةٌ " حِينَئِذٍ خَبَرًا لِ " مَا " .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي هُوَ أَقْرَبُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ ، وَأَشَبَهُ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ : أَنْ يَكُونَ رَفْعُ حِطَّةٍ بِنِيَّةِ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ ، وَهُوَ دُخُولُنَا الْبَابَ سُجَّدًا حِطَّةٌ ، فَكَفَى مِنْ تَكْرِيرِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ مِنَ التَّنْزِيلِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : [2/108] وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ [ الْأَعْرَافِ : 164 ] ، يَعْنِي : مَوْعِظَتُنَا إِيَّاهُمْ مَعْذِرَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ . فَكَذَلِكَ عِنْدِي تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، يَعْنِي بِذَلِكَ : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ، وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، وَقُولُوا : دُخُولُنَا ذَلِكَ سُجَّدًا حِطَّةٌ لِذُنُوبِنَا . وَهَذَا الْقَوْلُ عَلَى نَحْوِ تَأْوِيلِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَابْنِ زَيْدٍ ، الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا .
قَالَ أَبُوجَعْفَرٍ : وَأَمَّا عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِ عِكْرِمَةَ ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ بِالنَّصْبِ فِي " حِطَّةٍ " ، لِأَنَّ الْقَوْمَ إِنْ كَانُوا أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، أَوْ أَنْ يَقُولُوا : " نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ " ، فَقَدْ قِيلَ لَهُمْ : قُولُوا هَذَا الْقَوْلَ ، فَ " قُولُوا " وَاقِعٌ حِينَئِذٍ عَلَى " الْحِطَّةِ " ، لِأَنَّ " الْحِطَّةَ " عَلَى قَوْلِ عِكْرِمَةَ - هِيَ قَوْلُ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، وَإِذَا كَانَتْ هِيَ قَوْلُ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، فَالْقَوْلُ عَلَيْهَا وَاقِعٌ ، كَمَا لَوْ أَمَرَ رَجُلٌ رَجُلًا بِقَوْلِ الْخَيْرِ فَقَالَ لَهُ : " قُلْ خَيْرًا " نَصْبًا ، وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا أَنْ يَقُولَ لَهُ : " قُلْ خَيْرٌ " ، إِلَّا عَلَى اسْتِكْرَاهٍ شَدِيدٍ .
وَفِي إِجْمَاعِ الْقَرَأَةِ عَلَى رَفْعِ " الْحِطَّةِ " بَيَانٌ وَاضِحٌ عَلَى خِلَافِ الَّذِي قَالَهُ عِكْرِمَةُ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) . وَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) ، أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ فِي " حِطَّةٌ " نَصْبًا . لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ - إِذَا وَضَعُوا الْمَصَادِرَ مَوَاضِعَ الْأَفْعَالِ ، وَحَذَفُوا الْأَفْعَالَ - أَنْ يَنْصِبُوا الْمَصَادِرَ . كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
[2/109]أُبِيدُوا بِأَيْدِي عُصْبَةٍ وَسُيُوفُهُمْ عَلَى أُمَّهَاتِ الْهَامِ ضَرْبًا شَآمِيَا وَكَقَوْلِ الْقَائِلِ لِلرَّجُلِ : " سَمْعًا وَطَاعَةً " بِمَعْنَى : أَسْمَعُ سَمْعًا وَأُطِيعُ طَاعَةً ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( مَعَاذَ اللَّهِ ) [ يُوسُفَ : 23 ] بِمَعْنَى : نَعُوذُ بِاللَّهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى نَغْفِرْ لَكُمْ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( نَغْفِرْ لَكُمْ ) نَتَغَمَّدْ لَكُمْ بِالرَّحْمَةِ خَطَايَاكُمْ ، وَنَسْتُرْهَا عَلَيْكُمْ ، فَلَا نَفْضَحُكُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا .
وَأَصْلُ " الْغَفْرِ " التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ ، فَكُلُّ سَاتِرٍ شَيْئًا فَهُوَ غَافِرُهُ . وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْبَيْضَةِ مِنَ الْحَدِيدِ الَّتِي تُتَّخَذُ جُنَّةً لِلرَّأْسِ " مِغْفَرٌ " ، لِأَنَّهَا تُغَطِّي الرَّأْسَ وَتُجِنُّهُ . وَمِثْلُهُ " غِمْدُ السَّيْفِ " ، وَهُوَ مَا تَغَمَّدَهُ فَوَارَاهُ . وَلِذَلِكَ قِيلَ لِزِئْبِرِ الثَّوْبِ : " غَفْرَةٌ " ، لِتَغْطِيَتِهِ الثَّوْبَ ، وَحَوْلِهِ بَيْنَ النَّاظِرِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهِ . وَمِنْهُ قَوْلُ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ :
[2/110]فَلَا أَعْتِبُ ابْنَ الْعَمِّ إِنْ كَانَ جَاهِلًا وَأَغْفِرُ عَنْهُ الْجَهْلَ إِنْ كَانَ أَجْهَلَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَأَغْفِرُ عَنْهُ الْجَهْلَ : أَسْتُرُ عَلَيْهِ جَهْلَهُ بِحِلْمِي عَنْهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى خَطَايَاكُمْ
وَ " الْخَطَايَا " جَمْعُ " خَطِيَّةٍ " بِغَيْرِ هَمْزٍ ، كَمَا " الْمَطَايَا " جَمْعُ " مَطِيَّةٍ " ، وَالْحَشَايَا جَمْعُ حَشِيَّةٍ . وَإِنَّمَا تُرِكَ جَمْعُ " الْخَطَايَا " بِالْهَمْزِ ، لِأَنَّ تَرْكَ الْهَمْزِ فِي " خَطِيئَةٍ " أَكْثَرُ مِنَ الْهَمْزِ ، فَجُمِعَ عَلَى " خَطَايَا " ، عَلَى أَنَّ وَاحِدَتَهَا غَيْرُ مَهْمُوزَةٍ . وَلَوْ كَانَتِ " الْخَطَايَا " مَجْمُوعَةً عَلَى " خَطِيئَةٍ " بِالْهَمْزِ : لَقِيلَ خَطَائِي عَلَى مِثْلِ قَبِيلَةٍ وَقَبَائِلَ ، وَصَحِيفَةٍ وَصَحَائِفَ . وَقَدْ تُجْمَعُ " خَطِيئَةٌ " بِالتَّاءِ ، فَيُهْمَزُ فَيُقَالُ " خَطِيئَاتُ " . وَ " الْخَطِيئَةُ " فَعِيلَةٌ ، مِنْ " خَطِئَ الرَّجُلُ يَخْطَأُ خَطَأً " ، وَذَلِكَ إِذَا عَدَلَ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
وَإِنَّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ لَعَمْرُ اللَّهِ قَدْ خَطِئَا وَخَابَا يَعْنِي : أَضَلَّا الْحَقَّ وَأَثِمَا .
[2/111]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَسَنَـزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( 58 )
وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ لَنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ مَا : -
1018 - حَدَّثَنَا بِهِ الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَسَنَـزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ، مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُحْسِنًا زِيدَ فِي إِحْسَانِهِ ، وَمَنْ كَانَ مُخْطِئًا نَغْفِرُ لَهُ خَطِيئَتَهُ .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ مُبَاحًا لَكُمْ كُلُّ مَا فِيهَا مِنَ الطَّيِّبَاتِ ، مُوَسَّعًا عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ; وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ، وَقُولُوا : سُجُودُنَا هَذَا لِلَّهِ حِطَّةٌ مِنْ رَبِّنَا لِذُنُوبِنَا يَحُطُّ بِهِ آثَامَنَا ، نَتَغَمَّدُ لَكُمْ ذُنُوبَ الْمُذْنِبِ مِنْكُمْ فَنَسْتُرُهَا عَلَيْهِ ، وَنَحُطُّ أَوْزَارَهُ عَنْهُ ، وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنَ مِنْكُمْ - إِلَى إِحْسَانِنَا السَّالِفِ عِنْدَهُ - إِحْسَانًا . ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ عَظِيمِ جَهَالَتِهِمْ ، وَسُوءِ طَاعَتِهِمْ رَبَّهُمْ وَعِصْيَانِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمْ ، وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِرُسُلِهِ ، مَعَ عَظِيمِ آلَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُمْ ، وَعَجَائِبِ مَا أَرَاهُمْ مِنْ آيَاتِهِ وَعِبَرِهِ ، مُوَبِّخًا بِذَلِكَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذِهِ الْآيَاتِ ، وَمُعَلِّمَهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ تَعَدَّوْا فِي تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَجُحُودِهِمْ نُبُوَّتَهُ ، مَعَ عَظِيمِ إِحْسَانِ اللَّهِ بِمَبْعَثِهِ فِيهِمْ إِلَيْهِمْ ، وَعَجَائِبِ مَا أَظْهَرَ عَلَى يَدِهِ مِنَ الْحُجَجِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ - أَنْ يَكُونُوا كَأَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ ، وَقَصَّ عَلَيْنَا أَنْبَاءَهُمْ فِي [2/112]هَذِهِ الْآيَاتِ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْـزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ الْآيَةَ .