النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ( 57 )
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ : ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ . فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ : ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ، وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ - وَعَدَّدَ عَلَيْهِمْ سَائِرَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ - لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .
وَ " الْغَمَامُ " جَمْعُ " غَمَامَةٍ " ، كَمَا السَّحَابُ جَمْعُ سَحَابَةٍ ، " وَالْغَمَامُ " هُوَ مَا غَمَّ السَّمَاءَ فَأَلْبَسَهَا مِنْ سَحَابٍ وَقَتَامٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتُرُهَا عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ . وَكُلُّ مُغَطَّى فَالْعَرَبُ تُسَمِّيهِ مَغْمُومًا .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْغَمَامَ الَّتِي ظَلَّلَهَا اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ تَكُنْ سَحَابًا .
962 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ، قَالَ : لَيْسَ بِالسَّحَابِ .
963 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ، قَالَ : لَيْسَ بِالسَّحَابِ ، هُوَ الْغَمَامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا لَهُمْ .
964 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ، قَالَ : هُوَ بِمَنْزِلَةِ السَّحَابِ .
965 - وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ [2/91]، قَالَ : هُوَ غَمَامٌ أَبْرَدُ مِنْ هَذَا وَأَطْيَبُ ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي قَوْلِهِ : فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [ الْبَقَرَةِ : 210 ] ، وَهُوَ الَّذِي جَاءَتْ فِيهِ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَكَانَ مَعَهُمْ فِي التِّيهِ .
وَإِذْ كَانَ مَعْنَى الْغَمَامُ مَا وَصَفْنَا ، مِمَّا غَمَّ السَّمَاءَ مِنْ شَيْءٍ يُغَطِّي وَجْهَهَا عَنِ النَّاظِرِ إِلَيْهَا ، فَلَيْسَ الَّذِي ظَلَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ - فَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ كَانَ غَمَامًا - بِأَوْلَى ، بِوَصْفِهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ سَحَابًا ، مِنْهُ بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا أَلْبَسَ وَجْهَ السَّمَاءِ مِنْ شَيْءٍ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ مَا ابْيَضَّ مِنَ السَّحَابِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ " الْمَنِّ " . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : -
966 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ ، قَالَ : الْمَنُّ صَمْغَةٌ .
967 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ [2/92]أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
968 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَأَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ، يَقُولُ : كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الثَّلْجِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ شَرَابٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
969 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ : الْمَنُّ ، شَرَابٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الْعَسَلِ ، فَيَمْزُجُونَهُ بِالْمَاءِ ، ثُمَّ يَشْرَبُونَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الْمَنُّ " ، عَسَلٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
970 - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : الْمَنُّ : عَسَلٌ كَانَ يَنْزِلُ لَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ .
971 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : عَسَلُكُمْ هَذَا جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ الْمَنِّ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الْمَنُّ " الْخُبْزُ الرُّقَاقُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
972 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ : سَمِعْتُ وَهْبًا - وَسُئِلَ : مَا الْمَنُّ ؟ قَالَ : خُبْزُ الرُّقَاقِ ، مِثْلُ الذَّرَّةِ ، وَمِثْلُ النَّقِيِّ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الْمَنُّ " ، الزَّنْجَبِيلُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
[2/93]973 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : الْمَنُّ كَانَ يَسْقُطُ عَلَى شَجَرِ الزَّنْجَبِيلِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الْمَنُّ " ، هُوَ الَّذِي يَسْقُطُ عَلَى الشَّجَرِ الَّذِي يَأْكُلُهُ النَّاسُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
974 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدْثَتَيْ حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَى شَجَرِهِمْ ، فَيَغْدُونَ عَلَيْهِ ، فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ مَا شَاءُوا .
975 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ عَامِرٍ فِي قَوْلِهِ : وَأَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ ، قَالَ : الْمَنُّ : الَّذِي يَقَعُ عَلَى الشَّجَرِ .
976 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( الْمَنُّ ) ، قَالَ : الْمَنُّ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الشَّجَرِ فَتَأْكُلُهُ النَّاسُ .
977 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : الْمَنُّ ، هَذَا الَّذِي يَقَعُ عَلَى الشَّجَرِ .
وَقَدْ قِيلَ . إِنَّ " الْمَنَّ " ، هُوَ التَّرَنْجَبِينُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمُ : " الْمَنُّ " ، هُوَ الَّذِي يَسْقُطُ عَلَى الثُّمَامِ وَالْعُشَرِ ، وَهُوَ حُلْوٌ كَالْعَسَلِ ، وَإِيَّاهُ عَنَى الْأَعْشَى - مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ - بِقَوْلِهِ :
[2/94]لَوْ أُطْعِمُوا الْمَنَّ وَالسَّلْوَى مَكَانَهُمُ مَا أَبْصَرَ النَّاسُ طُعْمًا فِيهِمُ نَجَعَا
وَتَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
978 - " الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ " .
وَقَالَ بَعْضُهُمُ : " الْمَنُّ " ، شَرَابٌ حُلْوٌ كَانُوا يَطْبُخُونَهُ فَيَشْرَبُونَهُ .
وَأَمَّا أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ فِي شِعْرِهِ عَسَلًا فَقَالَ يَصِفُ أَمْرَهُمْ فِي التِّيهِ وَمَا رُزِقُوا فِيهِ :
فَرَأَى اللَّهُ أَنَّهُمْ بِمَضِيعٍ لَا بِذِي مَزْرَعٍ وَلَا مَعْمُورَا [2/95]فَنَسَاهَا عَلَيْهِمْ غَادِيَاتٍ وَمَرَى مُزْنَهُمْ خَلَايَا وَخُورَا عَسَلًا نَاطِفًا وَمَاءً فُرَاتَا وَحَلِيبًا ذَا بَهْجَةٍ مَثْمُورَا
الْمَثْمُورُ : الصَّافِي مِنَ اللَّبَنِ . فَجَعَلَ الْمَنَّ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ عَسَلًا نَاطِفًا ، وَالنَّاطِفُ : هُوَ الْقَاطِرُ .
[2/96]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَالسَّلْوَى
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَ " السَّلْوَى " اسْمُ طَائِرٍ يُشْبِهُ السُّمَانَى ، وَاحِدُهُ وَجِمَاعُهُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، كَذَلِكَ السُّمَانَى لَفْظُ جِمَاعِهَا وَوَاحِدِهَا سَوَاءٌ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ وَاحِدَةَ السَّلْوَى سَلْوَاةٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
979 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : السَّلْوَى طَيْرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى .
980 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : كَانَ طَيْرًا أَكْبَرَ مِنَ السُّمَانَى .
981 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : السَّلْوَى : طَائِرٌ كَانَتْ تَحْشُرُهَا عَلَيْهِمُ الرِّيحُ الْجَنُوبُ .
982 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : السَّلْوَى : طَائِرٌ .
983 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : السَّلْوَى طَيْرٌ .
984 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ : سَمِعْتُ وَهْبًا - وَسُئِلَ : مَا السَّلْوَى ؟ فَقَالَ : طَيْرٌ سَمِينٌ مِثْلُ الْحَمَامِ .
[2/97]985 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : السَّلْوَى طَيْرٌ .
986 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : السَّلْوَى كَانَ طَيْرًا يَأْتِيهِمْ مِثْلَ السُّمَانَى .
987 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، قَالَ : السَّلْوَى السُّمَانَى .
988 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : السَّلْوَى ، هُوَ السُّمَانَى .
989 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : السَّلْوَى السُّمَانَى .
990 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : السُّمَانَى هُوَ السَّلْوَى .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا سَبَبُ تَظْلِيلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْغَمَامَ ، وَإِنْزَالِهِ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ ؟
قِيلَ : قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ . وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ مَا حَضَرَنَا مِنْهُ : -
991 - فَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ : لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَى قَوْمِ مُوسَى ، (نبي)وَأَحْيَا السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مُوسَى (نبي)بَعْدَ مَا أَمَاتَهُمْ ، أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِالسَّيْرِ إِلَى أَرِيحَا ، وَهِيَ أَرْضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان). فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْهَا بَعَثَ مُوسَى (نبي)اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا . فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَأَمْرِ الْجَبَّارِينَ وَأَمْرِ قَوْمِ مُوسَى ، (نبي)مَا قَدْ قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ . [2/98]فَقَالَ قَوْمُ مُوسَى (نبي)لِمُوسَى (نبي): فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ . فَغَضِبَ مُوسَى (نبي)فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ : رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . فَكَانَتْ عَجَلَةً مِنْ مُوسَى (نبي)عَجِلَهَا ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ . فَلَمَّا ضُرِبَ عَلَيْهِمُ التِّيهُ ، نَدِمَ مُوسَى (نبي)، وَأَتَاهُ قَوْمُهُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ يُطِيعُونَهُ فَقَالُوا لَهُ : مَا صَنَعْتَ بِنَا يَا مُوسَى (نبي)؟ فَلَمَّا نَدِمَ ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : أَنْ لَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ - أَيْ لَا تَحْزَنُ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ سَمَّيْتَهُمْ فَاسِقِينَ - فَلَمْ يَحْزَنْ ، فَقَالُوا : يَا مُوسَى (نبي)كَيْفَ لَنَا بِمَاءٍ هَاهُنَا ؟ أَيْنَ الطَّعَامُ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ - فَكَانَ يَسْقُطُ عَلَى شَجَرِ التَّرَنْجَبِينِ - وَالسَّلْوَى وَهُوَ طَيْرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى فَكَانَ يَأْتِي أَحَدُهُمْ فَيَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ ، إِنْ كَانَ سَمِينًا ذَبَحَهُ وَإِلَّا أَرْسَلَهُ ، فَإِذَا سَمِنَ أَتَاهُ . فَقَالُوا : هَذَا الطَّعَامُ ، فَأَيْنَ الشَّرَابُ ؟ فَأُمِرَ مُوسَى (نبي)فَضَرَبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ، فَشَرِبَ كُلُّ سِبْطٍ مِنْ عَيْنٍ . فَقَالُوا : هَذَا الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ ؟ فَأَيْنَ الظِّلُّ ؟ فَظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامُ . فَقَالُوا : هَذَا الظِّلُّ ، فَأَيْنَ اللِّبَاسُ ؟ فَكَانَتْ ثِيَابُهُمْ تَطُولُ مَعَهُمْ كَمَا تَطُولُ الصِّبْيَانُ ، وَلَا يَتَخَرَّقُ لَهُمْ ثَوْبٌ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَقَوْلُهُ : وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ . [ الْبَقَرَةِ : 60 ] .
992 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَأَمَرَ مُوسَى (نبي)أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ السَّيْفَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ ، أَمْرَ مُوسَى (نبي)أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، وَقَالَ : إِنِّي قَدْ كَتَبْتُهَا لَكُمْ دَارًا وَقَرَارًا وَمَنْزِلًا فَاخْرُجْ إِلَيْهَا ، وَجَاهِدْ مَنْ فِيهَا مِنَ الْعَدُوِّ ، فَإِنِّي نَاصِرُكُمْ [2/99]عَلَيْهِمْ . فَسَارَ بِهِمْ مُوسَى (نبي)إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . حَتَّى إِذَا نَزَلَ التِّيهَ - بَيْنَ مِصْرَ (مكان)وَالشَّامِ ، (مكان)وَهِيَ أَرْضٌ لَيْسَ فِيهَا خَمَرٌ وَلَا ظِلٌّ - دَعَا مُوسَى (نبي)رَبَّهُ حِينَ آذَاهُمُ الْحَرُّ ، فَظَلَّلَ عَلَيْهِمْ بِالْغَمَامِ ; وَدَعَا لَهُمْ بِالرِّزْقِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ لَهُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى .
993 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبَى جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ -
994 - وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلُهُ : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ، قَالَ : ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ فِي التِّيهِ ، تَاهُوا فِي خَمْسَةِ فَرَاسِخَ أَوْ سِتَّةٍ ، كُلَّمَا أَصْبَحُوا سَارُوا غَادِينَ ، فَأَمْسَوْا فَإِذَا هُمْ فِي مَكَانِهِمُ الَّذِي ارْتَحَلُوا مِنْهُ . فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ أَرْبَعُونَ سَنَةً . قَالَ : وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى ، وَلَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ . وَمَعَهُمْ حَجَرٌ مِنْ حِجَارَةِ الطَّوْرِ يَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ ، فَإِذَا نَزَلُوا ضَرَبَهُ مُوسَى (نبي)بِعَصَاهُ ، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا .
995 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ ، سَمِعْتُ وَهْبًا يَقُولُ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ - لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ - شَكَوَا إِلَى مُوسَى (نبي)فَقَالُوا : مَا نَأْكُلُ ؟ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ سَيَأْتِيكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ . قَالُوا : مِنْ أَيْنَ لَنَا ؟ إِلَّا أَنْ يُمْطِرَ عَلَيْنَا خُبْزًا ! قَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَيُنْزِلُ عَلَيْكُمْ خُبْزًا مَخْبُوزًا . فَكَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْمَنُّ - سُئِلَ وَهْبٌ : مَا الْمَنُّ ؟ قَالَ : خُبْزُ الرُّقَاقِ مِثْلُ الذَّرَّةِ أَوْ [2/100]مِثْلُ النَّقِيِّ - قَالُوا : وَمَا نَأْتَدِمُ ؟ وَهَلْ بُدٌّ لَنَا مِنْ لَحْمٍ ؟ قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِيكُمْ بِهِ . فَقَالُوا : مِنْ أَيْنَ لَنَا ؟ إِلَّا أَنْ تَأْتِينَا بِهِ الرِّيحُ ! قَالَ : فَإِنَّ الرِّيحَ تَأْتِيكُمْ بِهِ . فَكَانَتِ الرِّيحُ تَأْتِيهِمْ بِالسَّلْوَى - فَسُئِلَ وَهْبٌ : مَا السَّلْوَى ؟ قَالَ : طَيْرٌ سَمِينٌ مِثْلُ الْحَمَامِ ، كَانَتْ تَأْتِيهِمْ فَيَأْخُذُونَ مِنْهُ مِنْ سَبْتٍ إِلَى سَبْتٍ - قَالُوا : فَمَا نَلْبِسُ ؟ قَالَ : لَا يَخْلُقُ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ ثَوْبٌ أَرْبَعِينَ سَنَةً . قَالُوا : فَمَا نَحْتَذِي ؟ قَالَ : لَا يَنْقَطِعُ لِأَحَدِكُمْ شِسْعٌ أَرْبَعِينَ سَنَةً . قَالُوا : فَإِنْ يُولَدْ فِينَا أَوْلَادٌ ، فَمَا نَكْسُوهُمْ ؟ قَالَ : ثَوْبُ الصَّغِيرِ يَشِبُّ مَعَهُ . قَالُوا : فَمِنْ أَيْنَ لَنَا الْمَاءُ ؟ قَالَ : يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ . قَالُوا : فَمِنْ أَيْنَ ؟ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ لَنَا مِنَ الْحَجَرِ ! فَأَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُوسَى (نبي)أَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ . قَالُوا : فَمَا نُبْصِرُ ! تَغْشَانَا الظُّلْمَةُ ! فَضَرَبَ لَهُمْ عَمُودًا مِنْ نُورٍ فِي وَسَطِ عَسْكَرِهِمْ ، أَضَاءَ عَسْكَرَهُمْ كُلَّهُ ، قَالُوا : فَبِمَ نَسْتَظِلُّ ؟ فَإِنَّ الشَّمْسَ عَلَيْنَا شَدِيدَةٌ ! قَالَ : يُظِلُّكُمُ اللَّهُ بِالْغَمَامِ .
996 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ هَارُونَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَمَّادٍ ، عَنْ أَسْبَاطٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ .
997 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ : خُلِقَ لَهُمْ فِي التِّيهِ ثِيَابٌ لَا تَخْلُقُ [2/101]وَلَا تَدْرَنُ . قَالَ ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : إِنْ أَخَذَ الرَّجُلُ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى فَوْقَ طَعَامِ يَوْمٍ فَسَدَ ، إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ طَعَامَ يَوْمِ السَّبْتِ ، فَلَا يُصْبِحُ فَاسِدًا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ
وَهَذَا مِمَّا اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ ظَاهِرِهِ عَلَى مَا تُرِكَ مِنْهُ . وَذَلِكَ أَنَّ تَأْوِيلَ الْآيَةِ : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ، وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ، وَقُلْنَا لَكُمْ : كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ . فَتُرِكَ ذِكْرُ قَوْلِهِ : " وَقُلْنَا لَكُمْ " ، لِمَا بَيَّنَّا مِنْ دَلَالَةِ الظَّاهِرِ فِي الْخِطَابِ عَلَيْهِ . وَعَنَى جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ : كُلُوا مِنْ شَهِيَّاتِ رِزْقِنَا الَّذِي رَزَقْنَاكُمُوهُ . وَقَدْ قِيلَ عَنَى بِقَوْلِهِ : مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ : مِنْ حَلَالِهِ الَّذِي أَبَحْنَاهُ لَكُمْ فَجَعَلْنَاهُ لَكُمْ رِزْقًا .
وَالْأَوَّلُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى بِالتَّأْوِيلِ ، لِأَنَّهُ وَصَفَ مَا كَانَ الْقَوْمُ فِيهِ مِنْ هَنِيءِ الْعَيْشِ الَّذِي أَعْطَاهُمْ ، فَوَصْفُ ذَلِكَ بِ " الطَّيِّبِ " ، الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى اللَّذَّةِ ، أَحْرَى مِنْ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ حَلَالٌ مُبَاحٌ .
وَ " مَا " الَّتِي مَعَ " رَزَقْنَاكُمْ " ، بِمَعْنَى " الَّذِي " . كَأَنَّهُ قِيلَ : كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ الرِّزْقِ الَّذِي رَزَقْنَاكُمُوهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 )
وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الَّذِي اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ ظَاهِرِهِ عَلَى مَا تُرِكَ مِنْهُ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى [2/102]الْكَلَامِ : كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ . فَخَالَفُوا مَا أَمَرْنَاهُمْ بِهِ وَعَصَوْا رَبَّهُمْ ، ثُمَّ رَسُولَنَا إِلَيْهِمْ ، وَ " مَا ظَلَمُونَا " ، فَاكْتَفَى بِمَا ظَهَرَ عَمَّا تَرَكَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَا ظَلَمُونَا ) يَقُولُ : وَمَا ظَلَمُونَا بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ وَمَعْصِيَتِهِمْ ، وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( وَمَا ظَلَمُونَا ) ، وَمَا وَضَعُوا فِعْلَهُمْ ذَلِكَ وَعِصْيَانَهُمْ إِيَّانَا مَوْضِعَ مَضَرَّةٍ عَلَيْنَا وَمَنْقَصَةٍ لَنَا ، وَلَكِنَّهُمْ وَضَعُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَوْضِعَ مَضَرَّةٍ عَلَيْهَا وَمَنْقَصَةٍ لَهَا . كَمَا : -
999 - حَدَّثَنَا عَنِ الْمِنْجَابِ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ قَالَ : يَضُرُّونَ .
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى ، عَلَى أَنَّ أَصْلَ " الظُّلْمِ " : وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ - بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَكَذَلِكَ رَبُّنَا جَلَّ ذِكْرُهُ ، لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ عَاصٍ ، وَلَا يَتَحَيَّفُ خَزَائِنَهُ ظُلْمُ ظَالِمٍ ، وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مُطِيعٍ ، وَلَا يَزِيدُ فِي مِلْكِهِ عَدْلُ عَادِلٍ ، بَلْ نَفْسَهُ يَظْلِمُ الظَّالِمُ ، وَحَظَّهَا يَبْخَسُ الْعَاصِيَ ، وَإِيَّاهَا يَنْفَعُ الْمُطِيعُ ، وَحَظَّهَا يُصِيبُ الْعَادِلُ .
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ : ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ . فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ : ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ، وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ - وَعَدَّدَ عَلَيْهِمْ سَائِرَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ - لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ .
وَ " الْغَمَامُ " جَمْعُ " غَمَامَةٍ " ، كَمَا السَّحَابُ جَمْعُ سَحَابَةٍ ، " وَالْغَمَامُ " هُوَ مَا غَمَّ السَّمَاءَ فَأَلْبَسَهَا مِنْ سَحَابٍ وَقَتَامٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتُرُهَا عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ . وَكُلُّ مُغَطَّى فَالْعَرَبُ تُسَمِّيهِ مَغْمُومًا .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْغَمَامَ الَّتِي ظَلَّلَهَا اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ تَكُنْ سَحَابًا .
962 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ، قَالَ : لَيْسَ بِالسَّحَابِ .
963 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ، قَالَ : لَيْسَ بِالسَّحَابِ ، هُوَ الْغَمَامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا لَهُمْ .
964 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ، قَالَ : هُوَ بِمَنْزِلَةِ السَّحَابِ .
965 - وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ [2/91]، قَالَ : هُوَ غَمَامٌ أَبْرَدُ مِنْ هَذَا وَأَطْيَبُ ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي قَوْلِهِ : فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [ الْبَقَرَةِ : 210 ] ، وَهُوَ الَّذِي جَاءَتْ فِيهِ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَكَانَ مَعَهُمْ فِي التِّيهِ .
وَإِذْ كَانَ مَعْنَى الْغَمَامُ مَا وَصَفْنَا ، مِمَّا غَمَّ السَّمَاءَ مِنْ شَيْءٍ يُغَطِّي وَجْهَهَا عَنِ النَّاظِرِ إِلَيْهَا ، فَلَيْسَ الَّذِي ظَلَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ - فَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ كَانَ غَمَامًا - بِأَوْلَى ، بِوَصْفِهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ سَحَابًا ، مِنْهُ بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا أَلْبَسَ وَجْهَ السَّمَاءِ مِنْ شَيْءٍ .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ مَا ابْيَضَّ مِنَ السَّحَابِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ " الْمَنِّ " . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : -
966 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ ، قَالَ : الْمَنُّ صَمْغَةٌ .
967 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ [2/92]أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
968 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَأَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ، يَقُولُ : كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الثَّلْجِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ شَرَابٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
969 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ : الْمَنُّ ، شَرَابٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الْعَسَلِ ، فَيَمْزُجُونَهُ بِالْمَاءِ ، ثُمَّ يَشْرَبُونَهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الْمَنُّ " ، عَسَلٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
970 - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : الْمَنُّ : عَسَلٌ كَانَ يَنْزِلُ لَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ .
971 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : عَسَلُكُمْ هَذَا جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ الْمَنِّ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الْمَنُّ " الْخُبْزُ الرُّقَاقُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
972 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ : سَمِعْتُ وَهْبًا - وَسُئِلَ : مَا الْمَنُّ ؟ قَالَ : خُبْزُ الرُّقَاقِ ، مِثْلُ الذَّرَّةِ ، وَمِثْلُ النَّقِيِّ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الْمَنُّ " ، الزَّنْجَبِيلُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
[2/93]973 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : الْمَنُّ كَانَ يَسْقُطُ عَلَى شَجَرِ الزَّنْجَبِيلِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : " الْمَنُّ " ، هُوَ الَّذِي يَسْقُطُ عَلَى الشَّجَرِ الَّذِي يَأْكُلُهُ النَّاسُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
974 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدْثَتَيْ حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَى شَجَرِهِمْ ، فَيَغْدُونَ عَلَيْهِ ، فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ مَا شَاءُوا .
975 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ عَامِرٍ فِي قَوْلِهِ : وَأَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ ، قَالَ : الْمَنُّ : الَّذِي يَقَعُ عَلَى الشَّجَرِ .
976 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( الْمَنُّ ) ، قَالَ : الْمَنُّ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الشَّجَرِ فَتَأْكُلُهُ النَّاسُ .
977 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : الْمَنُّ ، هَذَا الَّذِي يَقَعُ عَلَى الشَّجَرِ .
وَقَدْ قِيلَ . إِنَّ " الْمَنَّ " ، هُوَ التَّرَنْجَبِينُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمُ : " الْمَنُّ " ، هُوَ الَّذِي يَسْقُطُ عَلَى الثُّمَامِ وَالْعُشَرِ ، وَهُوَ حُلْوٌ كَالْعَسَلِ ، وَإِيَّاهُ عَنَى الْأَعْشَى - مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ - بِقَوْلِهِ :
[2/94]لَوْ أُطْعِمُوا الْمَنَّ وَالسَّلْوَى مَكَانَهُمُ مَا أَبْصَرَ النَّاسُ طُعْمًا فِيهِمُ نَجَعَا
وَتَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
978 - " الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ " .
وَقَالَ بَعْضُهُمُ : " الْمَنُّ " ، شَرَابٌ حُلْوٌ كَانُوا يَطْبُخُونَهُ فَيَشْرَبُونَهُ .
وَأَمَّا أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ ، فَإِنَّهُ جَعَلَهُ فِي شِعْرِهِ عَسَلًا فَقَالَ يَصِفُ أَمْرَهُمْ فِي التِّيهِ وَمَا رُزِقُوا فِيهِ :
فَرَأَى اللَّهُ أَنَّهُمْ بِمَضِيعٍ لَا بِذِي مَزْرَعٍ وَلَا مَعْمُورَا [2/95]فَنَسَاهَا عَلَيْهِمْ غَادِيَاتٍ وَمَرَى مُزْنَهُمْ خَلَايَا وَخُورَا عَسَلًا نَاطِفًا وَمَاءً فُرَاتَا وَحَلِيبًا ذَا بَهْجَةٍ مَثْمُورَا
الْمَثْمُورُ : الصَّافِي مِنَ اللَّبَنِ . فَجَعَلَ الْمَنَّ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ عَسَلًا نَاطِفًا ، وَالنَّاطِفُ : هُوَ الْقَاطِرُ .
[2/96]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَالسَّلْوَى
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَ " السَّلْوَى " اسْمُ طَائِرٍ يُشْبِهُ السُّمَانَى ، وَاحِدُهُ وَجِمَاعُهُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، كَذَلِكَ السُّمَانَى لَفْظُ جِمَاعِهَا وَوَاحِدِهَا سَوَاءٌ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ وَاحِدَةَ السَّلْوَى سَلْوَاةٌ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
979 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : السَّلْوَى طَيْرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى .
980 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : كَانَ طَيْرًا أَكْبَرَ مِنَ السُّمَانَى .
981 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : السَّلْوَى : طَائِرٌ كَانَتْ تَحْشُرُهَا عَلَيْهِمُ الرِّيحُ الْجَنُوبُ .
982 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : السَّلْوَى : طَائِرٌ .
983 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : السَّلْوَى طَيْرٌ .
984 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ : سَمِعْتُ وَهْبًا - وَسُئِلَ : مَا السَّلْوَى ؟ فَقَالَ : طَيْرٌ سَمِينٌ مِثْلُ الْحَمَامِ .
[2/97]985 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : السَّلْوَى طَيْرٌ .
986 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : السَّلْوَى كَانَ طَيْرًا يَأْتِيهِمْ مِثْلَ السُّمَانَى .
987 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحِمَّانِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، قَالَ : السَّلْوَى السُّمَانَى .
988 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : السَّلْوَى ، هُوَ السُّمَانَى .
989 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : السَّلْوَى السُّمَانَى .
990 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ ، عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : السُّمَانَى هُوَ السَّلْوَى .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا سَبَبُ تَظْلِيلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْغَمَامَ ، وَإِنْزَالِهِ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ ؟
قِيلَ : قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ . وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ مَا حَضَرَنَا مِنْهُ : -
991 - فَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ : لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَى قَوْمِ مُوسَى ، (نبي)وَأَحْيَا السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مُوسَى (نبي)بَعْدَ مَا أَمَاتَهُمْ ، أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِالسَّيْرِ إِلَى أَرِيحَا ، وَهِيَ أَرْضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (مكان). فَسَارُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْهَا بَعَثَ مُوسَى (نبي)اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا . فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ وَأَمْرِ الْجَبَّارِينَ وَأَمْرِ قَوْمِ مُوسَى ، (نبي)مَا قَدْ قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ . [2/98]فَقَالَ قَوْمُ مُوسَى (نبي)لِمُوسَى (نبي): فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ . فَغَضِبَ مُوسَى (نبي)فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ : رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . فَكَانَتْ عَجَلَةً مِنْ مُوسَى (نبي)عَجِلَهَا ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ . فَلَمَّا ضُرِبَ عَلَيْهِمُ التِّيهُ ، نَدِمَ مُوسَى (نبي)، وَأَتَاهُ قَوْمُهُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ يُطِيعُونَهُ فَقَالُوا لَهُ : مَا صَنَعْتَ بِنَا يَا مُوسَى (نبي)؟ فَلَمَّا نَدِمَ ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : أَنْ لَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ - أَيْ لَا تَحْزَنُ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ سَمَّيْتَهُمْ فَاسِقِينَ - فَلَمْ يَحْزَنْ ، فَقَالُوا : يَا مُوسَى (نبي)كَيْفَ لَنَا بِمَاءٍ هَاهُنَا ؟ أَيْنَ الطَّعَامُ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ - فَكَانَ يَسْقُطُ عَلَى شَجَرِ التَّرَنْجَبِينِ - وَالسَّلْوَى وَهُوَ طَيْرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى فَكَانَ يَأْتِي أَحَدُهُمْ فَيَنْظُرُ إِلَى الطَّيْرِ ، إِنْ كَانَ سَمِينًا ذَبَحَهُ وَإِلَّا أَرْسَلَهُ ، فَإِذَا سَمِنَ أَتَاهُ . فَقَالُوا : هَذَا الطَّعَامُ ، فَأَيْنَ الشَّرَابُ ؟ فَأُمِرَ مُوسَى (نبي)فَضَرَبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ، فَشَرِبَ كُلُّ سِبْطٍ مِنْ عَيْنٍ . فَقَالُوا : هَذَا الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ ؟ فَأَيْنَ الظِّلُّ ؟ فَظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامُ . فَقَالُوا : هَذَا الظِّلُّ ، فَأَيْنَ اللِّبَاسُ ؟ فَكَانَتْ ثِيَابُهُمْ تَطُولُ مَعَهُمْ كَمَا تَطُولُ الصِّبْيَانُ ، وَلَا يَتَخَرَّقُ لَهُمْ ثَوْبٌ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْـزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَقَوْلُهُ : وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ . [ الْبَقَرَةِ : 60 ] .
992 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَأَمَرَ مُوسَى (نبي)أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ السَّيْفَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ ، أَمْرَ مُوسَى (نبي)أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، وَقَالَ : إِنِّي قَدْ كَتَبْتُهَا لَكُمْ دَارًا وَقَرَارًا وَمَنْزِلًا فَاخْرُجْ إِلَيْهَا ، وَجَاهِدْ مَنْ فِيهَا مِنَ الْعَدُوِّ ، فَإِنِّي نَاصِرُكُمْ [2/99]عَلَيْهِمْ . فَسَارَ بِهِمْ مُوسَى (نبي)إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . حَتَّى إِذَا نَزَلَ التِّيهَ - بَيْنَ مِصْرَ (مكان)وَالشَّامِ ، (مكان)وَهِيَ أَرْضٌ لَيْسَ فِيهَا خَمَرٌ وَلَا ظِلٌّ - دَعَا مُوسَى (نبي)رَبَّهُ حِينَ آذَاهُمُ الْحَرُّ ، فَظَلَّلَ عَلَيْهِمْ بِالْغَمَامِ ; وَدَعَا لَهُمْ بِالرِّزْقِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ لَهُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى .
993 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبَى جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ -
994 - وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلُهُ : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ، قَالَ : ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ فِي التِّيهِ ، تَاهُوا فِي خَمْسَةِ فَرَاسِخَ أَوْ سِتَّةٍ ، كُلَّمَا أَصْبَحُوا سَارُوا غَادِينَ ، فَأَمْسَوْا فَإِذَا هُمْ فِي مَكَانِهِمُ الَّذِي ارْتَحَلُوا مِنْهُ . فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ أَرْبَعُونَ سَنَةً . قَالَ : وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى ، وَلَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ . وَمَعَهُمْ حَجَرٌ مِنْ حِجَارَةِ الطَّوْرِ يَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ ، فَإِذَا نَزَلُوا ضَرَبَهُ مُوسَى (نبي)بِعَصَاهُ ، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا .
995 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ ، سَمِعْتُ وَهْبًا يَقُولُ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ - لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ - شَكَوَا إِلَى مُوسَى (نبي)فَقَالُوا : مَا نَأْكُلُ ؟ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ سَيَأْتِيكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ . قَالُوا : مِنْ أَيْنَ لَنَا ؟ إِلَّا أَنْ يُمْطِرَ عَلَيْنَا خُبْزًا ! قَالَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ سَيُنْزِلُ عَلَيْكُمْ خُبْزًا مَخْبُوزًا . فَكَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْمَنُّ - سُئِلَ وَهْبٌ : مَا الْمَنُّ ؟ قَالَ : خُبْزُ الرُّقَاقِ مِثْلُ الذَّرَّةِ أَوْ [2/100]مِثْلُ النَّقِيِّ - قَالُوا : وَمَا نَأْتَدِمُ ؟ وَهَلْ بُدٌّ لَنَا مِنْ لَحْمٍ ؟ قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِيكُمْ بِهِ . فَقَالُوا : مِنْ أَيْنَ لَنَا ؟ إِلَّا أَنْ تَأْتِينَا بِهِ الرِّيحُ ! قَالَ : فَإِنَّ الرِّيحَ تَأْتِيكُمْ بِهِ . فَكَانَتِ الرِّيحُ تَأْتِيهِمْ بِالسَّلْوَى - فَسُئِلَ وَهْبٌ : مَا السَّلْوَى ؟ قَالَ : طَيْرٌ سَمِينٌ مِثْلُ الْحَمَامِ ، كَانَتْ تَأْتِيهِمْ فَيَأْخُذُونَ مِنْهُ مِنْ سَبْتٍ إِلَى سَبْتٍ - قَالُوا : فَمَا نَلْبِسُ ؟ قَالَ : لَا يَخْلُقُ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ ثَوْبٌ أَرْبَعِينَ سَنَةً . قَالُوا : فَمَا نَحْتَذِي ؟ قَالَ : لَا يَنْقَطِعُ لِأَحَدِكُمْ شِسْعٌ أَرْبَعِينَ سَنَةً . قَالُوا : فَإِنْ يُولَدْ فِينَا أَوْلَادٌ ، فَمَا نَكْسُوهُمْ ؟ قَالَ : ثَوْبُ الصَّغِيرِ يَشِبُّ مَعَهُ . قَالُوا : فَمِنْ أَيْنَ لَنَا الْمَاءُ ؟ قَالَ : يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ . قَالُوا : فَمِنْ أَيْنَ ؟ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ لَنَا مِنَ الْحَجَرِ ! فَأَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُوسَى (نبي)أَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ . قَالُوا : فَمَا نُبْصِرُ ! تَغْشَانَا الظُّلْمَةُ ! فَضَرَبَ لَهُمْ عَمُودًا مِنْ نُورٍ فِي وَسَطِ عَسْكَرِهِمْ ، أَضَاءَ عَسْكَرَهُمْ كُلَّهُ ، قَالُوا : فَبِمَ نَسْتَظِلُّ ؟ فَإِنَّ الشَّمْسَ عَلَيْنَا شَدِيدَةٌ ! قَالَ : يُظِلُّكُمُ اللَّهُ بِالْغَمَامِ .
996 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ هَارُونَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَمَّادٍ ، عَنْ أَسْبَاطٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ .
997 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ : خُلِقَ لَهُمْ فِي التِّيهِ ثِيَابٌ لَا تَخْلُقُ [2/101]وَلَا تَدْرَنُ . قَالَ ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : إِنْ أَخَذَ الرَّجُلُ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى فَوْقَ طَعَامِ يَوْمٍ فَسَدَ ، إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ طَعَامَ يَوْمِ السَّبْتِ ، فَلَا يُصْبِحُ فَاسِدًا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ
وَهَذَا مِمَّا اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ ظَاهِرِهِ عَلَى مَا تُرِكَ مِنْهُ . وَذَلِكَ أَنَّ تَأْوِيلَ الْآيَةِ : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ، وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ، وَقُلْنَا لَكُمْ : كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ . فَتُرِكَ ذِكْرُ قَوْلِهِ : " وَقُلْنَا لَكُمْ " ، لِمَا بَيَّنَّا مِنْ دَلَالَةِ الظَّاهِرِ فِي الْخِطَابِ عَلَيْهِ . وَعَنَى جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ : كُلُوا مِنْ شَهِيَّاتِ رِزْقِنَا الَّذِي رَزَقْنَاكُمُوهُ . وَقَدْ قِيلَ عَنَى بِقَوْلِهِ : مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ : مِنْ حَلَالِهِ الَّذِي أَبَحْنَاهُ لَكُمْ فَجَعَلْنَاهُ لَكُمْ رِزْقًا .
وَالْأَوَّلُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى بِالتَّأْوِيلِ ، لِأَنَّهُ وَصَفَ مَا كَانَ الْقَوْمُ فِيهِ مِنْ هَنِيءِ الْعَيْشِ الَّذِي أَعْطَاهُمْ ، فَوَصْفُ ذَلِكَ بِ " الطَّيِّبِ " ، الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى اللَّذَّةِ ، أَحْرَى مِنْ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ حَلَالٌ مُبَاحٌ .
وَ " مَا " الَّتِي مَعَ " رَزَقْنَاكُمْ " ، بِمَعْنَى " الَّذِي " . كَأَنَّهُ قِيلَ : كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ الرِّزْقِ الَّذِي رَزَقْنَاكُمُوهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 57 )
وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الَّذِي اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ ظَاهِرِهِ عَلَى مَا تُرِكَ مِنْهُ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى [2/102]الْكَلَامِ : كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ . فَخَالَفُوا مَا أَمَرْنَاهُمْ بِهِ وَعَصَوْا رَبَّهُمْ ، ثُمَّ رَسُولَنَا إِلَيْهِمْ ، وَ " مَا ظَلَمُونَا " ، فَاكْتَفَى بِمَا ظَهَرَ عَمَّا تَرَكَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَا ظَلَمُونَا ) يَقُولُ : وَمَا ظَلَمُونَا بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ وَمَعْصِيَتِهِمْ ، وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( وَمَا ظَلَمُونَا ) ، وَمَا وَضَعُوا فِعْلَهُمْ ذَلِكَ وَعِصْيَانَهُمْ إِيَّانَا مَوْضِعَ مَضَرَّةٍ عَلَيْنَا وَمَنْقَصَةٍ لَنَا ، وَلَكِنَّهُمْ وَضَعُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَوْضِعَ مَضَرَّةٍ عَلَيْهَا وَمَنْقَصَةٍ لَهَا . كَمَا : -
999 - حَدَّثَنَا عَنِ الْمِنْجَابِ قَالَ ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ قَالَ : يَضُرُّونَ .
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى ، عَلَى أَنَّ أَصْلَ " الظُّلْمِ " : وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ - بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَكَذَلِكَ رَبُّنَا جَلَّ ذِكْرُهُ ، لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ عَاصٍ ، وَلَا يَتَحَيَّفُ خَزَائِنَهُ ظُلْمُ ظَالِمٍ ، وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مُطِيعٍ ، وَلَا يَزِيدُ فِي مِلْكِهِ عَدْلُ عَادِلٍ ، بَلْ نَفْسَهُ يَظْلِمُ الظَّالِمُ ، وَحَظَّهَا يَبْخَسُ الْعَاصِيَ ، وَإِيَّاهَا يَنْفَعُ الْمُطِيعُ ، وَحَظَّهَا يُصِيبُ الْعَادِلُ .