النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذْ وَاعَدْنَا ( 51 ) )
اخْتَلَفَتِ الْقِرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : ( وَاعَدْنَا ) بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاعَدَ مُوسَى (نبي)مُوَافَاةَ الطَّوْرِ (مكان)لِمُنَاجَاتِهِ ، فَكَانَتِ الْمُوَاعَدَةُ مِنَ اللَّهِ لِمُوسَى (نبي)، وَمِنْ مُوسَى (نبي)لِرَبِّهِ . وَكَانَ مِنْ حُجَّتِهِمْ عَلَى اخْتِيَارِهِمْ قِرَاءَةَ ( وَاعَدْنَا ) عَلَى " وَعَدْنَا " أَنْ قَالُوا : كُلُّ اتِّعَادٍ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِلِالْتِقَاءِ وَالِاجْتِمَاعِ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا [2/59]مُوَاعِدٌ صَاحِبَهُ ذَلِكَ . فَلِذَلِكَ - زَعَمُوا - وَجَبَ أَنْ يُقْضَى لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ( وَاعَدْنَا ) بِالِاخْتِيَارِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ " وَعَدْنَا " .
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : " وَعَدْنَا " بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ الْوَاعِدُ وَالْمُنْفَرِدُ بِالْوَعْدِ دُونَهُ . وَكَانَ مِنْ حُجَّتِهِمْ فِي اخْتِيَارِهِمْ ذَلِكَ أَنْ قَالُوا : إِنَّمَا تَكُونُ الْمُوَاعَدَةُ بَيْنَ الْبَشَرِ ، فَأَمَّا اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، فَإِنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فِي كُلِّ خَيْرٍ وَشَرٍّ . قَالُوا : وَبِذَلِكَ جَاءَ التَّنْزِيلُ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [ إِبْرَاهِيمَ : 22 ] وَقَالَ : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ [ الْأَنْفَالِ : 7 ] . قَالُوا : فَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْوَعْدِ فِي قَوْلِهِ : " وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى " .
وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ : أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ جَاءَتْ بِهِمَا الْأُمَّةُ وَقَرَأَتْ بِهِمَا الْقَرَأَةُ ، وَلَيْسَ فِي الْقِرَاءَةِ بِإِحْدَاهُمَا إِبْطَالُ مَعْنَى الْأُخْرَى ، وَإِنْ كَانَ فِي إِحْدَاهُمَا زِيَادَةُ مَعْنَى عَلَى الْأُخْرَى مِنْ جِهَةِ الظَّاهِرِ وَالتِّلَاوَةِ . فَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ بِهِمَا فَهُمَا مُتَّفِقَتَانِ . وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ شَخْصٍ أَنَّهُ وَعَدَ غَيْرَهُ اللِّقَاءَ بِمَوْضِعٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَوْعُودَ ذَلِكَ وَاعِدٌ صَاحِبَهُ مِنْ لِقَائِهِ بِذَلِكَ الْمَكَانِ ، مِثْلَ الَّذِي وَعَدَهُ مِنْ ذَلِكَ صَاحِبُهُ ، إِذَا كَانَ وَعْدُهُ مَا وَعَدَهُ إِيَّاهُ مِنْ ذَلِكَ عَنِ اتِّفَاقٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُوسَى (نبي)صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمْ يَعِدْهُ رَبُّهُ الطَّوْرَ إِلَّا عَنْ رِضَا مُوسَى (نبي)بِذَلِكَ ، إِذْ كَانَ مُوسَى (نبي)غَيْرَ مَشْكُوكٍ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ بِكُلِّ مَا أَمَرَّ اللَّهُ بِهِ رَاضِيًا ، وَإِلَى مَحَبَّتِهِ فِيهِ مُسَارِعًا . وَمَعْقُولٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَعِدْ مُوسَى (نبي)ذَلِكَ ، إِلَّا وَمُوسَى (نبي)إِلَيْهِ مُسْتَجِيبٌ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ قَدْ كَانَ وَعَدَ مُوسَى (نبي)الطَّوْرَ ، وَوَعَدَهُ مُوسَى (نبي)اللِّقَاءَ . فَكَانَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ لِمُوسَى (نبي)وَاعِدًا مُوَاعِدًا [2/60]لَهُ الْمُنَاجَاةَ عَلَى الطَّوْرِ (مكان)، وَكَانَ مُوسَى (نبي)وَاعِدًا لِرَبِّهِ مُوَاعِدًا لَهُ اللِّقَاءَ . فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ مِنْ " وَعَدَ " وَ " وَاعَدَ " قَرَأَ الْقَارِئُ ، فَهُوَ لِلْحَقِّ فِي ذَلِكَ - مِنْ جِهَةِ التَّأْوِيلِ وَاللُّغَةِ - مُصِيبٌ ، لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلَلِ قَبْلُ .
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ الْقَائِلِ : إِنَّمَا تَكُونُ الْمُوَاعَدَةُ بَيْنَ الْبَشَرِ ، وَأَنَّ اللَّهَ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ مُنْفَرِدٌ فِي كُلِّ خَيْرٍ وَشَرٍّ . وَذَلِكَ أَنَّ انْفِرَادَ اللَّهِ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَالنَّفْعِ وَالضُّرِّ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ وَإِلَيْهِ دُونَ سَائِرِ خَلْقِهِ - لَا يُحِيلُ الْكَلَامُ الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ إِيَّاهُ عَنْ وُجُوهِهِ ، وَلَا يُغَيِّرُهُ عَنْ مَعَانِيهِ . وَالْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ مِنَ الْكَلَامِ الْمَفْهُومِ مَا وَصَفْنَا : مِنْ أَنَّ كُلَّ اتِّعَادٍ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، فَهُوَ وَعْدٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ ، وَمُوَاعَدَةٌ بَيْنَهُمَا ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاعَدَ صَاحِبَهُ مُوَاعِدٌ ، وَأَنَّ الْوَعْدَ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الِانْفِرَادُ مِنَ الْوَاعِدِ دُونَ الْمَوْعُودِ ، إِنَّمَا هُوَ مَا كَانَ بِمَعْنَى " الْوَعْدِ " الَّذِي هُوَ خِلَافُ " الْوَعِيدِ " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( مُوسَى )
وَمُوسَى (نبي)- فِيمَا بَلَغَنَا - بِالْقِبْطِيَّةِ كَلِمَتَانِ ، يُعْنَى بِهِمَا : مَاءٌ وَشَجَرٌ . " فَمُو " ، هُوَ الْمَاءُ ، وَ " شَا " هُوَ الشَّجَرُ . وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ - فِيمَا بَلَغَنَا - لِأَنَّ أُمَّهُ لَمَّا جَعَلَتْهُ فِي التَّابُوتِ - حِينَ خَافَتْ عَلَيْهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَأَلْقَتْهُ فِي الْيَمِّ ، كَمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا ، وَقِيلَ : إِنَّ الْيَمَّ الَّذِي أَلْقَتْهُ فِيهِ هُوَ النِّيلُ (مكان)- دَفَعَتْهُ أَمْوَاجُ الْيَمِّ حَتَّى أَدْخَلَتْهُ بَيْنَ أَشْجَارٍ عِنْدَ بَيْتِ فِرْعَوْنَ ، فَخَرَجَ جِوَارِي آسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ يَغْتَسِلْنَ ، فَوَجَدْنَ [2/61]التَّابُوتَ فَأَخَذْنَهُ ، فَسُمِّيَ بِاسْمِ الْمَكَانِ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ ، كَانَ ذَلِكَ بِمَكَانٍ فِيهِ مَاءٌ وَشَجَرٌ ، فَقِيلَ : مُوسَى ، (نبي)مَاءٌ وَشَجَرٌ . كَذَلِكَ : -
912 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قَاهِثَ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ إِسْرَائِيلِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ (نبي)، فِيمَا زَعَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ .
913 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
وَمَعْنَى ذَلِكَ : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى (نبي)أَرْبَعِينَ لَيْلَةً بِتَمَامِهَا . فَالْأَرْبَعُونَ لَيْلَةً كُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمِيعَادِ .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان)أَنَّ مَعْنَاهُ : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى (نبي)انْقِضَاءَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، أَيْ رَأْسَ الْأَرْبَعِينَ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [ يُوسُفَ : 82 ] وَبِقَوْلِهِمُ : " الْيَوْمَ أَرْبَعُونَ مُنْذُ خَرَجَ فُلَانٌ " ، " وَالْيَوْمَ يَوْمَانِ " . أَيِ الْيَوْمَ تَمَامُ يَوْمَيْنِ ، وَتَمَامُ أَرْبَعِينَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَذَلِكَ خِلَافُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ، وَخِلَافُ ظَاهِرِ التِّلَاوَةِ . فَأَمَّا ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ وَاعَدَ مُوسَى (نبي)أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ إِحَالَةُ ظَاهِرِ خَبَرِهِ إِلَى بَاطِنٍ ، بِغَيْرِ بُرْهَانٍ دَالٍّ عَلَى صِحَّتِهِ .
[2/62]وَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي ذَلِكَ مَا أَنَا ذَاكِرُهُ ، وَهُوَ مَا : -
914 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَوْلُهُ : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، قَالَ : يَعْنِي ذَا الْقِعْدَةِ وَعَشْرًا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ . وَذَلِكَ حِينَ خَلَّفَ مُوسَى (نبي)أَصْحَابَهُ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ هَارُونَ (نبي)، فَمَكَثَ عَلَى الطَّوْرِ (مكان)أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ فِي الْأَلْوَاحِ - وَكَانَتِ الْأَلْوَاحُ مِنْ بُرَدٍ - فَقَرَّبَهُ الرَّبُّ إِلَيْهِ نَجِيًّا ، وَكَلَّمَهُ ، وَسَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ . وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ حَدَثًا فِي الْأَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى هَبَطَ مِنَ الطَّوْرِ .
915 - وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، بِنَحْوِهِ .
916 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : وَعَدَ اللَّهُ مُوسَى (نبي)- حِينَ أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ ، وَنَجَّاهُ وَقَوْمَهُ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ، ثُمَّ أَتَمَّهَا بِعَشْرٍ ، فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، يَلْقَاهُ رَبُّهُ فِيهَا مَا شَاءَ . وَاسْتَخْلَفَ مُوسَى (نبي)هَارُونَ (نبي)عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَقَالَ : إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى رَبِّي فَاخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ . فَخَرَجَ مُوسَى (نبي)إِلَى رَبِّهِ مُتَعَجِّلًا لِلُقِيِّهِ شَوْقًا إِلَيْهِ ، وَأَقَامَ هَارُونُ (نبي)فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَعَهُ السَّامِرِيُّ يَسِيرُ بِهِمْ عَلَى أَثَرِ مُوسَى (نبي)لِيُلْحِقَهُمْ بِهِ .
917 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا [2/63]أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : انْطَلَقَ مُوسَى (نبي)وَاسْتَخْلَفَ هَارُونَ (نبي)عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَوَاعَدَهُمْ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ، وَأَتَمَّهَا اللَّهُ بِعَشْرٍ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ( 51 )
وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ ، ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ فِي أَيَّامِ مُوَاعَدَةِ مُوسَى (نبي)الْعِجْلَ إِلَهًا ، مِنْ بَعْدِ أَنْ فَارَقَكُمْ مُوسَى (نبي)مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَوْعِدِ . وَ " الْهَاءُ " فِي قَوْلِهِ " مِنْ بَعْدِهِ " عَائِدَةٌ عَلَى ذِكْرِ مُوسَى (نبي).
فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُخَالِفِينَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، الْمُكَذِّبِينَ بِهِ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ - عَنْ فِعْلِ آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُمْ ، وَخِلَافِهِمْ أَنْبِيَاءَهُمْ ، مَعَ تَتَابُعِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ ، وَشُيُوعِ آلَائِهِ لَدَيْهِمْ ، مُعَرِّفَهُمْ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ - مِنْ خِلَافِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكْذِيبِهِمْ بِهِ ، وَجُحُودِهِمْ لِرِسَالَتِهِ ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ - عَلَى مِثْلِ مِنْهَاجِ آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ ، وَمُحَذِّرَهُمْ مِنْ نُزُولِ سَطْوَتِهِ بِهِمْ بِمُقَامِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ مَا نَزَلَ بِأَوَائِلِهِمُ الْمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ : مِنَ الْمَسْخِ وَاللَّعْنِ وَأَنْوَاعِ النَّقَمَاتِ .
وَكَانَ سَبَبُ اتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ ، مَا : -
918 - حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ الرَّمَادِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا هَجَمَ فِرْعَوْنُ عَلَى الْبَحْرِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ، وَكَانَ فِرْعَوْنُ عَلَى فَرَسٍ أَدْهَمَ [2/64]ذَنُوبٍ حَصَانٍ ، فَلَمَّا هَجَمَ عَلَى الْبَحْرِ ، هَابَ الْحِصَانُ أَنْ يَقْتَحِمَ فِي الْبَحْرِ ، فَتَمَثَّلَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى وَدِيقٍ ، فَلَمَّا رَآهَا الْحِصَانُ تَقَحَّمَ خَلْفَهَا . قَالَ : وَعَرَفَ السَّامِرِيُّ جِبْرِيلَ ، لِأَنَّ أُمَّهُ حِينَ خَافَتْ أَنْ يُذْبَحَ خَلَّفَتْهُ فِي غَارٍ وَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِ ، فَكَانَ جِبْرِيلُ يَأْتِيهِ فَيَغْذُوهُ بِأَصَابِعِهِ ، فَيَجِدُ فِي بَعْضِ أَصَابِعِهِ لَبَنًا ، وَفِي الْأُخْرَى عَسَلًا وَفِي الْأُخْرَى سَمْنًا ، فَلَمْ يَزَلْ يَغْذُوهُ حَتَّى نَشَأَ . فَلَمَّا عَايَنَهُ فِي الْبَحْرِ عَرَفَهُ ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِهِ . قَالَ : أَخَذَ مِنْ تَحْتِ الْحَافِرِ قَبْضَةً . - قَالَ سُفْيَانُ : فَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَؤُهَا : " فَقَبَضَتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ " [ طَهَ : 96 ] .
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ قَالَ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَأُلْقِيَ فِي رَوْعِ السَّامِرِيِّ إِنَّكَ لَا تُلْقِيهَا عَلَى شَيْءٍ فَتَقُولُ : " كُنْ كَذَا وَكَذَا " إِلَّا كَانَ . فَلَمْ تَزَلِ الْقَبْضَةُ مَعَهُ فِي يَدِهِ حَتَّى جَاوَزَ الْبَحْرَ . فَلَمَّا جَاوَزَ مُوسَى (نبي)وَبَنُو إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ ، وَأَغْرَقَ اللَّهُ آلَ فِرْعَوْنَ ، قَالَ مُوسَى (نبي)لِأَخِيهِ هَارُونَ (نبي): اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ . وَمَضَى مُوسَى (نبي)لِمَوْعِدِ رَبِّهِ . قَالَ : وَكَانَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حُلِيٌّ مِنْ حُلِيِّ آلِ فِرْعَوْنَ قَدْ تَعَوَّرُوهُ ، فَكَأَنَّهُمْ تَأْثَّمُوا مِنْهُ ، فَأَخْرَجُوهُ لِتَنْزِلَ النَّارُ فَتَأْكُلَهُ . فَلَمَّا جَمَعُوهُ ، قَالَ السَّامِرِيُّ بِالْقَبْضَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِهِ هَكَذَا ، فَقَذَفَهَا فِيهِ - وَأَوْمَأَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِيَدِهِ هَكَذَا - وَقَالَ : كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ . فَصَارَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ، وَكَانَ تَدْخُلُ الرِّيحُ فِي دُبُرِهِ وَتَخْرُجُ مِنْ فِيهِ ، يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ ، فَقَالَ : هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى (نبي). فَعَكَفُوا عَلَى الْعِجْلِ يَعْبُدُونَهُ ، فَقَالَ هَارُونُ (نبي): يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ! قَالُوا : لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (نبي).
919 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا [2/65]أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ : لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ مُوسَى (نبي)أَنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ - يَعْنِي مِنْ أَرْضِ مِصْرَ (مكان)- أَمَرَ مُوسَى (نبي)بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَخْرُجُوا ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَعِيرُوا الْحُلِيَّ مِنَ الْقِبْطِ . فَلَمَّا نَجَّى اللَّهُ مُوسَى (نبي)وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْبَحْرِ ، وَغَرِقَ آلُ فِرْعَوْنَ ، أَتَى جِبْرِيلُ إِلَى مُوسَى (نبي)يَذْهَبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ . فَأَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ ، فَرَآهُ السَّامِرِيُّ فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ : إِنَّهُ فَرَسُ الْحَيَاةِ ! فَقَالَ حِينَ رَآهُ : إِنَّ لِهَذَا لَشَأْنًا . فَأَخَذَ مِنْ تُرْبَةِ الْحَافِرِ - حَافِرِ الْفَرَسِ - فَانْطَلَقَ مُوسَى (نبي)، وَاسْتَخْلَفَ هَارُونَ (نبي)عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَوَاعَدَهُمْ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ، وَأَتَمَّهَا اللَّهُ بِعَشْرٍ . فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ (نبي): يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، إِنَّ الْغَنِيمَةَ لَا تَحِلُّ لَكُمْ ، وَإِنَّ حُلِيَّ الْقِبْطِ إِنَّمَا هُوَ غَنِيمَةٌ ، فَاجْمَعُوهَا جَمِيعًا ، وَاحْفُرُوا لَهَا حُفْرَةً فَادْفِنُوهَا ، فَإِنْ جَاءَ مُوسَى (نبي)فَأَحَلَّهَا أَخَذْتُمُوهَا ، وَإِلَّا كَانَ شَيْئًا لَمْ تَأْكُلُوهُ . فَجَمَعُوا ذَلِكَ الْحُلِيَّ فِي تِلْكَ الْحُفْرَةِ ، وَجَاءَ السَّامِرِيُّ (نبي)بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ فَقَذَفَهَا ، فَأَخْرَجَ اللَّهُ مِنَ الْحُلِيِّ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ . وَعَدَّتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَوْعِدَ مُوسَى (نبي)، فَعَدُّوا اللَّيْلَةَ يَوْمًا وَالْيَوْمَ يَوْمًا ، فَلَمَّا كَانَ تَمَامُ الْعِشْرِينَ ، خَرَجَ لَهُمُ الْعِجْلُ . فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ : هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى (نبي)فَنَسِيَ - يَقُولُ : تَرَكَ مُوسَى إِلَهَهُ هَاهُنَا وَذَهَبَ يَطْلُبُهُ . فَعَكَفُوا عَلَيْهِ يَعْبُدُونَهُ ، وَكَانَ يَخُورُ وَيَمْشِي . فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ (نبي): يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ - يَقُولُ : إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ بِهِ ، يَقُولُ : بِالْعِجْلِ - وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ . فَأَقَامَ هَارُونُ (نبي)وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُقَاتِلُونَهُمْ ، وَانْطَلَقَ مُوسَى (نبي)إِلَى إِلَهِهِ يُكَلِّمُهُ ، فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ لَهُ : مَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (نبي)؟ قَالَ : هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى . قَالَ : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ . قَالَ مُوسَى (نبي); يَا رَبِّ هَذَا السَّامِرِيُّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا الْعِجْلَ ، أَرَأَيْتَ الرُّوحَ مَنْ نَفَخَهَا فِيهِ ؟ قَالَ الرَّبُّ : أَنَا . قَالَ : رَبِّ أَنْتَ إِذًا أَضْلَلْتَهُمْ .
920 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : كَانَ [2/66]- فِيمَا ذُكِرَ لِي - أَنَّ مُوسَى (نبي)قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ : اسْتَعِيرُوا مِنْهُمْ - يَعْنِي مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ - الْأَمْتِعَةَ وَالْحُلِيَّ وَالثِّيَابَ ، فَإِنِّي مُنَفِّلُكُمْ أَمْوَالَهُمْ مَعَ هَلَاكِهِمْ . فَلَمَّا أَذَّنَ فِرْعَوْنُ فِي النَّاسِ ، كَانَ مِمَّا يُحَرِّضُ بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ قَالَ : حِينَ سَارُوا لَمْ يَرْضُوا أَنْ خَرَجُوا بِأَنْفُسِهِمْ ، حَتَّى ذَهَبُوا بِأَمْوَالِكُمْ مَعَهُمْ ! .
921 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ السَّامِرِيُّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَاجَرْمَا ، وَكَانَ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ ، وَكَانَ حُبُّ عِبَادَةِ الْبَقَرِ فِي نَفْسِهِ ، وَكَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَلَمَّا فَصَلَ هَارُونَ (نبي)فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَفَصَلَ مُوسَى (نبي)إِلَى رَبِّهِ ، قَالَ لَهُمْ هَارُونُ (نبي): أَنْتُمْ قَدْ حُمِّلْتُمْ أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ - آلِ فِرْعَوْنَ - وَأَمْتِعَةً وَحُلِيًّا ، فَتَطَهَّرُوا مِنْهَا ، فَإِنَّهَا نَجَسٌ . وَأَوْقَدْ لَهُمْ نَارًا فَقَالَ : اقْذِفُوا مَا كَانَ مَعَكُمْ مِنْ ذَلِكَ فِيهَا . قَالُوا : نَعَمْ .
فَجَعَلُوا يَأْتُونَ بِمَا كَانَ فِيهِمْ مِنْ تِلْكَ الْأَمْتِعَةِ وَذَلِكَ الْحُلِيِّ ، فَيَقْذِفُونَ بِهِ فِيهَا . حَتَّى إِذَا تَكَسَّرَ الْحُلِيُّ فِيهَا ، وَرَأَى السَّامِرِيُّ ، أَثَرَ فَرَسِ جِبْرِيلَ ، فَأَخَذَ تُرَابًا مِنْ أَثَرِ حَافِرِهِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى النَّارِ فَقَالَ لِهَارُونَ (نبي): يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أُلْقِي مَا فِي يَدِي ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَلَا يَظُنُّ هَارُونُ (نبي)إِلَّا أَنَّهُ كَبَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ الْحُلِيِّ وَالْأَمْتِعَةِ ، فَقَذَفَهُ فِيهَا وَقَالَ : " كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ " ، فَكَانَ ، لِلْبَلَاءِ وَالْفِتْنَةِ . فَقَالَ : هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى (نبي). فَعَكَفُوا عَلَيْهِ ، وَأَحَبُّوهُ حُبًّا لَمْ يُحِبُّوا مِثْلَهُ شَيْئًا قَطُّ . يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( فَنَسِيَ ) [ طَهَ : 88 ] أَيْ تَرْكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِسْلَامِ - يَعْنِي السَّامِرِيَّ - [2/67] أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا [ طَهَ : 89 ] وَكَانَ اسْمُ السَّامِرِيِّ مُوسَى بْنُ ظُفَرَ ، وَقَعَ فِي أَرْضِ مِصْرَ (مكان)، فَدَخَلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَلَمَّا رَأَى هَارُونُ (نبي)مَا وَقَعُوا فِيهِ قَالَ : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [ طَهَ : 90 - 91 ] فَأَقَامَ هَارُونُ (نبي)فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَمْ يُفْتَتَنْ ، وَأَقَامَ مَنْ يَعْبُدُ الْعِجْلَ عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ ، وَتَخَوَّفَ هَارُونُ ، (نبي)إِنَّ سَارَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، أَنْ يَقُولَ لَهُ مُوسَى (نبي): فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي . وَكَانَ لَهُ هَائِبًا مُطِيعًا .
922 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : لَمَّا أَنْجَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ فِرْعَوْنَ ، وَأَغْرَقَ فِرْعَوْنَ وَمَنْ مَعَهُ ، قَالَ مُوسَى (نبي)لِأَخِيهِ هَارُونَ (نبي): اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ . قَالَ : لَمَّا خَرَجَ مُوسَى (نبي)وَأَمْرَ هَارُونَ (نبي)بِمَا أَمَرَهُ وَخَرَجَ مُوسَى (نبي)مُتَعَجِّلًا مَسْرُورًا إِلَى اللَّهِ ، قَدْ عَرَفَ مُوسَى (نبي)أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا أُنْجِحَ فِي حَاجَةِ سَيِّدِهِ ، كَانَ يَسُرُّهُ أَنْ يَتَعَجَّلَ إِلَيْهِ . قَالَ : وَكَانَ حِينَ خَرَجُوا اسْتَعَارُوا حُلِيًّا وَثِيَابًا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ، فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ (نبي): إِنَّ هَذِهِ الثِّيَابَ وَالْحُلِيَّ لَا تَحِلُّ لَكُمْ ، فَاجْمَعُوا نَارًا ، فَأَلْقُوهُ فِيهَا فَأَحْرِقُوهُ . قَالَ : فَجَمَعُوا نَارًا . قَالَ : وَكَانَ السَّامِرِيُّ قَدْ نَظَرَ إِلَى أَثَرِ دَابَّةِ جِبْرِيلَ ، وَكَانَ عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى - وَكَانَ السَّامِرِيُّ فِي قَوْمِ مُوسَى (نبي)- قَالَ : فَنَظَرَ إِلَى أَثَرِهِ فَقَبَضَ مِنْهُ قَبْضَةً ، فَيَبِسَتْ عَلَيْهَا يَدُهُ . فَلَمَّا أَلْقَى قَوْمُ مُوسَى (نبي)الْحُلِيَّ فِي النَّارِ ، وَأَلْقَى السَّامِرِيُّ [2/68]مَعَهُمُ الْقَبْضَةَ ، صَوَّرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ذَلِكَ لَهُمْ عِجْلًا ذَهَبًا ، فَدَخَلَتْهُ الرِّيحُ ، فَكَانَ لَهُ خُوَارٌ ، فَقَالُوا : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : السَّامِرِيُّ الْخَبِيثُ : هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ، الْآيَةُ ، إِلَى قَوْلِهِ : حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [ طَهَ : 88 - 91 ] قَالَ : حَتَّى إِذَا أَتَى مُوسَى (نبي)الْمَوْعِدَ ، قَالَ اللَّهُ : وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ [ طَهَ : 86 ] .
923 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ قَالَ : الْعِجْلُ : حَسِيلُ الْبَقَرَةِ . قَالَ : حُلِيٌّ اسْتَعَارُوهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ، فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ (نبي): أَخْرِجُوهُ فَتَطَهَّرُوا مِنْهُ وَأَحْرَقُوهُ . وَكَانَ السَّامِرِيُّ قَدْ أَخَذَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ فَطَرَحَهُ فِيهِ ، فَانْسَبَكَ ، فَكَانَ لَهُ كَالْجَوْفِ تَهْوِي فِيهِ الرِّيَاحُ .
924 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَ الْعِجْلُ ، لِأَنَّهُمْ عَجَّلُوا فَاتَّخَذُوهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ مُوسَى (نبي).
925 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْقَاسِمِ عَنِ الْحَسَنِ .
926 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ .
[2/69]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ( 51 )
يَعْنِي " وَأَنْتُمْ وَاضِعُو الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَعَبَدْتُمْ أَنْتُمُ الْعِجْلَ ظُلْمًا مِنْكُمْ ، وَوَضْعًا لِلْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا . وَقَدْ دَلَّلْنَا - فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِمَّا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا - أَنَّ أَصْلَ كُلِّ ظُلْمٍ ، وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
اخْتَلَفَتِ الْقِرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : ( وَاعَدْنَا ) بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاعَدَ مُوسَى (نبي)مُوَافَاةَ الطَّوْرِ (مكان)لِمُنَاجَاتِهِ ، فَكَانَتِ الْمُوَاعَدَةُ مِنَ اللَّهِ لِمُوسَى (نبي)، وَمِنْ مُوسَى (نبي)لِرَبِّهِ . وَكَانَ مِنْ حُجَّتِهِمْ عَلَى اخْتِيَارِهِمْ قِرَاءَةَ ( وَاعَدْنَا ) عَلَى " وَعَدْنَا " أَنْ قَالُوا : كُلُّ اتِّعَادٍ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِلِالْتِقَاءِ وَالِاجْتِمَاعِ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا [2/59]مُوَاعِدٌ صَاحِبَهُ ذَلِكَ . فَلِذَلِكَ - زَعَمُوا - وَجَبَ أَنْ يُقْضَى لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ( وَاعَدْنَا ) بِالِاخْتِيَارِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ " وَعَدْنَا " .
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : " وَعَدْنَا " بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ الْوَاعِدُ وَالْمُنْفَرِدُ بِالْوَعْدِ دُونَهُ . وَكَانَ مِنْ حُجَّتِهِمْ فِي اخْتِيَارِهِمْ ذَلِكَ أَنْ قَالُوا : إِنَّمَا تَكُونُ الْمُوَاعَدَةُ بَيْنَ الْبَشَرِ ، فَأَمَّا اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، فَإِنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فِي كُلِّ خَيْرٍ وَشَرٍّ . قَالُوا : وَبِذَلِكَ جَاءَ التَّنْزِيلُ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [ إِبْرَاهِيمَ : 22 ] وَقَالَ : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ [ الْأَنْفَالِ : 7 ] . قَالُوا : فَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْوَعْدِ فِي قَوْلِهِ : " وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى " .
وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ : أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ جَاءَتْ بِهِمَا الْأُمَّةُ وَقَرَأَتْ بِهِمَا الْقَرَأَةُ ، وَلَيْسَ فِي الْقِرَاءَةِ بِإِحْدَاهُمَا إِبْطَالُ مَعْنَى الْأُخْرَى ، وَإِنْ كَانَ فِي إِحْدَاهُمَا زِيَادَةُ مَعْنَى عَلَى الْأُخْرَى مِنْ جِهَةِ الظَّاهِرِ وَالتِّلَاوَةِ . فَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ بِهِمَا فَهُمَا مُتَّفِقَتَانِ . وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ شَخْصٍ أَنَّهُ وَعَدَ غَيْرَهُ اللِّقَاءَ بِمَوْضِعٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَوْعُودَ ذَلِكَ وَاعِدٌ صَاحِبَهُ مِنْ لِقَائِهِ بِذَلِكَ الْمَكَانِ ، مِثْلَ الَّذِي وَعَدَهُ مِنْ ذَلِكَ صَاحِبُهُ ، إِذَا كَانَ وَعْدُهُ مَا وَعَدَهُ إِيَّاهُ مِنْ ذَلِكَ عَنِ اتِّفَاقٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُوسَى (نبي)صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمْ يَعِدْهُ رَبُّهُ الطَّوْرَ إِلَّا عَنْ رِضَا مُوسَى (نبي)بِذَلِكَ ، إِذْ كَانَ مُوسَى (نبي)غَيْرَ مَشْكُوكٍ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ بِكُلِّ مَا أَمَرَّ اللَّهُ بِهِ رَاضِيًا ، وَإِلَى مَحَبَّتِهِ فِيهِ مُسَارِعًا . وَمَعْقُولٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَعِدْ مُوسَى (نبي)ذَلِكَ ، إِلَّا وَمُوسَى (نبي)إِلَيْهِ مُسْتَجِيبٌ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ قَدْ كَانَ وَعَدَ مُوسَى (نبي)الطَّوْرَ ، وَوَعَدَهُ مُوسَى (نبي)اللِّقَاءَ . فَكَانَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ لِمُوسَى (نبي)وَاعِدًا مُوَاعِدًا [2/60]لَهُ الْمُنَاجَاةَ عَلَى الطَّوْرِ (مكان)، وَكَانَ مُوسَى (نبي)وَاعِدًا لِرَبِّهِ مُوَاعِدًا لَهُ اللِّقَاءَ . فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ مِنْ " وَعَدَ " وَ " وَاعَدَ " قَرَأَ الْقَارِئُ ، فَهُوَ لِلْحَقِّ فِي ذَلِكَ - مِنْ جِهَةِ التَّأْوِيلِ وَاللُّغَةِ - مُصِيبٌ ، لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلَلِ قَبْلُ .
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ الْقَائِلِ : إِنَّمَا تَكُونُ الْمُوَاعَدَةُ بَيْنَ الْبَشَرِ ، وَأَنَّ اللَّهَ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ مُنْفَرِدٌ فِي كُلِّ خَيْرٍ وَشَرٍّ . وَذَلِكَ أَنَّ انْفِرَادَ اللَّهِ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَالنَّفْعِ وَالضُّرِّ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ وَإِلَيْهِ دُونَ سَائِرِ خَلْقِهِ - لَا يُحِيلُ الْكَلَامُ الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ إِيَّاهُ عَنْ وُجُوهِهِ ، وَلَا يُغَيِّرُهُ عَنْ مَعَانِيهِ . وَالْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ مِنَ الْكَلَامِ الْمَفْهُومِ مَا وَصَفْنَا : مِنْ أَنَّ كُلَّ اتِّعَادٍ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، فَهُوَ وَعْدٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ ، وَمُوَاعَدَةٌ بَيْنَهُمَا ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاعَدَ صَاحِبَهُ مُوَاعِدٌ ، وَأَنَّ الْوَعْدَ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الِانْفِرَادُ مِنَ الْوَاعِدِ دُونَ الْمَوْعُودِ ، إِنَّمَا هُوَ مَا كَانَ بِمَعْنَى " الْوَعْدِ " الَّذِي هُوَ خِلَافُ " الْوَعِيدِ " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( مُوسَى )
وَمُوسَى (نبي)- فِيمَا بَلَغَنَا - بِالْقِبْطِيَّةِ كَلِمَتَانِ ، يُعْنَى بِهِمَا : مَاءٌ وَشَجَرٌ . " فَمُو " ، هُوَ الْمَاءُ ، وَ " شَا " هُوَ الشَّجَرُ . وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ - فِيمَا بَلَغَنَا - لِأَنَّ أُمَّهُ لَمَّا جَعَلَتْهُ فِي التَّابُوتِ - حِينَ خَافَتْ عَلَيْهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَأَلْقَتْهُ فِي الْيَمِّ ، كَمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا ، وَقِيلَ : إِنَّ الْيَمَّ الَّذِي أَلْقَتْهُ فِيهِ هُوَ النِّيلُ (مكان)- دَفَعَتْهُ أَمْوَاجُ الْيَمِّ حَتَّى أَدْخَلَتْهُ بَيْنَ أَشْجَارٍ عِنْدَ بَيْتِ فِرْعَوْنَ ، فَخَرَجَ جِوَارِي آسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ يَغْتَسِلْنَ ، فَوَجَدْنَ [2/61]التَّابُوتَ فَأَخَذْنَهُ ، فَسُمِّيَ بِاسْمِ الْمَكَانِ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ ، كَانَ ذَلِكَ بِمَكَانٍ فِيهِ مَاءٌ وَشَجَرٌ ، فَقِيلَ : مُوسَى ، (نبي)مَاءٌ وَشَجَرٌ . كَذَلِكَ : -
912 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قَاهِثَ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ إِسْرَائِيلِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ (نبي)، فِيمَا زَعَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ .
913 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
وَمَعْنَى ذَلِكَ : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى (نبي)أَرْبَعِينَ لَيْلَةً بِتَمَامِهَا . فَالْأَرْبَعُونَ لَيْلَةً كُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمِيعَادِ .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان)أَنَّ مَعْنَاهُ : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى (نبي)انْقِضَاءَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، أَيْ رَأْسَ الْأَرْبَعِينَ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [ يُوسُفَ : 82 ] وَبِقَوْلِهِمُ : " الْيَوْمَ أَرْبَعُونَ مُنْذُ خَرَجَ فُلَانٌ " ، " وَالْيَوْمَ يَوْمَانِ " . أَيِ الْيَوْمَ تَمَامُ يَوْمَيْنِ ، وَتَمَامُ أَرْبَعِينَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَذَلِكَ خِلَافُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ، وَخِلَافُ ظَاهِرِ التِّلَاوَةِ . فَأَمَّا ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ وَاعَدَ مُوسَى (نبي)أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ إِحَالَةُ ظَاهِرِ خَبَرِهِ إِلَى بَاطِنٍ ، بِغَيْرِ بُرْهَانٍ دَالٍّ عَلَى صِحَّتِهِ .
[2/62]وَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي ذَلِكَ مَا أَنَا ذَاكِرُهُ ، وَهُوَ مَا : -
914 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَوْلُهُ : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، قَالَ : يَعْنِي ذَا الْقِعْدَةِ وَعَشْرًا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ . وَذَلِكَ حِينَ خَلَّفَ مُوسَى (نبي)أَصْحَابَهُ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ هَارُونَ (نبي)، فَمَكَثَ عَلَى الطَّوْرِ (مكان)أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ فِي الْأَلْوَاحِ - وَكَانَتِ الْأَلْوَاحُ مِنْ بُرَدٍ - فَقَرَّبَهُ الرَّبُّ إِلَيْهِ نَجِيًّا ، وَكَلَّمَهُ ، وَسَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ . وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ حَدَثًا فِي الْأَرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتَّى هَبَطَ مِنَ الطَّوْرِ .
915 - وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، بِنَحْوِهِ .
916 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : وَعَدَ اللَّهُ مُوسَى (نبي)- حِينَ أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ ، وَنَجَّاهُ وَقَوْمَهُ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ، ثُمَّ أَتَمَّهَا بِعَشْرٍ ، فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، يَلْقَاهُ رَبُّهُ فِيهَا مَا شَاءَ . وَاسْتَخْلَفَ مُوسَى (نبي)هَارُونَ (نبي)عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَقَالَ : إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى رَبِّي فَاخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ . فَخَرَجَ مُوسَى (نبي)إِلَى رَبِّهِ مُتَعَجِّلًا لِلُقِيِّهِ شَوْقًا إِلَيْهِ ، وَأَقَامَ هَارُونُ (نبي)فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَعَهُ السَّامِرِيُّ يَسِيرُ بِهِمْ عَلَى أَثَرِ مُوسَى (نبي)لِيُلْحِقَهُمْ بِهِ .
917 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا [2/63]أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : انْطَلَقَ مُوسَى (نبي)وَاسْتَخْلَفَ هَارُونَ (نبي)عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَوَاعَدَهُمْ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ، وَأَتَمَّهَا اللَّهُ بِعَشْرٍ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ( 51 )
وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ ، ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ فِي أَيَّامِ مُوَاعَدَةِ مُوسَى (نبي)الْعِجْلَ إِلَهًا ، مِنْ بَعْدِ أَنْ فَارَقَكُمْ مُوسَى (نبي)مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَوْعِدِ . وَ " الْهَاءُ " فِي قَوْلِهِ " مِنْ بَعْدِهِ " عَائِدَةٌ عَلَى ذِكْرِ مُوسَى (نبي).
فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُخَالِفِينَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، الْمُكَذِّبِينَ بِهِ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ - عَنْ فِعْلِ آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُمْ ، وَخِلَافِهِمْ أَنْبِيَاءَهُمْ ، مَعَ تَتَابُعِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ ، وَشُيُوعِ آلَائِهِ لَدَيْهِمْ ، مُعَرِّفَهُمْ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ - مِنْ خِلَافِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكْذِيبِهِمْ بِهِ ، وَجُحُودِهِمْ لِرِسَالَتِهِ ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ - عَلَى مِثْلِ مِنْهَاجِ آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ ، وَمُحَذِّرَهُمْ مِنْ نُزُولِ سَطْوَتِهِ بِهِمْ بِمُقَامِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ مَا نَزَلَ بِأَوَائِلِهِمُ الْمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ : مِنَ الْمَسْخِ وَاللَّعْنِ وَأَنْوَاعِ النَّقَمَاتِ .
وَكَانَ سَبَبُ اتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ ، مَا : -
918 - حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ الرَّمَادِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا هَجَمَ فِرْعَوْنُ عَلَى الْبَحْرِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ، وَكَانَ فِرْعَوْنُ عَلَى فَرَسٍ أَدْهَمَ [2/64]ذَنُوبٍ حَصَانٍ ، فَلَمَّا هَجَمَ عَلَى الْبَحْرِ ، هَابَ الْحِصَانُ أَنْ يَقْتَحِمَ فِي الْبَحْرِ ، فَتَمَثَّلَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى وَدِيقٍ ، فَلَمَّا رَآهَا الْحِصَانُ تَقَحَّمَ خَلْفَهَا . قَالَ : وَعَرَفَ السَّامِرِيُّ جِبْرِيلَ ، لِأَنَّ أُمَّهُ حِينَ خَافَتْ أَنْ يُذْبَحَ خَلَّفَتْهُ فِي غَارٍ وَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِ ، فَكَانَ جِبْرِيلُ يَأْتِيهِ فَيَغْذُوهُ بِأَصَابِعِهِ ، فَيَجِدُ فِي بَعْضِ أَصَابِعِهِ لَبَنًا ، وَفِي الْأُخْرَى عَسَلًا وَفِي الْأُخْرَى سَمْنًا ، فَلَمْ يَزَلْ يَغْذُوهُ حَتَّى نَشَأَ . فَلَمَّا عَايَنَهُ فِي الْبَحْرِ عَرَفَهُ ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِهِ . قَالَ : أَخَذَ مِنْ تَحْتِ الْحَافِرِ قَبْضَةً . - قَالَ سُفْيَانُ : فَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَؤُهَا : " فَقَبَضَتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ " [ طَهَ : 96 ] .
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ قَالَ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَأُلْقِيَ فِي رَوْعِ السَّامِرِيِّ إِنَّكَ لَا تُلْقِيهَا عَلَى شَيْءٍ فَتَقُولُ : " كُنْ كَذَا وَكَذَا " إِلَّا كَانَ . فَلَمْ تَزَلِ الْقَبْضَةُ مَعَهُ فِي يَدِهِ حَتَّى جَاوَزَ الْبَحْرَ . فَلَمَّا جَاوَزَ مُوسَى (نبي)وَبَنُو إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ ، وَأَغْرَقَ اللَّهُ آلَ فِرْعَوْنَ ، قَالَ مُوسَى (نبي)لِأَخِيهِ هَارُونَ (نبي): اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ . وَمَضَى مُوسَى (نبي)لِمَوْعِدِ رَبِّهِ . قَالَ : وَكَانَ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حُلِيٌّ مِنْ حُلِيِّ آلِ فِرْعَوْنَ قَدْ تَعَوَّرُوهُ ، فَكَأَنَّهُمْ تَأْثَّمُوا مِنْهُ ، فَأَخْرَجُوهُ لِتَنْزِلَ النَّارُ فَتَأْكُلَهُ . فَلَمَّا جَمَعُوهُ ، قَالَ السَّامِرِيُّ بِالْقَبْضَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِهِ هَكَذَا ، فَقَذَفَهَا فِيهِ - وَأَوْمَأَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِيَدِهِ هَكَذَا - وَقَالَ : كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ . فَصَارَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ، وَكَانَ تَدْخُلُ الرِّيحُ فِي دُبُرِهِ وَتَخْرُجُ مِنْ فِيهِ ، يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ ، فَقَالَ : هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى (نبي). فَعَكَفُوا عَلَى الْعِجْلِ يَعْبُدُونَهُ ، فَقَالَ هَارُونُ (نبي): يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ! قَالُوا : لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (نبي).
919 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا [2/65]أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ : لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ مُوسَى (نبي)أَنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ - يَعْنِي مِنْ أَرْضِ مِصْرَ (مكان)- أَمَرَ مُوسَى (نبي)بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَخْرُجُوا ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَعِيرُوا الْحُلِيَّ مِنَ الْقِبْطِ . فَلَمَّا نَجَّى اللَّهُ مُوسَى (نبي)وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْبَحْرِ ، وَغَرِقَ آلُ فِرْعَوْنَ ، أَتَى جِبْرِيلُ إِلَى مُوسَى (نبي)يَذْهَبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ . فَأَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ ، فَرَآهُ السَّامِرِيُّ فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ : إِنَّهُ فَرَسُ الْحَيَاةِ ! فَقَالَ حِينَ رَآهُ : إِنَّ لِهَذَا لَشَأْنًا . فَأَخَذَ مِنْ تُرْبَةِ الْحَافِرِ - حَافِرِ الْفَرَسِ - فَانْطَلَقَ مُوسَى (نبي)، وَاسْتَخْلَفَ هَارُونَ (نبي)عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَوَاعَدَهُمْ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ، وَأَتَمَّهَا اللَّهُ بِعَشْرٍ . فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ (نبي): يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، إِنَّ الْغَنِيمَةَ لَا تَحِلُّ لَكُمْ ، وَإِنَّ حُلِيَّ الْقِبْطِ إِنَّمَا هُوَ غَنِيمَةٌ ، فَاجْمَعُوهَا جَمِيعًا ، وَاحْفُرُوا لَهَا حُفْرَةً فَادْفِنُوهَا ، فَإِنْ جَاءَ مُوسَى (نبي)فَأَحَلَّهَا أَخَذْتُمُوهَا ، وَإِلَّا كَانَ شَيْئًا لَمْ تَأْكُلُوهُ . فَجَمَعُوا ذَلِكَ الْحُلِيَّ فِي تِلْكَ الْحُفْرَةِ ، وَجَاءَ السَّامِرِيُّ (نبي)بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ فَقَذَفَهَا ، فَأَخْرَجَ اللَّهُ مِنَ الْحُلِيِّ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ . وَعَدَّتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَوْعِدَ مُوسَى (نبي)، فَعَدُّوا اللَّيْلَةَ يَوْمًا وَالْيَوْمَ يَوْمًا ، فَلَمَّا كَانَ تَمَامُ الْعِشْرِينَ ، خَرَجَ لَهُمُ الْعِجْلُ . فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ : هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى (نبي)فَنَسِيَ - يَقُولُ : تَرَكَ مُوسَى إِلَهَهُ هَاهُنَا وَذَهَبَ يَطْلُبُهُ . فَعَكَفُوا عَلَيْهِ يَعْبُدُونَهُ ، وَكَانَ يَخُورُ وَيَمْشِي . فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ (نبي): يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ - يَقُولُ : إِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ بِهِ ، يَقُولُ : بِالْعِجْلِ - وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ . فَأَقَامَ هَارُونُ (نبي)وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُقَاتِلُونَهُمْ ، وَانْطَلَقَ مُوسَى (نبي)إِلَى إِلَهِهِ يُكَلِّمُهُ ، فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ لَهُ : مَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (نبي)؟ قَالَ : هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى . قَالَ : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ . قَالَ مُوسَى (نبي); يَا رَبِّ هَذَا السَّامِرِيُّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا الْعِجْلَ ، أَرَأَيْتَ الرُّوحَ مَنْ نَفَخَهَا فِيهِ ؟ قَالَ الرَّبُّ : أَنَا . قَالَ : رَبِّ أَنْتَ إِذًا أَضْلَلْتَهُمْ .
920 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : كَانَ [2/66]- فِيمَا ذُكِرَ لِي - أَنَّ مُوسَى (نبي)قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ : اسْتَعِيرُوا مِنْهُمْ - يَعْنِي مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ - الْأَمْتِعَةَ وَالْحُلِيَّ وَالثِّيَابَ ، فَإِنِّي مُنَفِّلُكُمْ أَمْوَالَهُمْ مَعَ هَلَاكِهِمْ . فَلَمَّا أَذَّنَ فِرْعَوْنُ فِي النَّاسِ ، كَانَ مِمَّا يُحَرِّضُ بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ قَالَ : حِينَ سَارُوا لَمْ يَرْضُوا أَنْ خَرَجُوا بِأَنْفُسِهِمْ ، حَتَّى ذَهَبُوا بِأَمْوَالِكُمْ مَعَهُمْ ! .
921 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ السَّامِرِيُّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ بَاجَرْمَا ، وَكَانَ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ ، وَكَانَ حُبُّ عِبَادَةِ الْبَقَرِ فِي نَفْسِهِ ، وَكَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَلَمَّا فَصَلَ هَارُونَ (نبي)فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَفَصَلَ مُوسَى (نبي)إِلَى رَبِّهِ ، قَالَ لَهُمْ هَارُونُ (نبي): أَنْتُمْ قَدْ حُمِّلْتُمْ أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ - آلِ فِرْعَوْنَ - وَأَمْتِعَةً وَحُلِيًّا ، فَتَطَهَّرُوا مِنْهَا ، فَإِنَّهَا نَجَسٌ . وَأَوْقَدْ لَهُمْ نَارًا فَقَالَ : اقْذِفُوا مَا كَانَ مَعَكُمْ مِنْ ذَلِكَ فِيهَا . قَالُوا : نَعَمْ .
فَجَعَلُوا يَأْتُونَ بِمَا كَانَ فِيهِمْ مِنْ تِلْكَ الْأَمْتِعَةِ وَذَلِكَ الْحُلِيِّ ، فَيَقْذِفُونَ بِهِ فِيهَا . حَتَّى إِذَا تَكَسَّرَ الْحُلِيُّ فِيهَا ، وَرَأَى السَّامِرِيُّ ، أَثَرَ فَرَسِ جِبْرِيلَ ، فَأَخَذَ تُرَابًا مِنْ أَثَرِ حَافِرِهِ ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى النَّارِ فَقَالَ لِهَارُونَ (نبي): يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أُلْقِي مَا فِي يَدِي ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَلَا يَظُنُّ هَارُونُ (نبي)إِلَّا أَنَّهُ كَبَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ الْحُلِيِّ وَالْأَمْتِعَةِ ، فَقَذَفَهُ فِيهَا وَقَالَ : " كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ " ، فَكَانَ ، لِلْبَلَاءِ وَالْفِتْنَةِ . فَقَالَ : هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى (نبي). فَعَكَفُوا عَلَيْهِ ، وَأَحَبُّوهُ حُبًّا لَمْ يُحِبُّوا مِثْلَهُ شَيْئًا قَطُّ . يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( فَنَسِيَ ) [ طَهَ : 88 ] أَيْ تَرْكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِسْلَامِ - يَعْنِي السَّامِرِيَّ - [2/67] أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا [ طَهَ : 89 ] وَكَانَ اسْمُ السَّامِرِيِّ مُوسَى بْنُ ظُفَرَ ، وَقَعَ فِي أَرْضِ مِصْرَ (مكان)، فَدَخَلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَلَمَّا رَأَى هَارُونُ (نبي)مَا وَقَعُوا فِيهِ قَالَ : يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [ طَهَ : 90 - 91 ] فَأَقَامَ هَارُونُ (نبي)فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَمْ يُفْتَتَنْ ، وَأَقَامَ مَنْ يَعْبُدُ الْعِجْلَ عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ ، وَتَخَوَّفَ هَارُونُ ، (نبي)إِنَّ سَارَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، أَنْ يَقُولَ لَهُ مُوسَى (نبي): فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي . وَكَانَ لَهُ هَائِبًا مُطِيعًا .
922 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : لَمَّا أَنْجَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ فِرْعَوْنَ ، وَأَغْرَقَ فِرْعَوْنَ وَمَنْ مَعَهُ ، قَالَ مُوسَى (نبي)لِأَخِيهِ هَارُونَ (نبي): اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ . قَالَ : لَمَّا خَرَجَ مُوسَى (نبي)وَأَمْرَ هَارُونَ (نبي)بِمَا أَمَرَهُ وَخَرَجَ مُوسَى (نبي)مُتَعَجِّلًا مَسْرُورًا إِلَى اللَّهِ ، قَدْ عَرَفَ مُوسَى (نبي)أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا أُنْجِحَ فِي حَاجَةِ سَيِّدِهِ ، كَانَ يَسُرُّهُ أَنْ يَتَعَجَّلَ إِلَيْهِ . قَالَ : وَكَانَ حِينَ خَرَجُوا اسْتَعَارُوا حُلِيًّا وَثِيَابًا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ، فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ (نبي): إِنَّ هَذِهِ الثِّيَابَ وَالْحُلِيَّ لَا تَحِلُّ لَكُمْ ، فَاجْمَعُوا نَارًا ، فَأَلْقُوهُ فِيهَا فَأَحْرِقُوهُ . قَالَ : فَجَمَعُوا نَارًا . قَالَ : وَكَانَ السَّامِرِيُّ قَدْ نَظَرَ إِلَى أَثَرِ دَابَّةِ جِبْرِيلَ ، وَكَانَ عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى - وَكَانَ السَّامِرِيُّ فِي قَوْمِ مُوسَى (نبي)- قَالَ : فَنَظَرَ إِلَى أَثَرِهِ فَقَبَضَ مِنْهُ قَبْضَةً ، فَيَبِسَتْ عَلَيْهَا يَدُهُ . فَلَمَّا أَلْقَى قَوْمُ مُوسَى (نبي)الْحُلِيَّ فِي النَّارِ ، وَأَلْقَى السَّامِرِيُّ [2/68]مَعَهُمُ الْقَبْضَةَ ، صَوَّرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ذَلِكَ لَهُمْ عِجْلًا ذَهَبًا ، فَدَخَلَتْهُ الرِّيحُ ، فَكَانَ لَهُ خُوَارٌ ، فَقَالُوا : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : السَّامِرِيُّ الْخَبِيثُ : هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ، الْآيَةُ ، إِلَى قَوْلِهِ : حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [ طَهَ : 88 - 91 ] قَالَ : حَتَّى إِذَا أَتَى مُوسَى (نبي)الْمَوْعِدَ ، قَالَ اللَّهُ : وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ [ طَهَ : 86 ] .
923 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ قَالَ : الْعِجْلُ : حَسِيلُ الْبَقَرَةِ . قَالَ : حُلِيٌّ اسْتَعَارُوهُ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ، فَقَالَ لَهُمْ هَارُونُ (نبي): أَخْرِجُوهُ فَتَطَهَّرُوا مِنْهُ وَأَحْرَقُوهُ . وَكَانَ السَّامِرِيُّ قَدْ أَخَذَ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ فَطَرَحَهُ فِيهِ ، فَانْسَبَكَ ، فَكَانَ لَهُ كَالْجَوْفِ تَهْوِي فِيهِ الرِّيَاحُ .
924 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَ الْعِجْلُ ، لِأَنَّهُمْ عَجَّلُوا فَاتَّخَذُوهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ مُوسَى (نبي).
925 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْقَاسِمِ عَنِ الْحَسَنِ .
926 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ .
[2/69]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ( 51 )
يَعْنِي " وَأَنْتُمْ وَاضِعُو الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَعَبَدْتُمْ أَنْتُمُ الْعِجْلَ ظُلْمًا مِنْكُمْ ، وَوَضْعًا لِلْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا . وَقَدْ دَلَّلْنَا - فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِمَّا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا - أَنَّ أَصْلَ كُلِّ ظُلْمٍ ، وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .