تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا "

ج 2
ص 26

الآية المفسَّرة

وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 2 · ص 26

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ( 48 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا : وَاتَّقَوْا يَوْمًا لَا تَجْزِي فِيهِ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا . وَجَائِزٌ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ : وَاتَّقَوْا يَوْمًا لَا تَجْزِيهِ نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ :
قَدْ صَبَّحَتْ ، صَبَّحَهَا السَّلَامُ بِكَبِدٍ خَالَطَهَا سَنَامُ فِي سَاعَةٍ يُحِبُّهَا الطَّعَامُ
وَهُوَ يَعْنِي : يُحَبُّ فِيهَا الطَّعَامُ . فَحُذِفَتْ " الْهَاءُ " الرَّاجِعَةُ عَلَى " الْيَوْمِ " ، إِذْ فِيهِ اجْتِزَاءٌ [2/27]- بِمَا ظَهَرَ مِنْ قَوْلِهِ : وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ الدَّالِّ عَلَى الْمَحْذُوفِ مِنْهُ - عَمَّا حُذِفَ ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا مَعْنَاهُ .
وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَّا " الْهَاءَ " . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ إِلَّا " فِيهِ " . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى جَوَازِ حَذْفِ كُلِّ مَا دَلَّ الظَّاهِرُ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ : وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا فَإِنَّهُ تَحْذِيرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ - عُقُوبَتَهُ أَنْ تَحُلَّ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي لَا تَجْزِي فِيهِ نَفَّسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ، وَلَا يَجْزِي فِيهِ وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ ، وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " لَا تَجْزِي نَفْسٌ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : لَا تُغْنِي : كَمَا : -
874 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَاتَّقَوْا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ " أَمَّا " تَجْزِي " : فَتُغْنِي .
أَصْلُ " الْجَزَاءِ " - فِي كَلَامِ الْعَرَبِ - : الْقَضَاءُ وَالتَّعْوِيضُ . يُقَالُ : " جَزَيْتُهُ قَرْضَهُ وَدَيْنَهُ أَجْزِيهِ جَزَاءً " ، بِمَعْنَى : قَضَيْتُهُ دَيْنَهُ . وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ : " جَزَى اللَّهُ فَلَانَا عَنِّي خَيْرًا أَوْ شَرًّا " ، بِمَعْنَى : أَثَابَهُ عَنِّي وَقَضَاهُ عَنِّي مَا لَزِمَنِي لَهُ بِفِعْلِهِ الَّذِي سَلَفَ مِنْهُ إِلَيَّ . وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ : " يُقَالُ أَجْزَيْتُ عَنْهُ كَذَا " : إِذَا أَعَنْتُهُ عَلَيْهِ ، وَجَزَيْتُ عَنْكَ فَلَانَا : إِذَا كَافَأْتُهُ
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ " جَزَيْتُ عَنْكَ " قَضَيْتُ عَنْكَ . وَ " أَجْزَيْتُ " كَفَيْتُ . [2/28]وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ هُمَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ ، يُقَالُ : " جَزَتْ عَنْكَ شَاةٌ وَأَجْزَتْ ، وَجَزَى عَنْكَ دِرْهَمٌ وَأَجْزَى ، وَلَا تُجْزِي عَنْكَ شَاةٌ وَلَا تَجْزِي " بِمَعْنَى وَاحِدٍ ، إِلَّا أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ " جَزَتْ عَنْكَ ، وَلَا تُجْزِي عَنْكَ " مِنْ لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَأَنَّ " أَجَزَأَ وَتُجْزِئُ " مِنْ لُغَةِ غَيْرِهِمْ . وَزَعَمُوا أَنَّ تَمِيمًا خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ تَقُولُ : " أَجْزَأَتْ عَنْكَ شَاةٌ ، وَهِيَ تُجْزِئُ
عَنْكَ " . وَزَعَمَ آخَرُونَ أَنَّ " جَزَى " بِلَا هَمْزٍ : قَضَى ، وَ " أَجْزَأَ " بِالْهَمْزِ : كَافَأَ فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا : وَاتَّقَوْا يَوْمًا لَا تَقْضِي نَفَّسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا تُغْنِي عَنْهَا غِنًى .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَمَا مَعْنَى : لَا تَقْضِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ ، وَلَا تُغْنِي عَنْهَا غِنًى ؟
قِيلَ : هُوَ أَنَّ أَحَدَنَا الْيَوْمَ رُبَّمَا قَضَى عَنْ وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ أَوْ ذِي الصَّدَاقَةِ وَالْقَرَابَةِ دَيْنَهُ . وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ فِيمَا أَتَتْنَا بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْهَا - يَسُرُّ الرَّجُلَ أَنْ يَبْرُدَ لَهُ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ حَقٌّ . وَذَلِكَ أَنَّ قَضَاءَ الْحُقُوقِ فِي الْقِيَامَةِ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ . كَمَا :
875 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَنَصْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَزْدَيُّ ، قَالَا : حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ يَزِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا كَانَتْ عِنْدَهُ لِأَخِيهِ مَظْلَمَةٌ فِي عِرْضٍ - قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ فِي حَدِيثِهِ : أَوْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ ، فَاسْتَحَلَّهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ وَلَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ أَخَذُوا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ حَمَلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ " [2/29]876 - حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْمُقَدِّمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْفَرَوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ .
877 - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ الْأَهْوَازِيُّ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ . [2/30]878 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ ، إِنَّمَا يَقْتَسِمُونَ هُنَالِكَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ " وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا .
879 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : قَالَ : حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ قَادِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ هَاشِمُ بْنُ عِيسَى ، قَالَ : أَخْبَرَنِي الْحَارِثُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا [2/31]يَعْنِي : أَنَّهَا لَا تَقْضِي عَنْهَا شَيْئًا لَزِمَهَا لِغَيْرِهَا ; لِأَنَّ الْقَضَاءَ هُنَالِكَ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ عَلَى مَا وَصَفْنَا . وَكَيْفَ يَقْضِي عَنْ غَيْرِهِ مَا لَزِمَهُ مَنْ كَانَ يَسُرُهُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ حَقٌّ ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَلَا يَتَجَافَى لَهُ عَنْهُ ؟ .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ (مكان)أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا : لَا تَجْزِي مِنْهَا أَنْ تَكُونَ مَكَانَهَا .
وَهَذَا قَوْلٌ يَشْهَدُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ عَلَى فَسَادِهِ . وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ : " مَا أَغْنَيْتَ عَنِّي شَيْئًا " ، بِمَعْنَى : مَا أَغْنَيْتَ مِنِّي أَنْ تَكُونَ مَكَانِي ، بَلْ إِذَا أَرَادُوا الْخَبَرَ عَنْ شَيْءٍ أَنَّهُ لَا يَجْزِي مِنْ شَيْءٍ قَالُوا : " لَا يَجْزِي هَذَا مِنْ هَذَا " ، وَلَا يَسْتَجِيزُونَ أَنْ يَقُولُوا : " لَا يَجْزِي هَذَا مِنْ هَذَا شَيْئًا " .
فَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا مَا قَالَهُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ لَقَالَ : ( وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ ) كَمَا يُقَالُ : لَا تَجْزِي نَفْسٌ مِنْ نَفْسٍ ، وَلَمْ يَقُلْ : " لَا تَجْزِي نَفَّسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا " . وَفِي صِحَّةِ التَّنْزِيلِ بِقَوْلِهِ : " لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا " أَوْضَحُ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا وَفَسَادِ قَوْلِ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَ " الشَّفَاعَةُ " مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ : " شَفَعَ لِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ شَفَاعَةً وَهُوَ طَلَبُهُ إِلَيْهِ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ . وَإِنَّمَا قِيلَ لِلشَّفِيعِ " شَفِيعٌ وَشَافِعٌ " لِأَنَّهُ [2/32]ثَنَّى الْمُسْتَشْفَعَ بِهِ ، فَصَارَ بِهِ شَفْعًا فَكَانَ ذُو الْحَاجَةِ - قَبْلَ اسْتِشْفَاعِهِ بِهِ فِي حَاجَتِهِ - فَرْدًا ، فَصَارَ صَاحِبُهُ لَهُ فِيهَا شَافِعًا ، وَطَلَبُهُ فِيهِ وَفِي حَاجَتِهِ شَفَاعَةً . وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الشَّفِيعُ فِي الدَّارِ وَفِي الْأَرْضِ " شَفِيعًا " لِمَصِيرِ الْبَائِعِ بِهِ شَفْعًا .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : وَاتَّقَوْا يَوْمًا لَا تَقْضِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ حَقًّا لَزِمَهَا لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَلَا لِغَيْرِهِ ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهَا شَفَاعَةَ شَافِعٍ ، فَيَتْرُكَ لَهَا مَا لَزِمَهَا مِنْ حَقٍّ .
وَقِيلَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَاطَبَ أَهْلَ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ فِيهَا ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَكَانُوا يَقُولُونَ : نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وَأَوْلَادُ أَنْبِيَائِهِ ، وَسَيَشْفَعُ لَنَا عِنْدَهُ آبَاؤُنَا . فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ أَنَّ نَفْسًا لَا تَجْزِي عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا فِي الْقِيَامَةِ ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةُ أَحَدٍ فِيهَا حَتَّى يُسْتَوْفَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ مِنْهَا حَقُّهُ . كَمَا : -
880 - حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ نُصَيْرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ مُرَاجِمٍ - رَجُلٌ مِنْ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ - ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الْجَمَّاءَ لَتَقْتَصُّ مِنَ الْقَرْنَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا . . [ الْأَنْبِيَاءِ : 47 ] الْآيَةَ
[2/33]فَآيَسَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ مِمَّا كَانُوا أَطْمَعُوا فِيهِ أَنْفُسَهُمْ مِنَ النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ - مَعَ تَكْذِيبِهِمْ بِمَا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ وَخِلَافِهِمْ أَمْرَ اللَّهِ فِي اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ - بِشَفَاعَةِ آبَائِهِمْ وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ ; وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ نَافِعِهِمْ عِنْدَهُ إِلَّا التَّوْبَةَ إِلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ وَالْإِنَابَةِ مِنْ ضَلَالِهِمْ ، وَجَعَلَ مَا سَنَّ فِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ إِمَامًا لِكُلِّ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مِنْهَاجِهِمْ لِئَلَّا يَطْمَعَ ذُو إِلْحَادٍ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَ مَخْرَجُهَا عَامًّا فِي التِّلَاوَةِ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا خَاصٌّ فِي التَّأْوِيلِ لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي " وَأَنَّهُ قَالَ : " لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَ دَعْوَةً ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي ، وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا " .
فَقَدْ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ يَصْفَحُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ - بِشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ - عَنْ كَثِيرٍ مِنْ عُقُوبَةِ إِجْرَامِهِمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَأَنَّ قَوْلَهُ : وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ إِنَّمَا هِيَ لِمَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ غَيْرَ تَائِبٍ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَلَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاضِعِ الْإِطَالَةِ فِي الْقَوْلِ فِي الشَّفَاعَةِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ، فَنَسْتَقْصِي الْحِجَاجَ فِي ذَلِكَ ، وَسَنَأْتِي عَلَى مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ فِي مَوَاضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
[2/34]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَ " الْعَدْلُ " - فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ - : الْفِدْيَةُ ، كَمَا : -
881 - حَدَّثَنَا بِهِ الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ قَالَ : يَعْنِي فِدَاءٌ .
882 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ أَمَّا عَدْلٌ : فَيَعْدِلُهَا مِنَ الْعَدْلِ ، يَقُولُ : لَوْ جَاءَتْ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبَا تَفْتَدِي بِهِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهَا .
883 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ قَالَ : لَوْ جَاءَتْ بِكُلِّ شَيْءٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا .
884 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ مُجَاهِدٌ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ قَالَ : بَدَلٌ ، وَالْبَدَلُ : الْفِدْيَةُ .
885 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ قَالَ : لَوْ أَنَّ لَهَا مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا فِدَاءٌ قَالَ : وَلَوْ جَاءَتْ بِكُلِّ شَيْءٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا .
886 - وَحَدَّثَنِي نَجِيحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَكِيمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ - مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَحْسَنَ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ - ، قَالَ : قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْعَدْلُ ؟ قَالَ : الْعَدْلُ : الْفِدْيَةُ . [2/35]وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْفِدْيَةِ مِنَ الشَّيْءِ وَالْبَدَلِ مِنْهُ " عَدْلٌ " ، لِمُعَادَلَتِهِ إِيَّاهُ وَهُوَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ; وَمَصِيرِهِ لَهُ مَثَلًا مِنْ وَجْهِ الْجَزَاءِ ، لَا مِنْ وَجْهِ الْمُشَابَهَةِ فِي الصُّورَةِ وَالْخِلْقَةِ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا [ الْأَنْعَامِ : 70 ] بِمَعْنَى : وَإِنْ تَفِدْ كُلَّ فِدْيَةٍ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا . يُقَالُ مِنْهُ : " هَذَا عَدْلُهُ وَعَدِيلُهُ " . وَأَمَّا " الْعِدْلُ " بِكَسْرِ الْعَيْنِ ، فَهُوَ مِثْلُ الْحِمْلِ الْمَحْمُولِ عَلَى الظَّهْرِ ، يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ : " عِنْدِي غُلَامٌ عِدْلُ غُلَامِكَ ، وَشَاةٌ عِدْلُ شَاتِكَ " - بِكَسْرِ الْعَيْنِ - ، إِذَا كَانَ غُلَامٌ يَعْدِلُ غُلَامًا ، وَشَاةٌ تَعْدِلُ شَاةً . وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَثَلٍ لِلشَّيْءِ مِنْ جِنْسِهِ . فَإِذَا أُرِيدَ أَنَّ عِنْدَهُ قِيمَتَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ نُصِبَتِ الْعَيْنُ فَقِيلَ : " عِنْدِي عَدْلُ شَاتِكَ مِنَ الدَّرَاهِمِ " . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ أَنَّهُ يُكَسَرُ الْعَيْنُ مِنَ " الْعِدْلِ " الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْفِدْيَةِ لِمُعَادَلَةِ مَا عَادَلَهُ مِنْ جِهَةِ الْجَزَاءِ ، وَذَلِكَ لِتَقَارُبِ مَعْنَى الْعِدْلِ وَالْعَدْلِ عِنْدَهُمْ ، فَأَمَّا وَاحِدُ " الْأَعْدَالِ " فَلَمْ يُسْمَعْ فِيهِ إِلَّا " عِدْلٌ " بِكَسْرِ الْعَيْنِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 48 )
وَتَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ( وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ) يَعْنِي أَنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ لَا يَنْصُرُهُمْ نَاصِرٌ ، كَمَا لَا يَشْفَعُ لَهُمْ شَافِعٌ ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ عَدْلٌ وَلَا فِدْيَةٌ . بَطَلَتْ هُنَالِكَ الْمُحَابَاةُ [2/36]وَاضْمَحَلَّتِ الرُّشَى وَالشَّفَاعَاتُ ، وَارْتَفَعَ بَيْنَ الْقَوْمِ التَّعَاوُنُ وَالتَّنَاصُرُ وَصَارَ الْحُكْمُ إِلَى الْعَدْلِ الْجَبَّارِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ لَدَيْهِ الشُّفَعَاءُ وَالنُّصَرَاءُ ، فَيَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ مِثْلَهَا وَبِالْحَسَنَةِ أَضْعَافَهَا . وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [ الصَّافَّاتِ : 24 - 26 ] وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي مَعْنَى : لا تَنَاصَرُونَ ، مَا : -
887 - حُدِّثْتُ بِهِ عَنِ الْمِنْجَابِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مَا لَكَمَ لَا تَنَاصَرُونَ ) مَا لَكَمَ لَا تُمَانِعُونَ مِنَّا ؟ هَيْهَاتَ لَيْسَ ذَلِكَ لَكُمُ الْيَوْمَ !
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : ( وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ) : وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ نَصِيرٌ يَنْتَصِرُ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ إِذَا عَاقَبَهُمْ . وَقَدْ قِيلَ : وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ بِالطَّلَبِ فِيهِمْ وَالشَّفَاعَةِ وَالْفِدْيَةِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَعْلَمَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمٌ لَا فِدْيَةَ - لِمَنِ اسْتَحَقَّ مِنْ خَلْقِهِ عُقُوبَتَهُ - ، وَلَا شَفَاعَةَ فِيهِ ، وَلَا نَاصِرَ لَهُ . وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، فَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعْدُومٌ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَيْهِ .