النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَآمِنُوا بِمَا أَنْـزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ( 41 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " آمِنُوا " صَدِّقُوا ، كَمَا قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَانَ عَنْهُ قَبْلُ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " بِمَا أَنْـزَلْتُ مَا أَنْزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْقُرْآنِ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ " أَنَّ الْقُرْآنَ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ التَّوْرَاةِ . فَأَمَرَهُمْ بِالتَّصْدِيقِ بِالْقُرْآنِ ، وَأَخْبَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ فِي تَصْدِيقِهِمْ بِالْقُرْآنِ تَصْدِيقًا مِنْهُمْ لِلتَّوْرَاةِ ، لِأَنَّ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ ، نَظِيرُ الَّذِي مِنْ ذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَفِي تَصْدِيقِهِمْ بِمَا [1/561]أَنْزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)تَصْدِيقٌ مِنْهُمْ لِمَا مَعَهُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ ، وَفِي تَكْذِيبِهِمْ بِهِ تَكْذِيبٌ مِنْهُمْ لِمَا مَعَهُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ .
وَقَوْلُهُ : " مُصَدِّقًا " قَطَعَ مِنَ الْهَاءِ الْمَتْرُوكَةِ فِي " أَنْزَلْتُهُ " مِنْ ذِكْرِ " مَا " وَمَعْنَى الْكَلَامِ وَآمِنُوا بِالَّذِي أَنْزَلْتُهُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ أَيُّهَا الْيَهُودُ ، وَالَّذِي مَعَهُمْ : هُوَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ . كَمَا :
814 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَآمِنُوا بِمَا أَنْـزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ " يَقُولُ : إِنَّمَا أَنْزَلْتُ الْقُرْآنَ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ . .
815 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
816 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : " وَآمِنُوا بِمَا أَنْـزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ " يَقُولُ : يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، آمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ عَلَى مُحَمَّدٍ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ . يَقُولُ : لِأَنَّهُمْ يَجِدُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ . .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : كَيْفَ قِيلَ : " وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ " [1/562]وَالْخِطَابُ فِيهِ لِجَمِيعٍ ، وَقَوْلُهُ : " كَافِرٍ " وَاحِدٌ ؟ وَهَلْ نُجِيزُ - إِنْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا - أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ : " وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ رَجُلٍ قَامَ " ؟
قِيلَ لَهُ : إِنَّمَا يَجُوزُ تَوْحِيدُ مَا أُضِيفَ لَهُ " أَفْعَلُ " وَهُوَ خَبَرٌ لِجَمِيعٍ إِذَا كَانَ اسْمًا مُشْتَقًّا مِنْ " فَعَلَ وَيَفْعَلُ " لِأَنَّهُ يُؤَدِّي عَنِ الْمُرَادِ مَعَهُ الْمَحْذُوفَ مِنَ الْكَلَامِ وَهُوَ " مَنْ " وَيَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْأَدَاءِ عَنْ مَعْنَى مَا كَانَ يُؤَدِّي عَنْهُ " مَنْ " مِنَ الْجَمْعِ وَالتَّأْنِيثِ ، وَهُوَ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ . أَلَّا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ : وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ يَكْفُرُ بِهِ . " فَمَنْ " بِمَعْنَى جَمِيعٍ ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ تَصَرُّفَ الْأَسْمَاءِ لِلتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ وَالتَّأْنِيثِ . فَإِذَا أُقِيمَ الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ مِنْ " فَعَلَ وَيَفْعَلُ " مُقَامَهُ ، جَرَى وَهُوَ مُوَحَّدٌ مَجْرَاهُ فِي الْأَدَاءِ عَمَّا كَانَ يُؤَدِّي عَنْهُ " مَنْ " مِنْ مَعْنَى الْجَمْعِ وَالتَّأْنِيثِ ، كَقَوْلِكَ : " الْجَيْشُ مُنْهَزِمٌ " " وَالْجُنْدُ مُقْبِلٌ " فَتُوَحِّدُ الْفِعْلَ لِتَوْحِيدِ لَفْظِ الْجَيْشِ وَالْجُنْدِ . وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ : " الْجَيْشُ رَجُلٌ ، وَالْجُنْدُ غُلَامٌ " حَتَّى تَقُولَ : " الْجُنْدُ غِلْمَانٌ وَالْجَيْشُ رِجَالٌ " لِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ عَدَدِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُشْتَقَّةٍ مِنْ " فَعَلَ وَيَفْعَلُ " لَا يُؤَدِّي عَنْ مَعْنَى الْجَمَاعَةِ مِنْهُمْ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
وَإِذَا هُمُ طَعِمُوا فَأَلْأَمُ طَاعِمٍ وَإِذَا هُمُ جَاعُوا فَشَرُّ جِيَاعِ
فَوَحَّدَ مَرَّةً عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنْ نِيَّةِ " مَنْ " وَإِقَامَةِ الظَّاهِرِ مِنَ الِاسْمِ الَّذِي هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ " فَعَلَ وَيَفْعَلُ " مَقَامَهُ ، وَجَمَعَ أُخْرَى عَلَى الْإِخْرَاجِ عَلَى عَدَدِ أَسْمَاءِ [1/563]الْمُخْبَرِ عَنْهُمْ ، وَلَوْ وَحَّدَ حَيْثُ جَمَعَ ، أَوْ جَمَعَ حَيْثُ وَحَّدَ ، كَانَ صَوَابًا جَائِزًا .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : يَا مَعْشَرَ أَحْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، صَدِّقُوا بِمَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُصَدِّقِ كِتَابَكُمْ ، وَالَّذِي عِنْدَكُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، الْمَعْهُودِ إِلَيْكُمْ فِيهِمَا أَنَّهُ رَسُولِي وَنَبِيِّي الْمَبْعُوثُ بِالْحَقِّ ، وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ أُمَّتِكُمْ كَذَّبَ بِهِ وَجَحَدَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِي ، وَعِنْدَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِهِ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِكُمْ .
وَكُفْرُهُمْ بِهِ : جُحُودُهُمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . وَالْهَاءُ الَّتِي فِي " بِهِ " مِنْ ذِكْرِ " مَا " الَّتِي مَعَ قَوْلِهِ : " وَآمِنُوا بِمَا أَنْـزَلْتُ " كَمَا :
817 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، قَالَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ : " وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ " بِالْقُرْآنِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي ذَلِكَ مَا :
818 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : " وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ " يَقُولُ : لَا تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : " وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ " يَعْنِي : بِكِتَابِكُمْ . وَيَتَأَوَّلُ أَنَّ فِي تَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْذِيبًا مِنْهُمْ بِكِتَابِهِمْ ، لِأَنَّ فِي كِتَابِهِمُ الْأَمْرَ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مِنْ ظَاهِرِ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ التِّلَاوَةُ بِعِيدَانِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ [1/564]أَمَرَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي أَوَّلِهَا بِالْإِيمَانِ بِمَا أَنْزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : " وَآمِنُوا بِمَا أَنْـزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ " وَمَعْقُولٌ أَنَّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِي عَصْرِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْقُرْآنُ لَا مُحَمَّدٌ ، (نبي)لِأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ رَسُولٌ مُرْسَلٌ ، لَا تَنْزِيلٌ مُنْزَلٌ ، وَالْمُنْزَلُ هُوَ الْكِتَابُ . ثُمَّ نَهَاهُمْ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ يَكْفُرُ بِالَّذِي أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ، وَلَمْ يَجْرِ لِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرٌ ظَاهِرٌ ، فَيُعَادُ عَلَيْهِ بِذِكْرِهِ مَكْنِيًّا فِي قَوْلِهِ : " وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ " وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحَالٍ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُذْكَرَ مَكْنِيُّ اسْمٍ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ ظَاهِرٌ فِي الْكَلَامِ .
وَكَذَلِكَ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَائِدَ مِنَ الذِّكْرِ فِي " بِهِ " عَلَى " مَا " الَّتِي فِي قَوْلِهِ : " لِمَا مَعَكُمْ " لِأَنَّ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا ظَاهِرَ الْكَلَامِ ، فَإِنَّهُ بَعِيدٌ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ وَالتَّنْزِيلِ ، لِمَا وَصَفْنَا قَبْلُ مِنْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْإِيمَانِ بِهِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ هُوَ الْقُرْآنُ . فَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْهِيُّ عَنِ الْكُفْرِ بِهِ فِي آخِرِهَا هُوَ الْقُرْآنُ . وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِالْإِيمَانِ بِهِ غَيْرَ الْمَنْهِيِّ عَنِ الْكُفْرِ بِهِ ، فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ وَآيَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَذَلِكَ غَيْرُ الْأَشْهُرِ الْأَظْهَرِ فِي الْكَلَامِ . هَذَا مَعَ بُعْدِ مَعْنَاهُ فِي التَّأْوِيلِ . .
819 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ [1/565]بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَآمِنُوا بِمَا أَنْـزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ " وَعِنْدَكُمْ فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِكُمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ :
820 - فَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : " وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا " يَقُولُ : لَا تَأْخُذُوا عَلَيْهِ أَجْرًا . قَالَ : هُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ : يَا ابْنَ آدَمَ ، عَلِّمْ مَجَّانًا كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّانًا .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا :
821 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا " يَقُولُ : لَا تَأْخُذُوا طَمَعًا قَلِيلًا وَتَكْتُمُوا اسْمَ اللَّهِ ، وَذَلِكَ الثَّمَنُ هُوَ الطَّمَعُ . [1/566]
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : لَا تَبِيعُوا مَا آتَيْتُكُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِكِتَابِي وَآيَاتِهِ بِثَمَنٍ خَسِيسٍ وَعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلٍ . وَبَيْعُهُمْ إِيَّاهُ - تَرْكُهُمْ إِبَانَةَ مَا فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ ، وَأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِيهِ أَنَّهُ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ - بِثَمَنٍ قَلِيلٍ ، وَهُوَ رِضَاهُمْ بِالرِّيَاسَةِ عَلَى أَتْبَاعِهِمْ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ وَدِينِهِمْ ، وَأَخْذُهُمُ الْأَجْرَ مِمَّنْ بَيَّنُوا لَهُ ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنُوا لَهُ مِنْهُ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا بِمَعْنَى ذَلِكَ : " لَا تَبِيعُوا " لِأَنَّ مُشْتَرِيَ الثَّمَنِ الْقَلِيلِ بِآيَاتِ اللَّهِ بَائِعُ الْآيَاتِ بِالثَّمَنِ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ مَبِيعٌ لِصَاحِبِهِ ، وَصَاحِبُهُ بِهِ مُشْتَرٍ : وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ ، بَيِّنُوا لِلنَّاسِ أَمْرَ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا تَبْتَغُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَجْرًا . فَيَكُونُ حِينَئِذٍ نَهْيُهُ عَنْ أَخْذِ الْأَجْرِ عَلَى تَبْيِينِهِ ، هُوَ النَّهْيُ عَنْ شِرَاءِ الثَّمَنِ الْقَلِيلِ بِآيَاتِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ( 41 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ : فَاتَّقَوْنِ - فِي بَيْعِكُمْ آيَاتِي بِالْخَسِيسِ مِنَ الثَّمَنِ ، وَشِرَائِكُمْ بِهَا الْقَلِيلَ مِنَ الْعَرَضِ ، وَكُفْرِكُمْ بِمَا أَنْزَلَتُ عَلَى رَسُولِي وَجُحُودِكُمْ نُبُوَّةَ نَبِيِّي - أَنْ أُحِلَّ بِكُمْ مَا أَحْلَلْتُ بِأَسْلَافِكُمَ الَّذِينَ سَلَكُوا سَبِيلَكُمْ مِنَ الْمَثُلَاتِ وَالنِّقْمَاتِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " آمِنُوا " صَدِّقُوا ، كَمَا قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَانَ عَنْهُ قَبْلُ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " بِمَا أَنْـزَلْتُ مَا أَنْزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْقُرْآنِ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ " أَنَّ الْقُرْآنَ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ التَّوْرَاةِ . فَأَمَرَهُمْ بِالتَّصْدِيقِ بِالْقُرْآنِ ، وَأَخْبَرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ فِي تَصْدِيقِهِمْ بِالْقُرْآنِ تَصْدِيقًا مِنْهُمْ لِلتَّوْرَاةِ ، لِأَنَّ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ ، نَظِيرُ الَّذِي مِنْ ذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَفِي تَصْدِيقِهِمْ بِمَا [1/561]أَنْزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)تَصْدِيقٌ مِنْهُمْ لِمَا مَعَهُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ ، وَفِي تَكْذِيبِهِمْ بِهِ تَكْذِيبٌ مِنْهُمْ لِمَا مَعَهُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ .
وَقَوْلُهُ : " مُصَدِّقًا " قَطَعَ مِنَ الْهَاءِ الْمَتْرُوكَةِ فِي " أَنْزَلْتُهُ " مِنْ ذِكْرِ " مَا " وَمَعْنَى الْكَلَامِ وَآمِنُوا بِالَّذِي أَنْزَلْتُهُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ أَيُّهَا الْيَهُودُ ، وَالَّذِي مَعَهُمْ : هُوَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ . كَمَا :
814 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَآمِنُوا بِمَا أَنْـزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ " يَقُولُ : إِنَّمَا أَنْزَلْتُ الْقُرْآنَ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ . .
815 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
816 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : " وَآمِنُوا بِمَا أَنْـزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ " يَقُولُ : يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، آمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ عَلَى مُحَمَّدٍ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ . يَقُولُ : لِأَنَّهُمْ يَجِدُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ . .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : كَيْفَ قِيلَ : " وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ " [1/562]وَالْخِطَابُ فِيهِ لِجَمِيعٍ ، وَقَوْلُهُ : " كَافِرٍ " وَاحِدٌ ؟ وَهَلْ نُجِيزُ - إِنْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا - أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ : " وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ رَجُلٍ قَامَ " ؟
قِيلَ لَهُ : إِنَّمَا يَجُوزُ تَوْحِيدُ مَا أُضِيفَ لَهُ " أَفْعَلُ " وَهُوَ خَبَرٌ لِجَمِيعٍ إِذَا كَانَ اسْمًا مُشْتَقًّا مِنْ " فَعَلَ وَيَفْعَلُ " لِأَنَّهُ يُؤَدِّي عَنِ الْمُرَادِ مَعَهُ الْمَحْذُوفَ مِنَ الْكَلَامِ وَهُوَ " مَنْ " وَيَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْأَدَاءِ عَنْ مَعْنَى مَا كَانَ يُؤَدِّي عَنْهُ " مَنْ " مِنَ الْجَمْعِ وَالتَّأْنِيثِ ، وَهُوَ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ . أَلَّا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ : وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ يَكْفُرُ بِهِ . " فَمَنْ " بِمَعْنَى جَمِيعٍ ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ تَصَرُّفَ الْأَسْمَاءِ لِلتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ وَالتَّأْنِيثِ . فَإِذَا أُقِيمَ الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ مِنْ " فَعَلَ وَيَفْعَلُ " مُقَامَهُ ، جَرَى وَهُوَ مُوَحَّدٌ مَجْرَاهُ فِي الْأَدَاءِ عَمَّا كَانَ يُؤَدِّي عَنْهُ " مَنْ " مِنْ مَعْنَى الْجَمْعِ وَالتَّأْنِيثِ ، كَقَوْلِكَ : " الْجَيْشُ مُنْهَزِمٌ " " وَالْجُنْدُ مُقْبِلٌ " فَتُوَحِّدُ الْفِعْلَ لِتَوْحِيدِ لَفْظِ الْجَيْشِ وَالْجُنْدِ . وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ : " الْجَيْشُ رَجُلٌ ، وَالْجُنْدُ غُلَامٌ " حَتَّى تَقُولَ : " الْجُنْدُ غِلْمَانٌ وَالْجَيْشُ رِجَالٌ " لِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ عَدَدِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُشْتَقَّةٍ مِنْ " فَعَلَ وَيَفْعَلُ " لَا يُؤَدِّي عَنْ مَعْنَى الْجَمَاعَةِ مِنْهُمْ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
وَإِذَا هُمُ طَعِمُوا فَأَلْأَمُ طَاعِمٍ وَإِذَا هُمُ جَاعُوا فَشَرُّ جِيَاعِ
فَوَحَّدَ مَرَّةً عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنْ نِيَّةِ " مَنْ " وَإِقَامَةِ الظَّاهِرِ مِنَ الِاسْمِ الَّذِي هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ " فَعَلَ وَيَفْعَلُ " مَقَامَهُ ، وَجَمَعَ أُخْرَى عَلَى الْإِخْرَاجِ عَلَى عَدَدِ أَسْمَاءِ [1/563]الْمُخْبَرِ عَنْهُمْ ، وَلَوْ وَحَّدَ حَيْثُ جَمَعَ ، أَوْ جَمَعَ حَيْثُ وَحَّدَ ، كَانَ صَوَابًا جَائِزًا .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : يَا مَعْشَرَ أَحْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، صَدِّقُوا بِمَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْقُرْآنِ الْمُصَدِّقِ كِتَابَكُمْ ، وَالَّذِي عِنْدَكُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، الْمَعْهُودِ إِلَيْكُمْ فِيهِمَا أَنَّهُ رَسُولِي وَنَبِيِّي الْمَبْعُوثُ بِالْحَقِّ ، وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ أُمَّتِكُمْ كَذَّبَ بِهِ وَجَحَدَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِي ، وَعِنْدَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِهِ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِكُمْ .
وَكُفْرُهُمْ بِهِ : جُحُودُهُمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . وَالْهَاءُ الَّتِي فِي " بِهِ " مِنْ ذِكْرِ " مَا " الَّتِي مَعَ قَوْلِهِ : " وَآمِنُوا بِمَا أَنْـزَلْتُ " كَمَا :
817 - حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، قَالَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ : " وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ " بِالْقُرْآنِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي ذَلِكَ مَا :
818 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : " وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ " يَقُولُ : لَا تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : " وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ " يَعْنِي : بِكِتَابِكُمْ . وَيَتَأَوَّلُ أَنَّ فِي تَكْذِيبِهِمْ بِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْذِيبًا مِنْهُمْ بِكِتَابِهِمْ ، لِأَنَّ فِي كِتَابِهِمُ الْأَمْرَ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مِنْ ظَاهِرِ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ التِّلَاوَةُ بِعِيدَانِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ [1/564]أَمَرَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي أَوَّلِهَا بِالْإِيمَانِ بِمَا أَنْزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : " وَآمِنُوا بِمَا أَنْـزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ " وَمَعْقُولٌ أَنَّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِي عَصْرِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْقُرْآنُ لَا مُحَمَّدٌ ، (نبي)لِأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ رَسُولٌ مُرْسَلٌ ، لَا تَنْزِيلٌ مُنْزَلٌ ، وَالْمُنْزَلُ هُوَ الْكِتَابُ . ثُمَّ نَهَاهُمْ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ يَكْفُرُ بِالَّذِي أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ، وَلَمْ يَجْرِ لِمُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرٌ ظَاهِرٌ ، فَيُعَادُ عَلَيْهِ بِذِكْرِهِ مَكْنِيًّا فِي قَوْلِهِ : " وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ " وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحَالٍ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُذْكَرَ مَكْنِيُّ اسْمٍ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ ظَاهِرٌ فِي الْكَلَامِ .
وَكَذَلِكَ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَائِدَ مِنَ الذِّكْرِ فِي " بِهِ " عَلَى " مَا " الَّتِي فِي قَوْلِهِ : " لِمَا مَعَكُمْ " لِأَنَّ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا ظَاهِرَ الْكَلَامِ ، فَإِنَّهُ بَعِيدٌ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ وَالتَّنْزِيلِ ، لِمَا وَصَفْنَا قَبْلُ مِنْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْإِيمَانِ بِهِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ هُوَ الْقُرْآنُ . فَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْهِيُّ عَنِ الْكُفْرِ بِهِ فِي آخِرِهَا هُوَ الْقُرْآنُ . وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِالْإِيمَانِ بِهِ غَيْرَ الْمَنْهِيِّ عَنِ الْكُفْرِ بِهِ ، فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ وَآيَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَذَلِكَ غَيْرُ الْأَشْهُرِ الْأَظْهَرِ فِي الْكَلَامِ . هَذَا مَعَ بُعْدِ مَعْنَاهُ فِي التَّأْوِيلِ . .
819 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ [1/565]بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَآمِنُوا بِمَا أَنْـزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ " وَعِنْدَكُمْ فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِكُمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ :
820 - فَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : " وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا " يَقُولُ : لَا تَأْخُذُوا عَلَيْهِ أَجْرًا . قَالَ : هُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ : يَا ابْنَ آدَمَ ، عَلِّمْ مَجَّانًا كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّانًا .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا :
821 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا " يَقُولُ : لَا تَأْخُذُوا طَمَعًا قَلِيلًا وَتَكْتُمُوا اسْمَ اللَّهِ ، وَذَلِكَ الثَّمَنُ هُوَ الطَّمَعُ . [1/566]
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : لَا تَبِيعُوا مَا آتَيْتُكُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِكِتَابِي وَآيَاتِهِ بِثَمَنٍ خَسِيسٍ وَعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلٍ . وَبَيْعُهُمْ إِيَّاهُ - تَرْكُهُمْ إِبَانَةَ مَا فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ ، وَأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِيهِ أَنَّهُ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ - بِثَمَنٍ قَلِيلٍ ، وَهُوَ رِضَاهُمْ بِالرِّيَاسَةِ عَلَى أَتْبَاعِهِمْ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ وَدِينِهِمْ ، وَأَخْذُهُمُ الْأَجْرَ مِمَّنْ بَيَّنُوا لَهُ ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنُوا لَهُ مِنْهُ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا بِمَعْنَى ذَلِكَ : " لَا تَبِيعُوا " لِأَنَّ مُشْتَرِيَ الثَّمَنِ الْقَلِيلِ بِآيَاتِ اللَّهِ بَائِعُ الْآيَاتِ بِالثَّمَنِ ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ مَبِيعٌ لِصَاحِبِهِ ، وَصَاحِبُهُ بِهِ مُشْتَرٍ : وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ ، بَيِّنُوا لِلنَّاسِ أَمْرَ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا تَبْتَغُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَجْرًا . فَيَكُونُ حِينَئِذٍ نَهْيُهُ عَنْ أَخْذِ الْأَجْرِ عَلَى تَبْيِينِهِ ، هُوَ النَّهْيُ عَنْ شِرَاءِ الثَّمَنِ الْقَلِيلِ بِآيَاتِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ( 41 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ : فَاتَّقَوْنِ - فِي بَيْعِكُمْ آيَاتِي بِالْخَسِيسِ مِنَ الثَّمَنِ ، وَشِرَائِكُمْ بِهَا الْقَلِيلَ مِنَ الْعَرَضِ ، وَكُفْرِكُمْ بِمَا أَنْزَلَتُ عَلَى رَسُولِي وَجُحُودِكُمْ نُبُوَّةَ نَبِيِّي - أَنْ أُحِلَّ بِكُمْ مَا أَحْلَلْتُ بِأَسْلَافِكُمَ الَّذِينَ سَلَكُوا سَبِيلَكُمْ مِنَ الْمَثُلَاتِ وَالنِّقْمَاتِ .