النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ( 38 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُوَ التَّوَّابُ عَلَى مَنْ تَابَ إِلَيْهِ - مِنْ عِبَادِهِ الْمُذْنِبِينَ - مِنْ ذُنُوبِهِ ، التَّارِكُ مَجَازَاتِهِ بِإِنَابَتِهِ إِلَى طَاعَتِهِ بَعْدَ مَعْصِيَتِهِ بِمَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِهِ . وَقَدْ ذَكَّرْنَا أَنَّ مَعْنَى التَّوْبَةِ مِنَ الْعَبْدِ إِلَى رَبِّهِ ، إِنَابَتُهُ إِلَى طَاعَتِهِ ، وَأَوْبَتِهِ إِلَى مَا يُرْضِيهِ بِتَرْكِهِ مَا يُسْخِطُهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مُقِيمًا مِمَّا يَكْرَهُهُ رَبُّهُ . فَكَذَلِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ ، هُوَ أَنْ يَرْزُقَهُ ذَلِكَ ، [1/548]وَيُؤَوِّبُ لَهُ مِنْ غَضَبِهِ عَلَيْهِ إِلَى الرِّضَا عَنْهُ ، وَمِنَ الْعُقُوبَةِ إِلَى الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنْهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " الرَّحِيمُ " فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ الْمُتَفَضِّلُ عَلَيْهِ مَعَ التَّوْبَةِ بِالرَّحْمَةِ . وَرَحْمَتُهُ إِيَّاهُ ، إِقَالَةُ عَثْرَتِهِ ، وَصَفْحُهُ عَنْ عُقُوبَةِ جُرْمِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَوْلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا " فِيمَا مَضَى ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى إِعَادَتِهِ ، إِذْ كَانَ مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، هُوَ مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ .
793 - وَقَدْ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، فِي قَوْلِهِ : " اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا قَالَ : آدَمُ (نبي)وَحَوَّاءُ وَالْحَيَّةُ وَإِبْلِيسُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ " فَإِنْ يَأْتِكُمْ . وَ " مَا " الَّتِي مَعَ " إِنْ " تَوْكِيدٌ لِلْكَلَامِ ، وَلِدُخُولِهَا مَعَ " إِنْ " أُدْخِلَتِ النُّونُ الْمُشَدَّدَةُ فِي " يَأْتِيَنَّكُمْ " تَفْرِقَةً بِدُخُولِهَا بَيْنَ " مَا " الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى تَوْكِيدِ الْكَلَامِ - الَّتِي تُسَمِّيهَا أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ صِلَةً وَحَشْوًا - وَبَيْنَ " مَا " الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى " الَّذِي " فَتُؤْذِنُ بِدُخُولِهَا فِي الْفِعْلِ ، أَنَّ " مَا " الَّتِي مَعَ " إِنْ " الَّتِي بِمَعْنَى الْجَزَاءِ ، تَوْكِيدٌ ، وَلَيْسَتْ " مَا " الَّتِي بِمَعْنَى " الَّذِي "
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ : إِنَّ " إِمَّا " إِنْ زِيدَتْ مَعَهَا " مَا " [1/549]وَصَارَ الْفِعْلُ الَّذِي بَعْدَهُ بِالنُّونِ الْخَفِيفَةِ أَوَ الثَّقِيلَةِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ نُونٍ . وَإِنَّمَا حَسُنَتْ فِيهِ النُّونُ لَمَّا دَخَلْتُهُ " مَا " لِأَنَّ " مَا " نَفْيٌ ، فَهِيَ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَهِيَ الْحَرْفُ الَّذِي يَنْفِي الْوَاجِبَ ، فَحَسُنَتْ فِيهِ النُّونُ ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ : " بِعَيْنٍ مَا أَرَيَنَّكَ " حِينَ أُدْخِلَتْ فِيهَا " مَا " حَسُنَتِ النُّونُ فِيمَا هَاهُنَا .
وَقَدْ أَنْكَرَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ دَعْوَى قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ : أَنَّ " مَا " الَّتِي مَعَ " بِعَيْنٍ مَا أَرَيَنَّكَ " بِمَعْنَى الْجَحْدِ ، وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ بِمَعْنَى التَّوْكِيدِ لِلْكَلَامِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ حَشْوٌ فِي الْكَلَامِ ، وَمَعْنَاهَا الْحَذْفُ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : " بِعَيْنٍ أَرَاكَ " وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُجْعَلَ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ أَصْلًا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْهُدَى ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، الْبَيَانُ وَالرَّشَادُ . كَمَا :
794 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، فِي قَوْلِهِ : " فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى " قَالَ : الْهُدَى ، الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ وَالْبَيَانُ . .
فَإِنْ كَانَ مَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ ، فَالْخِطَابُ بِقَوْلِهِ : " اهْبِطُوا " وَإِنْ كَانَ لِآدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ آدَمُ (نبي)وَزَوْجَتُهُ وَذُرِّيَّتُهُمَا . فَيَكُونُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ نَظِيرَ قَوْلِهِ : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [ سُورَةُ فُصِّلَتْ : 11 ] ، بِمَعْنَى أَتَيْنَا بِمَا فِينَا مِنَ الْخُلُقِ طَائِعِينَ ، وَنَظِيرَ قَوْلِهِ فِي قِرَاءَةِ [1/550]ابْنِ مَسْعُودٍ : ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسَلَّمَةً لَكَ وَأَرِهِمْ مَنَاسِكَهُمْ ) [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 128 ] ، فَجَمَعَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ ذُرِّيَّةً ، وَهُوَ فِي قِرَاءَتِنَا : " وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " وَكَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِآخَرَ : " كَأَنَّكَ قَدْ تَزَوَّجْتَ وُوُلِدَ لَكَ ، وَكَثُرْتُمْ وَعَزَزْتُمْ " وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، لِأَنَّ آدَمَ (نبي)كَانَ هُوَ النَّبِيَّ أَيَّامَ حَيَاتِهِ بَعْدَ أَنْ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ ، وَالرَّسُولَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى وَلَدِهِ . فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا - وَهُوَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ : " فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى " خِطَابًا لَهُ وَلِزَوْجَتِهِ ، " فَإِمَّا يَأْتِينَكُمْ مِنِّي أَنْبِيَاءُ وَرُسُلٌ " إِلَّا عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنَ التَّأْوِيلِ .
وَقَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي ذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ وَجْهًا مِنَ التَّأْوِيلِ تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ - فَأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ مِنْهُ عِنْدِي وَأَشْبَهُ بِظَاهِرِ التِّلَاوَةِ ، أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهَا : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ مَنْ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ سَمَائِي ، وَهُوَ آدَمُ (نبي)وَزَوْجَتُهُ وَإِبْلِيسُ - كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا - إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي بَيَانٌ مِنْ أَمْرِي وَطَاعَتِي ، وَرَشَادٌ إِلَى سَبِيلِي وَدِينِي ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْكُمْ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَلَفَ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَيَّ مَعْصِيَةٌ وَخِلَافٌ لِأَمْرِي وَطَاعَتِي . يُعَرِّفُهُمْ بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ التَّائِبُ عَلَى مَنْ تَابَ إِلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ ، وَالرَّحِيمُ لِمَنْ أَنَابَ إِلَيْهِ ، كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ : " إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ "
وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ لِلَّذِينِ قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا " وَالَّذِينَ خُوطِبُوا بِهِ هُمْ مَنْ سَمَّيْنَا فِي قَوْلِ الْحُجَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ قَدْ قَدَّمْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ . . وَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ خِطَابًا مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ لِمَنْ أُهْبِطَ [1/551]حِينَئِذٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، فَهُوَ سُنَّةُ اللَّهِ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ ، وَتَعْرِيفٌ مِنْهُ بِذَلِكَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ ( : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 6 ] ، وَفِي قَوْلِهِ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 8 ] ، وَأَنَّ حُكْمَهُ فِيهِمْ - إِنْ تَابُوا إِلَيْهِ وَأَنَابُوا وَاتَّبَعُوا مَا أَتَاهُمْ مِنَ الْبَيَانِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ عِنْدَهُ فِي الْآخِرَةِ مِمَّنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ، وَأَنَّهُمْ إِنْ هَلَكُوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ قَبْلَ الْإِنَابَةِ وَالتَّوْبَةِ ، كَانُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا .
وَقَوْلُهُ : " فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ " يَعْنِي : فَمَنِ اتَّبَعَ بَيَانِي الَّذِي آتَيْتُهُ عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِي ، أَوْ مَعَ رُسُلِي . كَمَا :
795 - حَدَّثَنَا بِهِ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : " فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ " يَعْنِي بَيَانِي . .
وَقَوْلُهُ : " فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ " يَعْنِي فَهُمْ آمِنُونَ فِي أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ ، غَيْرُ خَائِفِينَ عَذَابَهُ ، بِمَا أَطَاعُوا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا وَاتَّبَعُوا أَمْرَهُ وَهُدَاهُ وَسَبِيلَهُ ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَوْمَئِذٍ عَلَى مَا خَلَّفُوا بَعْدَ وَفَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا . كَمَا :
796 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ " يَقُولُ : لَا خَوْفَ عَلَيْكُمْ أَمَامَكُمْ .
وَلَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ فِي صَدْرِ الَّذِي يَمُوتُ مِمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ . فَأَمَّنَهُمْ مِنْهُ وَسَلَّاهُمْ عَنِ الدُّنْيَا فَقَالَ : " وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ "
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُوَ التَّوَّابُ عَلَى مَنْ تَابَ إِلَيْهِ - مِنْ عِبَادِهِ الْمُذْنِبِينَ - مِنْ ذُنُوبِهِ ، التَّارِكُ مَجَازَاتِهِ بِإِنَابَتِهِ إِلَى طَاعَتِهِ بَعْدَ مَعْصِيَتِهِ بِمَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِهِ . وَقَدْ ذَكَّرْنَا أَنَّ مَعْنَى التَّوْبَةِ مِنَ الْعَبْدِ إِلَى رَبِّهِ ، إِنَابَتُهُ إِلَى طَاعَتِهِ ، وَأَوْبَتِهِ إِلَى مَا يُرْضِيهِ بِتَرْكِهِ مَا يُسْخِطُهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مُقِيمًا مِمَّا يَكْرَهُهُ رَبُّهُ . فَكَذَلِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ ، هُوَ أَنْ يَرْزُقَهُ ذَلِكَ ، [1/548]وَيُؤَوِّبُ لَهُ مِنْ غَضَبِهِ عَلَيْهِ إِلَى الرِّضَا عَنْهُ ، وَمِنَ الْعُقُوبَةِ إِلَى الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنْهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " الرَّحِيمُ " فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ الْمُتَفَضِّلُ عَلَيْهِ مَعَ التَّوْبَةِ بِالرَّحْمَةِ . وَرَحْمَتُهُ إِيَّاهُ ، إِقَالَةُ عَثْرَتِهِ ، وَصَفْحُهُ عَنْ عُقُوبَةِ جُرْمِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَوْلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا " فِيمَا مَضَى ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى إِعَادَتِهِ ، إِذْ كَانَ مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، هُوَ مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ .
793 - وَقَدْ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، فِي قَوْلِهِ : " اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا قَالَ : آدَمُ (نبي)وَحَوَّاءُ وَالْحَيَّةُ وَإِبْلِيسُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ " فَإِنْ يَأْتِكُمْ . وَ " مَا " الَّتِي مَعَ " إِنْ " تَوْكِيدٌ لِلْكَلَامِ ، وَلِدُخُولِهَا مَعَ " إِنْ " أُدْخِلَتِ النُّونُ الْمُشَدَّدَةُ فِي " يَأْتِيَنَّكُمْ " تَفْرِقَةً بِدُخُولِهَا بَيْنَ " مَا " الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى تَوْكِيدِ الْكَلَامِ - الَّتِي تُسَمِّيهَا أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ صِلَةً وَحَشْوًا - وَبَيْنَ " مَا " الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى " الَّذِي " فَتُؤْذِنُ بِدُخُولِهَا فِي الْفِعْلِ ، أَنَّ " مَا " الَّتِي مَعَ " إِنْ " الَّتِي بِمَعْنَى الْجَزَاءِ ، تَوْكِيدٌ ، وَلَيْسَتْ " مَا " الَّتِي بِمَعْنَى " الَّذِي "
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ : إِنَّ " إِمَّا " إِنْ زِيدَتْ مَعَهَا " مَا " [1/549]وَصَارَ الْفِعْلُ الَّذِي بَعْدَهُ بِالنُّونِ الْخَفِيفَةِ أَوَ الثَّقِيلَةِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ نُونٍ . وَإِنَّمَا حَسُنَتْ فِيهِ النُّونُ لَمَّا دَخَلْتُهُ " مَا " لِأَنَّ " مَا " نَفْيٌ ، فَهِيَ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَهِيَ الْحَرْفُ الَّذِي يَنْفِي الْوَاجِبَ ، فَحَسُنَتْ فِيهِ النُّونُ ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ : " بِعَيْنٍ مَا أَرَيَنَّكَ " حِينَ أُدْخِلَتْ فِيهَا " مَا " حَسُنَتِ النُّونُ فِيمَا هَاهُنَا .
وَقَدْ أَنْكَرَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ دَعْوَى قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ : أَنَّ " مَا " الَّتِي مَعَ " بِعَيْنٍ مَا أَرَيَنَّكَ " بِمَعْنَى الْجَحْدِ ، وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ بِمَعْنَى التَّوْكِيدِ لِلْكَلَامِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ حَشْوٌ فِي الْكَلَامِ ، وَمَعْنَاهَا الْحَذْفُ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : " بِعَيْنٍ أَرَاكَ " وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُجْعَلَ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ أَصْلًا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْهُدَى ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، الْبَيَانُ وَالرَّشَادُ . كَمَا :
794 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، فِي قَوْلِهِ : " فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى " قَالَ : الْهُدَى ، الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ وَالْبَيَانُ . .
فَإِنْ كَانَ مَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ ، فَالْخِطَابُ بِقَوْلِهِ : " اهْبِطُوا " وَإِنْ كَانَ لِآدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ آدَمُ (نبي)وَزَوْجَتُهُ وَذُرِّيَّتُهُمَا . فَيَكُونُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ نَظِيرَ قَوْلِهِ : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [ سُورَةُ فُصِّلَتْ : 11 ] ، بِمَعْنَى أَتَيْنَا بِمَا فِينَا مِنَ الْخُلُقِ طَائِعِينَ ، وَنَظِيرَ قَوْلِهِ فِي قِرَاءَةِ [1/550]ابْنِ مَسْعُودٍ : ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسَلَّمَةً لَكَ وَأَرِهِمْ مَنَاسِكَهُمْ ) [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 128 ] ، فَجَمَعَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ ذُرِّيَّةً ، وَهُوَ فِي قِرَاءَتِنَا : " وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا " وَكَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِآخَرَ : " كَأَنَّكَ قَدْ تَزَوَّجْتَ وُوُلِدَ لَكَ ، وَكَثُرْتُمْ وَعَزَزْتُمْ " وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، لِأَنَّ آدَمَ (نبي)كَانَ هُوَ النَّبِيَّ أَيَّامَ حَيَاتِهِ بَعْدَ أَنْ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ ، وَالرَّسُولَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى وَلَدِهِ . فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا - وَهُوَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ : " فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى " خِطَابًا لَهُ وَلِزَوْجَتِهِ ، " فَإِمَّا يَأْتِينَكُمْ مِنِّي أَنْبِيَاءُ وَرُسُلٌ " إِلَّا عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنَ التَّأْوِيلِ .
وَقَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي ذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ وَجْهًا مِنَ التَّأْوِيلِ تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ - فَأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ مِنْهُ عِنْدِي وَأَشْبَهُ بِظَاهِرِ التِّلَاوَةِ ، أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهَا : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ مَنْ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ سَمَائِي ، وَهُوَ آدَمُ (نبي)وَزَوْجَتُهُ وَإِبْلِيسُ - كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا - إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي بَيَانٌ مِنْ أَمْرِي وَطَاعَتِي ، وَرَشَادٌ إِلَى سَبِيلِي وَدِينِي ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْكُمْ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَلَفَ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَيَّ مَعْصِيَةٌ وَخِلَافٌ لِأَمْرِي وَطَاعَتِي . يُعَرِّفُهُمْ بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ التَّائِبُ عَلَى مَنْ تَابَ إِلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ ، وَالرَّحِيمُ لِمَنْ أَنَابَ إِلَيْهِ ، كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ : " إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ "
وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ لِلَّذِينِ قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا " وَالَّذِينَ خُوطِبُوا بِهِ هُمْ مَنْ سَمَّيْنَا فِي قَوْلِ الْحُجَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ الَّذِينَ قَدْ قَدَّمْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ . . وَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ خِطَابًا مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ لِمَنْ أُهْبِطَ [1/551]حِينَئِذٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، فَهُوَ سُنَّةُ اللَّهِ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ ، وَتَعْرِيفٌ مِنْهُ بِذَلِكَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ ( : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 6 ] ، وَفِي قَوْلِهِ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 8 ] ، وَأَنَّ حُكْمَهُ فِيهِمْ - إِنْ تَابُوا إِلَيْهِ وَأَنَابُوا وَاتَّبَعُوا مَا أَتَاهُمْ مِنَ الْبَيَانِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ عِنْدَهُ فِي الْآخِرَةِ مِمَّنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ، وَأَنَّهُمْ إِنْ هَلَكُوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ قَبْلَ الْإِنَابَةِ وَالتَّوْبَةِ ، كَانُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا .
وَقَوْلُهُ : " فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ " يَعْنِي : فَمَنِ اتَّبَعَ بَيَانِي الَّذِي آتَيْتُهُ عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِي ، أَوْ مَعَ رُسُلِي . كَمَا :
795 - حَدَّثَنَا بِهِ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ : " فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ " يَعْنِي بَيَانِي . .
وَقَوْلُهُ : " فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ " يَعْنِي فَهُمْ آمِنُونَ فِي أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ ، غَيْرُ خَائِفِينَ عَذَابَهُ ، بِمَا أَطَاعُوا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا وَاتَّبَعُوا أَمْرَهُ وَهُدَاهُ وَسَبِيلَهُ ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَوْمَئِذٍ عَلَى مَا خَلَّفُوا بَعْدَ وَفَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا . كَمَا :
796 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ " يَقُولُ : لَا خَوْفَ عَلَيْكُمْ أَمَامَكُمْ .
وَلَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ فِي صَدْرِ الَّذِي يَمُوتُ مِمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ . فَأَمَّنَهُمْ مِنْهُ وَسَلَّاهُمْ عَنِ الدُّنْيَا فَقَالَ : " وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ "