النص
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا ( 36 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ عَامَّتُهُمْ ، " فَأَزَلَّهُمَا " بِتَشْدِيدِ اللَّامِ ، بِمَعْنَى : اسْتَزَلَّهُمَا ، مِنْ قَوْلِكَ زَلَّ الرِّجْلُ فِي دِينِهِ : إِذَا هَفَا فِيهِ وَأَخْطَأَ ، فَأَتَى مَا لَيْسَ لَهُ إِتْيَانُهُ فِيهِ . وَأَزَلَّهُ غَيْرُهُ : إِذَا سَبَّبَ لَهُ مَا يَزِلُّ مِنْ أَجْلِهِ فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ ، وَلِذَلِكَ أَضَافَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِلَى إِبْلِيسَ خُرُوجَ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ مِنَ الْجَنَّةِ ، فَقَالَ : " فَأَخْرَجَهُمَا " يَعْنِي إِبْلِيسَ " مِمَّا كَانَا فِيهِ " لِأَنَّهُ كَانَ الَّذِي سَبَّبَ لَهُمَا الْخَطِيئَةَ الَّتِي عَاقَبَهُمَا اللَّهُ عَلَيْهَا بِإِخْرَاجِهِمَا مِنَ الْجَنَّةِ .
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ : " فَأَزَالَهُمَا " بِمَعْنَى إِزَالَةِ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ ، وَذَلِكَ تَنْحِيَتُهُ عَنْهُ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " فَأَزَلَّهُمَا " مَا : [1/525]
741 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ " قَالَ : أَغْوَاهُمَا .
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : " فَأَزَلَّهُمَا " لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ فِي الْحَرْفِ الَّذِي يَتْلُوهُ . بِأَنَّ إِبْلِيسَ أَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ . وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ " فَأَزَالَهُمَا " فَلَا وَجْهَ - إِذْ كَانَ مَعْنَى الْإِزَالَةِ مَعْنَى التَّنْحِيَةِ وَالْإِخْرَاجِ - أَنْ يُقَالَ : " فَأَزَالَهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ " فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ : " فَأَزَالَهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَزَالَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ . وَلَكِنَّ الْمَفْهُومَ أَنْ يُقَالَ : فَاسْتَزَلَّهُمَا إِبْلِيسُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ " وَقَرَأَتْ بِهِ الْقُرَّاءُ ، فَأَخْرَجَهُمَا بِاسْتِزْلَالِهِ إِيَّاهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَكَيْفَ كَانَ اسْتِزْلَالُ إِبْلِيسَ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتَهُ ، حَتَّى أُضِيفَ إِلَيْهِ إِخْرَاجُهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ ؟
قِيلَ : قَدْ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا سَنَذْكُرُ بَعْضَهَا
فَحُكِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فِي ذَلِكَ مَا :
742 - حَدَّثَنَا بِهِ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُهْرِبٍ قَالَ : سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ ، يَقُولُ : لَمَّا [1/526]أَسْكَنَ اللَّهُ آدَمَ (نبي)وَذُرِّيَّتَهُ - أَوْ زَوْجَتَهُ - الشَّكُّ مِنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، وَهُوَ فِي أَصْلِ كِتَابِهِ : " وَذُرِّيَّتِهِ " ، وَنَهَاهُ عَنِ الشَّجَرَةِ ، وَكَانَتْ شَجَرَةً غُصُونُهَا مُتَشَعِّبٌ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ ، وَكَانَ لَهَا ثَمَرٌ تَأْكُلُهُ الْمَلَائِكَةُ لِخُلْدِهِمْ ، وَهِيَ الثَّمَرَةُ الَّتِي نَهَى اللَّهُ آدَمَ (نبي)عَنْهَا وَزَوْجَتَهُ . فَلَمَّا أَرَادَ إِبْلِيسُ أَنْ يَسْتَزِلَّهُمَا دَخْلَ فِي جَوْفِ الْحَيَّةِ ، وَكَانَتْ لِلْحَيَّةِ أَرْبَعُ قَوَائِمَ كَأَنَّهَا بُخْتِيَّةٌ ، مَنْ أَحْسَنِ دَابَّةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْحَيَّةُ الْجَنَّةَ ، خَرَجَ مَنْ جَوْفِهَا إِبْلِيسُ ، فَأَخَذَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتَهُ ، فَجَاءَ بِهَا إِلَى حَوَّاءَ فَقَالَ : انْظُرِي إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ! مَا أَطْيَبَ رِيحَهَا وَأَطْيَبَ طَعْمَهَا وَأَحْسَنَ لَوْنَهَا! فَأَخَذَتْ حَوَّاءُ فَأَكَلَتْ مِنْهَا ثُمَّ ذَهَبَتْ بِهَا إِلَى آدَمَ (نبي)فَقَالَتْ : انْظُرْ إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ! مَا أَطْيَبَ رِيحَهَا وَأَطْيَبَ طَعْمَهَا وَأَحْسَنَ لَوْنَهَا! فَأَكَلَ مِنْهَا آدَمُ (نبي)، فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا . فَدَخَلَ آدَمُ (نبي)فِي جَوْفِ الشَّجَرَةِ ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا آدَمُ (نبي)أَيْنَ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا هُنَا يَا رَبِّ ! قَالَ : أَلَا تَخْرُجُ ؟ قَالَ : أَسْتَحْيِي مِنْكَ يَا رَبِّ . قَالَ : مَلْعُونَةٌ الْأَرْضُ الَّتِي خُلِقْتَ مِنْهَا لَعْنَةً يَتَحَوَّلُ ثَمَرُهَا شَوْكًا . قَالَ : وَلَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ وَلَا فِي الْأَرْضِ شَجَرَةٌ كَانَ أَفْضَلَ مِنَ الطَّلْحِ وَالسِّدْرِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا حَوَّاءُ ، أَنْتِ الَّتِي غَرَرْتِ عَبْدِي ، فَإِنَّكَ لَا تَحْمَلِينَ حَمْلًا إِلَّا حَمَلْتِهِ كُرْهًا ، فَإِذَا أَرَدْتِ أَنْ تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ أَشْرَفْتِ عَلَى الْمَوْتِ مِرَارًا . وَقَالَ لِلْحَيَّةِ : أَنْتِ الَّتِي دَخَلَ الْمَلْعُونُ فِي جَوْفِكِ حَتَّى غَرَّ عَبْدِي ، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ لَعْنَةٌ تَتَحَوَّلُ قَوَائِمُكِ فِي بَطْنِكِ ، وَلَا يَكُنْ لَكِ رِزْقٌ إِلَّا التُّرَابُ ، أَنْتَ عَدُوَّةُ بَنِي آدَمَ وَهُمْ أَعْدَاؤُكِ ، حَيْثُ لَقِيتِ أَحَدًا مِنْهُمْ أَخَذْتِ بِعَقِبِهِ ، وَحَيْثُ لَقِيَكَ شَدَخَ رَأْسَكِ . قَالَ عُمَرُ : قِيلَ لِوَهْبٍ : وَمَا كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَأْكُلُ ؟ قَالَ : يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ . [1/527]
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ :
743 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِآدَمَ (نبي): " اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ " أَرَادَ إِبْلِيسُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمَا الْجَنَّةَ ، فَمَنَعَتْهُ الْخَزَنَةُ . فَأَتَى الْحَيَّةَ - وَهِيَ دَابَّةٌ لَهَا أَرْبَعُ قَوَائِمَ كَأَنَّهَا الْبَعِيرُ ، وَهِيَ كَأَحْسَنِ الدَّوَابِّ - فَكَلَّمَهَا أَنْ تُدْخِلَهُ فِي فَمِهَا حَتَّى تَدْخُلَ بِهِ إِلَى آدَمَ ، فَأَدْخَلَتْهُ فِي فُقْمِهَا - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْفُقْمُ جَانِبُ الشِّدْقِ - فَمَرَّتِ الْحَيَّةُ عَلَى الْخَزَنَةِ فَدَخَلَتْ وَلَا يَعْلَمُونَ لِمَا أَرَادَ اللَّهُ مِنَ الْأَمْرِ . فَكَلَّمَهُ مِنْ فُقْمِهَا فَلَمْ يُبَالِ كَلَامَهُ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [ سُورَةُ طَهَ : 120 ] يَقُولُ : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةٍ إِنْ أَكَلْتَ مِنْهَا كُنْتَ مَلِكًا مِثْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ، فَلَا تَمُوتَانِ أَبَدًا . وَحَلَفَ لَهُمَا بِاللَّهِ إِنِّي لَكُمَا لِمِنَ النَّاصِحِينَ . وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا تَوَارَى عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا بِهَتْكِ لِبَاسِهِمَا . وَكَانَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ لَهُمَا سَوْأَةً ، لِمَا كَانَ يَقْرَأُ مِنْ كُتُبِ الْمَلَائِكَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ آدَمُ (نبي)يَعْلَمُ ذَلِكَ . وَكَانَ لِبَاسُهُمَا الظُّفْرُ ، فَأَبَى آدَمُ (نبي)أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ، فَتَقَدَّمَتْ حَوَّاءُ فَأَكَلَتْ ، ثُمَّ قَالَتْ : يَا آدَمُ (نبي)كُلْ! فَإِنِّي قَدْ أَكَلْتُ فَلَمْ يَضُرَّنِي . فَلَمَّا أَكَلَ آدَمُ (نبي)بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ . [1/528]
744 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَدِّثٌ : أَنَّ الشَّيْطَانَ دَخَلَ الْجَنَّةَ فِي صُورَةِ دَابَّةٍ ذَاتِ قَوَائِمَ ، فَكَانَ يُرَى أَنَّهُ الْبَعِيرُ ، قَالَ : فَلُعِنَ ، فَسَقَطَتْ قَوَائِمُهُ فَصَارَ حَيَّةً .
745 - وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، قَالَ : وَحَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ أَنْ مِنَ الْإِبِلِ مَا كَانَ أَوَّلُهَا مِنَ الْجِنِّ ، قَالَ : فَأُبِيحَتْ لَهُ الْجَنَّةُ كُلُّهَا إِلَّا الشَّجَرَةَ ، وَقِيلَ لَهُمَا : " لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ " قَالَ : فَأَتَى الشَّيْطَانُ حَوَّاءَ فَبَدَأَ بِهَا ، فَقَالَ : أَنُهِيتُمَا عَنْ شَيْءٍ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ! عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَقَالَ : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 20 ] قَالَ : فَبَدَأَتْ حَوَّاءُ فَأَكَلَتْ مِنْهَا ، ثُمَّ أَمَرَتْ آدَمَ (نبي)فَأَكَلَ مِنْهَا . قَالَ : وَكَانَتْ شَجَرَةً مَنْ أَكَلَ مِنْهَا أَحْدَثَ . قَالَ : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْجَنَّةِ حَدَثٌ . قَالَ : " فَأَزَالَهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ " قَالَ : فَأُخْرِجَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ .
746 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَنَّ آدَمَ (نبي)حِينَ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْكَرَامَةِ وَمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْهَا ، قَالَ : لَوْ أَنَّ خُلْدًا كَانَ! فَاغْتَمَزَ فِيهَا مِنْهُ الشَّيْطَانُ لَمَّا سَمِعَهَا مِنْهُ ، فَأَتَاهُ مِنْ قِبَلِ الْخُلْدِ . . [1/529]
747 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حُدِّثْتُ : أَنَّ أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَهُمَا بِهِ مِنْ كَيْدِهِ إِيَّاهُمَا ، أَنَّهُ نَاحٍ عَلَيْهِمَا نِيَاحَةً أَحْزَنَتْهُمَا حِينَ سَمِعَاهَا ، فَقَالَا مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ : أَبْكِي عَلَيْكُمَا ، تَمُوتَانِ فَتُفَارِقَانِ مَا أَنْتُمَا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالْكَرَامَةِ . فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمَا . ثُمَّ أَتَاهُمَا فَوَسْوَسَ إِلَيْهِمَا ، فَقَالَ : يَا آدَمُ (نبي)هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ؟ وَقَالَ : " مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ " أَيْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ ، أَوْ تَخْلُدَا - إِنْ لَمْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ - فِي نِعْمَةِ الْجَنَّةِ فَلَا تَمُوتَانِ . يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ "
748 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَسْوَسَ الشَّيْطَانُ إِلَى حَوَّاءَ فِي الشَّجَرَةِ حَتَّى أَتَى بِهَا إِلَيْهَا ، ثُمَّ حَسَّنَهَا فِي عَيْنِ آدَمَ (نبي). قَالَ : فَدَعَاهَا آدَمُ (نبي)لِحَاجَتِهِ ، قَالَتْ : لَا! إِلَّا أَنْ تَأْتِيَ هَهُنَا . فَلَمَّا أَتَى قَالَتْ : لَا! إِلَّا أَنَّ تَأْكُلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ . قَالَ : فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا . قَالَ : وَذَهَبَ آدَمُ (نبي)هَارِبًا فِي الْجَنَّةِ ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ : يَا آدَمُ (نبي)أَمِنِّي تَفِرُّ ؟ قَالَ : لَا يَا رَبِّ ، وَلَكِنْ حَيَاءً مِنْكَ . قَالَ : يَا آدَمُ (نبي)أَنَّى أُتِيتَ ؟ قَالَ : مِنْ قِبَلِ حَوَّاءَ أَيْ رَبِّ . فَقَالَ اللَّهُ : فَإِنَّ لَهَا عَلَيَّ أَنْ أُدْمِيَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً ، كَمَا أَدْمَيْتُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ ، وَأَنْ أَجْعَلَهَا سَفِيهَةً فَقَدْ كُنْتُ خَلَقْتُهَا حَلِيمَةً ، وَأَنْ أَجْعَلَهَا تَحْمِلُ كُرْهًا وَتَضَعُ كُرْهًا ، فَقَدْ كُنْتُ جَعَلْتُهَا تَحْمِلُ يُسْرًا وَتَضَعُ يُسْرًا . قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَلَوْلَا الْبَلِيَّةُ الَّتِي أَصَابَتْ حَوَّاءَ . لَكَانَ نِسَاءُ الدُّنْيَا لَا يَحِضْنَ ، وَلَكُنَّ حَلِيمَاتٍ ، وَكُنَّ يَحْمِلْنَ يُسْرًا وَيَضَعْنَ يُسْرًا . [1/530]
749 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : سَمِعْتُهُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا يَسْتَثْنِي مَا أَكَلَ آدَمُ (نبي)مِنَ الشَّجَرَةِ وَهُوَ يَعْقِلُ ، وَلَكِنَّ حَوَّاءَ سَقَتْهُ الْخَمْرَ ، حَتَّى إِذَا سَكِرَ قَادَتْهُ إِلَيْهَا فَأَكَلَ .
750 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى دَوَابِّ الْأَرْضِ أَيُّهَا يَحْمِلُهُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مَعَهَا وَيُكَلِّمَ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتَهُ ، فَكُلُّ الدَّوَابِّ أَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ ، حَتَّى كَلَّمَ الْحَيَّةَ فَقَالَ لَهَا : أَمْنَعُكِ مِنَ ابْنِ آدَمَ ، فَأَنْتِ فِي ذِمَّتِي إِنْ أَنْتِ أَدْخَلْتِنِي الْجَنَّةَ . فَجَعَلَتْهُ بَيْنَ نَابَيْنِ مِنْ أَنْيَابِهَا ، ثُمَّ دَخَلَتْ بِهِ ، فَكَلَّمَهُمَا مِنْ فِيهَا ، وَكَانَتْ كَاسِيَةً تَمْشِي عَلَى أَرْبَعِ قَوَائِمَ ، فَأَعْرَاهَا اللَّهُ وَجَعَلَهَا تَمْشِي عَلَى بَطْنِهَا . قَالَ : يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ : اقْتُلُوهَا حَيْثُ وَجَدْتُمُوهَا ، أَخْفِرُوا ذِمَّةَ عَدُوِّ اللَّهِ فِيهَا .
751 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَأَهْلُ التَّوْرَاةِ يَدْرُسُونَ : إِنَّمَا كَلَّمَ آدَمُ (نبي)الْحَيَّةَ ، وَلَمْ يُفَسِّرُوا كَتَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
752 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ : نَهَى اللَّهُ آدَمَ (نبي)وَحَوَّاءَ أَنْ يَأْكُلَا مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْجَنَّةِ ، وَيَأْكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شَاءَا . فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فَدَخَلَ فِي جَوْفِ الْحَيَّةِ ، فَكَلَّمَ حَوَّاءَ ، وَوَسْوَسَ الشَّيْطَانُ إِلَى آدَمَ (نبي)فَقَالَ : " مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ " [1/531]قَالَ : فَقَطَعَتْ حَوَّاءُ الشَّجَرَةَ فَدَمِيَتِ الشَّجَرَةُ . وَسَقَطَ عَنْهُمَا رِيَاشُهُمَا الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمَا ، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ، وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا : أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 22 ] . لِمَ أَكَلْتَهَا وَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْهَا ؟ قَالَ : يَا رَبِّ أَطْعَمَتْنِي حَوَّاءُ . قَالَ لِحَوَّاءَ : لِمَ أَطْعَمْتِهِ ؟ قَالَتْ : أَمَرَتْنِي الْحَيَّةُ . قَالَ لِلْحَيَّةِ : لِمَ أَمَرْتِهَا ؟ قَالَتْ : أَمَرَنِي إِبْلِيسُ . قَالَ : مَلْعُونٌ مَدْحُورٌ! أَمَّا أَنْتِ يَا حَوَّاءُ فَكَمَا أَدْمَيْتِ الشَّجَرَةَ تَدْمِيْنَ فِي كُلِّ هِلَالٍ ، وَأَمَّا أَنْتِ يَا حَيَّةُ فَأَقْطَعُ قَوَائِمَكِ فَتَمْشِينَ جَرْيًا عَلَى وَجْهِكِ ، وَسَيَشْدَخُ رَأْسَكِ مَنْ لَقِيَكَ بِالْحَجَرِ ، اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ - عَمَّنْ رَوَيْنَاهَا عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ وَغَيْرِهِمْ - فِي صِفَةِ اسْتِزْلَالِ إِبْلِيسَ عَدُوِ اللَّهِ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتَهُ حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ .
وَأَوْلَى ذَلِكَ بِالْحَقِّ عِنْدَنَا مَا كَانَ لِكِتَابِ اللَّهِ مُوَافِقًا . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ إِبْلِيسَ أَنَّهُ وَسْوَسَ لِآدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُرِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُمَا : " مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ " وَأَنَّهُ " قَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لِمَنَ النَّاصِحِينَ " مُدَلِّيًا لَهُمَا بِغُرُورٍ . فَفِي إِخْبَارِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَنْ عَدُوِّ اللَّهِ أَنَّهُ قَاسَمَ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتَهُ بِقِيلِهِ لَهُمَا : إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ - الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ بَاشَرَ خِطَابَهُمَا بِنَفْسِهِ ، إِمَّا ظَاهِرًا لِأَعْيُنِهِمَا ، وَإِمَّا مُسْتَجِنًّا فِي غَيْرِهِ . وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ : قَاسَمَ فُلَانٌ فُلَانًا فِي كَذَا وَكَذَا . إِذَا سَبَّبَ لَهُ سَبَبًا وَصَلَ بِهِ إِلَيْهِ دُونَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ . وَالْحَلِفُ لَا يَكُونُ بِتَسَبُّبِ السَّبَبِ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ " فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ " لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ إِلَى آدَمَ (نبي)- عَلَى نَحْوِ الَّذِي مِنْهُ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ ، مِنْ تَزْيِينِ أَكْلِ مَا نَهَى اللَّهُ آدَمَ (نبي)[1/532]عَنْ أَكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ ، بِغَيْرِ مُبَاشَرَةِ خِطَابِهِ إِيَّاهُ بِمَا اسْتَزَلَّهُ بِهِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْحِيَلِ - لَمَّا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ " كَمَا غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ الْيَوْمَ قَائِلٌ مِمَّنْ أَتَى مَعْصِيَةً : قَاسَمَنِي إِبْلِيسُ أَنَّهُ لِي نَاصِحٌ فِيمَا زَيَّنَ لِي مِنَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي أَتَيْتُهَا . فَكَذَلِكَ الَّذِي كَانَ مِنْ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ ، لَوْ كَانَ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي يَكُونُ فِيمَا بَيْنَ إِبْلِيسَ الْيَوْمَ وَذُرِّيَّةِ آدَمَ - لَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ " وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَانَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ .
فَأَمَّا سَبَبُ وُصُولِهِ إِلَى الْجَنَّةِ حَتَّى كَلَّمَ آدَمَ (نبي)بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهَا وَطَرَدَهُ عَنْهَا ، فَلَيْسَ فِيمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فِي ذَلِكَ مَعْنًى يَجُوزُ لِذِي فَهْمٍ مُدَافَعَتُهُ ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ قَوْلًا لَا يَدْفَعُهُ عَقْلٌ وَلَا خَبَرٌ يُلْزِمُ تَصْدِيقَهُ مِنْ حُجَّةٍ بِخِلَافِهِ ، وَهُوَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُمْكِنَةِ . وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ إِنَّهُ وَصَلَ إِلَى خِطَابِهِمَا عَلَى مَا أَخْبَرَنَا اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ وَصَلَ إِلَى ذَلِكَ بِنَحْوِ الَّذِي قَالَهُ الْمُتَأَوِّلُونَ ، بَلْ ذَلِكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - كَذَلِكَ ، لِتَتَابُعِ أَقْوَالِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى تَصْحِيحِ ذَلِكَ . وَإِنْ كَانَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ مَا :
753 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَهْلُ التَّوْرَاةِ : إِنَّهُ خَلَصَ إِلَى آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ بِسُلْطَانِهِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لَهُ لِيَبْتَلِيَ بِهِ آدَمَ (نبي)وَذُرِّيَّتَهُ ، وَأَنَّهُ يَأْتِي ابْنَ آدَمَ فِي نَوْمَتِهِ وَفِي يَقَظَتِهِ ، وَفِي كُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ ، حَتَّى يَخْلُصَ إِلَى مَا أَرَادَ مِنْهُ ، حَتَّى يَدْعُوَهُ إِلَى الْمَعْصِيَةِ ، وَيُوقِعَ فِي نَفْسِهِ الشَّهْوَةَ وَهُوَ لَا يَرَاهُ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ " وَقَالَ : [1/533] يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 27 ] وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْأَخْبَارَ الَّتِي رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَإِنَّمَا أَمْرُ ابْنِ آدَمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّ اللَّهِ ، كَأَمْرِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ (نبي). فَقَالَ اللَّهُ : فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 13 ] . ثُمَّ خَلَصَ إِلَى آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ حَتَّى كَلَّمَهُمَا ، كَمَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا ، فَقَالَ : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [ سُورَةُ طَهَ : 120 ] ، فَخَلَصَ إِلَيْهِمَا بِمَا خَلَصَ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَيَانِهِ - فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ - فَتَابَا إِلَى رَبِّهِمَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَيْسَ فِي يَقِينِ ابْنِ إِسْحَاقَ - لَوْ كَانَ قَدْ أَيْقَنَ فِي نَفْسِهِ - أَنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَخْلُصْ إِلَى آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ بِالْمُخَاطَبَةِ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَهُمَا وَخَاطَبَهُمَا بِهِ ، مَا يَجُوزُ لِذِي فَهْمٍ الِاعْتِرَاضُ بِهِ عَلَى مَا وَرَدَ مِنَ الْقَوْلِ مُسْتَفِيضًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مَعَ دَلَالَةِ الْكِتَابِ عَلَى صِحَّةِ مَا اسْتَفَاضَ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ . فَكَيْفَ بِشَكِّهِ ؟ وَاللَّهُ نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ .
[1/534]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ " فَأَخْرَجَهُمَا " فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَأَخْرَجَ الشَّيْطَانُ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتَهُ ، " مِمَّا كَانَا " يَعْنِي مِمَّا كَانَ فِيهِ آدَمُ (نبي)وَزَوْجَتُهُ مِنْ رَغَدِ الْعَيْشِ فِي الْجَنَّةِ ، وَسَعَةِ نَعِيمِهَا الَّذِي كَانَا فِيهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَضَافَ إِخْرَاجَهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الشَّيْطَانِ - وَإِنْ كَانَ اللَّهُ هُوَ الْمُخْرِجُ لَهُمَا - لِأَنَّ خُرُوجَهُمَا مِنْهَا كَانَ عَنْ سَبَبٍ مِنَ الشَّيْطَانِ ، فَأُضِيفُ ذَلِكَ إِلَيْهِ لِتَسْبِيبِهِ إِيَّاهُ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِرَجُلٍ وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْهُ أَذًى حَتَّى تَحَوَّلَ مِنْ أَجْلِهِ عَنْ مَوْضِعٍ كَانَ يَسْكُنُهُ : " مَا حَوَّلَنِي مِنْ مَوْضِعِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ إِلَّا أَنْتَ " وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ لَهُ تَحْوِيلٌ ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ تَحَوُّلُهُ عَنْ سَبَبٍ مِنْهُ ، جَازَ لَهُ إِضَافَةُ تَحْوِيلِهِ إِلَيْهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يُقَالُ هَبَطَ فَلَانٌ أَرْضَ كَذَا وَوَادِيَ كَذَا ، إِذَا حَلَّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
مَا زِلْتُ أَرْمُقُهُمْ ، حَتَّى إِذَا هَبَطَتْ أَيْدِي الرِّكَابِ بِهِمْ مِنْ رَاكِسٍ فَلَقَا [1/535]
وَقَدْ أَبَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الْمُخْرِجَ آدَمَ (نبي)مِنَ الْجَنَّةِ هُوَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، وَأَنَّ إِضَافَةَ اللَّهِ إِلَى إِبْلِيسَ مَا أَضَافَ إِلَيْهِ مِنْ إِخْرَاجِهِمَا ، كَانَ عَلَى مَا وَصَفْنَا . وَدَلَّ بِذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَنَّ هُبُوطَ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ وَعَدُوِّهِمَا إِبْلِيسَ ، كَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، بِجَمْعِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ فِي الْخَبَرِ عَنْ إِهْبَاطِهِمْ ، بَعْدَ الَّذِي كَانَ مِنْ خَطِيئَةِ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ ، وَتَسَبُّبِ إِبْلِيسَ ذَلِكَ لَهُمَا ، عَلَى مَا وَصَفَهُ رَبُّنَا جَلَّ ذِكْرُهُ عَنْهُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ : " اهْبِطُوا " مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتَهُ مِمَّنْ عُنِيَ بِهِ .
754 - فَحَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ : " اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " قَالَ : آدَمُ (نبي)وَحَوَّاءُ وَإِبْلِيسُ وَالْحَيَّةُ .
755 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، وَمُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَا حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " قَالَ : فَلَعَنَ الْحَيَّةَ وَقَطَعَ قَوَائِمَهَا وَتَرَكَهَا تَمْشِي عَلَى بَطْنِهَا ، وَجَعَلَ رِزْقَهَا مِنَ التُّرَابِ . وَأَهْبَطَ إِلَى الْأَرْضِ آدَمَ (نبي)وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ وَالْحَيَّةَ .
756 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " قَالَ : آدَمُ (نبي)وَإِبْلِيسُ وَالْحَيَّةُ . [1/536]
757 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " آدَمُ (نبي)وَإِبْلِيسُ وَالْحَيَّةُ ، ذَرِّيَّةٌ بَعْضُهُمْ أَعْدَاءٌ لِبَعْضٍ .
758 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " قَالَ : آدَمُ (نبي)وَذُرِّيَّتُهُ ، وَإِبْلِيسُ وَذُرِّيَّتُهُ .
759 - وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : " بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " قَالَ : يَعْنِي إِبْلِيسَ وَآدَمَ (نبي).
760 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " قَالَ : بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ : آدَمُ (نبي)وَحَوَّاءُ وَإِبْلِيسُ وَالْحَيَّةُ .
761 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : " اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " قَالَ : آدَمُ وَحَوَّاءُ وَإِبْلِيسُ وَالْحَيَّةُ .
762 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " قَالَ : لَهُمَا وَلِذُرِّيَّتِهِمَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا كَانَتْ عَدَاوَةٌ مَا بَيْنَ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ وَإِبْلِيسَ وَالْحَيَّةِ ؟ [1/537]قِيلَ : أَمَّا عَدَاوَةُ إِبْلِيسَ آدَمَ (نبي)وَذُرِّيَّتِهِ ، فَحَسَدُهُ إِيَّاهُ ، وَاسْتِكْبَارُهُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِي السُّجُودِ لَهُ حِينَ قَالَ لِرَبِّهِ : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ سُورَةُ ص : 76 ] . وَأَمَّا عَدَاوَةُ آدَمَ (نبي)وَذُرِّيَّتِهِ إِبْلِيسَ ، فَعَدَاوَةُ الْمُؤْمِنِينَ إِيَّاهُ لِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وَعِصْيَانِهِ لِرَبِّهِ فِي تَكَبُّرِهِ عَلَيْهِ وَمُخَالَفَتِهِ أَمْرَهُ . وَذَلِكَ مِنْ آدَمَ (نبي)وَمُؤْمِنِي ذُرِّيَّتِهِ إِيمَانٌ بِاللَّهِ . وَأَمَّا عَدَاوَةُ إِبْلِيسَ آدَمَ (نبي)فَكُفْرٌ بِاللَّهِ .
وَأَمَّا عَدَاوَةُ مَا بَيْنَ آدَمَ (نبي)وَذُرِّيَّتِهِ وَالْحَيَّةِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، وَذَلِكَ هِيَ الْعَدَاوَةُ الَّتِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا ، كَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ ، فَمَنْ تَرَكَهُنَّ خَشْيَةَ ثَأْرِهِنَّ فَلَيْسَ مِنَّا .
763 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ رِشْدِينَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَيْوةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ ، فَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُنَّ خِيفَةً ، فَلَيْسَ مِنَّا [1/538]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَحْسَبُ أَنَّ الْحَرْبَ الَّتِي بَيْنَنَا ، كَانَ أَصْلُهُ مَا ذَكَرَهُ عُلَمَاؤُنَا الَّذِينَ قَدَّمْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ ، فِي إِدْخَالِهَا إِبْلِيسَ الْجَنَّةَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهَا ، حَتَّى اسْتَزَلَّهُ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ فِي أَكْلِهِ مَا نُهِيَ عَنْ أَكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ .
764 - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي آدَمُ - جَمِيعًا ، عَنْ شَيْبَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَنْ قَتْلِ الْحَيَّاتِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُلِقَتْ هِيَ وَالْإِنْسَانُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَدُوٌّ لِصَاحِبِهِ ، إِنْ رَآهَا أَفْزَعَتْهُ ، وَإِنْ لَدَغَتْهُ أَوْجَعَتْهُ ، فَاقْتُلْهَا حَيْثُ وَجَدْتَهَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ : بَعْضُهُمْ بِمَا :
765 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ الْعَسْقَلَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازَّيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : " وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ " قَالَ : هُوَ قَوْلُهُ : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 22 ] .
766 - وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ " قَالَ : هُوَ قَوْلُهُ : جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا [ سُورَةُ غَافِرٍ : 64 ] . [1/539]
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ قَرَارٌ فِي الْقُبُورِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
767 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ " يَعْنِي الْقُبُورَ .
768 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : " وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ " قَالَ : الْقُبُورُ .
769 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ " قَالَ : مَقَامُهُمْ فِيهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْمُسْتَقَرُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، هُوَ مَوْضِعُ الِاسْتِقْرَارِ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَحَيْثُ كَانَ مَنْ فِي الْأَرْضِ مَوْجُودًا حَالًّا فَذَلِكَ الْمَكَانُ مِنَ الْأَرْضِ مُسْتَقَرُّهُ .
إِنَّمَا عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : أَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقِرًّا وَمَنْزِلًا بِأَمَاكِنِهِمْ وَمُسْتَقَرِّهِمْ مِنَ الْجَنَّةِ وَالسَّمَاءِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " وَمَتَاعٌ " يَعْنِي بِهِ : أَنَّ لَهُمْ فِيهَا مَتَاعًا بِمَتَاعِهِمْ فِي الْجَنَّةِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ( 36 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَلَكُمْ فِيهَا بَلَاغٌ إِلَى الْمَوْتِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
770 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا [1/440]أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : " وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ " قَالَ يَقُولُ : بَلَاغٌ إِلَى الْمَوْتِ .
771 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ : " وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ " قَالَ : الْحَيَاةُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ " إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
772 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ " قَالَ : إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، إِلَى انْقِطَاعِ الدُّنْيَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : " إِلَى حِينٍ " قَالَ : إِلَى أَجَلٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
773 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ " قَالَ : إِلَى أَجَلٍ .
وَالْمَتَاعُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : كُلُّ مَا اسْتُمْتِعَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ ، مِنْ مَعَاشٍ اسْتُمْتِعَ بِهِ أَوْ رِيَاشٍ أَوْ زِينَةٍ أَوْ لَذَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ - وَكَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ جَعَلَ حَيَاةَ كُلِّ حَيٍّ مَتَاعًا لَهُ يَسْتَمْتِعُ بِهَا أَيَّامَ حَيَاتِهِ ، وَجَعَلَ الْأَرْضَ لِلْإِنْسَانِ مَتَاعًا أَيَّامَ حَيَاتِهِ ، بِقَرَارِهِ عَلَيْهَا ، وَاغْتِذَائِهِ بِمَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا مِنَ الْأَقْوَاتِ وَالثِّمَارِ ، وَالْتِذَاذِهِ بِمَا خَلَقَ فِيهَا مِنَ الْمَلَاذِّ ، وَجَعَلَهَا مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهِ لِجُثَّتِهِ كِفَاتًا ، وَلِجِسْمِهِ مَنْزِلًا وَقَرَارًا ، وَكَانَ اسْمُ الْمَتَاعِ يَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ - كَانَ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ [1/541]بِالْآيَةِ - إِذْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَضَعَ دَلَالَةً دَالَّةً عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ بِقَوْلِهِ : " وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ " بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ ، وَخَاصًّا دُونَ عَامٍّ فِي عَقْلٍ وَلَا خَبَرٍ - أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْعَامِّ ، وَأَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ أَيْضًا كَذَلِكَ ، إِلَى وَقْتٍ يَطُولُ اسْتِمْتَاعُ بَنِي آدَمَ وَبَنِي إِبْلِيسَ بِهَا ، وَذَلِكَ إِلَى أَنْ تُبَدَّلَ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِالْآيَةِ لِمَا وَصَفْنَا ، فَالْوَاجِبُ إِذًا أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ : وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مَنَازِلُ وَمَسَاكِنُ تَسْتَقِرُّونَ فِيهَا اسْتِقْرَارَكُمْ - كَانَ - فِي السَّمَاوَاتِ ، وَفِي الْجِنَانِ فِي مَنَازِلِكُمْ مِنْهَا ، وَاسْتِمْتَاعٌ مِنْكُمْ بِهَا وَبِمَا أَخْرَجَتْ لَكُمْ مِنْهَا ، وَبِمَا جَعَلْتُ لَكُمْ فِيهَا مِنَ الْمَعَاشِ وَالرِّيَاشِ وَالزَّيْنِ وَالْمَلَاذِّ ، وَبِمَا أَعْطَيْتُكُمْ عَلَى ظَهْرِهَا أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ وَمِنْ بَعْدِ وَفَاتِكُمْ لَأَرْمَاسِكُمْ وَأَجْدَاثِكُمْ تُدْفَنُونَ فِيهَا ، وَتَبْلُغُونَ بِاسْتِمْتَاعِكُمْ بِهَا إِلَى أَنْ أُبْدِلَكُمْ بِهَا غَيْرَهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ عَامَّتُهُمْ ، " فَأَزَلَّهُمَا " بِتَشْدِيدِ اللَّامِ ، بِمَعْنَى : اسْتَزَلَّهُمَا ، مِنْ قَوْلِكَ زَلَّ الرِّجْلُ فِي دِينِهِ : إِذَا هَفَا فِيهِ وَأَخْطَأَ ، فَأَتَى مَا لَيْسَ لَهُ إِتْيَانُهُ فِيهِ . وَأَزَلَّهُ غَيْرُهُ : إِذَا سَبَّبَ لَهُ مَا يَزِلُّ مِنْ أَجْلِهِ فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ ، وَلِذَلِكَ أَضَافَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِلَى إِبْلِيسَ خُرُوجَ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ مِنَ الْجَنَّةِ ، فَقَالَ : " فَأَخْرَجَهُمَا " يَعْنِي إِبْلِيسَ " مِمَّا كَانَا فِيهِ " لِأَنَّهُ كَانَ الَّذِي سَبَّبَ لَهُمَا الْخَطِيئَةَ الَّتِي عَاقَبَهُمَا اللَّهُ عَلَيْهَا بِإِخْرَاجِهِمَا مِنَ الْجَنَّةِ .
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ : " فَأَزَالَهُمَا " بِمَعْنَى إِزَالَةِ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ ، وَذَلِكَ تَنْحِيَتُهُ عَنْهُ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " فَأَزَلَّهُمَا " مَا : [1/525]
741 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ " قَالَ : أَغْوَاهُمَا .
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : " فَأَزَلَّهُمَا " لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ فِي الْحَرْفِ الَّذِي يَتْلُوهُ . بِأَنَّ إِبْلِيسَ أَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ . وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ " فَأَزَالَهُمَا " فَلَا وَجْهَ - إِذْ كَانَ مَعْنَى الْإِزَالَةِ مَعْنَى التَّنْحِيَةِ وَالْإِخْرَاجِ - أَنْ يُقَالَ : " فَأَزَالَهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ " فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ : " فَأَزَالَهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَزَالَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ . وَلَكِنَّ الْمَفْهُومَ أَنْ يُقَالَ : فَاسْتَزَلَّهُمَا إِبْلِيسُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ " وَقَرَأَتْ بِهِ الْقُرَّاءُ ، فَأَخْرَجَهُمَا بِاسْتِزْلَالِهِ إِيَّاهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَكَيْفَ كَانَ اسْتِزْلَالُ إِبْلِيسَ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتَهُ ، حَتَّى أُضِيفَ إِلَيْهِ إِخْرَاجُهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ ؟
قِيلَ : قَدْ قَالَتِ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ أَقْوَالًا سَنَذْكُرُ بَعْضَهَا
فَحُكِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فِي ذَلِكَ مَا :
742 - حَدَّثَنَا بِهِ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُهْرِبٍ قَالَ : سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ ، يَقُولُ : لَمَّا [1/526]أَسْكَنَ اللَّهُ آدَمَ (نبي)وَذُرِّيَّتَهُ - أَوْ زَوْجَتَهُ - الشَّكُّ مِنْ أَبِي جَعْفَرٍ ، وَهُوَ فِي أَصْلِ كِتَابِهِ : " وَذُرِّيَّتِهِ " ، وَنَهَاهُ عَنِ الشَّجَرَةِ ، وَكَانَتْ شَجَرَةً غُصُونُهَا مُتَشَعِّبٌ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ ، وَكَانَ لَهَا ثَمَرٌ تَأْكُلُهُ الْمَلَائِكَةُ لِخُلْدِهِمْ ، وَهِيَ الثَّمَرَةُ الَّتِي نَهَى اللَّهُ آدَمَ (نبي)عَنْهَا وَزَوْجَتَهُ . فَلَمَّا أَرَادَ إِبْلِيسُ أَنْ يَسْتَزِلَّهُمَا دَخْلَ فِي جَوْفِ الْحَيَّةِ ، وَكَانَتْ لِلْحَيَّةِ أَرْبَعُ قَوَائِمَ كَأَنَّهَا بُخْتِيَّةٌ ، مَنْ أَحْسَنِ دَابَّةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْحَيَّةُ الْجَنَّةَ ، خَرَجَ مَنْ جَوْفِهَا إِبْلِيسُ ، فَأَخَذَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتَهُ ، فَجَاءَ بِهَا إِلَى حَوَّاءَ فَقَالَ : انْظُرِي إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ! مَا أَطْيَبَ رِيحَهَا وَأَطْيَبَ طَعْمَهَا وَأَحْسَنَ لَوْنَهَا! فَأَخَذَتْ حَوَّاءُ فَأَكَلَتْ مِنْهَا ثُمَّ ذَهَبَتْ بِهَا إِلَى آدَمَ (نبي)فَقَالَتْ : انْظُرْ إِلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ! مَا أَطْيَبَ رِيحَهَا وَأَطْيَبَ طَعْمَهَا وَأَحْسَنَ لَوْنَهَا! فَأَكَلَ مِنْهَا آدَمُ (نبي)، فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا . فَدَخَلَ آدَمُ (نبي)فِي جَوْفِ الشَّجَرَةِ ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا آدَمُ (نبي)أَيْنَ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا هُنَا يَا رَبِّ ! قَالَ : أَلَا تَخْرُجُ ؟ قَالَ : أَسْتَحْيِي مِنْكَ يَا رَبِّ . قَالَ : مَلْعُونَةٌ الْأَرْضُ الَّتِي خُلِقْتَ مِنْهَا لَعْنَةً يَتَحَوَّلُ ثَمَرُهَا شَوْكًا . قَالَ : وَلَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ وَلَا فِي الْأَرْضِ شَجَرَةٌ كَانَ أَفْضَلَ مِنَ الطَّلْحِ وَالسِّدْرِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا حَوَّاءُ ، أَنْتِ الَّتِي غَرَرْتِ عَبْدِي ، فَإِنَّكَ لَا تَحْمَلِينَ حَمْلًا إِلَّا حَمَلْتِهِ كُرْهًا ، فَإِذَا أَرَدْتِ أَنْ تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ أَشْرَفْتِ عَلَى الْمَوْتِ مِرَارًا . وَقَالَ لِلْحَيَّةِ : أَنْتِ الَّتِي دَخَلَ الْمَلْعُونُ فِي جَوْفِكِ حَتَّى غَرَّ عَبْدِي ، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ لَعْنَةٌ تَتَحَوَّلُ قَوَائِمُكِ فِي بَطْنِكِ ، وَلَا يَكُنْ لَكِ رِزْقٌ إِلَّا التُّرَابُ ، أَنْتَ عَدُوَّةُ بَنِي آدَمَ وَهُمْ أَعْدَاؤُكِ ، حَيْثُ لَقِيتِ أَحَدًا مِنْهُمْ أَخَذْتِ بِعَقِبِهِ ، وَحَيْثُ لَقِيَكَ شَدَخَ رَأْسَكِ . قَالَ عُمَرُ : قِيلَ لِوَهْبٍ : وَمَا كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَأْكُلُ ؟ قَالَ : يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ . [1/527]
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ :
743 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِآدَمَ (نبي): " اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ " أَرَادَ إِبْلِيسُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمَا الْجَنَّةَ ، فَمَنَعَتْهُ الْخَزَنَةُ . فَأَتَى الْحَيَّةَ - وَهِيَ دَابَّةٌ لَهَا أَرْبَعُ قَوَائِمَ كَأَنَّهَا الْبَعِيرُ ، وَهِيَ كَأَحْسَنِ الدَّوَابِّ - فَكَلَّمَهَا أَنْ تُدْخِلَهُ فِي فَمِهَا حَتَّى تَدْخُلَ بِهِ إِلَى آدَمَ ، فَأَدْخَلَتْهُ فِي فُقْمِهَا - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْفُقْمُ جَانِبُ الشِّدْقِ - فَمَرَّتِ الْحَيَّةُ عَلَى الْخَزَنَةِ فَدَخَلَتْ وَلَا يَعْلَمُونَ لِمَا أَرَادَ اللَّهُ مِنَ الْأَمْرِ . فَكَلَّمَهُ مِنْ فُقْمِهَا فَلَمْ يُبَالِ كَلَامَهُ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [ سُورَةُ طَهَ : 120 ] يَقُولُ : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةٍ إِنْ أَكَلْتَ مِنْهَا كُنْتَ مَلِكًا مِثْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ، فَلَا تَمُوتَانِ أَبَدًا . وَحَلَفَ لَهُمَا بِاللَّهِ إِنِّي لَكُمَا لِمِنَ النَّاصِحِينَ . وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا تَوَارَى عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا بِهَتْكِ لِبَاسِهِمَا . وَكَانَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ لَهُمَا سَوْأَةً ، لِمَا كَانَ يَقْرَأُ مِنْ كُتُبِ الْمَلَائِكَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ آدَمُ (نبي)يَعْلَمُ ذَلِكَ . وَكَانَ لِبَاسُهُمَا الظُّفْرُ ، فَأَبَى آدَمُ (نبي)أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ، فَتَقَدَّمَتْ حَوَّاءُ فَأَكَلَتْ ، ثُمَّ قَالَتْ : يَا آدَمُ (نبي)كُلْ! فَإِنِّي قَدْ أَكَلْتُ فَلَمْ يَضُرَّنِي . فَلَمَّا أَكَلَ آدَمُ (نبي)بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ . [1/528]
744 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَدِّثٌ : أَنَّ الشَّيْطَانَ دَخَلَ الْجَنَّةَ فِي صُورَةِ دَابَّةٍ ذَاتِ قَوَائِمَ ، فَكَانَ يُرَى أَنَّهُ الْبَعِيرُ ، قَالَ : فَلُعِنَ ، فَسَقَطَتْ قَوَائِمُهُ فَصَارَ حَيَّةً .
745 - وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، قَالَ : وَحَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ أَنْ مِنَ الْإِبِلِ مَا كَانَ أَوَّلُهَا مِنَ الْجِنِّ ، قَالَ : فَأُبِيحَتْ لَهُ الْجَنَّةُ كُلُّهَا إِلَّا الشَّجَرَةَ ، وَقِيلَ لَهُمَا : " لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ " قَالَ : فَأَتَى الشَّيْطَانُ حَوَّاءَ فَبَدَأَ بِهَا ، فَقَالَ : أَنُهِيتُمَا عَنْ شَيْءٍ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ! عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَقَالَ : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 20 ] قَالَ : فَبَدَأَتْ حَوَّاءُ فَأَكَلَتْ مِنْهَا ، ثُمَّ أَمَرَتْ آدَمَ (نبي)فَأَكَلَ مِنْهَا . قَالَ : وَكَانَتْ شَجَرَةً مَنْ أَكَلَ مِنْهَا أَحْدَثَ . قَالَ : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْجَنَّةِ حَدَثٌ . قَالَ : " فَأَزَالَهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ " قَالَ : فَأُخْرِجَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ .
746 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ : أَنَّ آدَمَ (نبي)حِينَ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الْكَرَامَةِ وَمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْهَا ، قَالَ : لَوْ أَنَّ خُلْدًا كَانَ! فَاغْتَمَزَ فِيهَا مِنْهُ الشَّيْطَانُ لَمَّا سَمِعَهَا مِنْهُ ، فَأَتَاهُ مِنْ قِبَلِ الْخُلْدِ . . [1/529]
747 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حُدِّثْتُ : أَنَّ أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَهُمَا بِهِ مِنْ كَيْدِهِ إِيَّاهُمَا ، أَنَّهُ نَاحٍ عَلَيْهِمَا نِيَاحَةً أَحْزَنَتْهُمَا حِينَ سَمِعَاهَا ، فَقَالَا مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ : أَبْكِي عَلَيْكُمَا ، تَمُوتَانِ فَتُفَارِقَانِ مَا أَنْتُمَا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالْكَرَامَةِ . فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمَا . ثُمَّ أَتَاهُمَا فَوَسْوَسَ إِلَيْهِمَا ، فَقَالَ : يَا آدَمُ (نبي)هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ؟ وَقَالَ : " مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ " أَيْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ ، أَوْ تَخْلُدَا - إِنْ لَمْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ - فِي نِعْمَةِ الْجَنَّةِ فَلَا تَمُوتَانِ . يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ "
748 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَسْوَسَ الشَّيْطَانُ إِلَى حَوَّاءَ فِي الشَّجَرَةِ حَتَّى أَتَى بِهَا إِلَيْهَا ، ثُمَّ حَسَّنَهَا فِي عَيْنِ آدَمَ (نبي). قَالَ : فَدَعَاهَا آدَمُ (نبي)لِحَاجَتِهِ ، قَالَتْ : لَا! إِلَّا أَنْ تَأْتِيَ هَهُنَا . فَلَمَّا أَتَى قَالَتْ : لَا! إِلَّا أَنَّ تَأْكُلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ . قَالَ : فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا . قَالَ : وَذَهَبَ آدَمُ (نبي)هَارِبًا فِي الْجَنَّةِ ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ : يَا آدَمُ (نبي)أَمِنِّي تَفِرُّ ؟ قَالَ : لَا يَا رَبِّ ، وَلَكِنْ حَيَاءً مِنْكَ . قَالَ : يَا آدَمُ (نبي)أَنَّى أُتِيتَ ؟ قَالَ : مِنْ قِبَلِ حَوَّاءَ أَيْ رَبِّ . فَقَالَ اللَّهُ : فَإِنَّ لَهَا عَلَيَّ أَنْ أُدْمِيَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً ، كَمَا أَدْمَيْتُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ ، وَأَنْ أَجْعَلَهَا سَفِيهَةً فَقَدْ كُنْتُ خَلَقْتُهَا حَلِيمَةً ، وَأَنْ أَجْعَلَهَا تَحْمِلُ كُرْهًا وَتَضَعُ كُرْهًا ، فَقَدْ كُنْتُ جَعَلْتُهَا تَحْمِلُ يُسْرًا وَتَضَعُ يُسْرًا . قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَلَوْلَا الْبَلِيَّةُ الَّتِي أَصَابَتْ حَوَّاءَ . لَكَانَ نِسَاءُ الدُّنْيَا لَا يَحِضْنَ ، وَلَكُنَّ حَلِيمَاتٍ ، وَكُنَّ يَحْمِلْنَ يُسْرًا وَيَضَعْنَ يُسْرًا . [1/530]
749 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : سَمِعْتُهُ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا يَسْتَثْنِي مَا أَكَلَ آدَمُ (نبي)مِنَ الشَّجَرَةِ وَهُوَ يَعْقِلُ ، وَلَكِنَّ حَوَّاءَ سَقَتْهُ الْخَمْرَ ، حَتَّى إِذَا سَكِرَ قَادَتْهُ إِلَيْهَا فَأَكَلَ .
750 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى دَوَابِّ الْأَرْضِ أَيُّهَا يَحْمِلُهُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مَعَهَا وَيُكَلِّمَ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتَهُ ، فَكُلُّ الدَّوَابِّ أَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ ، حَتَّى كَلَّمَ الْحَيَّةَ فَقَالَ لَهَا : أَمْنَعُكِ مِنَ ابْنِ آدَمَ ، فَأَنْتِ فِي ذِمَّتِي إِنْ أَنْتِ أَدْخَلْتِنِي الْجَنَّةَ . فَجَعَلَتْهُ بَيْنَ نَابَيْنِ مِنْ أَنْيَابِهَا ، ثُمَّ دَخَلَتْ بِهِ ، فَكَلَّمَهُمَا مِنْ فِيهَا ، وَكَانَتْ كَاسِيَةً تَمْشِي عَلَى أَرْبَعِ قَوَائِمَ ، فَأَعْرَاهَا اللَّهُ وَجَعَلَهَا تَمْشِي عَلَى بَطْنِهَا . قَالَ : يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ : اقْتُلُوهَا حَيْثُ وَجَدْتُمُوهَا ، أَخْفِرُوا ذِمَّةَ عَدُوِّ اللَّهِ فِيهَا .
751 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَأَهْلُ التَّوْرَاةِ يَدْرُسُونَ : إِنَّمَا كَلَّمَ آدَمُ (نبي)الْحَيَّةَ ، وَلَمْ يُفَسِّرُوا كَتَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
752 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ : نَهَى اللَّهُ آدَمَ (نبي)وَحَوَّاءَ أَنْ يَأْكُلَا مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْجَنَّةِ ، وَيَأْكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شَاءَا . فَجَاءَ الشَّيْطَانُ فَدَخَلَ فِي جَوْفِ الْحَيَّةِ ، فَكَلَّمَ حَوَّاءَ ، وَوَسْوَسَ الشَّيْطَانُ إِلَى آدَمَ (نبي)فَقَالَ : " مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ " [1/531]قَالَ : فَقَطَعَتْ حَوَّاءُ الشَّجَرَةَ فَدَمِيَتِ الشَّجَرَةُ . وَسَقَطَ عَنْهُمَا رِيَاشُهُمَا الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمَا ، وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ، وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا : أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 22 ] . لِمَ أَكَلْتَهَا وَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْهَا ؟ قَالَ : يَا رَبِّ أَطْعَمَتْنِي حَوَّاءُ . قَالَ لِحَوَّاءَ : لِمَ أَطْعَمْتِهِ ؟ قَالَتْ : أَمَرَتْنِي الْحَيَّةُ . قَالَ لِلْحَيَّةِ : لِمَ أَمَرْتِهَا ؟ قَالَتْ : أَمَرَنِي إِبْلِيسُ . قَالَ : مَلْعُونٌ مَدْحُورٌ! أَمَّا أَنْتِ يَا حَوَّاءُ فَكَمَا أَدْمَيْتِ الشَّجَرَةَ تَدْمِيْنَ فِي كُلِّ هِلَالٍ ، وَأَمَّا أَنْتِ يَا حَيَّةُ فَأَقْطَعُ قَوَائِمَكِ فَتَمْشِينَ جَرْيًا عَلَى وَجْهِكِ ، وَسَيَشْدَخُ رَأْسَكِ مَنْ لَقِيَكَ بِالْحَجَرِ ، اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ - عَمَّنْ رَوَيْنَاهَا عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ وَغَيْرِهِمْ - فِي صِفَةِ اسْتِزْلَالِ إِبْلِيسَ عَدُوِ اللَّهِ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتَهُ حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ .
وَأَوْلَى ذَلِكَ بِالْحَقِّ عِنْدَنَا مَا كَانَ لِكِتَابِ اللَّهِ مُوَافِقًا . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ إِبْلِيسَ أَنَّهُ وَسْوَسَ لِآدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُرِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُمَا : " مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ " وَأَنَّهُ " قَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لِمَنَ النَّاصِحِينَ " مُدَلِّيًا لَهُمَا بِغُرُورٍ . فَفِي إِخْبَارِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَنْ عَدُوِّ اللَّهِ أَنَّهُ قَاسَمَ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتَهُ بِقِيلِهِ لَهُمَا : إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ - الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ بَاشَرَ خِطَابَهُمَا بِنَفْسِهِ ، إِمَّا ظَاهِرًا لِأَعْيُنِهِمَا ، وَإِمَّا مُسْتَجِنًّا فِي غَيْرِهِ . وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ : قَاسَمَ فُلَانٌ فُلَانًا فِي كَذَا وَكَذَا . إِذَا سَبَّبَ لَهُ سَبَبًا وَصَلَ بِهِ إِلَيْهِ دُونَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ . وَالْحَلِفُ لَا يَكُونُ بِتَسَبُّبِ السَّبَبِ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ " فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ " لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ إِلَى آدَمَ (نبي)- عَلَى نَحْوِ الَّذِي مِنْهُ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ ، مِنْ تَزْيِينِ أَكْلِ مَا نَهَى اللَّهُ آدَمَ (نبي)[1/532]عَنْ أَكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ ، بِغَيْرِ مُبَاشَرَةِ خِطَابِهِ إِيَّاهُ بِمَا اسْتَزَلَّهُ بِهِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْحِيَلِ - لَمَّا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ " كَمَا غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ الْيَوْمَ قَائِلٌ مِمَّنْ أَتَى مَعْصِيَةً : قَاسَمَنِي إِبْلِيسُ أَنَّهُ لِي نَاصِحٌ فِيمَا زَيَّنَ لِي مِنَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي أَتَيْتُهَا . فَكَذَلِكَ الَّذِي كَانَ مِنْ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ ، لَوْ كَانَ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي يَكُونُ فِيمَا بَيْنَ إِبْلِيسَ الْيَوْمَ وَذُرِّيَّةِ آدَمَ - لَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ " وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَانَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ .
فَأَمَّا سَبَبُ وُصُولِهِ إِلَى الْجَنَّةِ حَتَّى كَلَّمَ آدَمَ (نبي)بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهَا وَطَرَدَهُ عَنْهَا ، فَلَيْسَ فِيمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فِي ذَلِكَ مَعْنًى يَجُوزُ لِذِي فَهْمٍ مُدَافَعَتُهُ ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ قَوْلًا لَا يَدْفَعُهُ عَقْلٌ وَلَا خَبَرٌ يُلْزِمُ تَصْدِيقَهُ مِنْ حُجَّةٍ بِخِلَافِهِ ، وَهُوَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُمْكِنَةِ . وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ إِنَّهُ وَصَلَ إِلَى خِطَابِهِمَا عَلَى مَا أَخْبَرَنَا اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ وَصَلَ إِلَى ذَلِكَ بِنَحْوِ الَّذِي قَالَهُ الْمُتَأَوِّلُونَ ، بَلْ ذَلِكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - كَذَلِكَ ، لِتَتَابُعِ أَقْوَالِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى تَصْحِيحِ ذَلِكَ . وَإِنْ كَانَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ مَا :
753 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَهْلُ التَّوْرَاةِ : إِنَّهُ خَلَصَ إِلَى آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ بِسُلْطَانِهِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ لَهُ لِيَبْتَلِيَ بِهِ آدَمَ (نبي)وَذُرِّيَّتَهُ ، وَأَنَّهُ يَأْتِي ابْنَ آدَمَ فِي نَوْمَتِهِ وَفِي يَقَظَتِهِ ، وَفِي كُلِّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ ، حَتَّى يَخْلُصَ إِلَى مَا أَرَادَ مِنْهُ ، حَتَّى يَدْعُوَهُ إِلَى الْمَعْصِيَةِ ، وَيُوقِعَ فِي نَفْسِهِ الشَّهْوَةَ وَهُوَ لَا يَرَاهُ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ " وَقَالَ : [1/533] يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْـزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 27 ] وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْأَخْبَارَ الَّتِي رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَإِنَّمَا أَمْرُ ابْنِ آدَمَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّ اللَّهِ ، كَأَمْرِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ (نبي). فَقَالَ اللَّهُ : فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 13 ] . ثُمَّ خَلَصَ إِلَى آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ حَتَّى كَلَّمَهُمَا ، كَمَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا ، فَقَالَ : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى [ سُورَةُ طَهَ : 120 ] ، فَخَلَصَ إِلَيْهِمَا بِمَا خَلَصَ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَيَانِهِ - فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ - فَتَابَا إِلَى رَبِّهِمَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَيْسَ فِي يَقِينِ ابْنِ إِسْحَاقَ - لَوْ كَانَ قَدْ أَيْقَنَ فِي نَفْسِهِ - أَنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَخْلُصْ إِلَى آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ بِالْمُخَاطَبَةِ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَهُمَا وَخَاطَبَهُمَا بِهِ ، مَا يَجُوزُ لِذِي فَهْمٍ الِاعْتِرَاضُ بِهِ عَلَى مَا وَرَدَ مِنَ الْقَوْلِ مُسْتَفِيضًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مَعَ دَلَالَةِ الْكِتَابِ عَلَى صِحَّةِ مَا اسْتَفَاضَ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ . فَكَيْفَ بِشَكِّهِ ؟ وَاللَّهُ نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ .
[1/534]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ " فَأَخْرَجَهُمَا " فَإِنَّهُ يَعْنِي : فَأَخْرَجَ الشَّيْطَانُ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتَهُ ، " مِمَّا كَانَا " يَعْنِي مِمَّا كَانَ فِيهِ آدَمُ (نبي)وَزَوْجَتُهُ مِنْ رَغَدِ الْعَيْشِ فِي الْجَنَّةِ ، وَسَعَةِ نَعِيمِهَا الَّذِي كَانَا فِيهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَضَافَ إِخْرَاجَهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الشَّيْطَانِ - وَإِنْ كَانَ اللَّهُ هُوَ الْمُخْرِجُ لَهُمَا - لِأَنَّ خُرُوجَهُمَا مِنْهَا كَانَ عَنْ سَبَبٍ مِنَ الشَّيْطَانِ ، فَأُضِيفُ ذَلِكَ إِلَيْهِ لِتَسْبِيبِهِ إِيَّاهُ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِرَجُلٍ وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْهُ أَذًى حَتَّى تَحَوَّلَ مِنْ أَجْلِهِ عَنْ مَوْضِعٍ كَانَ يَسْكُنُهُ : " مَا حَوَّلَنِي مِنْ مَوْضِعِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ إِلَّا أَنْتَ " وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ لَهُ تَحْوِيلٌ ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ تَحَوُّلُهُ عَنْ سَبَبٍ مِنْهُ ، جَازَ لَهُ إِضَافَةُ تَحْوِيلِهِ إِلَيْهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يُقَالُ هَبَطَ فَلَانٌ أَرْضَ كَذَا وَوَادِيَ كَذَا ، إِذَا حَلَّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
مَا زِلْتُ أَرْمُقُهُمْ ، حَتَّى إِذَا هَبَطَتْ أَيْدِي الرِّكَابِ بِهِمْ مِنْ رَاكِسٍ فَلَقَا [1/535]
وَقَدْ أَبَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الْمُخْرِجَ آدَمَ (نبي)مِنَ الْجَنَّةِ هُوَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، وَأَنَّ إِضَافَةَ اللَّهِ إِلَى إِبْلِيسَ مَا أَضَافَ إِلَيْهِ مِنْ إِخْرَاجِهِمَا ، كَانَ عَلَى مَا وَصَفْنَا . وَدَلَّ بِذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَنَّ هُبُوطَ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ وَعَدُوِّهِمَا إِبْلِيسَ ، كَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، بِجَمْعِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ فِي الْخَبَرِ عَنْ إِهْبَاطِهِمْ ، بَعْدَ الَّذِي كَانَ مِنْ خَطِيئَةِ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ ، وَتَسَبُّبِ إِبْلِيسَ ذَلِكَ لَهُمَا ، عَلَى مَا وَصَفَهُ رَبُّنَا جَلَّ ذِكْرُهُ عَنْهُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ : " اهْبِطُوا " مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتَهُ مِمَّنْ عُنِيَ بِهِ .
754 - فَحَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ : " اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " قَالَ : آدَمُ (نبي)وَحَوَّاءُ وَإِبْلِيسُ وَالْحَيَّةُ .
755 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، وَمُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَا حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " قَالَ : فَلَعَنَ الْحَيَّةَ وَقَطَعَ قَوَائِمَهَا وَتَرَكَهَا تَمْشِي عَلَى بَطْنِهَا ، وَجَعَلَ رِزْقَهَا مِنَ التُّرَابِ . وَأَهْبَطَ إِلَى الْأَرْضِ آدَمَ (نبي)وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ وَالْحَيَّةَ .
756 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " قَالَ : آدَمُ (نبي)وَإِبْلِيسُ وَالْحَيَّةُ . [1/536]
757 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " آدَمُ (نبي)وَإِبْلِيسُ وَالْحَيَّةُ ، ذَرِّيَّةٌ بَعْضُهُمْ أَعْدَاءٌ لِبَعْضٍ .
758 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " قَالَ : آدَمُ (نبي)وَذُرِّيَّتُهُ ، وَإِبْلِيسُ وَذُرِّيَّتُهُ .
759 - وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : " بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " قَالَ : يَعْنِي إِبْلِيسَ وَآدَمَ (نبي).
760 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : " اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " قَالَ : بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ : آدَمُ (نبي)وَحَوَّاءُ وَإِبْلِيسُ وَالْحَيَّةُ .
761 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : " اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " قَالَ : آدَمُ وَحَوَّاءُ وَإِبْلِيسُ وَالْحَيَّةُ .
762 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " قَالَ : لَهُمَا وَلِذُرِّيَّتِهِمَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا كَانَتْ عَدَاوَةٌ مَا بَيْنَ آدَمَ (نبي)وَزَوْجَتِهِ وَإِبْلِيسَ وَالْحَيَّةِ ؟ [1/537]قِيلَ : أَمَّا عَدَاوَةُ إِبْلِيسَ آدَمَ (نبي)وَذُرِّيَّتِهِ ، فَحَسَدُهُ إِيَّاهُ ، وَاسْتِكْبَارُهُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِي السُّجُودِ لَهُ حِينَ قَالَ لِرَبِّهِ : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [ سُورَةُ ص : 76 ] . وَأَمَّا عَدَاوَةُ آدَمَ (نبي)وَذُرِّيَّتِهِ إِبْلِيسَ ، فَعَدَاوَةُ الْمُؤْمِنِينَ إِيَّاهُ لِكُفْرِهِ بِاللَّهِ وَعِصْيَانِهِ لِرَبِّهِ فِي تَكَبُّرِهِ عَلَيْهِ وَمُخَالَفَتِهِ أَمْرَهُ . وَذَلِكَ مِنْ آدَمَ (نبي)وَمُؤْمِنِي ذُرِّيَّتِهِ إِيمَانٌ بِاللَّهِ . وَأَمَّا عَدَاوَةُ إِبْلِيسَ آدَمَ (نبي)فَكُفْرٌ بِاللَّهِ .
وَأَمَّا عَدَاوَةُ مَا بَيْنَ آدَمَ (نبي)وَذُرِّيَّتِهِ وَالْحَيَّةِ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، وَذَلِكَ هِيَ الْعَدَاوَةُ الَّتِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا ، كَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ ، فَمَنْ تَرَكَهُنَّ خَشْيَةَ ثَأْرِهِنَّ فَلَيْسَ مِنَّا .
763 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ رِشْدِينَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَيْوةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ ، فَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُنَّ خِيفَةً ، فَلَيْسَ مِنَّا [1/538]
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَحْسَبُ أَنَّ الْحَرْبَ الَّتِي بَيْنَنَا ، كَانَ أَصْلُهُ مَا ذَكَرَهُ عُلَمَاؤُنَا الَّذِينَ قَدَّمْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ ، فِي إِدْخَالِهَا إِبْلِيسَ الْجَنَّةَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهَا ، حَتَّى اسْتَزَلَّهُ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ فِي أَكْلِهِ مَا نُهِيَ عَنْ أَكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ .
764 - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي آدَمُ - جَمِيعًا ، عَنْ شَيْبَانَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَنْ قَتْلِ الْحَيَّاتِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُلِقَتْ هِيَ وَالْإِنْسَانُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَدُوٌّ لِصَاحِبِهِ ، إِنْ رَآهَا أَفْزَعَتْهُ ، وَإِنْ لَدَغَتْهُ أَوْجَعَتْهُ ، فَاقْتُلْهَا حَيْثُ وَجَدْتَهَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ : بَعْضُهُمْ بِمَا :
765 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ الْعَسْقَلَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازَّيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : " وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ " قَالَ : هُوَ قَوْلُهُ : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 22 ] .
766 - وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : " وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ " قَالَ : هُوَ قَوْلُهُ : جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا [ سُورَةُ غَافِرٍ : 64 ] . [1/539]
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ قَرَارٌ فِي الْقُبُورِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
767 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ " يَعْنِي الْقُبُورَ .
768 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : " وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ " قَالَ : الْقُبُورُ .
769 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ " قَالَ : مَقَامُهُمْ فِيهَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْمُسْتَقَرُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، هُوَ مَوْضِعُ الِاسْتِقْرَارِ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَحَيْثُ كَانَ مَنْ فِي الْأَرْضِ مَوْجُودًا حَالًّا فَذَلِكَ الْمَكَانُ مِنَ الْأَرْضِ مُسْتَقَرُّهُ .
إِنَّمَا عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : أَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقِرًّا وَمَنْزِلًا بِأَمَاكِنِهِمْ وَمُسْتَقَرِّهِمْ مِنَ الْجَنَّةِ وَالسَّمَاءِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : " وَمَتَاعٌ " يَعْنِي بِهِ : أَنَّ لَهُمْ فِيهَا مَتَاعًا بِمَتَاعِهِمْ فِي الْجَنَّةِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ( 36 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : وَلَكُمْ فِيهَا بَلَاغٌ إِلَى الْمَوْتِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
770 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا [1/440]أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : " وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ " قَالَ يَقُولُ : بَلَاغٌ إِلَى الْمَوْتِ .
771 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ : " وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ " قَالَ : الْحَيَاةُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ " إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
772 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ " قَالَ : إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، إِلَى انْقِطَاعِ الدُّنْيَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : " إِلَى حِينٍ " قَالَ : إِلَى أَجَلٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
773 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : " وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ " قَالَ : إِلَى أَجَلٍ .
وَالْمَتَاعُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : كُلُّ مَا اسْتُمْتِعَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ ، مِنْ مَعَاشٍ اسْتُمْتِعَ بِهِ أَوْ رِيَاشٍ أَوْ زِينَةٍ أَوْ لَذَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ - وَكَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ جَعَلَ حَيَاةَ كُلِّ حَيٍّ مَتَاعًا لَهُ يَسْتَمْتِعُ بِهَا أَيَّامَ حَيَاتِهِ ، وَجَعَلَ الْأَرْضَ لِلْإِنْسَانِ مَتَاعًا أَيَّامَ حَيَاتِهِ ، بِقَرَارِهِ عَلَيْهَا ، وَاغْتِذَائِهِ بِمَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا مِنَ الْأَقْوَاتِ وَالثِّمَارِ ، وَالْتِذَاذِهِ بِمَا خَلَقَ فِيهَا مِنَ الْمَلَاذِّ ، وَجَعَلَهَا مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهِ لِجُثَّتِهِ كِفَاتًا ، وَلِجِسْمِهِ مَنْزِلًا وَقَرَارًا ، وَكَانَ اسْمُ الْمَتَاعِ يَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ - كَانَ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ [1/541]بِالْآيَةِ - إِذْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَضَعَ دَلَالَةً دَالَّةً عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ بِقَوْلِهِ : " وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ " بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ ، وَخَاصًّا دُونَ عَامٍّ فِي عَقْلٍ وَلَا خَبَرٍ - أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْعَامِّ ، وَأَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ أَيْضًا كَذَلِكَ ، إِلَى وَقْتٍ يَطُولُ اسْتِمْتَاعُ بَنِي آدَمَ وَبَنِي إِبْلِيسَ بِهَا ، وَذَلِكَ إِلَى أَنْ تُبَدَّلَ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِالْآيَةِ لِمَا وَصَفْنَا ، فَالْوَاجِبُ إِذًا أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ : وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مَنَازِلُ وَمَسَاكِنُ تَسْتَقِرُّونَ فِيهَا اسْتِقْرَارَكُمْ - كَانَ - فِي السَّمَاوَاتِ ، وَفِي الْجِنَانِ فِي مَنَازِلِكُمْ مِنْهَا ، وَاسْتِمْتَاعٌ مِنْكُمْ بِهَا وَبِمَا أَخْرَجَتْ لَكُمْ مِنْهَا ، وَبِمَا جَعَلْتُ لَكُمْ فِيهَا مِنَ الْمَعَاشِ وَالرِّيَاشِ وَالزَّيْنِ وَالْمَلَاذِّ ، وَبِمَا أَعْطَيْتُكُمْ عَلَى ظَهْرِهَا أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ وَمِنْ بَعْدِ وَفَاتِكُمْ لَأَرْمَاسِكُمْ وَأَجْدَاثِكُمْ تُدْفَنُونَ فِيهَا ، وَتَبْلُغُونَ بِاسْتِمْتَاعِكُمْ بِهَا إِلَى أَنْ أُبْدِلَكُمْ بِهَا غَيْرَهَا .