تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ "

ج 1
ص 493

الآية المفسَّرة

قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 1 · ص 493

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَّرَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ عَنْ مَلَائِكَتِهِ ، بِالْأَوْبَةِ إِلَيْهِ ، وَتَسْلِيمِ عِلْمِ مَا لَمْ يَعْلَمُوهُ لَهُ ، وَتَبِرِّيهِمْ مِنْ أَنْ يَعْلَمُوا أَوْ يَعْلَمَ أَحَدٌ شَيْئًا إِلَّا مَا عَلَّمَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ . [1/494]
وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ الْعِبْرَةُ لِمَنِ اعْتَبَرَ ، وَالذِّكْرَى لِمَنِ ادَّكَرَ ، وَالْبَيَانُ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ، عَمَّا أَوْدَعَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ آيَ هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ لَطَائِفِ الْحِكَمِ الَّتِي تَعْجِزُ عَنْ أَوْصَافِهَا الْأَلْسُنُ .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ احْتَجَّ فِيهَا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ كَانَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، بِإِطْلَاعِهِ إِيَّاهُ مِنْ عُلُومِ الْغَيْبِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَطْلَعَ عَلَيْهَا مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا خَاصًّا ، وَلَمْ يَكُنْ مُدْرَكًا عِلْمُهُ إِلَّا بِالْإِنْبَاءِ وَالْإِخْبَارِ ، لِتَتَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ صِحَّةُ نُبُوَّتِهِ ، وَيَعْلَمُوا أَنَّ مَا أَتَاهُمْ بِهِ فَمِنْ عِنْدِهِ ، وَدَلَّ فِيهَا عَلَى أَنَّ كُلَّ مُخْبِرٍ خَبَرًا عَمَّا قَدْ كَانَ - أَوْ عَمَّا هُوَ كَائِنٌ مِمَّا لَمْ يَكُنْ ، وَلَمْ يَأْتِهِ بِهِ خَبَرٌ ، وَلَمْ يُوضَعْ لَهُ عَلَى صِحَّتِهِ بِرِهَانٌ - فَمُتَقَوِّلٌ مَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ مِنْ رَبِّهِ الْعُقُوبَةَ . أَلَّا تَرَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ رَدَّ عَلَى مَلَائِكَتِهِ قِيلَهُمْ : " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ " قَالَ : " إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ " وَعَرَّفَهُمْ أَنْ قِيلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا لَهُمْ ، بِمَا عَرَّفَهُمْ مِنْ قُصُورِ عِلْمِهِمْ عِنْدَ عَرْضِهِ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَسْمَاءِ ، فَقَالَ : " أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَفْزَعٌ إِلَّا الْإِقْرَارُ بِالْعَجْزِ ، وَالتَّبَرِّي إِلَيْهِ أَنْ يَعْلَمُوا إِلَّا مَا عَلَّمَهُمْ ، بِقَوْلِهِمْ : " سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا " فَكَانَ فِي ذَلِكَ أَوْضَحُ الدَّلَالَةِ وَأَبْيَنُ الْحُجَّةَ ، عَلَى كَذِبِ مَقَالَةِ كُلِّ مَنِ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عُلُومِ الْغَيْبِ مِنَ الْحُزَاةِ وَالْكَهَنَةِ وَالْعَافَةِ وَالْمُنَجِّمَةِ . وَذَكَّرَ بِهَا الَّذِينَ [1/495]وَصَفْنَا أَمْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - سَوَالِفَ نِعَمِهِ عَلَى آبَائِهِمْ ، وَأَيَادِيَهُ عِنْدَ أَسْلَافِهِمْ ، عِنْدَ إِنَابَتِهِمْ إِلَيْهِ ، وَإِقْبَالِهِمْ إِلَى طَاعَتِهِ ، مُسْتَعْطِفَهُمْ بِذَلِكَ إِلَى الرَّشَادِ ، وَمُسْتَعْتِبَهُمْ بِهِ إِلَى النَّجَاةِ . وَحَذَّرَهُمْ - بِالْإِصْرَارِ وَالتَّمَادِي فِي الْبَغْيِ وَالضَّلَالِ - حُلُولَ الْعِقَابِ بِهِمْ ، نَظِيرَ مَا أَحَلَّ بِعَدُوِّهِ إِبْلِيسَ ، إِذْ تَمَادَى فِي الْغَيِّ وَالْخَسَارِ
قَالَ : وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا " فَهُوَ كَمَا :
674 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " قَالُوا سُبْحَانَكَ " تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ يَعْلَمُ الْغَيْبَ غَيْرُهُ ، تُبْنَا إِلَيْكَ " لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا " تَبَرِّيًا مِنْهُمْ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ ، " إِلا مَا عَلَّمْتَنَا " كَمَا عَلَّمْتَ آدَمَ (نبي).
وَسُبْحَانَ مُصْدَرٌ لَا تَصَرُّفَ لَهُ . وَمَعْنَاهُ : نُسَبِّحُكَ ، كَأَنَّهُمْ قَالُوا : نُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا ، وَنُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا ، وَنُبَرِّئُكَ مِنْ أَنْ نَعْلَمَ شَيْئًا غَيْرَ مَا عَلَّمْتَنَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ : أَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبَّنَا الْعَلِيمُ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمٍ بِجَمِيعِ مَا قَدْ كَانَ وَمَا وَهُوَ كَائِنٌ ، وَالْعَالِمُ لِلْغُيُوبِ دُونَ جَمِيعِ خَلْقِكَ . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ نَفَوْا عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ : " لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا " أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عِلْمٌ إِلَّا مَا عَلَّمَهُمْ رَبُّهُمْ ، وَأَثْبَتُوا مَا نَفَوْا عَنْ أَنْفُسِهِمْ مِنْ ذَلِكَ لِرَبِّهِمْ بِقَوْلِهِمْ : " إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ " [1/496]يَعْنُونَ بِذَلِكَ الْعَالِمَ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمٍ ، إِذْ كَانَ مَنْ سِوَاكَ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا إِلَّا بِتَعْلِيمِ غَيْرِهِ إِيَّاهُ . وَالْحَكِيمُ : هُوَ ذُو الْحِكْمَةِ . كَمَا :
675 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " الْعَلِيمُ " الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ ، وَ " الْحَكِيمُ " الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حُكْمِهِ .
وَقَدْ قِيلَ ، إِنَّ مَعْنَى الْحَكِيمِ : الْحَاكِمُ ، كَمَا أَنَّ الْعَلِيمَ بِمَعْنَى الْعَالِمِ ، وَالْخَبِيرَ بِمَعْنَى الْخَابِرِ .
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ