تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَعَلَّمَ آدَمَ "

ج 1
ص 480

الآية المفسَّرة

وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 1 · ص 480

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَعَلَّمَ آدَمَ ( 31 )
640 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : بَعَثَ رَبُّ الْعِزَّةِ مَلَكَ الْمَوْتِ فَأَخَذَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ ، مِنْ عَذْبِهَا وَمَالِحِهَا ، فَخَلَقَ مِنْهُ آدَمَ (نبي). وَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَ آدَمَ . لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ .
641 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ عَلَيٍّ ، قَالَ : إِنَّ آدَمَ (نبي)خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ ، فِيهِ الطَّيِّبُ وَالصَّالِحُ وَالرَّدِيءُ ، فَكُلُّ ذَلِكَ أَنْتَ رَاءٍ فِي وَلَدِهِ ، الصَّالِحُ وَالرَّدِيءُ . [1/481]
642 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : خُلِقَ آدَمُ (نبي)مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ ، فَسُمِّيَ آدَمَ (نبي).
643 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَ آدَمَ (نبي)لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ .
644 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ لَمَّا بُعِثَ لِيَأْخُذَ مِنَ الْأَرْضِ تُرْبَةَ آدَمَ (نبي)، أَخَذَ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ وَخَلَطَ فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ ، وَأَخَذَ مِنْ تُرْبَةٍ حَمْرَاءَ وَبَيْضَاءَ وَسَوْدَاءَ ، فَلِذَلِكَ خَرَجَ بَنُو آدَمَ مُخْتَلِفِينَ . وَلِذَلِكَ سُمِّيَ آدَمَ ، لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرٌ يُحَقِّقُ مَا قَالَ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ فِي مَعْنَى آدَمَ (نبي). وَذَلِكَ مَا :
645 - حَدَّثَنِي بِهِ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ عَوْفٍ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، وَعُمَرُ بْنُ شَبَّةَ - قَالَا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ - قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ - وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا عَوْفٌ - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ - عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ ، عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ (نبي)مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ ، فَجَاءَ [1/482]بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ ، جَاءَ مِنْهُمُ الْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَبْيَضُ وَبَيْنَ ذَلِكَ ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ .
فَعَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَ " آدَمَ (نبي)" مَنْ تَأَوَّلَهُ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ " آدَمَ (نبي)" فِعْلًا سُمِّيَ بِهِ أَبُو الْبَشَرِ ، كَمَا سُمِّيَ " أَحْمَدُ " بِالْفِعْلِ مِنَ الْإِحْمَادِ ، وَ " أَسْعَدُ " مِنَ الْإِسْعَادِ ، فَلِذَلِكَ لَمَّ يُجَرَّ . وَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ حِينَئِذٍ : آدَمَ الْمَلَكُ الْأَرْضَ ، يَعْنِي بِهِ بَلَغَ أَدَمَتَهَا - وَأَدَمَتُهَا : وَجْهُهَا الظَّاهِرُ لِرَأْيِ الْعَيْنِ ، كَمَا أَنَّ جِلْدَةُ كُلِّ ذِي جِلْدَةٍ لَهُ أَدَمَةٌ . وَمِنْ ذَلِكَ سُمِّيَ الْإِدَامُ إِدَامًا ، لِأَنَّهُ صَارَ كَالْجِلْدَةِ الْعُلْيَا مِمَّا هِيَ مِنْهُ ، ثُمَّ نُقِلَ مِنَ الْفِعْلِ فَجُعِلَ اسْمًا لِلشَّخْصِ بِعَيْنِهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : الأَسْمَاءَ كُلَّهَا
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَّمَهَا آدَمَ ثُمَّ عَرَضَهَا عَلَى الْمَلَائِكَةِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا :
646 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : عَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ، وَهِيَ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الَّتِي يَتَعَارَفُ بِهَا النَّاسُ : إِنْسَانٌ وَدَابَّةٌ ، وَأَرْضٌ وَسَهْلٌ وَبَحْرٌ وَجَبَلٌ وَحِمَارٌ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْأُمَمِ وَغَيْرِهَا . . [1/483]
647 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا " قَالَ : عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ .
648 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا " قَالَ : عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ .
649 - وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ الْجَرْمِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : عَلَّمَهُ اسْمَ الْغُرَابِ وَالْحَمَامَةِ وَاسْمَ كُلِّ شَيْءٍ .
650 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ ، حَتَّى الْبَعِيرَ وَالْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ .
651 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَعْبَدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : عَلَّمَهُ اسْمَ الْقَصْعَةِ وَالْفَسْوَةِ وَالْفُسَيَّةِ .
652 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، [1/484]عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا " قَالَ : حَتَّى الْفَسْوَةَ وَالْفُسَيَّةَ .
653 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَعْبَدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا " قَالَ : عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الْهَنَةَ وَالْهُنَيَّةَ وَالْفَسْوَةَ وَالضَّرْطَةَ .
654 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : عَلَّمَهُ الْقَصْعَةَ مِنَ الْقُصَيْعَةِ ، وَالْفَسْوَةَ مِنَ الْفُسَيَّةِ .
655 - وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : " وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا " حَتَّى بَلَغَ : " إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ " قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ " فَأَنْبَأَ كُلَّ صِنْفٍ مِنَ الْخَلْقِ بِاسْمِهِ ، وَأَلْجَأَهُ إِلَى جِنْسِهِ .
656 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا " قَالَ : عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ ، هَذَا جَبَلٌ ، وَهَذَا بَحْرٌ ، وَهَذَا كَذَا وَهَذَا كَذَا ، لِكُلِّ شَيْءٍ ، ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ : أَنْبَئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ .
657 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ - وَمُبَارَكٌ ، عَنِ الْحَسَنِ - وَأَبِي بَكْرٍ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ ، [1/485]قَالَا عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ : هَذِهِ الْخَيْلُ ، وَهَذِهِ الْبِغَالُ وَالْإِبِلُ وَالْجِنُّ وَالْوَحْشُ ، وَجَعَلَ يُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ بِاسْمِهِ .
658 - وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، قَالَ : اسْمُ كُلِّ شَيْءٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : عَلَّمَ آدَمَ (نبي)الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ، أَسْمَاءَ الْمَلَائِكَةِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
659 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَوْلُهُ : " وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا " قَالَ : أَسْمَاءَ الْمَلَائِكَةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ ذُرِّيَّتِهِ كُلَّهَا .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
660 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبِدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : " وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا " قَالَ : أَسْمَاءَ ذُرِّيَّتِهِ أَجْمَعِينَ .
وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ ، وَأَشْبَهُهَا بِمَا دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِهِ : " وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا " إِنَّهَا أَسْمَاءُ ذَرِّيَّتِهِ وَأَسْمَاءُ الْمَلَائِكَةِ ، دُونَ أَسْمَاءِ سَائِرِ أَجْنَاسِ الْخَلْقِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ : " ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ " يَعْنِي بِذَلِكَ أَعْيَانَ الْمُسَمَّيْنَ بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَّمَهَا آدَمَ (نبي). وَلَا تَكَادُ الْعَرَبُ تُكَنِّي بِالْهَاءِ وَالْمِيمِ إِلَّا عَنْ أَسْمَاءِ بَنِي آدَمَ وَالْمَلَائِكَةِ . وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ عَنْ أَسْمَاءِ الْبَهَائِمِ وَسَائِرِ الْخَلْقِ سِوَى مَنْ وَصَفْنَاهَا ، فَإِنَّهَا تُكَنِّي عَنْهَا بِالْهَاءِ وَالْأَلْفِ أَوْ بِالْهَاءِ وَالنُّونِ ، فَقَالَتْ : " عَرَضَهُنَّ " أَوْ " عَرَضَهَا " وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ إِذَا كَنَّتْ عَنْ أَصْنَافٍ [1/486]مِنَ الْخَلْقِ كَالْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ وَسَائِرِ أَصْنَافِ الْأُمَمِ وَفِيهَا أَسْمَاءُ بَنِي آدَمَ وَالْمَلَائِكَةِ ، فَإِنَّهَا تُكَنِّي عَنْهَا بِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْهَاءِ وَالنُّونِ أَوَ الْهَاءِ وَالْأَلِفِ . وَرُبَّمَا كَنَّتْ عَنْهَا ، إِذَا كَانَ كَذَلِكَ بِالْهَاءِ وَالْمِيمِ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ [ سُورَةُ النُّورِ : 45 ] ، فَكَنَّى عَنْهَا بِالْهَاءِ وَالْمِيمِ ، وَهِيَ أَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةٌ فِيهَا الْآدَمِيُّ وَغَيْرُهُ . وَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا ، فَإِنَّ الْغَالِبَ الْمُسْتَفِيضَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَا وَصَفْنَا ، مِنْ إِخْرَاجِهِمْ كِنَايَةَ أَسْمَاءِ أَجْنَاسِ الْأُمَمِ - إِذَا اخْتَلَطَتْ - بِالْهَاءِ وَالْأَلْفِ أَوَ الْهَاءِ وَالنُّونِ . فَلِذَلِكَ قُلْتُ : أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ أَنْ تَكُونَ الْأَسْمَاءُ الَّتِي عَلَّمَهَا آدَمَ (نبي)أَسْمَاءَ أَعْيَانِ بَنِي آدَمَ وَأَسْمَاءَ الْمَلَائِكَةِ ، وَإِنْ كَانَ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ جَائِزًا عَلَى مِثَالِ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ قَوْلِهِ : " وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ " الْآيَةَ . وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهَا فِي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ : " ثُمَّ عَرَضَهُنَّ " وَأَنَّهَا فِي حَرْفِ أُبَيٍّ : " ثُمَّ عَرَضَهَا "
وَلَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تَأَوَّلَ مَا تَأَوَّلَ مِنْ قَوْلِهِ : عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الْفَسْوَةَ وَالْفُسَيَّةَ ، عَلَى قِرَاءَةِ أُبَيٍّ ، فَإِنَّهُ فِيمَا بَلَغَنَا كَانَ يَقْرَأُ قِرَاءَةَ أُبَيٍّ . وَتَأْوِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - عَلَى مَا حُكِيَ عَنْ أُبَيٍّ مِنْ قِرَاءَتِهِ - غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ ، بَلْ هُوَ صَحِيحٌ مُسْتَفِيضٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَصْفِي ذَلِكَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا التَّأْوِيلَ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْآيَةِ ، عَلَى قِرَاءَتِنَا وَرَسْمِ مُصْحَفِنَا ، وَأَنَّ قَوْلَهُ : " ثُمَّ عَرَضَهُمْ " بِالدَّلَالَةِ عَلَى بَنِي آدَمَ وَالْمَلَائِكَةِ ، [1/487]أَوْلَى مِنْهُ بِالدَّلَالَةِ عَلَى أَجْنَاسِ الْخَلْقِ كُلِّهَا ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ فَاسِدٍ أَنْ يَكُونَ دَالًّا عَلَى جَمِيعِ أَصْنَافِ الْأُمَمِ ، لِلْعِلَلِ الَّتِي وَصَفْنَا .
وَيَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : " ثُمَّ عَرَضَهُمْ " ثُمَّ عَرَضَ أَهْلَ الْأَسْمَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ " نَحْوَ اخْتِلَافِهِمْ فِي قَوْلِهِ : " وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا " وَسَأَذْكُرُ قَوْلَ مَنِ انْتَهَى إِلَيْنَا عَنْهُ فِيهِ قَوْلٌ .
661 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ " ثُمَّ عَرَضَ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ ، يَعْنِي أَسْمَاءَ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ ، الَّتِي عَلَّمَهَا آدَمَ (نبي)مِنْ أَصْنَافِ جَمِيعِ الْخَلْقِ .
662 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبَى صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ثُمَّ عَرَضَهُمْ " ثُمَّ عَرَضَ الْخَلْقَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ .
663 - وَحَدَّثَنِي يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : أَسْمَاءُ ذُرِّيَّتِهِ كُلِّهَا ، أَخَذَهُمْ مِنْ ظَهْرِهِ . قَالَ : ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ .
664 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : " ثُمَّ عَرَضَهُمْ " قَالَ : عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ ، ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ . [1/488]
665 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " ثُمَّ عَرَضَهُمْ " عَرَضَ أَصْحَابِ الْأَسْمَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ
666 - وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ " يَعْنِي عَرَضَ الْأَسْمَاءَ ، الْحَمَامَةَ وَالْغُرَابَ .
667 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، - وَمُبَارَكٌ عَنِ الْحَسَنِ - وَأَبِي بَكْرٍ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ - قَالَا عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ : هَذِهِ الْخَيْلُ ، وَهَذِهِ الْبِغَالُ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَجَعَلَ يُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ بِاسْمِهِ ، وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ أُمَّةٌ أُمَّةٌ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " أَنْبَئُونِي " : أَخْبِرُونِي ، كَمَا :
668 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " أَنْبَئُونِي " يَقُولُ : أَخْبَرُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ .
وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ : [1/489]
وَأَنْبَأَهُ الْمُنَبِّئُ أَنَّ حَيًّا حُلُولٌ مِنْ حَرَامٍ أَوْ جُذَامِ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " أَنْبَأَهُ " : أَخْبَرَهُ وَأَعْلَمَهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ :
669 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ حَدَّثَنَا عِيسَى - وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ " قَالَ : بِأَسْمَاءِ هَذِهِ الَّتِي حَدَّثْتُ بِهَا آدَمَ (نبي).
670 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " يَقُولُ : بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ الَّتِي حَدَّثْتُ بِهَا آدَمَ (نبي).
[1/490]الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 31 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ .
671 - فَحَدَّثْنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لِمَ أَجْعَلُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً .
672 - وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " أَنَّ بَنِي آدَمَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ .
673 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ - وَمُبَارَكٌ عَنِ الْحَسَنِ - وَأَبِي بَكْرٍ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ - قَالَا " أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " أَنِّي لَمْ أَخْلُقْ خَلْقًا إِلَّا كُنْتُمْ أَعْلَمَ مِنْهُ ، فَأَخْبَرُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، تَأْوِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ . وَمَعْنَى ذَلِكَ : فَقَالَ أَنْبَئُونِي بِأَسْمَاءِ مَنْ عَرَضْتُهُ عَلَيْكُمْ أَيَّتُهَا الْمَلَائِكَةُ الْقَائِلُونَ : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ مَنْ غَيْرِنَا ، أَمْ مِنَّا ؟ فَنَحْنُ نَسْبِّحُ بِحَمْدِكَ [1/491]وَنُقَدِّسُ لَكَ ؟ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي قِيلِكُمْ أَنِّي إِنْ جَعَلْتُ خَلِيفَتِي فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِكُمْ عَصَانِي ذُرِّيَّتُهُ وَأَفْسَدُوا فِيهَا وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ ، وَإِنْ جَعَلْتُكُمْ فِيهَا أَطَعْتُمُونِي ، وَاتَّبَعْتُمْ أَمْرِي بِالتَّعْظِيمِ لِي وَالتَّقْدِيسِ . فَإِنَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ أَسْمَاءَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَرَضْتُهُمْ عَلَيْكُمْ مِنْ خَلْقِي ، وَهُمْ مَخْلُوقُونَ مَوْجُودُونَ تَرَوْنَهُمْ وَتُعَايِنُونَهُمْ ، وَعَلِمَهُ غَيْرُكُمْ بِتَعْلِيمِي إِيَّاهُ ، فَأَنْتُمْ بِمَا هُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مِنَ الْأُمُورِ الْكَائِنَةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ بَعْدُ ، وَبِمَا هُوَ مُسْتَتِرٌ مِنَ الْأُمُورِ - الَّتِي هِيَ مَوْجُودَةٌ - عَنْ أَعْيُنِكُمْ أَحْرَى أَنْ تَكُونُوا غَيْرَ عَالِمَيْنِ ، فَلَا تَسْأَلُونِي مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ، فَإِنِّي أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُكُمْ وَيُصْلِحُ خَلْقِي .
وَهَذَا الْفِعْلُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِمَلَائِكَتِهِ - الَّذِينَ قَالُوا لَهُ : " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا " مِنْ جِهَةِ عِتَابِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ إِيَّاهُمْ - نَظِيرُ قَوْلِهِ جَلَّ جَلَالُهُ لِنَبِيِّهِ نُوحٍ (نبي)صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِذْ قَالَ : رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [ سُورَةُ هُودٍ : 45 ] - : فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [ سُورَةُ هُودٍ : 46 ] . فَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ سَأَلَتْ رَبَّهَا أَنْ تَكُونَ خُلَفَاءَهُ فِي الْأَرْضِ لِيُسَبِّحُوهُ وَيُقَدِّسُوهُ فِيهَا ، إِذْ كَانَ ذُرِّيَّةُ مَنْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ جَاعِلُهُ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ، يُفْسِدُونَ فِيهَا وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ ، فَقَالَ لَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ : " إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ " يَعْنِي بِذَلِكَ : إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَكُمْ فَاتِحُ الْمَعَاصِي وَخَاتِمُهَا ، وَهُوَ إِبْلِيسُ ، مُنْكِرًا بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَوْلَهُمْ . ثُمَّ عَرَّفَهُمْ مَوْضِعَ هَفْوَتِهِمْ فِي قِيلِهِمْ مَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ ، بِتَعْرِيفِهِمْ قُصُورَ عِلْمِهِمْ عَمَّا هُمْ لَهُ شَاهِدُونَ عِيَانًا ، فَكَيْفَ بِمَا لَمْ يَرَوْهُ وَلَمْ يُخْبَرُوا عَنْهُ ؟ بِعَرْضِهِ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ خَلْقِهِ الْمَوْجُودِينَ يَوْمَئِذٍ ، وَقِيلِهِ لَهُمْ : " أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " [1/492]أَنَّكُمْ إِنِ اسْتَخْلَفْتُكُمْ فِي أَرْضِي سَبَّحْتُمُونِي وَقَدَّسْتُمُونِي ، وَإِنِ اسْتَخْلَفْتُ فِيهَا غَيْرَكُمْ عَصَانِي ذُرِّيَّتُهُ وَأَفْسَدُوا وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ . فَلَمَّا اتَّضَحَ لَهُمْ مَوْضِعَ خَطَأِ قِيلِهِمْ ، وَبَدَتْ لَهُمْ هَفْوَةَ زَلَّتِهِمْ ، أَنَابُوا إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ فَقَالُوا : " سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا " فَسَارَعُوا الرَّجْعَةِ مِنَ الْهَفْوَةِ ، وَبَادَرُوا الْإِنَابَةَ مِنَ الزَّلَّةِ ، كَمَا قَالَ نُوحٌ (نبي)- حِينَ عُوتِبَ فِي مَسْأَلَتِهِ فَقِيلَ لَهُ : لَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ - : رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ سُورَةُ هُودٍ : 47 ] . وَكَذَلِكَ فِعْلُ كُلِّ مُسَدَّدٍ لِلْحَقِّ مُوَفَّقٍ لَهُ - سَرِيعَةٌ إِلَى الْحَقِّ إِنَابَتُهُ ، قَرِيبَةٌ إِلَيْهِ أَوْبَتُهُ .
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّ قَوْلَهُ : " أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ ادَّعَوْا شَيْئًا ، إِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ جَهْلِهِمْ بِعِلْمِ الْغَيْبِ ، وَعِلْمِهِ بِذَلِكَ وَفَضْلِهِ ، فَقَالَ : " أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : " أَنْبِئْنِي بِهَذَا إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ " وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ، يُرِيدُ أَنَّهُ جَاهِلٌ .
وَهَذَا قَوْلٌ إِذَا تَدَبَّرَهُ مُتَدَبِّرٌ ، عَلِمَ أَنَّ بَعْضَهُ مُفْسِدٌ بَعْضًا . وَذَلِكَ أَنَّ قَائِلَهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ ، إِذْ عَرَضَ عَلَيْهِمْ أَهْلَ الْأَسْمَاءِ : أَنْبَئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ، وَلَا هُمُ ادَّعَوْا عِلْمَ شَيْءٍ يُوجِبُ أَنْ يُوَبَّخُوا بِهَذَا الْقَوْلِ .
وَزَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ : " إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " نَظِيرُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ : " أَنْبِئْنِي بِهَذَا إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ " وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ، يُرِيدُ أَنَّهُ جَاهِلٌ .
وَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : " إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " إِنَّمَا هُوَ : إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ، إِمَّا فِي قَوْلِكُمْ ، وَإِمَّا فِي فِعْلِكُمْ . لِأَنَّ الصِّدْقَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، إِنَّمَا هُوَ صِدْقٌ فِي الْخَبَرِ لَا فِي [1/493]الْعِلْمِ . وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ فِي لُغَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ أَنْ يُقَالَ : صَدَقَ الرَّجُلُ بِمَعْنَى عَلِمَ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ ، عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِ هَذَا الَّذِي حَكَيْنَا قَوْلَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : " أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ غَيْرُ صَادِقِينَ ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ . وَذَلِكَ هُوَ عَيْنُ مَا أَنْكَرَهُ ، لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَدَّعِ شَيْئًا ، فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ : إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ، فَأَنْبَئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ ؟ هَذَا مَعَ خُرُوجِ هَذَا الْقَوْلِ - الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ صَاحِبِهِ - مِنْ أَقْوَالِ جَمِيعِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ وَالتَّفْسِيرِ .
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ : " إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " بِمَعْنَى : إِذْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ .
وَلَوْ كَانَتْ " إِنْ " بِمَعْنَى " إِذْ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، لَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهَا بِفَتْحِ أَلِفِهَا ، لِأَنَّ " إِذْ " إِذَا تَقَدَّمَهَا فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ صَارَتْ عِلَّةً لِلْفِعْلِ وَسَبَبًا لَهُ . وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ : " أَقُومُ إِذْ قُمْتَ " فَمَعْنَاهُ أَقْوَمُ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ قُمْتَ . وَالْأَمْرُ بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ ، لَوْ كَانَتْ " إِنْ " بِمَعْنَى " إِذْ " : أَنْبَئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمْ صَادِقُونَ . فَإِذَا وُضِعَتْ " إِنْ " مَكَانَ ذَلِكَ قِيلَ : أَنْبَئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ أَنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ، مَفْتُوحَةَ الْأَلِفِ . وَفِي إِجْمَاعِ جَمِيعِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى كَسْرِ الْأَلْفِ مِنْ " إِنْ " دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى خَطَأِ تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ " إِنْ " بِمَعْنَى " إِذْ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .