تفسير الطبري

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ "

ج 1
ص 373

الآية المفسَّرة

وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَـزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

المرجع

الناشر
دار المعارف
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
أربعة وعشرون جزءا
موضع الطبعة
ج 1 · ص 373

النص

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَـزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ( 23 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ احْتِجَاجٌ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُشْرِكِي قَوْمِهِ مِنَ الْعَرَبِ وَمُنَافِقِيهِمْ ، وَكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَضُلَّالِهِمُ الَّذِينَ افْتَتَحَ بِقِصَصِهِمْ قَوْلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ " وَإِيَّاهُمْ يُخَاطِبُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ ، وَضُرَبَاءَهُمْ يَعْنِي بِهَا ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ كُنْتُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْعَرَبِ وَالْكُفَّارُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ ، فِي شَكٍّ - وَهُوَ الرَّيْبُ - مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النُّورِ وَالْبُرْهَانِ وَآيَاتِ الْفُرْقَانِ : أَنَّهُ مِنْ عِنْدِي ، وَأَنِّي الَّذِي أَنْزَلْتُهُ إِلَيْهِ ، فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ وَلَمْ تُصَدِّقُوهُ فِيمَا يَقُولُ ، فَأْتُوْا بِحُجَّةٍ تَدْفَعُ حُجَّتَهُ ، لِأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حُجَّةَ كُلِّ ذِي نُبُوَّةٍ عَلَى صِدْقِهِ فِي دَعْوَاهُ النُّبُوَّةَ أَنْ يَأْتِيَ بِبُرْهَانٍ يَعْجِزُ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ جَمِيعُ الْخَلْقِ . وَمِنْ حُجَّةِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صِدْقِهِ ، وَبُرْهَانِهِ عَلَى حَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِي - عَجْزُ جَمِيعِكُمْ وَجَمِيعِ مَنْ تَسْتَعِينُونَ بِهِ مِنْ أَعْوَانِكُمْ وَأَنْصَارِكُمْ عَنْ أَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ . وَإِذَا عَجَزْتُمْ عَنْ ذَلِكَ - وَأَنْتُمْ أَهْلُ الْبَرَاعَةِ فِي الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ وَالذَّرَابَةِ - فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ غَيْرَكُمْ عَمَّا عَجَزْتُمْ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ أَعْجَزُ . كَمَا كَانَ بُرْهَانُ مَنْ سَلَفَ مِنْ رُسُلِي وَأَنْبِيَائِي عَلَى صِدْقِهِ ، وَحُجَّتُهُ عَلَى نُبُوَّتِهِ مِنَ الْآيَاتِ ، مَا يَعْجِزُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ جَمِيعُ خَلْقِي . فَيَتَقَرَّرُ حِينَئِذٍ عِنْدَكُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا (نبي)لَمْ يَتَقَوَّلْهُ وَلَمْ يَخْتَلِقْهُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مِنْهُ اخْتِلَاقًا وَتَقَوُّلًا لَمْ تَعْجِزُوا وَجَمِيعُ خَلْقِي عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ . لِأَنَّ مُحَمَّدًا (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْدُ أَنْ يَكُونَ بَشَرًا مِثْلَكُمْ ، وَفِي مِثْلِ حَالِكُمْ فِي الْجِسْمِ وَبَسْطَةِ الْخَلْقِ وَذَرَابَةِ اللِّسَانِ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ اقْتِدَارٌ عَلَى مَا عَجَزْتُمْ عَنْهُ ، أَوْ يُتَوَهَّمَ مِنْكُمْ عَجْزٌ عَمَّا اقْتَدَرَ عَلَيْهِ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ "
491 - فَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : " فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ " يَعْنِي : مِنْ مِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ حَقًّا وَصِدْقًا ، لَا بَاطِلَ فِيهِ وَلَا كَذِبَ .
492 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا [1/374]مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ " يَقُولُ : بِسُورَةٍ مِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ .
493 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ " مِثْلِ الْقُرْآنِ .
494 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
495 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ " قَالَ : " مِثْلِهِ " مِثْلِ الْقُرْآنِ .
فَمَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا عَنْهُمَا : أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ قَالَ لِمَنْ حَاجَّهُ فِي نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْكُفَّارِ : فَأَتَوْا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كَلَامِكُمْ أَيَّتُهَا الْعَرَبُ ، كَمَا أَتَى بِهِ مُحَمَّدٌ (نبي)بِلُغَاتِكُمْ وَمَعَانِي مَنْطِقِكُمْ .
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ آخَرُونَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : " فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ " مِنْ مِثْلِ مُحَمَّدٍ (نبي)مِنَ الْبَشَرِ ، لِأَنَّ مُحَمَّدًا (نبي)بَشَرٌ مِثْلُكُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ هُوَ التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ فِي سُورَةٍ أُخْرَى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [ سُورَةُ يُونُسَ : 38 ] ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ السُّورَةَ لَيْسَتْ لِمُحَمَّدٍ (نبي)بِنَظِيرٍ وَلَا شَبِيهٍ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِ مُحَمَّدٍ (نبي).
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّكَ ذَكَرْتَ أَنَّ اللَّهَ عَنَى بِقَوْلِهِ " فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ " [1/375]مِنْ مِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ ، فَهَلْ لِلْقُرْآنِ مِنْ مِثْلٍ فَيُقَالُ : ائْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ؟
قِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِهِ : ائْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مَثْلِهِ فِي التَّأْلِيفِ وَالْمَعَانِي الَّتِي بَايَنَ بِهَا سَائِرَ الْكَلَامِ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا عَنَى : ائْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فِي الْبَيَانِ ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ أَنْزَلَهُ اللَّهُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ ، فَكَلَامُ الْعَرَبِ لَا شَكَّ لَهُ مِثْلٌ فِي مَعْنَى الْعَرَبِيَّةِ . فَأَمَّا فِي الْمَعْنَى الَّذِي بَايَنَ بِهِ الْقُرْآنُ سَائِرَ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ ، فَلَا مِثْلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ وَلَا نَظِيرَ وَلَا شَبِيهَ .
وَإِنَّمَا احْتَجَّ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِمْ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا احْتَجَّ بِهِ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ ، إِذْ ظَهَرَ عَجْزُ الْقَوْمِ عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فِي الْبَيَانِ ، إِذْ كَانَ الْقُرْآنُ بَيَانًا مِثْلَ بَيَانِهِمْ ، وَكَلَامًا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ ، فَقَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ أَنَّ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى عَبْدِي مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ عِنْدِي ، فَأْتُوْا بِسُورَةٍ مِنْ كَلَامِكُمُ الَّذِي هُوَ مِثْلُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، إِذْ كُنْتُمْ عَرَبًا ، وَهُوَ بَيَانٌ نَظِيرُ بَيَانِكُمْ ، وَكَلَامٌ شَبِيهُ كَلَامِكُمْ . فَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ غَيْرِ اللِّسَانِ الَّذِي هُوَ نَظِيرُ اللِّسَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ ، فَيَقْدِرُوا أَنْ يَقُولُوا : كَلَّفَتْنَا مَا لَوْ أَحْسَنَّاهُ أَتَيْنَا بِهِ ، وَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ لِأَنَّا لَسْنَا مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ الَّذِي كَلَّفْتَنَا الْإِتْيَانَ بِهِ ، فَلَيْسَ لَكَ عَلَيْنَا بِهَذَا حُجَّةٌ . لِأَنَّا وَإِنْ عَجْزَنَا عَنْ أَنْ نَأْتِيَ بِمِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَلْسِنَتِنَا ؛ لِأَنَّا لَسْنَا مِنْ أَهْلِهِ ، فَفِي النَّاسِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ لِسَانِنَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ مِنَ اللِّسَانِ الَّذِي كَلَّفْتَنَا الْإِتْيَانَ بِهِ . وَلَكِنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ لَهُمُ : ائْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ، لِأَنَّ مِثْلَهُ مِنَ الْأَلْسُنِ أَلْسُنُكُمْ ، وَأَنْتُمْ - إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ (نبي)اخْتَلَقَهُ وَافْتَرَاهُ إِذَا اجْتَمَعْتُمْ وَتَظَاهَرْتُمْ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنْهُ مِنْ لِسَانِكُمْ وَبَيَانِكُمْ - [1/376]أَقْدَرُ عَلَى اخْتِلَاقِهِ وَرَصْفِهِ وَتَأْلِيفِهِ مِنْ مُحَمَّدٍ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أَقْدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُ ، فَلَنْ تَعْجِزُوا - وَأَنْتُمْ جَمِيعٌ - عَمَّا قَدَرَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ (نبي)مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ وَحِيدٌ ، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي دَعْوَاكُمْ وَزَعْمِكُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا (نبي)افْتَرَاهُ وَاخْتَلَقَهُ ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِي .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 23 )
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِمَا :
496 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَمِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ " يَعْنِي أَعْوَانَكُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ .
497 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ " نَاسٌ يَشْهَدُونَ .
498 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ .
499 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : قَوْمٌ يَشْهَدُونَ لَكُمْ . [1/377]
500 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : " وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ " قَالَ : نَاسٌ يَشْهَدُونَ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : " شُهَدَاءَكُمْ " عَلَيْهَا إِذَا أَتَيْتُمْ بِهَا أَنَّهَا مَثْلُهُ ، مِثْلُ الْقُرْآنِ .
وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ لِمَنْ شَكَّ مِنَ الْكَفَّارِ فِيمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَوْلُهُ " فَادْعُوا " يَعْنِي : اسْتَنْصِرُوا وَاسْتَغِيثُوا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
فَلَمَّا الْتَقَتْ فُرْسَانُنَا وَرِجَالُهُمْ دَعَوْا يَا لَكَعْبٍ وَاعْتَزَيْنَا لِعَامِرِ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " دَعَوْا يَا لَكَعْبٍ " اسْتَنْصَرُوا كَعْبًا وَاسْتَغَاثُوا بِهِمْ .
وَأَمَّا الشُّهَدَاءُ فَإِنَّهَا جَمْعُ شَهِيدٍ ، كَمَا الشُّرَكَاءُ جَمْعُ شَرِيكٍ ، وَالْخُطَبَاءُ جَمْعُ خَطِيبٍ . وَالشَّهِيدُ يُسَمَّى بِهِ الشَّاهِدُ عَلَى الشَّيْءِ لِغَيْرِهِ بِمَا يُحَقِّقُ دَعْوَاهُ . وَقَدْ يُسَمَّى بِهِ الْمُشَاهِدُ لِلشَّيْءِ ، كَمَا يُقَالُ : فُلَانٌ جَلِيسُ فُلَانٍ يَعْنِي بِهِ مُجَالِسَهُ ، وَنَدِيمَهُ يَعْنِي بِهِ مُنَادِمَهُ ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ : شَهِيدُهُ يَعْنِي بِهِ مُشَاهِدَهُ .
فَإِذَا كَانَتْ " الشُّهَدَاءُ " مُحْتَمِلَةً أَنْ تَكُونَ جَمْعَ " الشَّهِيدِ " الَّذِي هُوَ مُنْصَرِفٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفْتُ ، فَأَوْلَى وَجْهَيْهِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : وَاسْتَنْصِرُوا عَلَى أَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ أَعْوَانَكُمْ وَشُهَدَاءَكُمَ الَّذِينَ يُشَاهِدُونَكُمْ وَيُعَاوِنُونَكُمْ عَلَى تَكْذِيبِكُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَيُظَاهِرُونَكُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ وَنِفَاقِكُمْ ، إِنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ فِي جُحُودِكُمْ أَنَّ مَا جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتِلَاقٌ وَافْتِرَاءٌ ، لِتَمْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ وَغَيْرَكُمْ ، هَلْ تَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ [1/378]مِثْلِهِ ، فَيَقْدِرَ مُحَمَّدٌ (نبي)عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ اخْتِلَاقًا ؟
وَأَمَّا مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْنَافًا ثَلَاثَةً : أَهْلَ إِيمَانٍ صَحِيحٍ ، وَأَهْلَ كُفْرٍ صَحِيحٍ ، وَأَهْلَ نِفَاقٍ بَيْنَ ذَلِكَ . فَأَهْلُ الْإِيمَانِ كَانُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُؤْمِنِينَ ، فَكَانَ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَدَّعِيَ الْكُفَّارُ أَنَّ لَهُمْ شُهَدَاءَ عَلَى حَقِيقَةِ مَا كَانُوا يَأْتُونَ بِهِ ، لَوْ أَتَوْا بِاخْتِلَاقٍ مِنَ الرِّسَالَةِ ، ثُمَّ ادَّعَوْا أَنَّهُ لِلْقُرْآنِ نَظِيرٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَأَمَّا أَهْلُ النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ لَوْ دُعُوا إِلَى تَحْقِيقِ الْبَاطِلِ وَإِبْطَالِ الْحَقِّ لَتَتَارَعُوا إِلَيْهِ مَعَ كُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ ، فَمِنْ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ كَانَتْ تَكُونُ شُهَدَاؤُهُمْ لَوِ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ قَدْ أَتَوْا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِ الْقُرْآنِ ؟
وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 88 ] فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، أَنَّ مِثْلَ الْقُرْآنِ لَا يَأْتِي بِهِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَلَوْ تَظَاهَرُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ ، وَتَحَدَّاهُمْ بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ لَهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَقَالَ تَعَالَى : " وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَـزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " يَعْنِي بِذَلِكَ : إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ فِي صِدْقِ مُحَمَّدٍ (نبي)فِيمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي أَنَّهُ مِنْ عِنْدِي فَأَتَوْا بِسُورَةٍ [1/379]مِنْ مِثْلِهِ ، وَلِيَسْتَنْصِرْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي زَعْمِكُمْ ، حَتَّى تَعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِذْ عَجَزْتُمْ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مُحَمَّدٌ (نبي)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا مِنَ الْبَشَرِ أَحَدٌ ، وَيَصِحُّ عِنْدَكُمْ أَنَّهُ تَنْزِيلِي وَوَحْيِي إِلَى عَبْدِي .